| Email: elie@kobayat.org |
|
Back to Table of Contents |
|
الجزء الأول:
ـ
الفصل الأول : نشأة الشيخ أنطونيوس الجزء الثاني: الوثائق (المنشورة لأول مرة) الجزء الثالث: شهادات خطية وأقوال عن الشيخ أنطونيوس |
القامة... والقيم - الفصل الثاني زعيم في القبيات وعكار |
"عرفته شيخاً للقبيات، وزعيماً مرموقاً من زعماء منطقة عكار، بيته مفتوح أمام كل زائر وطالب مساعدة...".
السفير هنري أبو فاضل
" كان ركناً سياسياً على صعيد السياسة في الشمال. وكان مرجعية سياسية أساسية، في القبيات دائماً. ولما كان مرجعية وحيدة، سنة 1958..."
المؤرخ الدكتور فؤاد سلوم
الزعامة السياسية التي كان يمارسها اغناطيوس أفندي آلت بالوراثة إلى نجليه الشيخين سليم وانطونيوس. وكانا قد استحقاها عن جدارة، ومارسا السياسة معاً. يعضد احدهما الآخر، على أساس الاحترام الكبير المتبادل والثقة الكبيرة المتبادلة. وهذه العلاقة كانت أحد أسباب نجاحهما في العمل السياسي. وحيث أننا نتناول سيرة حياة الشيخ أنطونيوس، فمن الطبيعي أن يتم التركيز على شخصيته، وسنتكلم عن دور وموقع الشيخ سليم كلما شاركا بالقيام بعمل ما.
إذاً استحق الشيخ أنطونيوس الزعامة عن جدارة بعد أن ظهرت ملامح شخصيته القوية وذكائه وقدراته، في سن مبكرة، وكما ستزيدها الأيام وضوحاً، حيث أضاف إلى مضمون الزعامة أبعاداً جديدة. وكان الشيخ أنطونيوس قد وعى الحياة السياسية على أخبار والده وجده طنوس أفندي، ومن الخبرة العملية التي اكتسبها من وجوده اليومي مع أهله في ما كان يدعى «المنزول»، حيث كانوا يستقبلون ضيوفهم وزوارهم، يناقشون قضايا ومشاكل وشؤون تهم الجميع ـ من خدمات وحاجات الأهالي، إلى علاقاتهم مع بقية الزعماء في القبيات وعندقت والبيرة وعكار العتيقة وعيدمون وشدرا ومشتى حمود، وكل عكار. هذا بالإضافة إلى العلاقات مع القيادات الدينيّة والمسؤولين والموظفين الرسميين... في المنطقة...، وغيرها من المواضيع التي تمس حياة الجميع. وفي فترة لاحقة قرر فتح منزله الخاص للضيوف والزوار وذوي الحاجة، وآزرته في ذلك زوجته السيدة نزها، إذ كانت تشاركه الترحيب وتتولّى تكريم كل من يقصدهم، بما يليق به وبهم. في شهادته في الشيخ انطونيوس كتب السفير هنري أبو فاضل «عرفته شيخاً للقبيات، وزعيماً مرموقاً من زعماء منطقة عكار، بيته مفتوح أمام كل زائر، وطالب مساعدة. تعاونه في حياته زوجة فاضلة لم تكن يوماً تتأفف من استقبال زائر أو طالب عون...»[22].
وفي مقابلة لنا مع العميد المتقاعد فهمي حمدان، الذي كان أحد مسؤولي مجموعة الجيش اللبناني المتواجدة في القبيات عام 1958، بادر إلى الكلام عن دور «الشيخة» التي كانت تساعد الشيخ أنطونيوس وتعاونه. إذ غالباً «ما كان يدعو ضيوفاً إلى العشاء بموعد أو بدونه. ولم نرَ الشيخة تتذمر أبداً، بل كانت تظهر بعد فترة من الوقت، وكأنها كانت مستعدة لأن البيت كان مفتوح ومضياف»[23].
كان الشيخ انطونيوس يحترم كل إنسان، ويبادر إلى السلام على الجميع، ولو كانوا اصغر منه سناً، أو كانوا لا يشاطرونه رأيه وسياسته. كان يحترم حتى خصومه السياسيين، فاكتسب احترام الجميع، لا بل تعاونهم في بعض المناسبات. الشيخ اسكندر غصن، احد خصومه السياسيين السابقين، يقول عنه "أتمنى أن يكون هناك مثله عشرة زعماء على الأقل. أولاً كان ذكياً. ثانياً كان ابن بيت. ثالثاً كان مشغولاَ بالسياسة الصحيحة التي ليس فيها طلعات ونزلات. كان يخدم الجميع وكان عنده حب كبير لصداقاته. حتى خصومه السياسيين كانوا أصدقاءه"[24] وتضيف زوجته السيدة حواء فرنجية التي شاركت في الحديث "إن الشيخ انطونيوس أودم شخص. لأنه صديق جدي. وإذا تكلمت معه تصل إلى نتيجة .. لم أكن اعرفه، إنّما المكتوب يقرأ من عنوانه. الذي عرفته عنه كان من يوسف (الشيخ يوسف سليم غصن) ومن اسكندر (زوجها)، اللذان كانا يقدرانه جداً. كان يوسف يقول لي أن من يضع يده بيد الشيخ انطونيوس يكون محظوظاً. كان يعامل الناس بأسلوب يحبه الجميع...كان مقنعاً في كلامه. وعندما كانوا يتكلمون في عائلتنا (آل فرنجية) عن آل الضاهر كانوا يذكرون الشيخ انطونيوس أولاً[25] ". في أكثر من مناسبة روى الشيخ انطونيوس لنا ولزوّاره ما حصل له مرّة مع خصمه السياسي الشيخ يوسف سليم غصن قائلاً: حضر ذات يوم الأب لوران فارس لزيارتنا أثناء فترة انتخابات، وطلب مقابلتي على حدة، فدخلنا إلى الصالون، حيث جلسنا معاً. بعدها قال لي الأب لوران إنّ الشيخ يوسف يهديك السلام، وقد أرسل لك هذه الصورة. فتناولها منه وتطلعت إلى صاحبها ثم قلبتها لأرى ما هو مكتوب على ظهرها، فعرفت أنها موقّعة مني وان خطأ قد حصل، إذ سجلت أسماً غير أسم صاحب الصورة. وفوراً رديتها له دون أن اذكر شيئاً. وإزاء تعجبه وسؤاله عن عدم اهتمامي بهذا الموضوع، رديت بسرعة "لو كان الشيخ يوسف يريد الأذى لما أرسلها لي". وهذه الحادثة يعرفها العديد من أبناء القبيات.
حادثة أخرى نوردها هنا لأنها بالغة الأهمية في نظرنا.في لقاء لنا مع السيد رزق الله حنا، أحد مؤيدي الشيخ يوسف سليم غصن، والذي كان يرافقه في زياراته للشيخ انطونيوس، قال لنا "أثناء ثورة 1958 تسربت أخبار إلى الشيخ يوسف أن الثوار كانوا سيهاجمون القبيات، وأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا زعماء القبيات، وخاصة الشيخ انطونيوس، كرهائن، لتقوية مواقعهم قبل الهجوم، والمساومة مع أهالي القبيات على هذا الأساس. فقال لي أن أذهب إلى الشيخ انطونيوس مساء ذلك اليوم وأخبره بما سمعه، وأطلب إليه عدم مغادرة البيت. فذهبت وكان المرحومان مخول عيسى الشدياق ويوسف مارون في زيارته، فنقلت إليه الخبر. وبعد يومين طلب الثوار لقاءً مع مشايخ القبيات، في مكان قرب المطحنة، على طريق حي القطلبة. لكن ذلك اللقاء لم يتم.". وأنهى السيد حنا حديثه بالقول: "كان الاثنان (الشيخان يوسف وانطونيوس) على علاقة جيدة، لكن في السياسة كان كل واحد يذهب في طريقه"[26]، وحيث أن فترة الثورة تلك كانت حبلى بالأحداث الهامّة، نرى من المناسب أن نذكر هنا ما اخبرنا به نائب عكار السابق الصديق عبد الكريم بك القدور عن إحدى مفارقات تلك الفترة. وكان له كما قال لنا، "شرف قيادة الثورة.." روى أن الثوار أوقفوا الشيخ يوسف سليم غصن في المنية بعد أن وجدوا معه كمية كبيرة من المال، كانت مرسلة من أبناء القبيات في الجيش إلى عائلاتهم. وأخذه هؤلاء إلى مكتب عبد الكريم بك في سهل عكار، فأكرم وفادته. وودعه بكل احترام. وفي هذه الأثناء وصل خبر توقيف الشيخ يوسف إلى الشيخ انطونيوس، فكتب لنا على الفور رسالة يستغرب فيها هذا العمل (الذي لم يكن مسؤولاً عنه عبد الكريم بك، وإنمّا المجموعة التي احتجزته) ويعاتبه بأسلوب ذكر الصديق النائب السابق)، كما قال لنا[27]، بقول الشاعر:
"علمتـه رمـي السهام فلما اشتد ساعده رماني"
وربطته أيضاً علاقة صداقة مع خصمه السياسي الآخر الشيخ فريد عبدو، استمرت حتى وفاته وكان يحرص هو وعائلته على المحافظة على تلك الصداقة، من خلال الزيارات المتبادلة، وخاصة من خلال مشاركتهما في الشؤون الخاصة لكليهما. فمثلاً في صيف كل عام عندما كان يحضر أبناء الشيخ فريد من فنزويلا الشيخين إيليا وراجي، لزيارة لبنان، كان الشيخ انطونيوس وعائلته يذهبون إلى منزل العائلة في حي مرتمورة للسلام عليهم، والاطمئنان عن أحوالهم.
وكان الزعيمان يلتقيان باستمرار، مع أصدقائهما، في مقهى السادة "طنوس وأديب ديب" في ساحة القبيات، كما سنرى لاحقاً. ويوم انتقل الشيخ انطونيوس إلى رحمته تعالى ونقل جثمانه إلى القبيات يوم الاثنين في 6 كانون الأول 1982، كان الشيخ فريد _ رحمه الله _ أول المستقبلين في ساحة القبيات، والحزن بادٍ على وجهه.
في إطار هذه العلاقة الطيبة التي ربطت بين العائلتين، لم نفاجأ أبداً بالموقف الايجابي اللافت الذي يستحق كل ثناء، وشكر الذي اتخذه الشيخ إيليا عندما اتصلنا به هاتفياً في أواخر صيف 1998 وسألناه إذا كان لديهم وثائق وصور عن بعض جوانب العلاقة بين والدينا، فكان جوابه العفوي والفوري انه سيطلب من ابن شقيقه الشيخ أميل أن يضع تحت تصرفنا أوراق المرحوم والده. وهذا ما تم بالفعل. فلهما شكرنا وتقديرنا.
ويقول السيد يوسف الزريبي عن العلاقة بين الشيخ انطونيوس وشقيقه من جهة، وآل عبدو من جهة ثانية "كان هنالك خصومة دائمة بين والدكم وعمكم سليم، وبين آل عبدو. ومرة كان شخص من آل مارون يعمل في منزل الشيخ جواد عبدو في حي الزواريب. وبينما كان يدق البارود في الجرن، انفجر البارود وقتل. وكان والدكم وعمكم في طرابلس، فدعت جدتكم وامرأة عمكم (لم يكن والدكم قد تزوج بعد) المستنطق على الغداء. ولما علم والدكم وعمكم عادوا فوراً إلى القبيات. عندما دخل الشيخان سليم وانطونيوس، قالت الناس في القبيات إنهم سيخربون بيت جواد عبدو. وبعد خروجهم قالوا لهما لقد سنحت الفرصة لترتاحوا منه. فرد الشيخان قائلين الخصومة لا تعني الانتقام. نحن نتخاصم لمصلحة القبيات، وليس لإلحاق الضرر لبعضنا". وعلق السيد الزريبي على تلك الحادثة قائلاً:
"أنا أقدر هذا العمل كثير كثير. إن الشخص الذي لا يضر خصمه تكون نفسه عالية"[28].
من هذه الأمثلة وغيرها، من الطبيعي أن يلاحظ الباحث أن زعماء القبيات الراحلين كانوا بعيدين عن إلحاق الأذى بعضهم ببعض وبالمؤيدين لكل منهم. لا بل كانوا يبادرون إلى المساهمة في حماية بعضهم البعض عندما تستدعي الظروف ذلك.
كان لصيقاً بأبناء منطقته وشاركهم أفراحهم وأتراحهم. وكان يحرص على القيام بواجباته الاجتماعية، خاصة أثناء التعازي بموت أحد أبناء المنطقة. فهو أحب القبيات وأهلها وكان يعتز بانتمائه إليها وبعلاقة المحبة والصداقة التي ربطته بأبنائها. ولم يكن ميالاً لمغادرة القبيات، ولو مؤقتاً، إلا عند الضرورة، وخاصة عندما تستدعي قضايا وحاجات ومشاكل الأهالي منه أن يذهب إلى حلبا وطرابلس وبيروت، لمراجعة المسؤولين المعنيين. وعندما ذهب أولاده لمتابعة دراساتهم الجامعية في العاصمة، في العام 1969، اضطر مرغماً على الانتقال إليها مع عائلته وكان يعود إلى القبيات، في الأعياد وطوال فصل الصيف. وبقي على اتصال دائم بأهلها، أما بزيارة أبناء القبيات القاطنين في بيروت لمنزلة في الأشرفية، وأما بلقاء الذين يزورون العاصمة، في مقهى "الجمهورية" أو "البرازيلية" في ساحة البرج، وأما بالهاتف. لم يكن الشيخ انطونيوس يستسيغ نسق الحياة في بيروت، والتي تختلف إلى حد كبير عن حياة القبيات، من حيث العلاقات الاجتماعية والصداقات، وغيرها: وما خفف عنه وطأة الحياة الجديدة، طبعاً بالإضافة إلى عائلته، وأبناء القبيات بشكل عام، هو وجود أقرباء وأصدقاء له كان يراهم باستمرار وفي مقدمتهم ابن عمه العقيد المتقاعد خليل ضاهر، وصديقه القديم الأستاذ وديع عطيه من بينو..
كان الشيخ انطونيوس يحظى باحترام الزعماء والأهالي على السواء. وكانت كلمته يركن إليها في اتخاذ القرارات التي تمس المصلحة العامة، وفي أكثر من مرّة، كان يكتب بخط يده الاتفاقات بين الزعماء والأهالي أو باسمهم، فيوافقون على مضمونها ويوقعوها، كما تشير العريضة المرفوعة إلى "رئيس وأعضاء مجلس بلدية القبيات" عن موضوع "جر المياه التي يستفيد منها ملاك الأراضي في أحياء "الغربية ومرتمورة والذوق وقسم من الضهر"[29]. والأمثلة الأخرى عديدة، لكننا سنكتفي بمثلين فقط، رواهما لنا السيد يوسف سركيس الزريبي الأول يتعلق بموضوع شق طريق عام القبيات، قائلاً "كان هناك مشروع لشق طريق من البيرة إلى حي مرتمورة وصولاً إلى حي الضهر في حوالي العام 1926. وقد عقد اجتماع في دير الآباء الكرمليين، من أجل هذه الغاية. وعندما علم الشيخ انطونيوس بالأمر، لم يوافق على ذلك. واقترح أن تشق الطريق من الغربية مروراً بمرتمورة، حتى حي الذوق، ومنه إلى الضهر لأنها تكون أفضل كذلك. ويمكن بلدة عيدمون أن تستفيد منها أيضاً، وهذا ما تم بالفعل"[30].
والمثل الثاني يتناول موضوع توزيع المياه بين أحياء القبيات، إذ قال "كانت تحدث مشاكل بين الغربية والذوق والضهر حول توزيع المياه.. وكان والدكم يحل الإشكالات دائماً[31].
قدم الشيخ انطونيوس كل طاقاته العقلية والسياسية والمادية لخدمة أبناء القبيات وعكار. وكان لديه إحساس مرهف بالمسؤولية تجاه من وضعوا ثقتهم، فكان يحرص على حملها بأمانة ودقّة، لذلك كان يبادر إلى مساعدة الأهالي أصحاب الحاجة، على اختلاف فئاتهم. وطوائفهم، مسلمين ومسيحيين وتأمين الخدمات لهم.
ماذا كانت تشمل تلك الخدمات؟
طبعاً كانت، بشكل عام، تمس حياة الناس ومشاكلهم اليومية. وكان الكثير منها مرتبط بإيجاد فرص عمل أو وظائف لأبناء المنطقة، في مؤسسات الدولة. وكان يشجع أبناء القبيات والمنطقة على الانخراط في الجيش لايمانه الكبير بدوره الوطني والأمني. والأوفياء لا يزالون يذكرون حتى اليوم مساعدة الشيخ انطونيوس لأنسبائهم، ونذكر منهم مختار عكار العتيقة السيّد محمد المصري وابن بلدته السيد احمد الأسعد. ومما كان مرتبطاً بمشاكل الأهالي اليوميةن نورد حادثة ذكرت لنا في أكثر من مقابلة، وهي تتعلّق بتوقيف مكارية من القبيات في سوريا، على الأرجح في بداية الأربعينات، وكان هؤلاء ينقلون كميّة من الأخشاب على البغال إلى سوريا فضبطهم رجال الجمارك السوريين وأوقفوهم، وكانوا معظمهم من أحياء ذوق التحتاني وغوايا. فلما علم الشيخ انطونيوس بتوقيفهم، بادر إلى الاتصال بأصدقائه من اجل المساعدة على إطلاقهم. وقد حمل رسالة من صديق له إلى مطران الروم الأرثوذكس في الشام من اجل هذه الغاية، وهذا الأخير كلف نائبه بالذهاب مع الشيخ انطونيوس إلى مكتب الوزير المختص. وفور وصولهما استقبلهما الوزير بالترحاب. ولما لاحظ هذا الأخير أن نائب المطران لم يظهر عليه إمارات الارتياح الكامل قال له: "يا محترم، ارتاح ويللي بدك ياه بيصير. أنت في حضرة تلميذك في الصف الثالث" عندها انشرح صدر الاثنان نائب المطران والشيخ انطونيوس.. ووفى الوزير بوعده وقام بإطلاق أبناء القبيات الموقوفين، وبعد حوالي الأسبوع اصطحبهم الشيخ انطونيوس معه من دمشق إلى القبيات حيث استقبلوا استقبالاً منقطع النظير وتروي لنا الوالدة أن أبناء غوايا ألهبوا جبل الراس ليلتها.
ثمة نوع آخر من الخدمات، ربما يلقي مزيداً من الضوء على شخصية الشيخ انطونيوس. وهذا النوع يكمن في مصالحة الناس المتخاصمين، قبل وصولهم إلى المحكمة،[32] التي كانت موجودة في حلبا، قبل أن يتخذ قرار بتأسيس محكمة في القبيات. كما كان يساهم في تأمين السكن للموظفين من مدنيين كانوا أم عسكريين، في القبيات، كما قال لنا المؤرخ الدكتور فرج زخور[33].
هذه الأعمال أو الخدمات والتي ذكرنا أمثلة قليلة جداً عنها، كان الشيخ أنكونيوس يعتبرها، هي وغيرها، "واجباته" تجاه أهله وإخوانه الأهالي في القبيات وعكار، وهي كانت تعكس القيم والتقاليد اللبنانية والعربية، التي تربى على احترامها والالتزام بها.
وكانت صداقاته ومعرفته بالعديد من المسؤولين والموظفين، على المستويات كافّة، تتيح له أن يحقق رغبته في تقديم المساعدة للناس. ومعارفه وصداقاته كانت تشمل الموظفين، وبعضهم عملوا في القبيات، مروراً ببعض المدراء العامين وطبعاً نواب ووزراء في محافظة الشمال. من الأمثلة المهمة نذكر اتصال الشيخ انطونيوس في العام 1948 بمدير عام وزارة التربية الوطنية السابق المغفور له الأستاذ جورج حيمري، الذي ربطته به علاقة احترام وتقدير، من أجل تعيين الأستاذ انطونيوس سلوم نجل صديقه السيد يوسف مخول سركيس مدرساً في مدرسة عكار العتيقة. وبتاريخ 10 أيار 1948 أصدر الأستاذ حيمري قراراً بتعيينه في المدرسة المذكورة[34].
ولم يكن يتردّد هو وبقية زعماء القبيات في الاتصال برئاسة الجمهورية عندما كانت مصالح وظروف القبيات تستدعي ذلك. وهذا ما حدث فعلاً من خلال زيارة الرئيس فؤاد شهاب قام بها وفد مؤلف من السادة: الشيخ ميشال ضاهر، الشيخ انطونيوس، الشيخ قيصر قسطون، رئيس البلدية الأسبق، الشيخ فريد عبدو، مختار حي الغربية السيد طنسه المطران ومدير مدرسة مرتمورة الأسبق الأستاذ جبرائيل دميان، كما تظهر الصورة المنشورة.
لم يكن يكترث لمال أو رفاه، بل على العكس من ذلك اضطر لبيع قسم كبير من أملاكه في القبيات (مثلاً ارض القجية في الضهر، ودوارة الأعرج قرب عين الست ـ غوايا، والكرم في مرتفعات مرتمورة ـ عيدمون.. وفي كرم شباط)، من أجل الاستمرار في تأمين الخدمات للناس، ومتطلبات العمل السياسي. إنّ العديد من أبناء مدينته يعرفون ذلك، وحتى الذين هم خارجها. فصديقه طلعت بك المحمد، ابن عم الوزير والنائب السابق بشير بك العثمان، أكّد خلال حديثه عن الشيخ انطونيوس انه "باع أملاكه في كرم شباط لخدمة الناس"[35].
تمتع الشيخ انطونيوس بمصداقية في القول والفعل، في علاقاته مع الزعماء والأهالي. وكان يهتم بالعلم والمتعلمين ويتودد إليهم، على أساس احترامه، طبعاً بالإضافة لشخصهم، لعلمهم. وكان يردد أمامنا أنه يسبق المتعلمين فبي إلقاء التحية عليهم، قبل أن يلقوها هم عليه. وكان تصرفه هذا من جملة الأسباب التي حملت الكثير من أصحاب الشهادات، على مبادلته الاحترام والود. والمثل الذي ساقه الدكتور فؤاد سلوم في شهادته[36] عن موقف مدير ثانوية القبيات السابق ورئيس دائرة المعادلات في وزارة الثقافة والتعليم العالي الأستاذ نديم جبور له أهمية خاصة، ويحل محل أمثلة أخرى.
وبالرغم من العلاقات الطيبة، لا بل المتينة، التي كانت تربطه بمعظم زعماء عكار والشمال، لم يكن يوافق، إلا مضطراً، على تدخل الغير في الشؤون الداخلية للقبيات. وقد اتخذ أكثر من مرّة مواقف عملية واضحة وضعته في مواجهة بعض السياسيين.
وفي العام 1934 تشاور هو وشقيقه الشيخ سليم ومؤيديهما، واتفقوا على ترشيح شقيقه لانتخاب رئاسة المجلس البلدي في القبيات، بالتعاون مع بقية المرشحين. وقد انتصروا هم وحلفائهم في تلك المعركة. ونظراً للعلاقات الطيبة التي كانت تربطهم بخصومهم الشيخين جواد عبدو وفريد عبدو ومؤيديهما، قام هؤلاء بزيارتهم للتهنئة، كما روى لنا الشيخ انطونيوس أكثر من مرّة وكما كرّرها لنا أبن شقيقه الشيخ جودت. وفي فترة لاحقة قام هو وشقيقه بزيارة آل عبدو في مرتمورة لتهنئتهم بالفوز في انتخابات البلدية[37].
وتشبّث الشيخ انطونيوس بكرامته وعزة نفسه واستقامته، بالرغم من صعوبة الظروف التي مر بها. وكان يعتز بالمواقف التي اتخذها، والتي تعكس حرصه الكبير على كرامته. نذكر هنا، على سبيل المثال، ما حصل بينه وبين رجل دين كان مسؤولاً في إحدى الرهبنات، عندما كان أبناؤه يدرسون في المدرسة التي تشرف عليها هذه الرهبنة. وكان رجل الدين هذا فظ الطباع. وذات يوم التقى الشيخ انطونيوس صدفة مع هذا الرجل أمام المدرسة، فقال له إنه يود التحدث إليه. فأجاب رجل الدين بشكل جافٍ، فانتفض الشيخ أنطونيوس، وقال له أمام الحضور: "بئس الظروف التي تحملني على الحديث مع شخص مثلك ولولا هذه الظروف، لو قدمت لي الملايين، لما كنت قد ألقيت التحية "على شخص مثلك".
هذا التصرُّف اللائق، وبالتالي تعاون زعماء القبيات ـ رغم خصومتهم السياسية فيما بينهم ـ حملنا في أيار 1998، وبمناسبة انتخابات المجالس البلدية والاختيارية، على الإدلاء بكلمة نشرتها صحيفتا "النهار"[38] و"الديار"[39]، "شددت فيها على أن أهلنا في مدينة القبيات سينهلون من تراث الآباء والأجداد، وذلك بتشبثهم بروح الألفة والتسامح ووحدة المجتمع، خصوصاً في مثل هذه المناسبات، كما تمّ فعلاً في فترة الثلاثينات والأربعينات، ومن خلال تنافسهم الايجابي البنّاء، من اجل الخدمة العامّة".
كان الشيخ انطونيوس في بداية أو منتصف العشرينات من عمره، عندما أصبح مختار أول للقبيات، بعد والده إغناطيوس أفندي. وإحدى الوثائق المتوافرة بين أيدينا والمؤرخة في 21 أيلول 1926 تحملنا على قول ذلك[40]. ولاحقاً في العام 1928، وتحديداً بتاريخ 13 كانون الثاني، أصدرت الحكومة قانوناً دعي "قانون المختارين"، كما تُعلمنا رسالة محافظ الشمال آنذاك، الموجّهة إلى الشيخ انطونيوس بتاريخ 2 نيسان 1928[41]. ونص هذا القانون على انتخاب المختارين والمجالس البلدية التي كان يجب أن يكون عدد أعضائها متلائماً مع عدد سكان القرية، من اثنين على الأقل في القرى التي يزيد عدد سكانها عن 50 نسمة، ومن ستة إذا زاد عددهم عن 1500 نسمة. أما البلدات التي يزيد عدد سكانها عن 3000 نسمة، فقد اعتبر كل حي منها بمثابة قرية، تنطبق عليها نفس الشروط المدوّنة أعلاه. ولم يستفد من أحكام هذه الفقرة في عكار، سوى بلدة القبيات، بحيث قسمت إلى خمسة أحياء، لكل منها مختارها ومجلسها الاختياري. وبناء على أحكام هذا القانون، جرت انتخابات صدّقت من قبل "لجنة تقييد اللوائح الانتخابية في محافظة طرابلس[42]، كما كتب محافظ الشمال آنذاك في رسالته إلى الشيخ انطونيوس بتاريخ 2 نيسان 1928، يعلمه فيها بنتائج الانتخابات[43] وحسب سجل مقررات المجلس البلدي في القبيات 1934 ـ 1938، فإن المخاتير في أحياء القبيات الخمسة في العام 1934، كانوا كما يلي:
ـ حي الأذواق: المختار الشيخ انطونيوس ضاهر.
ويشير الدكتور فرج زخور في هذا الإطار إلى مكانة المختار في المجتمع فيقول أنه "للمختار مقام مرموق بين قومه، نظراً لما أناط به القانون من مهام ومشاغل هامّة، وثيقة الصلة بالحياة اليومية للأهالي[44].
موقع الشيخ انطونيوس كمختار للقبيات ـ الذوق كان قد أضاف إلى مسؤولياته كزعيم في القبيات وعكار، مسؤوليات اخرى محددة منها: مساعدة الأهالي على انجاز معاملاتهم بالسرعة الممكنة، وتقديم المعلومات الحقيقية للجنة المساحة لتتمكن من تحديد أسماء مالكي الأراضي وتثبيتها لأصحابها الحقيقيين، دون أي استغلال لمركزه. وكان مسؤولي هذه اللجنة يقيمون في منزله.
وقد فاز معه أعضاء المجلس الاختياري. وهم، كما وردوا في رسالة المحافظ السادة إبراهيم سركيس قسطون وإبراهيم يوسف الياس وإبراهيم خطار وطنوس عبدو[45].
أول زيارة لرئيس جمهورية إلى القبيات
وعندما قرّر رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق الشيخ بشارة الخوري زيارة حلبا والقبيات في 8 تشرين الأول 1945، اختار الشيخ انطونيوس أن يتم الاستقبال في باحة منزل ابن عمه الشيخ انطونيوس مخول ضاهر. وهذا ما حدث بالفعل، مع أن مرجعاً دينياً شمالياً كان له رأي آخر. وساهم الشيخ انطونيوس في تحضير الاستقبال اللائق بمقام رئيس الج