back to Dr. Fouad Salloum page

 

الأب سيزار موراني

 

   القبيات وناحيتها

في ظلّ الحكم الصليبي

دراسة في تاريخ الفن

 

 

ترجمة د. فؤاد سلّوم

 

UNIVERSITE LE MIRAIL-TOULOUSE

عنوان الأطروحة الأصلي :

L'ARCHITECTURE RELIGIEUSE

DE COBIATH

Sous LES CROISES

Thèse pour un doctorat en histoire de l'art

Préparé par AFIF MOURANI

Sous la direction de Monsieur Yves BRUARD

Toulouse 1988

 

 

عنوان الكتاب المطبوع :

Cobiath sous les croisés

P. César Mourany

O.C.D.

 

 

Zgarta – Liban

2006

 

 

 

 ====================

 

 

 

 

الإهداء

 

إلى الروح المغرّدة في روحي

 

الأب سيزار موراني


شكرًا

إلى سيدتنا مريم العذراء،

شفيعة معظم كنائسنا في القبيّات.

إلى السيد هنري براداليه (Henri Pradalier) الذي قاد خطاي، نقلةً نقلة، في أثناء المدة الطويلة التي استغرقها هذا العمل، فأعانني بكل ما يختزن من دفء الصداقة وسعة العلم، حتى الانتهاء منه.

إلى ذكرى المأسوف عليه الأب لويس اللبيان الكرملي.

إلى زملائي، وأصدقائي، وجميع الذين مدّوا لي يد العون لإنجاز هذا العمل.

لكم، جميعًا، ومن أعماق القلب، أقول:

شكرًا                       

الأب سيزار موراني                 

راهب كرملي             


مقدمة أولى

"العالِم العاشق!" هو تعبيرٌ يليقُ جدًا بمؤلَّف هذا الكتاب الذي نقدّمه، واستعرناه من مقدمة الكتاب نفسه، الذي يدور على مدينة القبيّات – أو قُبْيات – مع ناحيتها. إنه الأب سيزار موراني، الراهب الكرملي اللبناني.

عفيف الموراني، الطفل الذكيّ الجيّاش، ولد في «المهيري» ناحية الكفرون، سنة 1937. وتابع دروسه في معهد الآباء الكرمليين في طرابلس بين 1949-1953، وأنهى دروسه الفلسفية واللاهوتية في إيطاليا.

وسنة 1963، عاد الأب سيزار موراني إلى القبيّات، وكأنما بدافع خفيّ، ليمضي فيها ما ينيف على ثلاثين سنة، مُبديًا نشاطًا عارمًا في تنشئة الشبيبة على التربية السليمة، ومؤسِّسًا، مع آباء آخرين، فوجًا من كشافة لبنان، وآخر من دليلات لبنان.

أتاحت له الحركة الكشفية، خلال التجوال، وفي أوقات التخييم، أن يأتلفَ مع طبيعة المكان، فيرتاده في كل جهة: في الجبال والوهاد، وفي الغابات والقيعان، وعلى الينابيع وفي دروب الوحش في البراري... لا شيء يعيق عاشق الطبيعة، ذا، من أن يفجّر موهبةَ الشعر في نفسه، فينشد بواكيره، شفافةً كالسلسبيل الذي يُطفئ غليله بعد طول مسير، أو بعد تحدّرٍ سريع على منزلق.

لكنّ ما أثار فضولَ الأب سيزار المتعطّش، هو ميزاتٌ أخرى تكتنزها المنطقة: إنها الخرائب الكثيرة للكنائس والأديرة والقلاع والحصون، تلك المنشورة في كل مكان، والتي رغم حضورها البليغ، فاتت معرفتُها العلماءَ والمنقّبين.

وبعد نيل الإجازة في الأدب الفرنسي، عكف الأب سيزار الموراني، وبحسب سوانح مسؤولياته الرهبانية، وتنقّلاته، على دراسة علم الآثار ونال الإجازة فيه، فتوجَّهَ بعدها، إلى إعداد شهادة الدكتوراه. فتسجّل في جامعة تولوز- لوميراي (Toulouse-Le MIRAIL)، وفيها ناقش أطروحته بنجاح.

وبعد مضي سنين على إحرازه الدكتوراه، ها هو اليوم، يقدّم لنا أطروحته مطبوعةً، بعد أن نقّحها وأعاد صياغتها، مُغنيًا إياها بنحو مائة من الصور والخرائط التي تُبرز المواقع المدروسة.

في هذا الكتاب الأطروحة، يقدّم لنا المؤلف زبدةَ أبحاثه، ويدعونا إلى اقتفاء أثره في زيارة تلك المواقع فنتبعه في دروب عبرتها القوافل، ونهَبَها الغزاة، وحَمَلت عليها العساكر، فنشهدهم في النصر أو الهزيمة، ونستعيدُ، بعين الخيال، تاريخَ هذه المنطقة الخصيبة التي عانت من تقلّبات السياسة الغادرة، فيتيح لنا أن نتوغَّلَ في أعماق تأريخه، ونتذوّقَ مع هذا «العالِم العاشق»، طعم الشعر العابق من هذه الطبيعة الساحرة. عندئذٍ نستطيع أن نفهم سرّ هذا الزهو المطمئنّ الذي ينعم به أهلها.

وإذ تهنِّئ الرهبانية الكرملية عزيزَنا المؤلف على طباعة أٌطروحته، بعد أربع سنوات على احتفالنا بمرور مائة وخمسين سنة على وجود الرسالة في القبيّات، نشكره على ما بذل من جهود، ونأمل أن يثيرَ ظهورُ هذا الكتاب سعادةً في نفوس القبيّاتيين، وفضولاً إلى متابعة البحث والكشف عن تراثهم الغنيّ والمنوَّع، على الصعيدين الديني والتاريخي.

 

الحازمية 2006 ، الأب مخول فرحا، الرئيس العام الإقليمي للرهبانية الكرملية في لبنان

 


مقدمة ثانية

كما تدور ظلال الشجر على الأرض اليباس فتترك طراوة، كذلك تحوّل الأب سيزار موراني، خفيفًا طيّبًا، من اللاهوت إلى الشعر والأدب، فإلى الأركيولوجيا، وفي جميعها كان ألمعيًّا.

من أين له اللاهوت والشعر والأركيولوجيا؟

اللاهوت تشرَّبه، صغيرًا، من ينبوع الرهبانية الكرملية العذب. أما الشعر فنشأ عليه وحيًا في طبيعة القبيّات الخلاّبة التي تربّى فيها فشغفت قلبه، فغنّى لها شعرًا، وصلّى...

ثم كيف لا يكون العاشق شاعرًا، وهنا، في أرضنا، كواريز ترنّم الشعر في مناقير البلابل، وعلى مُويجات الساقية، وبحفيف الغصون، وفي ارتعاش الأقاحي؟

ولأن الشعر يسكن، أيضًا، في الحجر العتيق، حانيًا في القباب، ملزوزًا في المداميك، معاندًا في الأسوار، شامخًا في الأبراج... انسحر الأب سيزار بالأسرار العتيقة، المبثوثة في أرض البشر القديمة، أرضِنا؛ هذه الأرض التي عالجها الإنسان، منذ وُجد، نقبًا وحفرًا وبناءً، فاغتنت به وشبع بها، وأورثَ الأجيال مجالاً عامرًا... وما كتاب الأب سيزار، هذا الذي بين أيدينا، إلا ثمرة التزامه الديني، وموهبته الأدبية وعشقه القبيّات.

أما الكتاب، في الأصل، فهو أطروحةٌ لنيل الدكتوراه في تاريخ الفن، تقدّم بها من جامعة «لوميراي- تولوز» (Toulouse-Le Mirail)، سنة 1988، وانتظر ثمانية عشر عامًا ليصدرها في كتاب مطبوع، متأنيًا ريثما يستكمل الدرسَ والتنقيبَ وإعادةَ النظر وإجراءَ التعديلات المناسبة، وذلك على رجاء أن يأتيَ العمل أقرب إلى التمام، وهو ما كان.

ففي التمهيد، أعلن الأب سيزار دوافعه إلى اختيار الموضوع؛ لكن، في ظنّي، أن محرّكاتٍ أخرى كانت وراء التركيز على العهد الصليبي بالذات، وهي التي جعلته يستفيض في الشرح والتفصيل حول الموقع الجغرافي والظروف التاريخية، آنذاك، في بلاد الشام، ممّا استغرق، في الكتاب، قسمين ومقدمةً طويلة، عدا التمهيد، قبل أن يدخل في صميم الموضوع، في القسم الثالث، أي فن البناء الديني، والذي أخذ حقّه في الوصف والتعليل، وإبراز الأسباب الليتورجية التي كانت وراء إشكالية الهندسة، ليَخْلُصَ، من ثمّ، إلى القسم الرابع والأخير وهو العموميات والخلاصة.

هذه المحرّكات خَبرتُها، شخصيًا، في ذهنه، عندما كنا نتجوّل في أنحاء المنطقة، في أثناء رعايتنا العمل الكشفي، مدّةً ما يزيد على عشرين سنة، حيث كانت تُطالعنا كثرةُ الخرائب العسكرية والدينية المتناثرة على أراضي المنطقة الواسعة، التي يغمرها النسيان وتخفيها الحشائش والأشواك، وتحجُبها صعوبةُ الوصول إليها والكشف عن سرّ هذه الكثرة، من حيث الكمّ والنوع، وتنتشرُ في منطقة عريضةٍ بين جبل أكروم وجبال العلويين، ثم فجأةً، تنغلق عند نهر البارد، آخر عكار، لتتابعَ نقاطًا في شريط على طول الساحل اللبناني... كان يفكّر ويتساءل! وكنا نتناقش، ونلتقي ونختصم، ونكوّن قناعات؛ إلى أن صمَّمَ على البحث العلمي، فراح يفتّش عن الحقائق في مظانّها، يسعفه تمكّنُه من اللغات الأجنبيةَ ممّا وفّر له كمًّا نوعيًا في المصادر والمراجع، فأقدمَ على إنجاز هذه الدراسة المتميّزة بجدّيتها، وجدّتها، وغناها.

أما قيمة الأب سيزار كباحث فيشهد عليها:

- العمل الميداني المواظب في زياراتٍ متعدّدة إلى المواقع المدروسة، وإقامةُ المخطَّطات بأدقّ المقاييس، والتقاط الصور الشاهدة على واقع الحال.

- الانكباب على استنطاق المصادر المتوفِّرة في اللغات الفرنسية والإيطالية واللاتينية والانكليزية، إلى جانب العربية، والتي لا يمكن لباحثٍ في الأركيولوجيا أن يستغنيَ عنها، وهو ما توفّر للأب سيزار.

- إكثارٌ من العودة إلى أمَّهات المراجع ومقابلة النصوص ومناقشة الآراء وتحليلها، ممّا قاده إلى خلاصات منطقيّة بل رائعة.

- جرأة في إبداء وجهة النظر الشخصية مهما توقّع لها، عند الغير، من قَبول أو إنكار.

أخيرًا تبقى التحيّة التي يستحقّ أن تُوَجَّهَ إليه، وذلك على زبدة الكلام الذي خَلُصَ إليه، وهي أن حوار الحضارات، بل تعانقُها، في الفنّ، أبقى على الزمن، بعد أن تتعب الجيوش من التصادم، ولا بدَّ من أن تتعبَ، وهو ما ظهر في الفن الصليبي في بلادنا، الذي جمع بين المحلّي والأجنبي.

د. فؤاد سلّوم


تمهيد

يقول المثل: «شعبٌ سعيدٌ هو شعبٌ لا تاريخ له».

لكنَّنا نسأل: ألا يُكتَبُ التاريخ إلا تحت وطأة المصائب، أو تحت وابل من أحداث طاغية، أم يُكتَبُ من خلال إنجازاتٍ عمرانية فخمة؟

إذا كان من أهداف علم الآثار أن يكشِفَ عن جانبٍ من حياةٍ مضت، فإن الحياة الحقّة لا تُبنى على العظيم من البنيان وحسب، إنما هي التفاصيل الصغيرة التي تشدّ من لحمة البناء الفخم.

في ناحية القبيّات[1]، لا يوجَدُ أثرٌ فخمٌ يلفت النظر ويُدهش السائح بروعته، فالحصون، هنا، لا تعدو أكثر من ركام عَلَتها السيولُ بالأتربة واجتاحتها الأشواك. حجارتها الجميلة تستغيث من بين الحجارة الغشيمة في جدران البيوت القروية، أو تعلن عن غربتها في جدران قصور الأعيان من أهل الجوار.

الكاتدرائيات الصليبية الرائعة، في المدن الكبرى، يقابلها هنا، مشهدٌ كئيب لشقّة من حائط متداعٍ، أو لكومةٍ مشعّثة من الحجارة، لذلك إذا كنّا نصبو إلى ما هو رائع، أو إلى ما يبهر من الفن، فإننا لن نجد ضالّتنا هنا؛ أما إذا تقمّصنا شخصية عالِمٍ عاشق، وتأمَّلنا بعين باحثٍ يَقِظ، فإن عطشنا إلى الحقيقة سرعان ما يرتوي، لأن غنى هذه البلاد بالآثار يخفق بالحياة وبالقيمة التاريخية.

إن القبيّات المجهولة، الغامضة، القابعة في أشداق النسيان، لا تزال حقلاً بِكرًا لاستكشاف الحقائق، ولعلم الأثار، ولجلاء التاريخ. ومع ذلك، فإن جذور التاريخ، هنا، تضرب عميقًا في الماضي السحيق. وإن كانت النصوص المتوفِّرة لا تقول شيئًا، وإن كانت الشواهد العظيمة التي تجذب قوافل السياح غائبة، فإن التفاصيل الصغيرة، التي لا تثير غير انتباه المهتمّين، والتي غالبًا ما تساهم في تقدّم العلم أكثر من الوقائع الباهرة، موجودةٌ هنا، ولو مُبعثرة، لكنها حيّة، ناطقة؛ فيبقى أن نبحثَ عنها بشكل منظّم، وأن نجمعها بحبٍّ وشوق، وأن نعيدَ ترابطَها بتأنٍّ؛ عندئذٍ نستطيع أن نقرأ ما تحمله من رسالة.

على مستوى التنقيب الأثري، لا تزال المنطقة بكامل عذريتها، ولم يهتمّ أحد بذلك سوى أولئك المنقِّبين الليليين، الباحثين عن الكنوز تحت أجنحة الظلام الساترة. "رينان"، في كتابه «بعثة فينيقيا»، استنكف عن البحث في أرض هذه المنطقة لصعوبتها. و"دوسّو" أقرَّ في كتابه: «المسح الجغرافي التاريخي» بأنه اقتصَرَ، أحيانًا، في إيراد المعلومات، على التعبير: "أخبروني"...!

ويجدر السؤال، هنا: إذًا، لماذا نلتزم، نحن، مثلَ هذا العمل الشاق، مع غياب الشواهد الواضحة، والنصوص والمراجع الموثوقة؟

ماذا نتوقَّع أن نجدَ تحت أكوام هذه الحجارة المشعّثة التي تجتاحها الأدغال، والتي تستظلّ، وهي خرساء، السنديان الوارف؟

جوابنا العفوي، الذي يصدر عن قناعة، يرتكز على ثوابت:

الثابتة الأولى، هي أن سكوتَ المؤرّخين والجغرافيين هو سكوتٌ محيِّر لسببين: الأول استراتيجي، فالقدامى قدّروا أهمية معبر القبيّات فحصَّنوه بشكلٍ جعل "نبوخذ نصّر البابلي" يتجنَّبه عندما أراد أن يشقّ طريقه نحو الساحل. إذًا، من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن الصليبيين جهلوا أهميته، فتركوه من غير دفاعات. فمن هنا ضرورة البحث عن حصون وقلاع لا تزال مواقعُها غيرَ مبيَّنة. والسبب الثاني يُفْضي بنا إلى السؤال: لماذا الإصرار، وبأيِّ ثمن، على الجمع بين اسمين وَرَدَا على ألسنة المؤرخين هما: قصر القليعات وقرية القليعات، في وقتٍ يوجد فيه قصرُ القليعات باسمه العربي الصريح، وهو جمع تصغير قلعة، وموجودٌ في مكانه المعروف؟ إن عقفةً صغيرةً تفرِّق بين الحرفين اللاتينيين: L وb، وإذا أزيلت العقفةُ تصير قليعات قبْيات: Coliat = Cobiat، تصحيح خطإٍ تصحيفي صغير يمكن أن يفسَّر أن القريةَ المقصودة هي القبيّات. هنا يجدر بنا أن نشيرَ إلى ما كتبه جان ريشار[2] بموضع العَقد والكاتب: «تنظيم إدارة السجلاّت كان بدائيًا. وغالبًا ما كان يَكتبُ العقدَ الشخصُ نفسه الذي سيؤول إليه موضوعُ العقَد. وأحيانًا قد يكتبه شخصٌ عابر».

الثابتة الثانية تقوم على واقع معلوم هو طابَعُ التكريس الذي يحظى به اسم العَلَم في تقاليد الشعوب، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ التحريفات والتشوّهات التي تلحَقُ بأسماء العلم، فهي تَعلَقُ بذاكرة الشعوب بشكلٍ مُلفت. في ناحية القبيّات عددٌ من الأماكن يطلق عليه الأهالي اسم «قصر»؛ وليس من الضروري أن تدلَّ كلمةُ قصر في اللغة العربية على القصر المعروف أي البناء السكنيّ الفخم؛ لذلك يمكن إذا قرّبنا جذرَي اللفظين: العربي قصر، واللاتيني Castrum كاستروم، يغلب المعنى اللاتيني أي الحصن أو المكان الحصين؛ فمن المحتمل أن نجدَ في هذه القصور بعض الحصون الافرنجية التي يبقى علينا أن نحدّد مكانها.

الثابتة الثالثة والأخيرة، هي أن علماء الآثار الذين زاروا المنطقة يمكن تصنيفهم فئتين: علماء آثار عهد الانتداب، والعلماء اليسوعيين. أما علماء عهد الانتداب، ومع حرصهم على متطلبات العلم، وعلى موضوعية العلماء الأكفّاء، فإنهم جاؤوا إلى الشرق مدفوعين بشعور وطني هو استعادة معرفة "Provence لبنان" على حدِّ قول "رينيه غروسيّه" المأثور[3]. أما كميل أنلار، الذي لم يكن له الوقت الكافي، فاقتصر في كتابه «فن البناء الديني عند الصليبيين» على الأوابد الرئيسة.

أما الآباء اليسوعيون فقَصَروا نشاطَهم على المدى المتاخم لمدينة حمص، وكان لهم دوافعُ خاصة. يقول المثل: «في الظلام كلُّ القطط تبدو داكنة». وهكذا يُطلق العلماء اليسوعيون تسمية خربة على كل أثر يلبّي تطلعّاتِهم الشخصية. لكنَّ تلك الخِرَب موجودة هنا، تنبض بالحياة؛ فلماذا إهمالُها طالما أن من شأن دراستها أن يسهمَ في معرفة تاريخ البلاد بشكل أفضل؟ كذلك، هذه الخِرَب في أكثرها – وهو ما يشكّل سببًا إضافيًا في قناعتنا – هي بقايا كنائس وإن لم تنتمِ في كثير منها إلى فن البناء الديني الصليبي؛ لكنها تشكِّلُ جزءًا من التراث اللبناني للأمة المارونية، حسبما كانوا يشيدونها في ظلّ الحكم الصليبي، ولذلك هي تكشف عن التأثير الصليبي على شعبٍ إن كان شرقيًا حقًّا، فهو منفتحٌ دومًا على مؤثِّرات الحضارة الغربية.

إذاً، دافعٌ واحد وأهدافٌ عدّة تُوجِّه مسيرتَنا في عملنا هذا: أن ننتشلَ من النسيان هذه البقايا التي تواجِه خطرَ الضياع، نهائيًا، وعلى حساب الحضارة والتاريخ، علّنا نُلفت أنظار المعنيّين إلى غنى وأهمية آثار القبيّات. في الوقت نفسه، نكون قد أدّينا خدمةً لبلاد لطالما أحببناها، ولا ندّعي، أبدًا، أننا وفَّينا الموضوعَ حقّه لأن المجال متّسعٌ وقلّما قاربناه؛ وإنَّما كان قصدنا أن نشهدَ مع كثيرين من علماء اجتماع وعلم نفس ومؤرّخين وكتّاب على عظمة شعبٍ وبلاد، وعلى بؤسِها في آنٍ معًا، وهما قد ناضلا، ويناضلان من أجل البقاء والكرامة. ولن نكونَ أقلَّ سعادةً لو قرأنا، يومًا، أعمالاً لباحثين أكثر موهبة وأقدر على خدمة التاريخ الحقيقي، وعلى خدمة القبيّات.

أما بالنسبة إلى الأهداف، فإننا ننطلق من حقيقة سوسيولوجية مؤدّاها أنَّ كلَّ علمٍ فنّي هو حصيلةٌ لطبائع أنتروبولوجية في مجتمع محكوم بالزمان والمكان، وبمرحلة تاريخية، وبظروف محدّدة، بشكل أن هذا العملَ يعكس، على الدوام تقريبًا، همومَ الواقع والتطلعات المثلى لهذا المجتمع. وأحد أهدافنا يقوم على محاولة القراءة، «بعيون البلد وروحه»، في خصائص البناء الديني السرياني الماروني، في أثناء الحقبة الصليبية، وإبراز التأثيرات التي استقاها من البناء اللاتيني في المشرق.

هذا العمل يتكوّن من مقدِّمة وعدّة فصول كبيرة. في المقدمة ركّزنا، خصوصًا، على محوريّة القبيّات كمعبر تاريخي للفتوحات باتجاه الساحل اللبناني. ومن هنا، تظهر الرغبة لدى شعوب متعدّدة في التوطّن فيها وعلى مرّ الزمن.

 أما العمل الفعلي فيتألف من عدّة فصول: الأول يتكلّم على «الصليبيين في الشرق»، فيفصّل الأسباب الداعية إلى التقارب الفرنجي الماروني. وفي هذا المجال، أخذنا بكثرة من كتابات المؤرّخين اللبنانيين والموارنة.

الفصل الثاني يتألف من قسمين أثريَّين صرفين. الأول يتوسّع في وجود الصليبيِّين في القبيّات وفي تنظيمهم للمنطقة بحيث تبدو دراسةُ أصل الأعلام الجغرافية أكثر أهميةً لأبحاثنا التالية، وبحيث ستشكِّل أعمالُ المستشرقين والجغرافيين العرب عونًا مهمًّا لنا، من غير أن ننسى القول بأن مرجعَنا الأساس سيكون البحث الميداني.

في القسم الثاني من الفصل الثاني سندرس المصليّات والكنائس. وعند غياب الوثائق الدقيقة سيتمحور عملُنا، أساسًا، على الأوابد كوثيقة، وسنُجري مقابلات. بالإضافة إلى ما ذكرناه، سنرجع إلى مؤلفات الأب هنري لامنس وكميل أنلار والدكتور حسّان سركيس. وكوسيلة تدقيق وتحديد للأماكن سنعتمد خريطة بمقياس 1/200000 وضعَتها قيادةُ الجيش اللبناني سنة 1965 وسجّلت عليها أعلام الأماكن باللّهجة اللبنانية.


مدخل

 

أ- ناحية

يؤكّد "ديسّو" بقوله: «هي ناحية كثيفة السكان تلك التي تمتد من منحدرات جبال عكار نزولاً حتى النهر الكبير الجنوبي، حول القبيّات والسنديانة ومنجز...[4].

مدينة القبيّات[5] الصغيرة التي لا يتجاوز عددُ سكانها، بأية حال، الثلاثين ألفًا[6]، تبدو بمظهر متأنّق لمدينةٍ ريفية وادعة وبهيجة، تغفو برقّة تحت شمس المشرق. فبيوتُها المبنية، عمومًا، بالحجر الأبيض، المقصوب، والمقطوع من مقالعها، وبسطوحها الترابية، على جاري عادة أهل البلادـ، تتبعثر فيما بين البساتين المورقة، فكأنها أقحوان الحقول في فصل الربيع. وهي تحاذي ضفافَ النهر الذي لا يعدو كونه مسيلاً شتويًا في وادٍ خفيض، يجري ماؤه متدفقًا فوق نواتئ المجرى.

وتبدأ روابي ناحية القبيّات، بتعرّجاتها اللطيفة، غيرَ بعيدةٍ عن مساقط الثلج، عند خواصر جبل عكار الذي يشكِّل الجزءَ الشمالي لسلسلة جبال لبنان الغربية، فتمدّ اخضرارَ غاباتها المنداحة بتدرّج سريع نحو «البقيعة»، مانحةً هذه البلاد صورةَ "قرن الخصوبة"[7].

في هذه الناحية وفرةٌ في الينابيع العذبة الصافية، ووفرةٌ في الحدائق ذوات الشجر المثقل بالثمار المتنوعة اللذيذة. ومراعي هضابها العاليات ممرعة بالعشب الذي ترتعيه قطعانٌ سمان. أما كرومها الكثيرات فمعلَّقات على الروابي، ومروجُها زاخراتٌ بالجنى. وهي بلاد زراعية، كان التوت يغطي مساحاتٍ واسعة منها، وعليه كانت تغتذي عدَّةٌ من كراخين الحرير[8]. وما الكثرة في بقايا المعاصر والأجران المنتشرة في كل مكان إلا دلالة على سعة انتشار كروم الزيتون فيها. أما اليوم فقد حلّت الصناعة الخفيفة والتجارة، على الأخص، مكان إنعامات الطبيعة تلك، على شاكلة ما هو حاصل في كل لبنان.


القبيات تحت الأشعّة

 

القبيات تحت الثلج


 

والقبيّات، في زمنها الحاضر، تبدو مدينةً حديثة النشأة، إذ لا تعود، حسبما يظهر، إلى أكثر من مئتين إلى ثلاثمئة سنة، أي إلى بداية القرن الثامن عشر، وعلى الأكثر إلى الربع الأخير للقرن السابع عشر، في حين أن هذه المدينة الريفية الصغيرة، اللامبالية، الهادئة، الوديعة، الضحوك أبدًا، تخبيء صفحاتٍ وصفحات من التاريخ المجيد؛ وإنَّ هذا الكمَّ الكبير من المواقع القديمة، وهذه الكثرة من الرجوم المسيحية لَتدُلُّ على بلاد إن لم تكن مزدهرة، فعلى الأقل، كانت أكثر سكانًا ممّا هي عليه اليوم وحيث إنَّها، بحدودها الحاضرة، وبرغم التوسّع القائم على قدم وساق، ستستغرق زمنًا قبل أن تعود لتغطّيَ جغرافيتها الأولى.

ب- الاسم:

رغم البعد الأركيولوجي لهذه الناحية، فإن تسمية القبيّات لا تعود في الظاهر، إلى بعيد، تاريخيًا، حسب النصوص المتوفّرة بين أيدينا. ويبدو أنَّ التسمية حديثةٌ نوعًا ما، في قصيدةٍ مؤلفة في مديح البطريرك موسى العكاري، والذي أصله من قرية «الباردة» الواقعة على بضعة كيلومترات شمال المدينة، وقد جاء اسمُ المؤلف على أنه "سمعان ابن شمعة القبيّاتي"، وهو الاسم الأقدم الذي توفَّر بين أيدينا، ويعود إلى السنة 1524 م.، على الأرجح، وهي سنة انتخاب البطريرك[9]. لكن هذه التسمية نفسها تشير إلى تاريخ سابق في الوجود؛ وفي الواقع هي تتجذَّر أعمق في الزمن كما تُبيّن الدراسة التاريخية للإسم: التقليد المحلّي يُرجع أصل الكلمة إلى اللغة العربية، فيزعم أن اسم القبيّات هو ترخيم أو تعريف للفظة «قُبَيْبات»، أي جمع تصغير قبّة. هذا التفسير قد يبدو ممكناً باعتبار شكل التعاريج في المكان، لأنّ التلالَ المرتسمة على آفاق المدينة والتي عليها تَنتشر البيوت، تشكّل استداراتُ أعاليها عددًا من القباب المخضوضِرة التي تفيض على ما حولها من أرض بركانية قاتمة، شبه قاحلة، إحساسًا بالنداوة والانتعاش.

هناك رأيٌ شعبي آخر يقول: لفظة «قبيّات» هو جمع تكسير لكلمة «قبو»، أي شكل البناء المعروف. هذا التفسير يمكن الدفاع عنه، أيضًا لأن تشكيلة التضاريس من التلال المنحدرة من جبل عكار حتى البقيعة تَبرز نتوآتُها المستديرة، عبر الوديان، وكأنَّها ظهور أقواس سريرية.

"أنيس فريحة" يعطي الاسمَ التفسير التالي: «أمكنة أخرى في لبنان تعرف بالقبيّات وأظنّه qabayyat: صهاريج ومستنقعات. من qba جمع qibya أي مجامع الماء...»[10].

لماذا الإصرار، إلى هذا الحدّ، على معنى الاسم الذي يبدو أنه حديث لأنه، بالرغم من سكوت المراجع، الذي يحيط بالاسم، يَبدو لنا أن اللفظ مُغرِقٌ في القدم. ودراسة جغرافية الموقع يمكن أن تشرحَ إلى حدٍّ كبير، وكما سيأتي، أصلَ اللفظ. فإذا أخذنا باللفظ العربي لاسم القبيّات يبدو التفسير جماليًا بحتًا، وهو برأينا ليس بمكانه، إطلاقًا. نحن في هذا المكان من جبل لبنان، حيث يأخذ الناس، إجمالاً، بالحاجات الحياتية، أو بالأحرى بالمنطلقات الإيمانية الحيّة، نرى أن الأصحّ هو إرجاع الإسم إلى الأصل الآرامي أو السرياني، فتكون النتيجة أن اسم «قبيات» من «قوبيتو» = غدران وينابيع، وهذا ينطبق طبيعيًا على الجغرافية المائية للبلاد، بالإضافة إلى أن أغلب الأماكن في الموقع تحمل أسماء آلهة مائية أو تكرّم فيها آلهة «عبادة الينابيع».

 

ج- جغرافية القبيّات:

 

أولاً: الإطار العام

لقد أُعطيَ لفينيقيا موقعٌ متميّز بسبب قيامها كهمزة وصل بين الممالك الشاهانية على حدود آسيا الغربية. وهي، أيضًا، تشكّل جسرَ عبور بين الشرق والغرب. وإذا قيل: إن سلسلة جبال لبنان تشكّل نوعًا من حاجز فاصل بين العالمين، نجيب بأن هذا الجبل له أيضًا، في شماله، وادي النهر الكبير العميق الذي يشكل حوضه مدرجًا لعبور القوافل على مدار السنة[11].

والطريقُ الذي يربط طرابلس، عاصمةَ لبنان الثانية، بالقبيّات، وعلى مسافة أربعين كيلومترًا، تقريبًا، تمرّ بمحاذاة البحر حتى أورتوزيا القديمة، على نهر البارد[12]، مخترقًا جون عكار لينعطف يمينًا، قبيل القليعات، ثم ليعود ويمر بقلعة عرقا القديمة، فيرتقي بلطف، عبر حلبا، الهضابَ المطلّة، من جهة، على وادي، آلوتاريوس، ومن الجهة الأخرى، على وادي نهر الأسطوان، وبحراسة حصني «الفاليسيوم» و«طيبو».

وهذه الناحية تطرِّز من الشرق التلالَ الممتدّة بين أراضي طرابلس وأراضي حمص التي تفصلها تضاريسُ جبل أكروم، لتشكِّلَ، من الناحية الجغرافية، حيّزًا أصيلاً من جبل لبنان، وهو آخر خواصر منحدراته الشرقية.

وخلفَ القمّوعة، تمامًا عند المقلب الآخر لجبال عكار، إلى الجنوب الشرقي، تنتصب مدينةُ بعلبك/ هيليوبولس القديمة، حيث يمتدّ الشريطُ الخصيب لسهل البقاع الواصل بين تخوم سوريا وشمال الجليل.

في الشمال، يفصل الناحية عن سوريا وادي النهر الكبير، آلوتاريوس قديمًا، الواسع، والذي ينخفض واديه العميق ابتداءً من البقيعة في الشمال الشرقي، ليتَّصل، في الشمال الغربي، بسهل عكار، على مستوى «شيخ زناد»، المدينة الفينيقية القديمة «سيميرا»، وهي مدينة-دولة، كانت تابعة لأرادوس، والتي لم يبقَ منها إلا الاسم[13]. من هذه الجهة تمتدّ الناحية، أيضًا، على مجرى النهر مسافة خمسة عشر كيلومترًا تقريبًا.

في الشمال الشرقي، يفصلها عن سوريا منخفضُ البقيعة الواسع، عند أقدام حصن الفرسان تمامًا، حيث ينفتح وادي خالد الصاعد جنوبًا، حتى مدينة «قادش» القديمة، وإلى الهرمل حيث ينبع نهر العاصي من مغارة الراهب. وفي الجنوب تُحيط بالناحية قمَّةُ القموعة وكرم شباط اللذين يصلانها بعكار العتيقة حيث ينتصبُ حصنُ عكار المنيع، الحامل اسمها. أما النهر الذي يخترق هذه القرية فهو مقفلٌ بحصن طيبو، كما ذكرنا آنفًا، وذلك عند التقائه بنهر عكار، وقريبًا من مدينة حلبا أي «ألبا» الصليبيين.

التضاريس الجبلية المسنّنة كالمنشار، تقطعها في الجنوب التواءاتٌ واسعة في بعض الأماكن، وغيرُ ذات أهمية، وغالبًا، ضيّقة وعميقة وقديمة التكوين، سبَّبتها الزلازل والانفجارات البركانية. ويظهرُ أن الجبلَ كان، قديمًا، تحت البحر، بدليل المواقع البحرية والأسماك المتحجِّرة التي نجدها، بين الحين والحين، على القمم العالية في كرم شباط. وحُفَرُ الوديان، هنا، تتعمَّق بفعل ذوبان الثلوج على القمّوعة، فتشكّل مهاويها، على مدّ النظر، مشهدًا رائعًا، وحيث تتلاقى مع وسط المدينة وكأنها في مصبٍ رحيب.

القبيات تحت الغيم

 

 

 

القبيات تحت قوس قزح

ثانيًا: سبعة أحياء

تتكوَّنُ القبيّات من سبعة أحياء، تكاد تكون سبعَ قرىً منفصلة، وموزعة على سفوح الروابي، متوِّجةً سطح المدينة، فكأنها مدرّجٌ فسيح، تتشكَّل درجاته من تراصف المساكن البيضاء.

حيّ الزوق[14]، يمتد على شرحة واسعة من صحن القبيّات. من هذا الحيّ الرئيسي تتشعّب عدّة وديان، تشكّل ممراتٍ طبيعيةً حول الهضاب العالية، فتربط سهل البقاع بسهل البقيعة، ومن هناك إلى الساحل. والوادي الأول يقطَعُ الجبل بامتداده لينتهيَ عند عقبة مار سركيس وباخوس، على بعد مئات الأمتار من عكار العتيقة. إنه وادي حِلسبان الذي يحوي، في طرفه الجنوبي، موقعًا قديمًا، إسمه «بتويج». أما الوادي الثاني، فهو وادي «كِمّاع» الذي يصعد، مستقيمًا، صوب المشارف الأولى لجبل القموعة.

وتلَّة المرغان تفصل هذا الوادي عن وادي عودين الذي يتَّجه من الجنوب إلى الشمال، فيفصل أعالي الهرمل، عبر أكروم، عن سهل البقيعة. وكلُّ هذه الوديان تنصب ّكباقةٍ، على مسطّح عالٍ، تخصّبه الرواسب، ويمتد بين الجبال متحدّرًا كشريط عريض، يصدّه، لحظةً، حاجبُ مرتمورة الذي هو حيٌّ آخر كبير من أحياء القبيّات، ثم ينتهي عند منخفض «منجز»، في الحوض المباشر للنهر الكبير. هكذا تبدو القبيّات وعاءً، واسعَ الفوهة، مفرّجًا عند الزوايا الأربع.

 

د- القبيّات طريق الفتوحات

يشكّل الساحل اللبناني شريطًا ضيقًا لا يتعدّى عرضه كيلومترات قليلة في أقصى اتساع له. وتُشرف قممُ لبنان على شواطئ المتوسط عموديةً، تقريبًا، وبمعدل ارتفاع يتجاوز الألفي متر، وهو ما يشكّل حاجزًا منيعًا بين وهدة البقاع والساحل. فإذا كان اجتيازُ القمم سهلاً على السائحين وعلى المجموعات الصغيرة، خلال قسم محدود من السنة، فهو، بالتالي، كان يصعُبُ بل يكاد يستحيل على القوافل وعلى الجيوش الجرارة، قديمًا. هكذا شكلت الجبالُ العالية، المطلّةُ على الساحل، حاجزًا صادًا للفاتحين، كما كانت مانعًا للفينيقيين من مدّ ممتلكاتهم البريّة[15] ومع ذلك يوجد على هذه السلسلة المتماوجة بقممها، بعضُ وهدات هي، إن كانت قليلةً وصغيرة، لكنَّها تَثْلَم هذه الدرعَ السابغة. فمن الغرب إلى الشرق، ومن حرمون إلى عكار، خمسة منافذ فقط، وهي تسمح، عند ارتفاعات متباينة، باجتياز هذا الحاجز، على سهولة في بعضها، وعلى صعوبة أكثر في البعض الآخر.

مقابل حرمون، وعلى علو 1600 متر، يصل وادي الباروك غرب البقاع بمدينتي صيدا وصور. والثاني هو معبر ضهر البيدر الذي يصل بيروت بدمشق، عبر البقاع الشرقي. والثالث يصل بين جبيل والبقاع عبر ممر المنيطرة الذي يعرفه الفرنجة، والذي كان عليه حصنٌ يحمل الاسمَ نفسه. وقد اجتاز القائد بمومباي بجيشه هذا المعبر سنة 64 ق.م.، وهو على ارتفاع 1800 متر. أما طرابلس، في الشمال، فهي محميّةٌ بقمم جبل المكمل التي يصل ارتفاعُها إلى ثلاثة آلاف متر والتي تشكو من وهذه صغيرة في ضهر القضيب، على علو ألفي متر، فوق الأرز. وأخيرًا تنقطع جبالُ لبنان بفجوة مفاجئة كانت سببًا في قيام مدينة حمص عند أطراف الصحراء الغربية. «حمص، الواقعة على محور طرق شديد الأهمية، تشكل المعبرَ الأسهل بين الخليج الفارسي والبحر المتوسط، عبر مدينة تدمر»[16]. ويقابل فجوةَ حمص، المفتوحةَ كبابٍ وسيع في المدى السوري، تمامًا على أبواب لبنان، معبرُ القبيّات.

إن القبيات بموقعها عند أقدام المنحدرات الشرقية لسلسلة جبال لبنان الغربية، وبإقفالها للنقاط الضعيفة في نظام الحماية الطبيعي في تلك الجبال (الرويمة 900 متر وشدرا 300 متر)، تشكِّل، في «فجوة حمص» المشهورة، نوعًا من جسر إلزامي، كبيرِ الأهمية، بين سوريا والشاطئ اللبناني.

وقد صوّرنا أعلاه، أودية هذه الناحية. لذلك كان التشكيل التضاريسي حاسمًا في مجرى تاريخ المنطقة، بسبب المعابر الاستراتيجية التي تخترقها، والتي نفذت من خلالها الفتوحاتُ المتتالية إلى داخل لبنان[17]. وقبالة القبيات، عند أعلى جبل أكروم، نقطة انطلاق لدرب اكتشفه البابليون قبل أن يسلكه الرومان من بعدهم[18].

إذًا، القبيات قائمة على محور طرق مثلث:

الطريق الأول ينطلق من البقيعة، عند ملتقى وادي خالد بالنهر الكبير الجنوبي، ويصعدُ طلعةَ شدرا الهيّنة حيث يمكن أن يتجه مباشرة نحو قبور البيض – الباردة – البيرة – عرقا، أو ينعطف نحو الوسط فيجتاز قلب القبيات، ويتجه من ثم نحو الغرب.

المحور الأول هذا يصل حمص بطرابلس عبر البقيعة – القبيات – عرقا.

وعمليًا، هو الأقصر والأسهل، لا سيما على الجيوش المجهزة بمعدات ثقيلة.

همزة وصل


 

إن المنافذ التي تشكل ممرات أقل سهولة، لكن أكثر استراتيجية، كونها محميةً، هي التي تتبع الوديان وتلتقي المحورَ الأول في وسط المدينة. المنفذ الأول ينطلق من البقاع، شمال غرب الهرمل، ويسير عبر وادي فيسان، مارًا عند أقدام القموعة في كرم شباط ثم نزولاً إلى القبيات عبر وادي كمّاع أو المرغان. هذا الطريق يصل عرقا بوادي العاصي أيضًا، وهو الطريق المحصّن على الجانبين بحصن الفيليسيوم واللاكوم. والمعبر الثاني ينطلق من وسط المدينة (من الزوق) ويسير عبر وادي حلسبان أو هضبة شويتا قبل أن يرتمي، فجأة، في عكار العتيقة.

الطريق الثاني، المتوازي مع الأول، يتتبّع تعرّجات النهر الكبير الجنوبي (آلوتاريوس)، وهو منفذ طبيعي. هذا الوادي الذي يحمل اسم النهر نفسه، يشكّل الحدّ الفاصل بين دولتي لبنان وسوريا، ويصل، لكن بصعوبة، حمص بالساحل اللبناني. أما مجاز القمّوعة، في الجنوب، فتغطّيه الثلوج فترةً طويلة من السنة، وهو صعب. لكن موقع منخفَض أكروم، يشكّل اتجاهَ الوديان فيه صوب القبيّات، وعلى مستوى كرم شباط معبرًا قصيرًا وسريعًا بين ربله، على العاصي، وعرقا. وبين خط القمم والشاطئ يبقى مجازُ القبيات هو الأقصر، لأن المعابر الأخرى التي تخترق السور الجبلي، باتجاه الساحل، إذا تساوت من حيث المسافة، فهي لا توفر إمكانات استراتيجية استثنائية مثل هذا المنحدر الشرقي[19].

فكرم شباط، عند أقدام القمّوعة، وعلى ارتفاع لا يزيد عن 1100 متر، يمكن عبوره في مختلف فصول السنة. إن هذا الطريق الطبيعي، الراكب بين القبيات والهرمل، والموازي لمحور حمص- القبيات، يشكل طريقًا سريعًا، غنيًا بمحطات المياه، ومتسلّلاً بخفية بين الوديان، وخلال الغابات الكثيفة، فيتيح انقضاضات مفاجئة، إن على سهل البقيعة في الشمال أو لقطع طريق القوافل في الجنوب.

 

ﻫ - القبيات[20] همزة وصل بين المدن-الممالك في فينيقيا والحضارات المجاورة

«منذ القدم البعيد كان لموقع وادي النهر الكبير الجنوبي المتميّز، في فجوةٍ طبيعية بين المنحدر الشرقي لسلسة جبال لبنان، والمنحدرات الساحلية السورية، قاطعًا مداخل الممر الأسهل لسوريا والأسرع لسوريا الوسطى نحو المتوسط، ومن هذا البحر نفسه إلى البقاع، وهو موقع استراتيجي بمثل هذه الخطورة، كان لهذا الموقع أن يسمح بعلاقاتٍ مع التجمّعات السكانية في جبيل، على بعد ثمانين كيلومترًا إلى الجنوب، وعلى بعد مئة وعشرين كيلومترًا من أوغاريت (راس شمرا)، إلى الشمال أو شعوب نهر العاصي أو بلاد ما بين النهرين»[21]، بل أن يفرضَها.

أمّا ناحية القبيات التي يحدّها النهرُ الكبير الجنوبي، فقد كانت أرضًا مسكونةً منذ القديم. وغناها جذبَ إليها جماعاتٍ بشرية متعدّدة لتقطنَ فيها. وبعضَ تلك الجماعات، الزراعية منها، وجد أن على هضابها الواسعة، وفي سهل البقيعة الخصب المجاور، توجد أراضٍ صالحةٌ للاستثمار في كل الفصول. وجماعات أخرى وجدت في غابات الجبال المحيطة ما يلبّي حاجتها الماسّة إلى الخشب الثمين: أرز، مرّان، عرعر... لا سيّما وأن الطريق إلى الشاطئ قصير وأن النهر الكبير يوفر إمكانية فريدة في جرف الأخشاب المقطوعة من مكانها نفسه. وبعضٌ آخر، من تجار أرواد وجبيل وصيدا، حرصًا على سيطرته على البحار، رأى أن من مصلحته مراقبة المنافذ السهلة حتى لا تجتاحها الشعوب المترحّلة.

هذا الحضور للإنسان البدائي يؤكده، على ما نرى، أمران: المحطّات الماقبتاريخية، والقبور الميغاليتيّة. من الحقبة الماقبتاريخية اكتُشِفت بقايا بالغة الأهمية من أدوات الحجر الخشن من «الشيخ زناد» على مصب النهر الكبير[22]. أما بالنسبة للحضارة الميغاليتيّة فيظهر ذلك الحضور بشكل مدهش في العدد الكبير للقبور الميغاليتية في المنطقة، ما بين حلبا وشدره، فهي مغطاة بالمعنى الحرفي للكلمة، كذلك، هي تنتشر، في أكروم، شرقًا، وفي الهرمل، جنوبًا.

كتب الأب موريس تالون في هذا الشأن، قال: «نُشرَ شيءٌ عن بعض التنقيبات في القبور الميغاليتيّة في سوريا وفلسطين. لكن ذلك اقتصر على المواقع في سوريا الجنوبية وفي عبر الأردن. أما في سوريا وفي لبنان نفسه، فلم يُشَر إليها ولم تحظَ، بعد، بالتنقيب أو بالدراسة الجديّة»[23].

وقد لفتت انتباهَ الأب تالون كثافةُ القبور الميغاليتية حول قرية منجز. هذه القبور نقّب فيها الأب تالون تنقيبًا علميًا ودرسها (آب 1961) وقد أسفر التنقيب عن اكتشاف بعض الأدوات البرونزية الصغيرة، وعن كمية كبيرة من كسر الخزف التي سمحت بإعادة تركيب جرار كاملة واسعة الفوّهة، وخزفيات أخرى صغيرة ورأس حربة. هذه الموجودات التي أسفرت عنها تلك القبور أفادت دراستُها بأنها تعود إلى مراحل ثلاث مختلفة من حقبة البرونز. وفي مطبوعة أخرى، كتبَ الأب تالون «إذا أخذنا بالتحاليل والتعريفات المعطاة من قبل منشور الجمعية الفرنسية الماقبتاريخية» لسنة 1965، في الصفحات 518-551، نجد أن هذه البقايا تعود إلى الأشكال البدائية، إذًا إلى الحقبة الأقدم في تاريخ الميغاليت[24].

وسواءٌ أكانت هذه الحضارة تعود إلى الألف الثالث كما يعتقد البعض، أم إلى الألف السادس كما يعتقد البعض الآخر[25]، فإنَّ سكانَ هذه الأماكن الأبدية، ليسوا من الفينيقيين، سكان الساحل اللبناني، وذلك لسببين، الأول: هذه البقايا الميغاليتية موجودة في فلسطين على ندرة... إلا في القسم الجبلي منها، لا سيما في هضاب عبر الأردن حيث كانت المعيشة، في الأصل، ترحّلية؛ فهي إذًا، «حضارةُ رعاة الهضاب»[26].

السبب الثاني هو أن الفنَّ المدفني الفينيقي، العائد إلى الحقبة نفسها، لا يقدّم لنا أيَّ أثر مشابه، إن في جبيل، أو في أوغاريت، أو في الحواضر الكنعانية الأخرى[27]. أما نبلة البرونز، بزجّها الطويل، المنتفخ، فهي نَصلُ كنعاني. والمنجل ذو الأسنان الخشنة، والمثقب ذو القاعدة العريضة، فهما، أيضًا، يبدوان كنعانيَّين، مما يدلّ على أمر مخالف للمألوف في الفن المدفني الفينيقي، إذ، في هذه الحال، يجب أن تنتميَ هذه القبور، وعلى الأرجح، إلى العمّوريين باعتبارهم أصحابَ حضارة قاريّة، وباعتبار وجود الميغاليت، في سوريا الوسطى والجنوبية، أي في بلاد أمورّو؛ واحتواء هذه القبور على أدوات، تبدو وكأنها من نمط كنعاني، لا يجب أن يُعتبرَ لغزًا، لا سيّما أن القبيات تقع على حدبة بين طرابلس وحمص، أي إنَّها صلةُ وصل بين سوريا الوسطى والساحل الفينيقي. وإنّ الفينيقيين لم يكونوا غائبين عن هذه الناحية بدلالة البقايا الأثرية المتعددة والمنتشرة في كل مكان، ومنها مذبح تقادم لا يزال مرميًا أمام كنيسة سيّدة شحلو، وسط القبيات. كذلك تتشابه أضرحةُ الهرمل مع ميغاليت عمريت التي درسها "دونان" و"دوبان"، والعائدة إلى القرن السابع قبل الميلاد[28]. ويبدو أنَّ القبيات كانت مستعمرة من قبل الفينيقيين، تمامًا، منذ عهد السيطرة الأخائية على المتوسط[29]، إذ كان عليهم، حتى يعوّضوا عن نشاطهم البحري، أن يمدّوا في ممتلكاتهم البريّة. فمن الممكن أن تكون القبيّات قد تبعت مملكة أوغاريت[30]، أو على الأصح، سيميرا. في هذه الحال يمكن لآثار مار شليطا الجميلة، والتي هي كناية عن معبد قديم، ذي حجارة عملاقة، يبلغ طول الواحد منها ثلاثة أمتار تقريبًا، أن تكون بقايا معبد فينيقي روماني من حقبة متأخرة، فهو يشبه حصن سليمان في سوريا، ويحتمل أنّه كان مكرّسًا لبعل سيميرا أو لآلهة عرقا.

ولم يكن ممكنًا لحثيِّي قادش، أن يجهلوا معبر القبيات. فقد كتب الأب لامنس في هذا الخصوص: «يمكن القبول بأن الحثيين استنكفوا عن احتلال وادي النهر الكبير الذي يفصل لبنان عن جبال النصيرية، لا سيّما وأنهم كانوا يعلمون أن هذا الوادي يشكل الطريق الطبيعي للأمم الفاتحة، والذي يثبت ذلك تاريخ الفراعنة نفسه»[31]... لكن، ميدانيًا، نادرًا ما نجد علامات على وجود الحثيين هنا، على عكس ما نجد لأخصامهم الفراعنة. فهؤلاء، الأخيرين، كما يبدو سلكوا طريق آلوتاريوس عبر القبيات. ورعمسيس الثاني، سنة 1294 ق.م.، الذي جاء ليقاتل الحثيين، أخذ الطريقَ نفسه[32]، والمعركة بين الفرعون والحثيين دارت، على الأرجح، في سهل البقيعة، شمال غرب قادش[33]. بعد ذلك بمدة قصيرة، أي سنة 1200 ق.م.، اجتاح الآراميون بلاد سوريا. ويبدو أن هذه الناحية تبعت آرام حمص»[34]. وهؤلاء، أي الآراميون، لم يتركوا آثارًا ظاهرة، لكن أثر لغتهم السامية واضح في أسماء مواقع البلاد.

إن أغلب الاجتياحات التي حصلت في الألف الأول ق.م.، والآتية من المشرق: فرس، أشوريين، بابليين... عبر بادية الشام أو عبر وادي العاصي إلى الساحل قد مرّوا من هنا[35]، ولم يترك أثرًا إلا نبوخذ نصّر البابلي، وهو الوحيد الذي ترك علاماته على صخور المنطقة عندما قصد فينيقيا عبر محور ربله- أكروم- كرم شباط- عرقه.

لماذا سلك نبوخذ نصّر هذه الناحية الجبلية والصعبة على جيش عرمرم؟

يسأل الأب تالون: إلى أين كان يتّجه هؤلاء البابليون عند مرورهم في وادي السبع[36]؟ كان بوسعهم أن يسلكوا وادي بريصا، الواقع على بعد عشرة كيلومترات من ربله حيث كانوا يعسكرون وحيث إلى الجنوب طريق سهل، يصعد في منحدر ليّن فإلى معبر واسع، وينفذ عبر الوديان إلى طرابلس. لماذا سلكوا مثل هذا الوادي الضيق، ذي الجروف الزلقة؟

يجيب الأب تالون على هذه الأسئلة فيقول: كان البابليون في صراع مع الفراعنة بسبب أطماع هؤلاء التوسّعية. وكانت مصر ترتبط بمصالح تجارية مع المدن-الدول الفينيقية فكانت تجد في هذه الممالك الصغيرة حلفاء مستعدين ليقطعوا الطريق على البابليين[37].

ويتابع الأب تالون كلامه: في العصور السالفة، كان يمكن لمن يأتي من سوريا أن يعبر ومن غير أن ينكشف، على القمة المغطاة بالأحراج، فينقضّ على عرقه، أو يباغت ويقطع طريق الساحل وشمال طرابلس. يستحيل إيجاد طريق آخر أقصر ويسمح بالتستّر وبمفاجأة العدو[38]. في الواقع، اكتشف البابليون هذا الطريق قبل الرومان بزمن بعيد، فسلكه نبوخذ نصّر ذهابًا وإيابًا من ربله إلى أورشليم مرّتين.

وفي المرة الثالثة اجتازه نائبه نبوزردان، بينما بقي هو في مركز قيادته في ربله، على العاصي[39].

وابتداءً من العام 164 ق.م. وقعت مملكة السلوقيين في الفوضى. وخلال قرن، تقريبًا، عانت فينيقيا من غزوات عربية، ومن نتائج حروب أهلية، فالعرب على طول نصف الحدود السورية الفلسطينية كانوا جيرانًا دائمي الحركة، إذ نجح بدو الحجاز، بضغطهم الملحّ، وبجوعهم، أن يتسرّبوا، في مجموعات صغيرة، إلى سوريا مجذوبين بروعة الخصوبة في هذه البلاد، بلاد الخبز والخمر[40]، فضربوا خيامهم في قلب الأراضي الزراعية[41]، وأسسوا ممالك لهم في حمص وتدمر والبتراء وما عتموا أن امتزجوا بالسكان واعتنقوا لغتهم وحضارتهم، فصارت طقوسهم وأسماؤهم وبعض آلهتهم آرامية[42]. كما احتلَّت إحدى قبائلهم حمص وجوارها سنة 81 ق.م.، وحكمتها لأكثر من قرن. هذه القبيلة كانت تعبد الشمس، لذلك انتحلت اسم «سمشجرام أو سحيموس» وصار الهيكل الذي يكرّم فيه قرص الشمس، مجسّمًا بهيئة حجر بازالتي، ينافس هيكل هيليوبولس (بعلبك)[43].

أما في لبنان «فكانت جميع مفارق الطرق والممرّات الرئيسة تحت مراقبة زعماء قطّاع الطرق»[44]. والأيطوريّون الذين هم قبائل مترحّلة، تقريبًا، وكانوا يتكلمون الآرامية، أقاموا لهم حول خلقيس (عنجر) مملكة عربية، وكانوا، من قلعتهم على حرف الجبل، يشنّون الغزوات المتتالية على مدن الساحل ويدمّرونها[45].

ولما دخل بومبيه سوريا سنة 63 ق.م.، ترك بطليموس ابن ميناوس على عرشه، وكان برتبة تترارك (نائب ملك، لقاء ضريبة مقدارها ألف تالان (مثقال)[46].

هنا يجدر السؤال: من كان أسياد القبيات في هذه الفترة؟

هل هم السحيميّون أسياد حمص، أم كانت تابعة لأبناء ميناوس، أسياد البقاع؟

في كل الأحوال، وبعد كثير من المشاكل، عادت المنطقة إلى الحكم الروماني المباشر، في عاصمة سورية الفينيقية مدينة حمص.

 

و- القبيات أرض مسيحية

دخلت المسيحية مبكّرة إلى فينيقية، نحو منتصف القرن الأول إذ كان بولس الترسيسي يزور جماعات مسيحية في صور وفي صيدا وفي خلده، جنوب بيروت، في موقع المطار، حاليًا، حيث كشف التنقيب الأثري عن كنيسة تعود إلى القرن الثالث الميلادي، ونقلت إلى حديقة اليسوعيين، على تلّة الأشرفية في بيروت. وعقب منشور ميلان (315 م) الذي أعطى المسيحيين الحرية الدينية، أخذت الوثنية تتقهقر ببطء من المدن، في البداية، ثم من الجبل. ومع ذلك بقي لها مراتع أخيرة في جبل لبنان، لا سيّما في بعلبك[47]. لكن طوال مدّة حكم قسطنطين، أخذت معظم الهياكل الوثنية تتحوّل إلى كنائس. وتحوّلت بعلبك إلى المسيحية نحو سنة 330 م.[48]؛ كما تحوّلت ناحية القبيّات، موطن الآلهة، إلى مركز مسيحيّ مزدهر.

كنا قد أشرنا، منذ قليل، إلى دخول الآراميين سوريا والساحل الفينيقي، منذ الألف الثاني قبل الميلاد. ولمّا كانت الممالك الآرامية الصغيرة منهكة بسبب الاحتراب الداخلي، وبفعل حروب خارجية لا تنقطع مع الاسرائيليين والفلسطينيين، فإن الشعب الآرامي واللغة الآرامية استمرّا. واختلط الشعبُ الآرامي مع الكنعاني، فسُمِّيَ الذين تحوّلوا إلى المسيحية سريان، أو سوريين مسيحيين، واستمرّت هذه التسمية حتى مجيء الصليبيين[49]. أما اللغة الآرامية فقد انتشرت في سوريا كلِّها وصارت اللغة الرسمية في بابل، ثم، بعد حين، دخلت إلى بلاد الفرس. وهنا نسمح لأنفسنا بأن نورد نصًا إيطاليًا نقله إرنست رينان[50]:

«Akkar questo distretto, anticamente, faceva parte del governo della montagna e nel tempo degli antichi imperatori greci era assai florido per la cristianità come si vede avanti di molte varie chiese antiche rovinate.

والجدير بالذكر هنا، أننا، وحيثما توجَّهنا في عكار، نجد بعضًا من هذه البقايا تتبعثر على الكتلة الجبلية منها، وبصورة خاصّة في ناحية القبيات (أكثر من عشرين)، وهناك شهادات تؤكِّد على ما نقول.

وكتب الكونت دي طرزي، عند حديثه عن سيّدة القلعة في منجز، قال: «هذه الكنيسة بُنيت على تلة في منتصف الطريق بين طرابلس وحمص، وليس بمستبعد أن تكون سيّدة القلعة (لا تزال تحمل التسمية نفسها) قد بُنيت قبل تاريخ الانشقاق في كنيسة أنطاكية، في القرن الخامس. وجدير بالذكر أن المسيحية، قبل أن يجتاحَ العرب عكار، كانت سائدةً بين السكان، إلى درجة أن جميع العكاريين كانوا مسيحيين»[51]. هذه الشهادات أَكَّدتها التنقيبات الأثرية التي أُجريت ميدانيًا، وإن بشكل محدود. فسنة 1901، عندما كان الأب لامنس يزور منطقة حمص مستكشفًا نقوشًا كتابية، تجاوز إلى داخل حدود قضاء عكار، وبشكل خاص إلى منطقة أكروم المجاورة لبلاد حمص. هنا، اكتشف الأب لامنس عدة كتابات، اغلبها باليونانية، وهي كناية عن تقادم، تشير إلى تاريخين هامين منها: الأول سنة 900 للإسكندر، والثاني 767 للإسكندر[52]. لكن البقايا التي تشهد أكثر من سواها، على هذه الحقبة الأولى للمسيحيين، هي بقايا كنيسة شمشوم الجبار، والتي لا تزال أساسات الحنية الشرقية منها ظاهرة إلى اليوم، وهي تدلّ على أن هذه الكنيسة كانت مخطّطة على شكل صليب[53]، وقد امّحت، اليوم، معظمُ جوانبها، إن بفعل الترسبات، وإن بفعل يد الانسان. وقد وجد الأب تالون في تلك المنطقة عتبةَ كنيسة صليب عليها صليبٌ بيزنطي وكتابةٌ سريانية تشير إلى تقدمة هذه الكنيسة إلى القديس يوحنا. ونسخَ هذا النقش الأب رينيه موتيرد سنة 1931، وكان قد فسّره الأب موتيرد نفسه بأن «الكنيسة كرّست في يوم عيد مار يوحنا سنة 547-548 ميلادية»[54]. والأب تالون نفسه رفع[55] وصوّر في جوار «حرب عاره» عمودَ درابزين المذبح، وصليبًا فوق باب بيت، وبقايا رموز مسيحية أخرى. أما حرب عاره فلا تزال فيها بقايا كنيسة بازيليكية فخمة[56]، دعت هذه البقايا الآباء لامنس وموتورد وتالون إلى التساؤل عمّا إذا كانت هذه البازيليك كرسيًا لأسقفيّة «هرمنيات» (Harminiat) القديمة، وذلك في معرض تصحيح ما اعتبره ج. أ. غوتيه، من أن موقع مركز الأسقفية، هذه، هو في الهرمل، قريبًا من منبع العاصي[57]. هنا، نذكر بأن أغلب الهياكل الوثنية عُمِّدت أو حُوِّلت، بشكل من الأشكال، إلى أماكن عبادة مسيحية، على سبيل المثال، فناء معبد نمسيس في نبع الجعلوك (منجز-عكار)، وأيضًا معابد أكروم. وكثيرة هي أماكن العبادة الوثنية التي حُوّلت إلى كنائس مسيحية. كذلك، كنا، في أثناء تجوالنا الكثير في أنحاء المنطقة وفي بحثنا الميداني الدؤوب، استطعنا أن نأخذ صورًا كثيرة لسواكف كنائس قديمة سابقة، موجودة في جدران الكنائس الجديدة، وليس في مكانها فوق الباب، ومحفور عليها، وبطريقة متقنة، غالبًا، ثلاثة صلبان، وكأن هذه العتبات تريد أن تعبّر بأسلوب لبق عن أن الكنيسة الجديدة لم تلغِ سابقتها.


صليب لاتيني على ساكف دير في أكروم الضيعة

 

صليب بيزنطي في حائط بيت في أكروم، من حجر البازلت عليه كتابة يونانية


 

في القرنين العاشر والحادي عشر، خلّفت الحروب المذهبية الأخويّة بين فاطمييّ مصر وسلاجقة بغداد نتائجَها على شعوب بلاد سوريا ولبنان فدفع مسيحيو الساحل، لا سيّما مسيحيو عكار، ثمنًا باهظًا. أما بحق مسيحييّ القدس فاتخذت اجراءات شديدة القساوة (996-1002) وكان من نصيب كنيسة القيامة أن هدمت كليًا (1009).

إذا كان تعصّب فاطميي مصر ووقوفهم ضد المسيحيين وضدّ الحجّاج الأوروبيين من الأسباب المباشرة للحملات الصليبية، فإن الصراع بين الفاطميين والسلاجقة والبيزنطيين على الساحل الشرقي للمتوسط قد سهّل للفرنجة عبورًا سهلاً، فقطعوا الطريق بين أنطاكيا والقدس من غير مقاومة تذكر.


 

 

 ===========

 

القسم الأول

 

لمحة تاريخية


========

 

الفصل الأول

سوريا عند نهاية القرن الحادي عشر

في بداية القسم الأول، هذا، نحرص على التأكيد أنه ليس في نيتنا إعادة كتابة تاريخ سوريا قبل الفتح الإفرنجي، بالرغم من شدّة اضطرابها في هاتيك الحقبة، لأن تاريخها الوقائعي، من ناحية، ليس موضع خلاف، في خطوطه العريضة على الأقل، وذلك بسبب كثرة الوثائق العائدة إلى ذلك الزمن مع الوضوح فيها؛ ولأنَّ هذا التاريخ، من ناحية أخرى، دُرِسَ، وبتعمّق، وبأدقّ تفاصيله، إن من قبل المؤرِّخين اللبنانيين أمثال جواد بولس وكمال الصليبي وفيليب حتّي ويوسف الدبس... الذين خَصَّصوا له حيّزًا كبيرًا من مؤلفاتهم الرئيسة، أو من قبل مؤرّخي القرون الوسطى من الأجانب المشهورين أمثال الأب لامنس ورينيه دوسّو وكلود كاهن وبول دي شان وغيرهم كثيرين.

إن التجزئة السياسية لبلاد سوريا وتعدّد الأديان فيها، فتحا الأبواب واسعة أمام الاجتياحات الأجنبية، كما يقول المؤرخ جواد بولس[58]، ونقول، بالأحرى: إن هذا الشرق الجائش، المضطرب، تجري السياسة فيه جنبًا إلى جنب مع الدين، فكل انقسام سياسي اجتماعي فيه، يَصْحَبه، حتمًا إنقسامٌ عقائدي. فسوريا، خلال القرن الحادي عشر، وباعتبار التشكيلة الديمغرافية لآسيا الغربية، لم تخرج عن هذه القاعدة التي يعتبرها المؤرخ نفسه «ثابتةً تاريخية». وإن البلاد الواقعة بين مصر وبلاد الرافدين تشكّل من الناحية السياسية والاقتصادية معبرًا استراتيجيًا مهمًا من الدرجة الأولى. والسيطرة على هذا المعبر من قبل أيِّ حاكم في مصر أو بلاد الرافدين هي ضرورة حيوية. هذه هي الثابتة الثانية. فالساحل الأوسط للمتوسط يبدو، فعلاً، كأنه رئة بغداد الرئيسية، كذلك يشكّل الرابط الحيوي بين القاهرة وأسواق الشرق الأقصى.

فالسيطرة على هذا الشريط الساحلي شكّل الرهان بين القوى المتصارعة، غالبًا الأخوية، الحاكمة في مصر وبغداد والقسطنطينية، مدّة قرون متتالية[59].

فمقابل تمدّد أو انكماش الامبراطورية البيزنطية، على الضفة الأخرى للبوسفور، عرفت الامبراطورية الإسلامية، بدورها، ساعاتِ شدّة ورخاء، فاجتياح العرب المسلمين باتجاه الشاطئ تكسّر على دروع الأسطول اليوناني. وكلّ محاولات الأمويين في الاستيلاء على المتوسط الشرقي باءت بالفشل، وتحدّدت سلطتهم، بالنهاية، عند الداخل السوري، لتُخليَ المكان، من بعد، لاسلامٍ آخر، لم يعد عربيًا، هذه المرّة بل مستعربًا؛ فالأمويون قد أُزيحوا من قبل العباسيين، ودمشق، بعد أن صارت مجرّد مدينة إقليمية بسيطة، تحوّلت مكانتها إلى مدينة الكوفة، وأصبحت بغداد عاصمةَ الإسلام الفارسي. هكذا قُرعت أجراسُ النعي «للمُلك العربي» على يد الدولة الإسلامية الجديدة، وأخذت تبتعد أكثر فأكثر عن الساحل لتتجه صوت الداخل الآسيوي، وتلاشت مراكز التجارة البحرية أمام صعود مدن الداخل.

على الصعيد السياسي استأثرت طبقةٌ جديدة على السلطة الفعلية تاركةً للخلفاء سلطةً إسمية، وتحوّل الحكم العباسي إلى نسيج من المكائد السياسية[60].

نتائج هذه الفوضى السياسية كانت خطيرة ومشؤومة: «فما أن وافى القرن الرابع الهجري، حتى تحوَّلت الدولة الإسلامية إلى عالم إسلامي إذ استيقظت القوميات من جديد وقامت عدّة دول في أنحاء الدولة العباسية[61]، وعادت بلاد الخلافة إلى سابق عهدها، قبل الإسلام، والإثنيات القديمة عادت إلى الانتعاش وأقامت لنفسها كيانات في حدودها الجغرافية، فاستعاد تاريخ الشرق مساره القديم. وانفصلت أقاليم عدّة عن بغداد وكوّنت لنفسها حكوماتٍ ذاتية، وغرقَ العالم الإسلامي في فوضى قاتلة لم يخرج منها إلا في زمن الزنكيين والأيوبيين عند نهاية القرن الثاني عشر. وبين الدول الجديدة كانت مصر الأولى التي استعادت شخصيتَها القومية، فكانت الأهم على الصعيدَين السياسي والديمغرافي.

عشية الحملات الصليبيّة، سنة 1097 تمامًا، اقتسم ابنا تتش، رضوان ودقّاق، ملكَ أبيهما في سوريا، وأخذا يتناحران ليتوسَّع كل منهما على حساب أخيه، حتى أُنهِكا. فاغتنم الفاطميون الفرصة واحتلوا فلسطين. كما كوّنت طرابلس حكمَها الذاتي تحت لواء بني عمّار الشيعة، الخاضعين، إسميًا، لسلطة القاهرة. وأصبحت بغداد والقاهرة عاصمتين متواجهتين، قوّتين بعقيدتين مختلفتين. الانشقاقُ في العالم الإسلامي قد وقع، والحكمَ المباشر للفاطميين لم يتجاوز حدودَ مصر في أغلب الأحيان، والأراضي الواقعة بين مصر والعراق صارت مجالاً للنزاع بينهما، يمدّ عليهما كلٌّ من الطرفين سلطتَه حسب ظروف القتال والقوّة. وكانت بغداد تشهد، غالبًا، تبدُّلاتٍ في السلطة، والفاطميون لم يتوفَّر لهم جيشٌ قادر على فرض سيطرته. وبين القوتين المتنازعتين لاقت سوريا مصيرًا تاعسًا، فالعاصفة كانت تنذر منذ زمن بعيد.

عند نهاية القرن الحادي عشر، كان السلاجقة، وهم أتراك سنّة، يسيطرون على آسيا الصغرى وشمال سوريا، بينما كان الفاطميون الشيعة يمدّون سيطرتهم على مصر وفلسطين وجنوب سوريا، فقامت بين القوّتين الأختَين حروبٌ متمادية يغذّيها التزمت المذهبي والتبجّح المفرط لدى الحكام حتى أُنهكت القوتان ودبَّت الفوضى في البلاد الرازحة تحت حكمهما، فكان من نتيجة ذلك أن قام في أنحاء العالم الإسلامي حكامٌ صغار اقتطعوا لهم أراضيَ وتملّكوا عليها كسلاطين مستقلّين، كما نتج عن البغضاء والحسد والنزاع على الإرث بين الأخوة حروبٌ دامية خلّفت فوضى سياسية واضطرابًا في حبل الأمن. وفي أنحاء البلاد الواقعة بين القاهرة ودمشق كانت شعوب، غير المسيحيين، من المذهب الشيعي، محكومةً من قبل السلاجقة السنّة، وشعوبٌ أخرى من السنّة ترزح تحت وطأة الفاطميين الشيعة، وهذا ما فاقم في النزاع بين المذهبين الإسلاميين. وفي النتيجة، تمخّضت تلك الفوضى عن شروخ اجتماعية دينية وعن تألبات إقطاعية.

عندما خطا الإسلام خطواته الأولى في بلاد سوريا تلقّاه السكان الأصليون بالترحاب، إما بسبب ردّة فعل على الحكم البيزنطي لدى البعض، وإما بسبب قربى قومية رآه فيه بعض آخر[62]. والأغلبية هلّلت له متوسّمةً فيه إخراجها من عزلتها الإقتصادية التي عانتها في ظل الحكم البيزنطي، إذ استأثر اليونانيون بالتجارة البحرية. ولما كانت أغلبية سكان الساحل السوري من بقايا الشعب الكنعاني الفينيقي، وكانوا أسياد البحار قديمًا، وجدوا أنفسهم محاصرين ومحرومين من مصدر كسبهم الاقتصادي الموروث، فاضطر بعضهم إلى قَصر حياته على حياة زراعية عجفاء، وبعض آخر مال إلى ممارسة التجارة الداخلية عبر القوافل البرية على امتداد قارة آسيا.

يمكن تصنيف الشعب السوري في القرن السابع الميلادي تحت لفظة «مسيحيين»، لكن كلّ تصنيف عام يشتمل على تصنيفات جزئية مختلفة. فمسيحيو سوريا كانوا ينقسمون إلى عدّة مذاهب دينية. والعلاقات المتوترة، غالبًا، بين هذه المذاهب كثيرًا ما كان يفاقمها الأباطرة البيزنطيّون بسياستهم العمياء، فكانت تنشأ نزاعات دائمة بين هذه المذاهب الشقيقة وتشتدّ لتتحوّل إلى قتال دام وإلى مجازر متبادلة تتساقط فيها الضحايا. نذكر، على سبيل المثال، مذبحة رهبان دير مار مارون سنة 517. لذلك تعاظم كرهُ البيزنطي واتجهت الأنظار إلى الفاتحين العرب عسى أن يكونوا المنقذين غير المنتظرين! لكن بمقدار ما كان الرجاء كبيرًا كانت الخيبة مرّة. ففي ظلال الحكم الأموي استروح الناس وسارت الأمور، إلى حدّ ما، على ما يرام، لكنها بدأت تسوء في عهد آخر خلفائهم، وعظم السوء في عهد آخر الخلفاء العباسيين.

ولما قُيِّض للبيزنطيين إعادة سيطرتهم على خطوط التجارة البحرية قطعوا كل إمكان للتواصل بين الشرق والغرب. أما العرب، وقد صاروا أسياد المنطقة، فسرعان ما تلقَّنوا سرّ المهنة فسيطروا على خطوط التجارة البريّة بعدما نقلوا عاصمتهم من دمشق إلى بغداد. فضلاً عن ذلك، اتّبع الخلفاء العباسيون سياسةً جديدة هي التفريق بين الأديان، وأصدروا قوانين شائنة بحق من ليسوا من دينهم. وفي كلّ مرّة شعروا باهتزاز عرشهم كانوا يضعون موضع التنفيذ تلك القوانين، بهدف تثبيت أركان حكمهم المهتزّ، أو كلما رأوا أن يزايدوا على أعين المتطرفين من المسلمين، نفّذت أحكام بحقّ المسيحيين ومُنعت عليهم الوظائف الرسمية، ودُنِّست أماكنُ عبادتهم وساد الجو الطائفي، فدفع الشعب ضريبة الدم مرارًا.

لقد زرع البيزنطيون البذور، وروّاها العباسيون فحصدت البلاد، ولا تزال تحصد، المرارة إلى اليوم. «فرّق تسد» كان شعارهم.

وإذا كان لكل شيء نهاية، فإن الإنقسام لا نهاية له. إن سياسة الفوضى، في هذه المرحلة، كانت لها عواقب وخيمة على مستقبل المجتمع السوري. فقد صار الشعب شعوبًا، والشعوبُ صارت فئات تتمحور حول مذاهبها، والإقطاعية زاد انتشارها، وتصاعدت وتيرة الهجرات الجماعية.

وهل يمكن الحديث على أصول عرقية في سوريا؟

إن النزاعات التي نشأت في سوريا هي، مبدئيًا، من نوع النزاع الديني الاجتماعي أكثر مما هي من النوع العرقي. فمن وجهة النظر هذه، كان أعضاء المجتمع السوري، آنئذٍ، ينتمون، على العموم، إلى أصل واحد هو الأصل الآرامي، ويتكلّمون لغة واحدة هي اللغة الآرامية. فسوريا القديمة، أكانت فينيقية أم آرامية، قد اعتنقت الديانة المسيحية التي هي، بدورها، من منشأ سامي. فيما بعد، في مرحلة الفتح الاسلامي، اعتنق بعض السكان الدين الجديد، وبعض آخر بقي على معتقده القديم. والدين الاسلامي، بدوره، نشأ في عائلة عربية، هي فرع كبير من العرق السامي. وكانت الفوارق في مجتمعات هذه البلاد هي من النوع الصوري وليس الحقيقي، وهي عائدة إلى ظروف جغرافية ومناخية. إلاّ أنّ الفوارق الدينية-الاجتماعية والميزات التي تتسم بها المجموعات الاجتماعية، في المجتمع السوري، ليست غريبة، أصلاً، عن طبيعة المجتمع السوري. إنها متأصلة فيه وتعود جذورها إلى الحياة البدائية القبلية.

هل يكون عامل الخلاف، ذلك، عاملاً مناخيًا أم يعود إلى الذهنية التجارية للشعب؟

إن الاعتدال الفطري، في نفوس يتأصَّل فيها البعدُ الديني، أتاح لمختلف الجماعات أن يقتل بعضها البعض الآخر، وأن تتعايش وتشكل مجتمعًا منسجمًا، رغم الفوارق الثقافية التي تتسم بها تلك الجماعات، والعائدة، مبدئيًا، إلى الأساس الاجتماعي-الديني، وبالتالي إلى أسلوب العيش لدى كل جماعة. لقد جمع فيما بين تلك الجماعات تفاهم وحسّ بالدفاع عن النفس، متجاوزين الفوارق ليشكّلوا فدرالية طوائف في قلب مجتمع سياسيّ واحد. إذ إنّ التدخل الخارجي، وحده، كان يفرز بين فئات السكان جاعلاً منها جماعات متناحرة بعد أن كانت، بغيابه، جماعات متوائمة.

وقد دفع التطرّف والاضطهاد لدى الحكّام الأغراب بأعضاء المجموعات الطائفية في سوريا إلى الالتفاف، ليس حول زعيم ديني فحسب، بل حول سلطة زمنية، أيضًا. هكذا تحوّلت الجماعات الطائفية، بدفعٍ من الخارج، إلى مجموعات اجتماعية-سياسية مكوِّنةً أممًا صغيرة، ذاتَ حكم ذاتي تقريبًا، في وسط العالم الاسلامي الشاسع.

وبما أن الناس لا يقدرون على العيش إلا ضمن مجتمعات، فإن الانحطاط الخلقي والبؤس دفعًا بالمجتمع السوري إلى لعودة إلى البدايات، أي إلى العائلة والقبيلة والطائفة[63].

هناك نتيجة أخرى أفرزها الحكم العباسي هي الإقطاعية التي ارتدت شكلاً مخيفًا في سوريا؛ فالعالم الاسلامي كان مترامي الأطراف إلى درجة يستحيل معها أن يحكمه الخلفاء حكمًا مركزيًا؛ لذلك قَسَّموه إلى ولايات وفوّضوا الأحكام فيها إلى حكّام إقليميين، حتى إذا ما ضعف الحكم المركزي استقلّ الولاة بسلطانهم. ولما لم يكن هؤلاء واثقين من استمرار السلطة بيدهم، انصرف جلّ همّهم إلى جني المال ليشتروا به رضى من ولاّهم، وليدفعوا، من بعد، الضرائب إلى خزانة الخليفة[64]. ولما كانت سلطة هؤلاء الحكام ذات منشأ عسكري، على الغالب، فإن ملكياتهم لأراضي إقطاعاتهم كانت ملكية تصرّف [رقبة الأرض تبقى للخليفة]، فكان استثمارهم لها يهدف إلى التسلّط والاثراء، فاستأثروا بالغلال وبعائدات الصناعات الخفيفة، غير عابئين بمصلحة المزارع أو الصانع اللذين كانا يضطران، غالبًا، إلى هجرة الأرض وإقفال المحترف. ولما كانت الزراعة هي مصدر الارتزاق الأساس في الشرق الأوسط، فإن الأرض بعد أن هجرها زارعوها عادت بورًا، وتدنّى عدد السكان، في سوريا، حتى وصل إلى مليون نسمة خلال القرن الثامن عشر، بعد أن كان ثمانية ملايين في العهد الأموي. وتحوّل عدد القرى في ولاية حلب إلى أربعمئة قرية في بداية القرن التاسع عشر، من أصل ثلاثة آلاف ومئتي قرية كانت تدفع ضرائبها للوالي[65].

عند ظهور الصليبيين، كانت هذه البلاد تشكل فسيفساء عجيبة من متسلّطين ومن إمارات متناحرة. وقد بان الوضع السياسي على الشكل التالي: تتش، الذي أقطعه أخوه ملكشاه حصّة في دمشق، مات سنة 1092. فتملك ابنه البكر رضوان على حلب. أما ابنه الأوسط دقّاق فتبوّأ عرشَ دمشق. وجناح الدولة، أتا بك رضوان [مربّيه]، تسلّط على حمص. وعلى الساحل، تحوّلت طرابلس إلى إمارة مستقلة، يحكمها فخر الملك بن عمّار، وهو قاضٍ شيعي سابق استطاع أن يحفظ استقلاله بين بغداد والقاهرة بفضل حذقه الديبلوماسي وبفضل موقع المدينة العسكري الحصين. وآل منقذ كانوا يحكمون شيزر متمكّنين، والحشّاشون كانوا قد اقتطعوا لهم أراضيَ يحكمونها في جبال النصيرية[66].

في هذا الوضع من تفكّك السلطة، ماذا كانت حال المسيحيين؟

كانت فتوحات العرب المسلمين، في بداياتها، فتوحاتٍ عسكرية. فنزل العرب، في البداية، خارج المدن، في مضارب وقطائع عسكرية، واكتفوا بقبض الجزية وبفرائض عينية يقدّمها السكان الأصليون[67]. وكان اعتدال هؤلاء العرب، وحكمتهم في معاملة أهل البلاد المفتوحة، من جهة، وكره هؤلاء للبيزنطيين من جهة أخرى، قد سهَّل لأولئك وضع يدهم على البلاد المفتوحة، بل أتاح لهم تعاونًا من قبل سكانها الأصليين. «وبسبب هذه السياسة المنفتحة والمعتدلة انحاز إليهم مسيحيو سوريا»[68]. وعندما أنشأوا أسطولهم الأول كان ربابنته وملاّحوه من المسيحيين السوريين. «وهذا الأسطول الغني، المؤلف من 1700 وحدة بحرية، كانت قيادته، حسب المؤرخين العرب مسيحية»[69]. وسنة 649 حقّق هذا الأسطول الفتي نصرًا للعرب على البيزنطيين، جنوب الأناضول. ومن ناحية أخرى، فإن افتتاح التجارة البحرية التي كانت، سابقًا، حكرًا على اليونانيين، ووصول العرب بها إلى أسواق الشرق قرّب، أيضًا، بين أسياد سوريا الجدد والمسيحيين. وهذا التسامح لدى الفاتحين العرب سهّل تحوّل كثيرين من السكان إلى الاسلام. وطالما كان الاستقرار سائدًا، وكانت الضرائب تصل إلى خزينة الدولة، فإن الحكومة العربية الاسلامية كانت تتّبع سياسة على قسط من الذكاء، فلم تتدخَّل في الشؤون الداخلية للطوائف، وفي الأنحاء التي كان يقطنها مسيحيون لم يعانِ أهلها ظلمًا، وكانوا يشعرون بالأمان في حياتهم وأرزاقهم وحرّيتهم الدينية، وبقي رؤساؤهم الدينيون يديرون شؤونهم بحريّة، واستمرّت الحياة العامة مُرْضيّة، ما عدا استثناءات قليلة، حتى صعود العباسيين.

في ظل الخلفاء الأوائل للسلالة العباسية، بقي وضع المسيحيين مقبولاً، نوعًا ما؛ حتى إنّ بعض خلفائهم المشهورين كان يستجمّ في بعض أديار سوريا، في ضواحي دمشق، وفي سرجيوبولس، الرصافة، اليوم. هارون الرشيد (786-809) والمأمون (813-833)، أقاما، غالبًا، في دير مرّان في دمشق[70]. وقيل إن القبة القائمة على دير مرّان قد بناها المأمون.

ولاحظ فيليب فان مايرز، قال: عمليًا، بقي الخلفاء المسلمون، طيلة أربعة قرون، يمارسون سياسة تسامح، ويعاملون بالحسنى الحجّاج المسيحيين، ويشجّعونهم على الحجّ لأنه كان يشكّل مصدر دخل كبير[71]. لكن هذا الوئام بين العباسيين والمسيحيين انكسر. ذات يوم معهود، من سنة 850، قام الخليفة المتوكل، والمشهور ﺑ «نيرون العرب»، وحتى يصرف الانتباه عمّا يحصل في قصره، في بغداد، من مشاهد المجون، وحتى يثير إعجابَ المتطرفين السنّة، قام بإجبار «الكفّار»، من مسيحيين ويهود على ارتداء ثياب صفراء، كما أمر بهدم الكنائس التي بنيت بعد الفتح الاسلامي، وبتسريح الموظفين المسيحيين من الخدمة، وأمر بنبش قبور المسيحيين، كما منع عليهم أن يركبوا الأصائل إلا ما كان من حمير وبغال[72].

ونهاية القرن العاشر، شهدت انفصام الوئام الاسلامي-المسيحي، وأصاب المسيحيون الذين هلّلوا عند مجيء المسلمين، اضطهاد رهيب. والحاكم بأمر الله الفاطمي، أعاد تطبيق الأحكام التي أصدرها سابقوه.

وفي سنة 1109 أصدر أمرًا بهدم الكثير من الكنائس، بينها كنيسة السيدة العذراء في دمشق وبازيليك القيامة في أورشليم[73]، واضطهد الحجاج فأسيئت معاملتهم، وبعض الكنائس حوّله إلى اسطبلات[74].

لكن المسيحيين، رغم مصائبهم، بدل أن يتوحّدوا، عادوا إلى الشقاق الذي قد زرعهم، فيما بينهم، البيزنطيون، فما إن هدأت العاصفة حتى انغمسوا في نزاعاتهم الموروثة.

وكانت بيزنطية، حامية المسيحيين تقليديًا، تلملم جراحها بين حين وآخر وهي غائبةٌ عن مسرح الأحداث. ولما آنست بعضَ اطمئنان من ناحية الجرمان، عادت لتظهر على أبواب سوريا من خلال بعض الغزوات العابرة تاركة المسيحيين يعانون من ردّات فعل حكامهم المسلمين.

فقد كان مسيحيو سوريا ينقسمون بين أربع طوائف كبرى: اليعاقبة المونوفيزيون، القاطنون شمال سوريا، ويمتلكون مراكز مهمّة في الجزيرة. الروم المرتبطون ببطريرك القسطنطينية كانوا ينتشرون في وسط سوريا وجنوبها، ويتكاثفون في منطقة الكورة قرب طرابلس. والأرمن كانوا يقطنون في منطقة الرها وأنطاكية. والموارنة قد لجأوا إلى سلسلة جبال لبنان، وإلى بعض زوايا تتوارى في وادي العاصي.

فما كانت هذه الشريحة من الشعب اللبناني [الموارنة] التي التقاها الصليبيون عند وصولهم إلى أرض طرابلس، والتي أثنى عليها مؤرِّخو حملاتهم؟

سنخص الفصل التالي بالموارنة الذين رأى فيهم جاك دي فيتري «مساعدي الفرنجة الثمينين». إنهم السريان الذين جاؤوا لملاقاة الفرنجة.


الفصل الثاني

 

الموارنة

 

إنّ تاريخ الكنيسة المارونية يبقى دائمًا بحاجة إلى إعادة كتابته، لاسيّما في عهوده الأولى. إن أغلب ما نعلم عنه يبدو ملتبسًا، إما لنقص في المصادر، وإما لأن ما نعلم مبنيّ على التقليد الذي لا نقلّل من أهميته، لكنه لا يرقى، في المكانة، إلى مستوى الوثيقة التاريخية.

من بين المؤرِّخين البارزين الذين أجروا أبحاثًا متقصّية، نذكر البطريرك اسطفان الدويهي «أبا المؤرِّخين الموارنة»، والمونسنيور السمعاني صاحب «المكتبة الشرقية»، ومطران بيروت المشهور يوسف الدبس، بالإضافة إلى الأب اليسوعي المشهور هنري لامنس، صاحب التحليلات العميقة[75]، فصار يستند إلى هؤلاء المؤرّخين كلُّ من جاء، بعدهم، ليبحث في تاريخ الموارنة. ولم يأتِ أحدٌ بجديد موثّق على جانب من الأهمية، كما لم تظهر أية إضاءة جديدة تكشف عن حلقة مفقودة أو غامضة في تاريخ هذه الكنيسة. وفي هذا الصدد نشير إلى ما كتبه أحد المؤرخين اللبنانيين الأكثر إثارة للجدل، والذي منذ بضع سنوات كتب: «لم يرد اسم الموارنة في المجمع الديني السادس، كما أن أي مؤرّخ لم يشر إليهم قبل القرن التاسع. ولم تصل إلينا أية وثيقة حقيقية تتعلّق بالكنيسة المارونية قبل القرن الثالث عشر»[76]. بدورنا، إذا كان لنا أن نعبّر عن رأينا فإننا نؤيّد ما قاله هذا المؤرخ.

رسميًا، وكما يبدو، لم تكن هناك جماعة مارونية قائمة، إن في لبنان، وحتى في سوريا، قبل نهاية القرن السابع. وما تؤكّده الوثائق هو أنه كان هناك «تلامذة» أو «رهبان» «أبناء بيت مارون». هؤلاء الرهبان كانت تعيش حولهم جماعات خلقدونية المعتقد، يرعونها، وهي التي دعاها المؤرخون باسم «موارنة». ونحن، بدورنا، نعتمد هذه التسمية.

إذا، من يكون هؤلاء المورانة ؟ من أين جاؤوا ؟ هل هم أولئك الذين هاجروا من شمال سوريا ؟ أم هم من سكان هذه البلاد ؟ هل هم فينيقيون أم سريان أم عرب؟

كم نودّ لو نجيب على الأسئلة بشكل وافٍ ومقنع!... وقد كتبت مجلّدات حول الموضوع.

وبعضُهم جعل من الموارنة شعبًا من جوهر خاص... تطورت جماعتهم على نسق يتميّز عن محيطهم الذي وُجدوا فيه، وكأنهم، في الوقت نفسه، منفصلون عنه بشكل ما[77]. هكذا يراد لهم، وبأيِّ ثمن، أن يُقتلَعوا من بيئتهم وأن يَنسلخوا عن جلدهم. وآخرون كثر، وموارنة كما يزعمون، لا يألون جهدًا في الحط من شأنهم المتنامي، أبدًا، وفي تقزيمهم.

يقول أحد المؤلفين المعاصرين: «نحن كلنا خليط، وفي الوقت نفسه أنسباء»[78].

سواء أكان الموارنة ورثةَ الفينيقيين أو من سلالة الآراميين، أو من بقايا العرب، فالموارنة موجودون، أمامنا، بلحمهم ودمهم، فلننظر إليهم.

 

أ‌-       الموارنة في سوريا

يعود تاريخ الجماعة السريانية الخلقيدونية التي حملت فيما بعد، إسم الكنيسة والشعب المارونيين إلى منتصف القرن الرابع، حيث كان يعيش في القورشية (بلاد شمال سوريا) ناسك قديس، إسمه مارون.

هذا القديس باشر نمط حياة جديد، «اعتزل الناس، وصار يعيش في منسكه، أو في الهواء الطلق، حياةَ تقشف كأقسى ما يكون»[79]. ما عتمت شهرة هذا الناسك حتى جذبت إليه تلامذة مارسوا حياة صلاة وبشارة في طول وادي العاصي، من شماله إلى جنوبه، من أنطاكية حتى قلب لبنان، مصمّمين على محاربة الوثنية التي كانت لا تزال ترتع بين مواطنيهم الآراميين، وجاهدين في لبنان، على تنصير من بقي فيه على وثنيته[80]. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حرصوا على الحفاظ على نقاء إيمانهم من بدع ذلك الزمان.

هاك ما قال البابا بندكتوس الرابع عشر، في خطاب له، في 13 تموز سنة 1744، وجّهه إلى مجمع الكرادلة : «عند نهاية القرن السابع، زمن كان الانشقاق ينزل في بطريركية أنطاكية، قرّر الموارنة أن ينتخبوا بطريركًا لهم ليحفظوا إيمانهم بمنأى عن العدوى...».

وقد بني تلامذة القديس مارون، شرقَ مدينة أفاميا، قريبًا من العاصي، ديرًا على اسم معلّمهم القديس. والمطران الدبس الذي لم يكن متفقًا مع الأب لامنس في هذا الشأن، في تاريخه «الجامع المفصل...»، قال: أول أديار الموارنة كان ذلك الذي بناه أهل حماه على ضريح القديس مارون، على نهر الرستن، أحد روافد العاصي، بين حماه وحمص، وسمّي دير «البلور»[81]. وقد وسّع الامبراطور البيزنطي مارسيان هذا الدير وحسّن فيه خلال السنة الثانية لملكه (452 م)، فعرف بدير الزجاج، وذلك لجمال هندسته وروعة أبنيته. وإنما قام الامبراطور بذلك ليدعم العقيدة الخلقيدونية، وليكسب ودّ النسّاك. هذا الدير أصيب بأضرار، في مرة أولى، لما استشهد فيه ثلاثمئة وخمسون من رهبانه في عهد الامبراطور أنستاز، فأعاد بناءه الامبراطورجوستنيانوس الأول، وليعود الامبراطور يوستينيانوس الثاني فيسوّي به الأرض، وليقتل خمسمئة من رهبانه، وذلك سنة 694م. ويبدو أن هذا الدير قد أعيد رفعُه من رماده فاستخدم كمركز للبطاركة المورانة حتى القرن التاسع[82].

رهبان هذا الدير وأديار أخرى عديدة في سوريا الثانية، مع المؤمنين حولهم، كانوا النواة الأولى لِ «أبناء بيت مارون»... ولم يحمل الرهبان وحدَهم اسمَ القديس مارون، بل حملته جماعةٌ كبيرة من المؤمنين[83] اسم موارنة أطلق، في الدرجة الأولى، على تلامذة القديس مارون من الرهبان... وهو لقب أطلقه أعداءُ رهبان القديس مارون على المؤمنين الذين يدينون بتعليم هؤلاء الرهبان...»[84].

ولما اعتنق آراميو سوريا المسيحيةَ أُطلِقَ عليهم اسم سوري أو سوريانو. من هنا جاء لقب سوريانوس في القرون الوسطى ليميّزَ بين الآراميين الذين اعتنقوا الديانة المسيحية والذين بقوا على وثنيتهم.

وفي سنة 451، تاريخ المجمع الخلقيدوني، انقسم المسيحيون قسمين: الملكيين، وهم الذين اعتنقوا، مع الملك، إيمان المجمع واليعاقبة المونوفيزيين الذين رفضوا عقيدة المجمع.

فقد كتب لوقيان في تاريخه «الشرق المسيحي»: تَسمّى الموارنة بهذا الاسم في القرنين الرابع والخامس». ويبدو هذا الكلام مستَهْجَنًا بعض الشيء. لكن لِنُعِد قراءةَ ما كتب ولنتأملّ في ما يَهدف إليه: «كلُّ من كان يود صادقًا أن يحافظ على إيمانه الكاثوليكي كان يتوجّه إلى دير القديس مارون حيث كان رهبانه يقودونه في طريق الايمان القويم... وكانوا يسمُّون موارنة كأنما هم يُنسَبون إلى الايمان الذي يَجهر به رهبان القديس مارون»[85].

«انطلق تلامذة القديس مارون من ديرهم الشهير في أفاميا لينتشروا على طول وادي العاصي، لا سيّما في حماه وحمص. أما في شمال سوريا فاستقرّوا، بصورة خاصة، في كل الناحية المسمّاة العواصم»[86].

واستمرّ انتشار «أبناء بيت مارون»، رغمَ توقُّفٍ قصير سنة 517م، إذ سَجَّل المؤرخون حضورَهم في سوريا وفي الرها على نهر دجلة، وانتشارَهم على الجبال في لبنان وسَنير واللكام، وكانت لهم تجمّعاتٌ في دمشق وحلب وغيرها، كما كان لهم كهنة وكنائس وأديرة وأساقفة، بشكل مستمرّ، حتى القرن الثالث عشر»[87].

 

ب - خلقيدونيون ويعاقبة

في القرن الخامس، انقسمت الكنيسة في سوريا قسمين: خلقيدونيين ويعاقبة. وشيئًا فشيئًا، شكَّل كلُّ قسمٍ كنيستَه، فما إن جاء القرن السادس حتى صارت الصورة واضحة. المونوفيزيون عُرفوا باسم يعاقبة وشريحةٌ كبيرة من الخلقيدونيين المعروفين باسم مَلَكية توجهت إلى المارونية. وكانت الكنيسة في سوريا واحدة، والشعب واحدًا، في القرون المسيحية الستة الأولى، على الأقل. وكانت النقاشات لاهوتيةً بحتة لا يفقَهُ الشعبُ منها شيئًا كثيرًا.

وإذا كان المسؤولون من كهنة ورهبان وأساقفة يتنازعون حول المسيح فإن الشعب، بكلِّ بساطة، بقي مسيحيًا.

«...اليعاقبة، حسب الأب ضو، بقوا يعيشون مع الموارنة جنبًا إلى جنب، متّحدين هويةً ولغةً وثقافةً وطقسًا وعِرقًا، رغم كونهم مختلفين إسميًّا في إيمانهم الخلقيدوني...». ويتابع الأب ضو قوله: أحيانًا، كانت القرية الواحدة تضمّ موارنة ويعاقبة يعيشون جنبًا إلى جنب، رغم أنَّ لكل فريق مؤسساته الخاصة. وهذا التعايش مُثبتٌ بالنصوص التاريخية وبالاكتشافات الأثرية[88].

وساءت علاقات الوئام بين الفريقين في عهد ساويروس بطريرك أنطاكية الذي انحاز إلى المونوفيزية، فاضطهدَ الخلقيدونيين. وفي أيامه حصل اضطهادٌ  517-518.

وفي بداية القرن السابع، ارتقى العرش الامبراطوري هيرقل الخلقيدوني فرعى بعين العطف «أبناء بيت مارون». ونقرأ، هنا، في نصٍّ يعقوبي «...سامنا رهبان مارون في منبج وحمص وبلدان الجنوب قساوةً كبرى. وأخذوا معظمَ كنائسِ اليعاقبة وأديرتهم. فرفع جماعتُنا الشكوى إلى هرقل لكن من دون طائل... فلم تُرَدّ لنا كنائسُنا»[89].

فأوقعت هذه الأحداثُ انشقاقًا في كنيسة سوريا، لكن لم تحصل قطيعةٌ بالمعنى الحقيقي. بل بقي الشعبُ الواحد، بشقَّيه، يعيش غالبًا، مع بعضه من دون فرزٍ في المساكن.

«بقيت الأمكنة والقرى والأديرة في مناطق سوريا الشمالية مسكونةٌ طيلة القرون المسيحية الأولى بالجماعتين، المارونية واليعقوبية، في الشعب السوري- الآرامي»[90]. ولم يكن مُمكنًا، في أغلب الأحيان، التمييزُ بوضوح بين كنائس هؤلاء من مثيلاتها لدى أولئك وأديرتهم. وقد نقل لنا المؤرِّخون مراسلاتٍ بين الجماعتين تنمّ عن حوار حقيقي عميق في اللاهوت.

 

ج- الموارنة والروم

هل بقي الخلقيدونيون جماعة واحدة؟

انقسم الخلقيدونيون، في القرن الثامن، حسب المؤرخ اليعقوبي التلمحري، سنة 728 بالضبط، إلى كنيستين متمايزتين: موارنة وروم.

وكتب الأب روروكيرسكي، مؤرِّخُ كنيسة انطاكية الأرثوذكسية، في هذا الموضوع قال: «أعتبرُ، وبثقة، أن الطوائف الثلاث التي تنتمي اليوم إلى كنيسة أنطاكية لم تكن، في القرون المسيحية السنة الأولى، سوى طائفة واحدة»[91].

فنستنتج أن الملكيين، من سريان وروم، كانوا يؤلفون كنيسةً ملكيةً واحدة تعتمد لغتين طقسيَّتَين تختلفان بحسب الموقع.

ويُرجع المطران الدبس وجودَ اسم مَلكية إلى القرن العاشر. يقول «أرى أن الاسمين، ملكية ومردة، يعودان إلى حقبة واحدة، وتناقِضُ واحدتُهما الأخرى. ولم يكونا يتعلَّقان، في البداية، بمعتقد ديني أو طقسي، بل بحزب مدني. ولا يخفى سكوتُ الآباء الأوائل والمؤرِّخين القدامى عن ذكر الملكية... فقد كان الاسمُ، في البداية، يشمل جميع السريان المدعوين، اليوم، كاثوليك، من الروم المتحدين أو من غيرهم»[92].

وبعيدًا عن المخطوطات والمطبوعات المعبِّرة، يأخذنا الأب بطرس ضو، في تاريخه الآثاري إلى تلك الأمكنة، حيث كان التاريخ يُعاش، وإلى حيث لم تكن يد الجهالة قد امتدَّت. من جنوب سوريا إلى هضابها الخصيبة في وادي العاصي، على التلول التي لا تزال تحتفظُ برسومها إلى حدٍّ ما، وحتى أطراف البادية القاحلة على نهر الفرات، لا تزال البازيليكات الجميلة والمباني الفخمة المبنية، خلال القرون المسيحية الستة الأولى، تشمخ بُخيلاء على عري الأمكنة، مشيرةً إلى حياة القديس مارون السخية والقديس سمعان وتلامذتهما[93].

من خلال هذا المقطع، نستنتج مع الأب ناصر الجميل «أن موارنة سوريا هم، بالدرجة الأولى، تلامذة القديس مارون، وقد سبق وجودهم في وادي العاصي الفتحَ الاسلامي».

 

د- الموارنة في لبنان

في بداية القرن السادس تلقّى تلامذة القديس مارون (رهبان بيت مارون)، في سوريا، معموديَّة الدم. فقد أُحرقت أديرتُهم، وقضى ثلاثمئة وخمسون من الرهبان شهداء، فتحتَّم على الرعية أن تتبدّد. بدأ رحيلُ المهاجرين الأوائل من على ضفاف العاصي، في أفاميا. فأخذ بعضُهم طريقَ سهل الغاب فعبر جبال العلويين إلى الساحل، ومنه أبحر إلى جزيرة قبرص، والبعض الآخر ترك الوهاد الخصيبة على العاصي وتوجّه قاصدًا الوديان العالية في لبنان، منتشرًا فوق وعورةِ التلال في جباله. ولم تكن هجرةُ الموارنة من سوريا الوسطى إلى لبنان دفعةً واحدة بل تتالت في دفعات، على ما يؤكد المؤرِّخون[94].

كتب الأب لامنس: «انتقل المهاجرون إلى لبنان في مجموعات صغيرة، حتى إنَّ بقايا منهم كانت لا تزال تقطن، على أيام المسعودي، في القرن العاشر، في وادي العاصي، خارج لبنان»[95]. وإنّما هجر الموارنة سهولَ سوريا الخصيبة إلى المنحدرات الوعرة في جبال لبنان هربًا من الاضطهاد البيزنطي.

وقد بدأت هذه الهجرة سنة 517 وتدرَّجت حتى نهاية القرن الثالث عشر. ففي السنة 694 اجتاحت جيوش الامبراطور جوستينيان الثاني البلاد السورية، تحرق أديرتها وتقتل الناس، فهرب أمامها رهبان القديس مارون، مع رعاياهم، صوب الجنوب، ونزلوا، بداية، في شمال لبنان، عند أقدام الكتلة الجبلية للأرز. ومن ثمَّ، وحسب الظروف، تقدَّموا إلى الوسط وإلى الجنوب من لبنان. ولما كان شمالُ لبنان مركزَ الانطلاق، فإن جماعات المهاجرين المتأخرين قد وجدت ملجأها عند من تقدَّمها في شعاب لبنان حيث استقرّت مع كلّ مؤسَّساتها. وهكذا اختلط القادمون الجدد بالمقيمين ليؤلّفوا جماعةً واحدة.

وكتب فيليب حتيّ: «اختلط القادمون الجدد مع الآراميين سكان لبنان الأصليين، ومعًا كوّنوا موئلاً وملجأً للمضطَهدين والمهاجرين من سوريا الداخلية... من هذا الانصهار وُلدت الأمة المارونية...»[96].

وحسب مصادر أخرى، فإن الموارنة الذين وصلوا إلى شمال لبنان لم يعيشوا حياةً مستقرة، حتى مجيء الصليبيين وذلك بسبب الاضطهاد والابادة العباسيين، وفي الوقت نفسه كان بعضُ من بقي من جماعتهم في السهول السورية وعلى ضفاف العاصي في طور الانحلال البطيء[97].

لو كان بالإمكان أن نسحَبَ كلامَ الأب لامنس في جماعات السهول والروابي المحيطة بها، على من كان في الجبل لأخذت الأمورُ منحىً آخر، ولقد أَجبَرت، في الواقع، مكائد اليعاقبة في سوريا والاضطهادات العبّاسيّة مَن نجا من موارنة الساحل والسهول المنخفضة على أن يلتحقوا بالجبل حيث تحصَّن أخوانهم بأمان قلّما اضطرب. «في البداية، لم تنتشر المارونية على ما يقول الأب فرنسوا تامينيه، بالهجرة بل بواسطة التبشير، وأخطأ من ادّعى أن الموارنة هم مهاجرو سوريا، إنما الموارنة هم، في الأصل، سكان لبنان اعتنقوا مارونيتهم بفضل التبشير. أما جماعات المهاجرين من سوريا فإنها قد التحقت بهم، فيما بعد»[98].

إذًا، عندما انتقل مهاجرو القرن السادس الموارنة، ومَن تلاهم من بعد، باتجاه الجنوب لم يفعلوا إلاَّ الانضمام إلى إخوانهم بالدين في لبنان.

يقول أبو الفدا[99]: في السنة 685-686 انتخب هؤلاء المؤمنون الذين اتحدوا، آنئذ، ليؤلّفوا الكنيسة المارونية، أحدَ أساقفتهم، يوحنا مارون، بطريركًا، فجعل هذا كرسِيَّه في أنطاكيه، ثم، هربا أمام الزحف البيزنطي، انتقل إلى دير القديس مارون على العاصي، ومنه إلى سَمار جبيل بسبب التهديد البيزنطي، أيضًا. وفي هذا الانتقال الجديد، حمل معه هامةَ القديس مارون، وبنى كنيسةً على اسمه في كفرحي، ووضع الذخيرة فيها.

هل الموارنة أصليون في لبنان كما هم في سوريا؟

ينقسم المؤرِّخون في الجواب على هذا السؤال: فالبعض يؤكِّد أن وجودَهم في لبنان تزامن مع وجودهم في سوريا[100]. والبعض الآخر يخالف هذا الرأي، ومنهم الأب لامنس؛ فلنَسْمَعه يقول: «كان دخول الموارنة إلى لبنان في النصف الثاني للقرن السابع. وهم هاجروا من وادي العاصي إلى الجبل»[101].

يبدو أن الأب لامنس يريد أن يقول إن موارنة سوريا اتجهوا صوب لبنان، إلى زوايا وادي قاديشا، ليس لأن لهم اخوانًا فيه من دينهم وجنسهم كما يقول بعض المؤرِّخين، بل لأنّه كان قليل السكان.

نحن نرى أن الرأييَن يتكاملان، إذ إن تكوين الكنيسة المارونية، تاريخيًا، قد تمّ باتحاد عنصرين هما الأصليون والوافدون الجدد. فليس الموارنة من جوهر خاص، كما يقول ريستلهوبر، بل هم، فعلاً، واحدة من الجماعات السريانية التي اعتنقت، ربّما، مجمع خلقيدونية. وموارنة سوريا لم يكونوا خلقيدونيين وحدهم بل كان في لبنان خلقيدونيون كما في سوريا.

«الأمر الوحيد المؤكَّد عندنا هو أنَّ الموارنة في المرحلة الأولى لتأسيس كنيستهم، وعندما تمّ تنظيمها الكهنوتي، هاجرت جماعة منهم بقيادة يوحنا مارون، بطريركهم الأول، من سوريا لاجئةً إلى جبل لبنان لتحفَظَ إيمانها، حيث سبق أن وُجدت فيه المارونية[102].

 

ﻫ - الموارنة في القبيات

في الشمال الشرقي للبنان، لا يشكّل لبنان وسوريا، جغرافيًا، إلا امتدادًا واحدًا متصلاً؛ والحدود الحالية بين الدولتين، هناك، على مستوى الوعر، مصطنعةٌ إلى درجة لا يمكن أن تشكِّلَ حدودًا في تلك الطبيعة المقفرة المتشابهة. فيقول الأب تالون في هذا الصدد: «وادي أبو خالد يشكِّل ناحيةً حدودية بامتياز، لأن مجرى الماء الذي ينبع فيه يجري نحو الغرب مشكلاً حدًا فاصلاً بين لبنان وسوريا.

فطالما يسير المتنزِّه مع النهر فهو آمِن؛ لكن ما إن يتجاوز المنبع حتى يحتاج إلى دليل خبير لئلاّ يتجاوزَ الحدود من غير أن يدري، فيدخل إلى الأراضي السورية[103]. ومن المؤكَّد أنَّ عبورَ الناس في الاتجاهين دائم، وأنَّ التبادل الاجتماعي والديمغرافي راهن وظاهرٌ للعيان.

نفترض ممّا تقدَّم، أنَّ المنطقةَ كانت مسكونةً بالآراميين مثل كل بلاد سوريا ولبنان. «إن الآراميين، الذين حملوا اسمَ سريان بعد تنصّرهم، كانوا يشكّلون أصلَ السكان القدماء في جبل لبنان، وهو قد عَمَر بهم منذ أقدم العهود كما عَمَرت بهم كل البلاد المجاورة منذ زمن الملوك السريان»[104]. فسكَنُ السريان في لبنان لا يُلغي وجود جماعات أخرى إلى جانبهم. وفي القرنين الأولين، كان الايطوريون هم أصحابَ السيادة[105]، وهم قبائل عربية أو آرامية، مدّوا سلطتَهم إلى البقاع وإلى سواحل طرابلس، في ظل الحكم الروماني؛ لكنَّ الآراميين فرضوا لغتَهم وثقافتَهم على القادمين الجدد، فتحول الكلّ إلى مجتمع آرامي واحد. ويضيف حتّي في هذا الشأن: «كان كلّ السوريين في القرن الأول ساميين، يتكلَّمون لغة واحدة هي الآرامية»[106].

في البداية، تنصَّرَ الشعبُ السوري، بشكل جماعاتٍ قليلة ومتفرّقة. ثم منذ منتصف القرن الرابع، في القرن الخامس، بدأت بقعُ الزيت تتمدّد، على ما يقول المؤرِّخون[107]. من المعروف أنَّ رهبان القديس مارون قد بشَّروا وسطَ لبنان بريادة ابراهيم القورشي، في الوقت الذي كان فيه تلامذة القديس سمعان يحملون البشارة إلى آراميي الشمال. ولا يَنسى جان لاسّوس أن يذكّر، في كتابه: «المعابد المسيحية في سوريا»، ببعثات يوحنا «فم الذهب» إلى لبنان، ومركيليوس أسقف أفاميا، وسيريل البعلبكي... كلّ هؤلاء قاموا بحربٍ ضروس ضد الوثنية التي كانت لا تزال متجذِّرةً في جبل لبنان[108].

أمّا في القبيات فقد انتشرت المسيحية فيها مثلما انتشرت في الجوار: «ولم تكن البلاد مسيحيةً فحسب بل كان العصرُ تسيطر عليه الصفةُ الدينية. فقد كانت الكنيسة أعظمَ مؤسَّساته وكان القديسون ينالون أكبر جانب من الاحترام. وقد وُجِدَ بين القرنين الرابع والسادس عددٌ من الرهبان والكهنة والأساقفة والراهبات والنساك بشكل لم يُعرَف من قبل ولا من بعد. وكانت أبنيةُ الكنائس وأماكنُ الصلاة والبازيليكيّات والأديرة تنتشر في البلاد وجميعُها تتبع أسلوبًا جديدًا في الهندسة المعمارية يظهر فيها الباب وأبراج الأجراس والصلبان البارزة. وقد وُسِّعت كهوف النساك أو صنعت من جديد...»[109].

أن تكون عكار والقبيات قد تنصّرتا، في ذلك العصر، فهو أمرٌ لا يرقى إليه الشك. هذا ما يقوله رينان في «بعثته»؛ والخرائب المنتشرة في كل مكان تؤكِّده، فما علينا إلا أن ننظر.

وهل يكون رهبانُ القديس مارون الذين كانوا قد شاركوا في تنصير لبنان، وتابعوا حركةَ انتشار المسيحية فيه، قد أقاموا مركزَ اتصال بين سوريا وجبل لبنان بين الخلقيدونيين في القبيات؟

ليس من المتيسَّر، وحتى اليوم، أن نجيبَ على هذا السؤال بدقّة، لأنّ ما يمنع هو عدم توفّر الوثائق الحاسمة في هذا الموضوع. لكن يبقى هذا الاحتمال منطقيًّا جدًا.

ولم يترك الموارنة سوريا بجماعاتٍ كبيرة بل توالت هجرتُهم في مجموعات صغيرة. وعلى افتراض أن ناحيةَ القبيات لم يكن فيها موارنة، يكون من الطبيعي أن تشكِّلَ محطةً أولى، على جانبٍ كبير من الأهمية، في هجرتهم إلى لبنان، لأنها تقع على المنحدرات الشرقية للجبل قبالة حمص، أي قبالة الملجأ الأقرب لموطنهم الأصلي. والقبيات، بأراضيها الخصيبة وينابيعها الوفيرة، على خلاف ما هي السهول في سوريا الوسطى، وبتكوين جغرافيتها الجبلية، وبتدرُّجها فوق الوديان والتلال، يمكن لها أن توفِّرَ ملجأً مستحبًّا من المهاجرين. فليس مُستَغربًا من رهبان القديس مارون المشهورين بحرارة إيمانهم الرسولي، المثبت بشهادات شهدائهم الكثيرة، وبالعدد الكبير لأديرتهم، أن يكونوا قد أسَّسوا موطئ قدم لهم بين مواطنيهم المهاجرين الخلقيدونيين فيها. لذا نعتقد أن «الموارنة»، وهو لفظ لم يظهر قبل القرن الثامن، هم سريان ملكيّون خلقيدونيون، أبناءُ هذه الأرض الطيبة، وأن هذه الناحية وجوارها كانت مهدَهم الأصلي، كما هي أفاميا وقِنسرين أيضًا، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: جميع المؤرِّخين وكتاب الحوليات[110]، الذين ترسَّموا أفعال الشعب الماروني وحركاته، أكّدوا على حضور هذا الشعب في أفاميا، في دير القديس مارون، وفي أنحاء العاصي. ولا يقتصر وادي العاصي على مجال نواعير حماه، بل إنّه يبدأ من جنوب الهرمل، حيث منبع النهر الذي ينساب متمطِّياً باسترخاء عبر البلاد الواقعة على أقدام السلسلة الساحلية، وحتى أنطاكيا. ولْنَسِرْ عكسَ المجرى حيث مشى رهبان القديس مارون، مع «مؤمنيهم»، فنستطيعَ أن نعبرَ من الوادي، عند مستوى أكروم-ربله، صوب البقيعة. ومن الهرمل وحتى ملتقى وادي خالد مع النهر الكبير الجنوبي، لا بدّ لنا من أن نعبرَ منطقة القبيات أكروم- الوعر.

وهنا، تنتشر بقايا المئات من أماكن العبادة المسيحية التي تطلّ من أعالي التلال أو تختبئ في أحضان الوديان، ولا تَخفى على الناظر من بعيد، إذ تدلُّ عليها آجامُ السنديان وينابيع الماء. وأيضًا، هناك أماكنُ أخرى كانت مأهولة، هُجِرَت وامّحى كلُّ أثرٍ لها، لكن نُعوتها استمرت في اسمائها التي لا تزال علمًا عليها: كنيسة، دير، منسكة، صليب.

وفي قنية، الجزءِ الأوسط من جبل أكروم، منظرٌ فاتن حيث تطالِعُ النظرَ أجمةٌ كثيفة من السنديان الوارف. هنا، في وسط الوادي الوسيع، بقايا دير سرياني قديم، تلاصقه كنيسة من القرن الثاني عشر، وكلاهما يستحقّان الدرس؛ ومن المرجّح أن يكونَ الدير من القرن الخامس أو السادس. وفي مهاوي الصخور المشرفة على قرية السهلة، ودائمًا في أكروم، مغارة «سيدة الدرّة» وإلى جانبها مأوى رهباني يشبه دير مار ريشا في الوادي المقدس وسيدة كفتون في البترون.

أما بقايا كاتدرائية «إرمينايا الجميلة» فلم تعد موجودة، اليوم، مثل بقايا أخرى في قرية الكنيسة: صلبان على سواكف الأبواب، مذابح، درابزينات، كتابات سريانية من نهاية القرن السادس... كل هذه البقايا توفّر شهاداتٍ لا تُرَدّ على انتمائها إلى القرون المسيحية الأولى التي تلت الفتح الإسلامي لسوريا.

وفي الهرمل، إلى جانب المنبع الرئيس لنهر العاصي، بإمكاننا، حتى اليوم، أن نزور بقايا دير رهباني قديم. وكتّابُ الحوليّات، في العصور الوسطى، أشاروا إلى المكان باسم «مغارة الراهب». وقد زار الأب لامنس هذا المكان منذ مئة عام، فقال: "يسمّيه الموارنة دير مار مارون. والجبلُ الذي يعلوه والأراضي المحيطة به هي من أملاك الرهبنة الأنطونية المارونية، وبعض رهبانها يقيم فيه".

لم يؤكِّد الأب لامنس هويةَ الدير المارونية، لكنه لم يَنْفِها بل يصرّح أن بعض رهبانهم يعيش فيه. وإن لم يصرّح الأب لامنس بهوية الدير المارونية فإن المطران الدبس عَدَّه بين أديرة الرهبان الموارنة في القرن السادس، فقال: «أشرنا، فيما سبق إلى أن ديرهم الكبير كان على ضفاف العاصي، وأن ديرًا لهم آخر كان على منبع هذا النهر»[111].

أما الأب ضو[112]، فقد عدّ دير مار مارون في الهرمل من بين المحطّات المارونية على الطريق الروماني الذي يصل حمص بالعاقورة عبر بعلبك: «إحدى المحطات الرئيسة بين السهول السورية وجبال لبنان كان دير مار مارون... وهذا الدير يقع على منتصف الطريق، تقريبًا، بين حمص وبعلبك».

كما أنَّ من يجتاز الهرمل إلى البقاع، يستطيع أن يمنحَ نفسَه لحظةَ استمتاع قبل أن يعبر النهر، فيميل إلى اليمين ليتأمَّل في جَرف صخري نقبت فيه يد الإنسان ففُتحت كوى؛ أهي قبورٌ قديمة أم غيرُ ذلك ؟ ومهما كان أصلها، فإنّها حُوِّلت لتكون صوامع للمتوحّدين.

هل كان دير الموارنة، في الهرمل، محطةً وحيدة للرهبان على المنحدر الشرقي لجبال لبنان؟

كاتب الحوليات، المسعودي، في القرن العاشر، يؤكد على وجود الموارنة في جهات دمشق، وفي جبل لبنان، وفي سنير وحمص وما يجاورهما. وبين جهات حمص يعدِّد الأب بطرس ضو[113]، نقلاً عن الجغرافي ابن خردذابه، ويذكر، ليس أفاميا وكفرطاب فحسب، لكن، الجوسيّة ولبنان والشعره أيضًا. فالقبيات التي تقع بين الشعره والجوسيّه لا يمكن لها إلا أن تكون قد أَهلَت بالسريان الخلقيدونيين، وبينهم بدايات أولى للموارنة.

وإنَّ ما سبق أن أكَّده الأب ضو أكّده أحدُ المؤرِّخين الحديثين وهو المؤرّخ الدمشقي محمد كرد علي في كتابه «خططُ الشام» وفَصَّل، باختصار، تاريخَ الموارنة، ومما قاله: «... بدأ الموارنة هجرتهم إلى المناطق المجاورة فنزل بعضهم في جبال عكار وبنوا فيها قرى لهم، وبعضهم الآخر تابع المسير جنوبًا، إلى شمال لبنان»[114].

في وثيقة مخطوطة تعود إلى بداية القرن العشرين، اطلعنا عليها في أرشيف المرحوم الخوراسقف مخائيل الزريبي، راعي حارة مرتموره من القبيات، تُضيء على وضع الموارنة في ناحية القبيات عند نهاية القرن السابع، جاء فيها: «لما اجتاحت جيوش الامبراطور يوستينيانوس الثاني هذه البلاد وأُحرقت في دربها أديرةُ الموارنة وكنائسُهم، وقتلت رهبانَهم في بلاد الوعر والشعراه، ودَكَّت مناسِكَ الرهبان في عكار وهُدِمَت أبراجُهم وحصونُهم واستولت على قرية شويتا جاعلةً منها ملجأ عند الحاجة. وبعد أن أجلت تلك الجيوش الموارنةَ عن قواعدهم دفعت بهم إلى اللجوء إلى جبال لبنان المنيعة مطاردين إيّاهم حتى جهات أميون»[115].

لا نعرف من أين استقى الخوراسقف العالم معلوماته هذه، فهو لم يصرّح بمصادره، لكن أقلَّ ما يمكن أن نصفَ هذه المعلومات هو أنّها ترقى إلى تقاليد قديمة وأنها تسلِّطُ الضوء على نقطة بالغة الأهمية في دراستنا هذه.

وتؤكّد هذه الوثيقةُ على ما سبق أن قلناه من أن المورانة كانوا يقطنون في هذه الناحية قبل أن يضطّروا إلى اللجوء إلى جبل لبنان، وأن هؤلاء الموارنة لم يكونوا جزءًا من آخر المهاجرين من سوريا بدليل الأديرة المحروقة والبيوت المهدومة والتحصينات المكنوسة ومذابح الرهبان... ولما كان على الجيش البيزنطي، من بعد، أن ينسحِبَ، مدّ أمراء الجبل الموارنة سلطتهم، بشهادة الدويهي، من جبيل حتى حدود حمص. «أرض الموارنة كانت تمتدّ من أطراف الشوف حتى بلاد الدريب»، يقول صاحب تاريخ الأعيان[116].

بذلك سَدَّدت جيوشُ جوستنيان الثاني ضربةً قاصمة للوجود الماروني الكثيف، هنا، لكنها لم تُنْهِهم عن آخرهم، لأنَّ الوجود الماروني في هذه البلاد، استمر لبقاء بعضهم متواريًا في مخابئ الناحية أو بعودة بعض العائلات إلى بيوتها بعد انحسار العاصفة.

في إقليم الشعرا، من قرية حلاة أو حالات الواقعة على الضفة الشماليّة للنهر الكبير الجنوبي، قبالة قلعة الفاليسيوم، خرج للموارنة بطريركٌ كبير، في القرن الثاني عشر، هو غريغوريوس الحالاتي[117].

وفي القبيات، وبالضبط، في أسفل الحي الجديد المعروف باسم «الغربية»، في وسط الوادي الواسع، بقايا مِطحنة وأساسات لبيوت قرية تحمل اسم شمعة، ويشير الناس إليها هنا، على أنها القبيات العتيقة، وكانت مسقط رأس أسقف وكاتب ماروني في القرن الحادي عشر[118].

هكذا نجحت الجماعات المارونية القاطنة على صهوات التلال، بين طرابلس وحمص، في مواجهة طوارئ الحدثان السياسية، والعسكرية المحلية، ونجحت، بروحها المرن، في البقاء حتى اليوم، رغم عبور الغزاة.

 

و- أصداء في الغرب

حتى نلخِّصَ مؤدَّى هذا العنوان في الوضع المسيحي، آنذاك، في الشرق الأوسط، قبيل الحدثُ الصليبي، نستعير بعض سطور من المطران يوسف الدبس: «استولى الخلفاء العلويون الفاطميون على السلطة في مصر، فتنازعوا السيادة على سوريا مع الخلفاء العباسيين. وكان بين الخلفاء العلويين، الخليفة الحاكم الذي اضطهد المسيحيين واليهود وبعض المسلمين، فدكّ أماكنَ عبادتهم، وأحرقَ حتى، كنيسة القيامة، ومنع على المسيحيين الحجّ إلى أورشليم قبل أن يدفعوا ضرائب باهظة»[119].

«وكان، لهذه التصرفات، أصداؤها في الغرب، إذ نقل الحجَّاجُ العائدون، بعدما أنهوا معاناتهم في حجتهم، ما شاهدوا من بؤس السكان ومن تحويل الكنائس في بلاد بيزنطية إلى جوامع على يدّ الغزاة الأتراك، وما طبعته في نفوسهم من أثر ثقوبٍ في سقف القبر المقدس أحدثتها نبال رماها أحد الهراطقة»[120].

وخَلَقت، في الغرب، فكرةُ الحرب المقدسة وانقاذ الأماكن المكرّسة، كثيرًا من التزمّت والحماسة، بالإضافة إلى البؤس وشهوةِ الكسب وروحِ المغامرة مما خلق جوًا مؤاتيًا للحملات الصليبية.

ولا ننسَ، في المقابل، في دافعٍ أخير، أن الفوضى التي كانت مستشريةً في المشرق، أثارت شهية الغربيين وأتاحت لهم أن يُقيموا امبراطورية لاتينية في قلب العالم العربي المسلم.


الفصل الثالث

الحملة الصليبية الأولى

ملحمة أسطورية

 

كانت الحملة الصليبية الأولى أشبه بالأسطورة. كانت أسطوريةً بجماهيرها الجرّارة، وبتنوّع العناصر التي تألَّفت منها، وبعدد الضحايا التي خَلَّفتها على أرض المشرق. وأسطوريةً كانت قيادتُها المتعدِّدة الجنسيات، والحساسيات، والتناقض في الطباع، وأهداف القيادات ومخطّط كلٍّ منها، مثلما كانت أسطوريةً «بدعةُ الحربة المقدسة»، والأعاجيب التي رافقت الانتصارات الأولى. لكن ما كان أكثر أسطوريةً، في كل ذلك، هو تلك الزحفة على أورشليم، إذ لم تواجِه الحملةُ، بين أنطاكية والمدينة المقدسة، أيّةُ مقاومة تذكر، وكأن المسيرة كانت كنزهةٍ أكثر منها حملة عسكرية. لكن، ومن غير أن نقلِّل من أهمية جيش الفرنجة، والشجاعة الفائقة لدى قادته، وعامل الدهشة التي ألقاها في النفوس تسليحه المختلف الجديد، فإن تلك الحملة كانت لتتحوّلَ إلى مأساة لولا الظروف المؤاتية، والحالة التي يرثى لها في سوريا ذلك الزمان. ولولا الخلافات التي كانت تستشري فيما بين المسلمين، في تلك الحقبة، وهي خلافاتٌ بين سلاطين السلاجقة وخلفاءِ الفاطميين في مصر، وبين الحكام المحلّيين في بغداد وفي حلب وفي الموصل وفي حمص وفي طرابلس، وفي غيرها، ما كان للفرنجة أن يستطيعوا دخول هذه البلاد، ولم يكونوا ليجرأوا حتى على الحلم بالاستيلاء عليها بأيِّ شكل من الأشكال[121].

حملة الفرنجة هذه وقعت على مجتمعٍ في غاية التفكّك، فأَحدثت فيه ردةَ فعل فورية[122]. لقد فتحت التجزئة السياسية للبلاد السورية، وتعدّد الملل فيها، البابَ واسعًا أمام الفاتحين الغرباء. يقول الأب لامنس: إن الشعب الذي عانى الذل والبؤس خلال قرون، إن تحت نير العباسيين الظالم، أو الفاطميين أو السلاجقة، قلما كان يهتمّ بمن سيكون له سيّدًا[123]. وعلى مشارف نهاية القرن الحادي عشر كان يَشغل المسرح مغامرون أغراب وقراصنة أتراك وبرابرة. بعضُهم ضدٌّ لبعضٍ، وكلٌّ يحاول أن يتوسَّع على حساب جيرانه. فالأراضي الزراعية كان يسيطر عليها سادةُ الاقطاع العسكري من أتراك سلاجقة أو من أمراء التركمان، فآلت أفضلُ تلك الأراضي إلى ملكية المغامرين الأغراب الساعين لبناء ثرواتهم على حساب البلد وأهل البلد.

وقد أثارَ وصولُ جيوش الفرنجة حَدثًا جديدًا على الصعيد السياسي في المنطقة: فإنّ فاطميّي مصر الواجفين من قوّة جيرانهم السلاجقة المتنامية حضّوا الفرنجة على إقامة إمارة بين الدولتين. والسنّة، بدورهم، لم يكونوا أهدأَ بالاً، فالتحاسد فيما بين أمرائهم الصغار جعلهم يبحثون عن حلفاء لهم عند الفرنجة، يستقوون بهم في حروبهم، بعضُهم ضدَّ بعض. وهذا ما جعل حسّان حبشي يصرّح: «هل من علامة على مدى تفكّك العالم الاسلامي أبلغُ من إرسال الفاطميين بعثةً إلى الفرنجة ليطلبوا حلفهم ضد السلاجقة؟ وهل أشدّ هولاً من رؤية أناس يتفرّجون بتشفٍّ على رؤوسٍ مقطوعة لأخوتهم في الدين؟»[124].

وقد دَرَسَ مؤرِّخو القرون الوسطى الطريقَ التي سارت عليها جيوش الفرنجة تحت قيادة سان جيل مرارًا. أما نحن فنتوقَّف مع الصليبيين فقط، في محطّاتهم في هذه البلاد التي ستحمل، فيما بعد، اسم كونتيّة طرابلس، لأن دراستنا هذه معنية بها.

 

أ- محطة في عرقة:

وصل الصليبيون إلى سهل البقيعة الخصيب واستولوا على حصن الأكراد. وفي الوقت الذي كانت فيه فرقةٌ من الجيش بقيادة ريمون بيليه وريمون فيكونت دي تورين تقطع سهول عكار السفلى باتجاه الساحل، كانت فرقة أخرى تعبر النهر الكبير متوجّهةً لحصار مدينة عرقة الحصينة.

من أين عبر هؤلاء الصليبيون؟

هناك طريقان يصلان حصن الأكراد بعرقة: الأول مباشرٌ من طرطوس إلى البحر، ثم يميل يسارًا عند الدبّوسة ليعبر النهر الكبير مخترقًا السهلَ حتى القليعات، فإلى عرقة. وفي هذه الحال كان للصليبيين أن يسيروا مجتمعين نحوًا من ثلاثين كيلومترًا قبل أن يتشعَّبوا عند الدّبوسة.

والطريق الثاني يعبر النهرَ الكبير، عند جسر القمر ويصعد صعدةً هيّنة في شدره ليخترقَ، بعدها، هضابَ القبيات السفلى لينتهيَ ما بين حلبا وعرقه. إنه طريق «الدريب»، أحدُ طرق القوافل منذ القدم. وهذا الطريق متوسِّطُ الطول، نحوًا من أربعين كيلومترًا، تقريبًا، ومن غير ما صعوبة تذكر.

فأيَّ طريق من الاثنين اختار الصليبيون؟

«Post dies autem aliquot, regione media cum omni tranquillitate decursa, in campestria urbis antiquae et loci situ munitissimae, haud longe a mari, quae archis appellatur, descenderunt, satis in vicino juxta urbem castrame tantes»[125]

في ما يقوله المؤرخ اللاتيني إنّ «الصليبيين سلكوا، بكلّ أمان، طريقًا وسطى». فيبدو، من خلال هذا الكلام، أنهم اختاروا طريق الدريب، على التلال، شمال القبيات.

ولما كانت المؤن تشكل مسألةً صعبة لجيش يقوم بحملةٍ عسكرية فإن الكونت دي سان جيل ترك في الحصن مجموعةً من رجاله لتهتمّ بما يلزم منها، ولا سيّما أن المسافة كانت معقولةً وأن الوادي غنيّ بالغلال. فاجتاز الجيشُ «الطريقَ بكلّ أمان»! هذا الأمان تُتيحه عدَّةُ عوامل، منها أن شَعبَ المنطقة كان يتألّف، بأكثريته، من شيعة وعلويين ومسيحيين. بعضهم متقبّلٌ وبعضٌ آخر لامبالٍ، والجميعُ لا يهتمّون إلاَّ بعيشٍ آمن. والعائلتان العربيتان الحاكمتان في المنطقة كانتا: آل مُنقذ في شيزر وبنو عمّار في طرابلس، وكانتا حياديتَين. بالإضافة إلى أن الولاة المولجين بحكم الناحية كانوا عاجزين.

ووصل الصليبيون إلى عرقة (على بعد ثمانية كيلومترات من البحر) فأقاموا معسكرهم وحاصروا المدينة. وإزاء هذا الحدث التهبَ خيالُ المؤرِّخين، ولم يكن الموارنةُ أقلَّ إطنابًا في الكلام عليه[126]، فإزاء التناقض في رواياتهم نُورد روايةَ المؤرّخ الصليبي غليوم، مطران صور اللاتيني، الذي قال[127]: «تقعُ مدينة عرقة الفينيقيّة عند أقدام لبنان. إنها محصّنة جدًّا، فعَصَتْ على محاولات دي سان جيل كونت تولوز. وعندما لم يُجدِ الحصارُ نفعًا تحوّل الصليبيون إلى طرابلس، فهاجموها، فصدَمهم حاكمُها برجاله، ودارت رحى معركة تحت الأسوار. وانهزم الطرابلسيّون فدخلوا المدينة لائذين بأسوارها».

وبعد هذا الانتصار احتفل الصليبيون بعيد النصر في العاشر من نيسان، ثم عادوا إلى عرقة ليفكّوا الحصار وليتابعوا الزحفَ باتجاه أورشليم. وبعد مسيرة خمسة أميال من عرقة أقاموا معسكرهم أمام طرابلس[128].

هنا حصلَ التباسٌ في معنى اللفظة التي استعملها المؤرخ اللاتيني: فكلمة «Ante» اللاتينية تعني «أمام» وتعني «قبل»؛ وخمسةُ أميال من عرقة تساوي سبعة كيلومترات أو ثمانية؛ فلا يمكن، في هذه الحال، أن يكونوا قد تجاوزوا جسرَ أرتوزيا على نهر البارد والتي تبعد أربعة عشر كيلومترًا عن طرابلس. هذا الالتباس جعل بعضَ المؤرِّخين يقول إن الفرنجة التقوا الموارنة، لأول مرّة، في أراضي عرقة، بينما يحدِّدُ الدكتور فيليب حتّي اللقاء الأول في البترون[129]، ويحدّده ريستلهوبر، اعتمادًا على غليوم الصوري، أمام طرابلس: «عندما وطئت أقدامهم أرض طرابلس التقوا بالموارنة»[130].

استقبلوا [الفرنجة] زائرين: «قدم إلى المعسكر السريان الذين يسكنون في جبل لبنان المجاور للمدينة، إلى جهة الشرق، وكانوا على معتقدنا. فجاؤوا يقابلون باروناتنا ليسلموا عليهم وليعبِّروا عن فرحتهم بقدومهم»[131]. ويضيف ريستلهوبر «عندما علم الموارنة بقدوم الصليبيين نزلوا من قمم جبالهم ليؤكّدوا للقادمين فرحتَهم بهم ومشاعرَ الأخوّة تجاههم»[132]. ريستلهوبر ينقل عن مسيو وبوجولا اللذين أقرّا في «مراسلات الشرق لسنة 1836» بأن سريان لبنان هؤلاء مثل سريان قورش، هم الموارنة، سكان جبل لبنان. وهناك مؤرّخ معاصر للأحداث هو ريمون دي أكويليه، يؤكِّد كلامَ غليوم الصوري بأن الصليبيين قد تابعوا زحفهم إلى القدس، «وسار أمامهم السريان كأدلاّء أمام العساكر...». إذًا، رافق الموارنة الجيشَ الصليبي، يبيّنون له الطرق والمسالك حتى وصل إلى المدينة المقدسة.

كم كان عدد هؤلاء الموارنة الذين وضعوا أنفسَهم في خدمة الصليبيين؟

يقول لامنس[133]، «إن الموارنة وفّروا للصليبيين أدلاّء وجيشًا إضافيًا". والدويهي يقول: وفّروا «جماعة». وغليوم يقول: «السريان». لكن أحدًا من المؤرّخين لم يحدّد العدد. لكن ماكسيم دي مونتران ينقل عن مراجعه أن الجيشَ الصليبي كان يَعدُّ، عند وصوله إلى عرقه، نحوًا من خمسين ألفًا. وعندما وصل إلى أورشليم تجاوز عدده الستين[134]. على هذا الأساس يمكن القول: إن أمراء الموارنة وضعوا في تصرّف الصليبيين بضعة آلاف من قوّاستهم الماهرين. وأسقف صور نفسُه، الذي لم يكنّ المودة يومًا للموارنة، من غير أن يخفيَ ذلك، ما انفكَّ يردّد أنَّ هؤلاء الموارنة كانوا لنا أعوانًا ثمينين في تحقيق انتصاراتنا.

 

ب‌-    كونتيّة طرابلس:

عكّار تخم حدودي

تمتدّ كونتيّة طرابلس على ساحل المتوسط، بين مملكة القدس وإمارة انطاكيا، بطول 130 كيلومترًا تقريبًا[135]. من حيث الرسم، يمكن أن يكون لها شكلُ قُربةٍ منفوخةِ الوسط، ضامرةٍ في طرفَيها الجنوبي والشمالي. وفي الجنوب يَصعد خطُ حدودها ابتداءً من وادي المعاملتين وحتى أعلى جبل المنيطرة شرقًا، ثم يسير مع القمم حتى جبال عكار ليبدأ بالتوسّع وهو ينحدر نزولاً في وادي العاصي وحتى رفنية، ومن هناك ينحرف مباشرة في اتجاه شمالي لينتهي على نهر مرقيّة ومصبّه في البحر.

هكذا تكون مساحتها مئة وخمسين كيلومترًا طولاً في ستين عرضًا، على وجه التقريب.

بشكلٍ عام، وعلى حدّ قول جان ريشار، تمتدّ كونتية طرابلس على سيف البحر، فتتسع في الشمال، وتضيق في الجنوب، على جبال لبنان حيث تتحكّم بالممرات، لاسيّما الأهم بينها وهو ممر البقيعة الذي منه كانت تنطلق غزوات الفرنجة إلى بلاد المسلمين، وعبره كان يندفع المسلمون إلى مهاجمة الكونتية.

وفي سنة 1112، مات تانكريد مورّث الأراضي المفتوحة في فجوة حمص إلى حفيده بونز كونت طرابلس. وهذا التوريث ثبّتَ حدود الكونتيّة إلى حين. فالكونتيّة كانت صغيرةً نسبيًا، وكانت حدودُها أشتاتًا وبالتالي معرّضةً للغزو. ولم يكن جيشُها القليل العدد ليستطيعَ، وحده، أن يلبّيَ حاجات الدفاع عنها. لذلك كان من مصلحة الكونت أن يقسّم أملاكه إلى إقطاعات لأن الإقطاعة يترتَّب عليها خدماتٌ تجاه الـمُقطِع، فكان من حقّه أن يتمتَّع بريع أملاكه مثلما كان، مثلاً، الكونت غليوم يجبي دنانير من السكان السريان على ثيرانهم العاملة في قراهم، كما كان للكونتات أن يأخذوا ضريبةَ السوق على البيع والشراء ومكوسَ العبور على الطرق والمداخل الرئيسة. وفوق هذه المداخيل التي كانت تغذّي الخزينة مباشرةً، كان على سادات الإقطاع أن يؤدّوا أتاواتٍ وإلزامات عسكرية كأن يحاربوا مع عدد محدَّد من فرسانهم وأتباعهم إلى جانب الكونت، وإما بدفع بدل كنفقة للفرسان الذين يخدمون في جيش الكونتية. وفوق ذلك، كان عليهم أن يجنّدوا عساكر لحماية إقطاعاتهم أو للدفاع عن نقاط استراتيجية يحدّدها لهم الكونت. وكان من حقّ هؤلاء أن يستأجروا مرتزقةً أو أن يعتمدوا على مقاتلين من الفلاحين في مزارعهم. وبالمقابل كان على الكونت أن يؤمّن لحاشيته التي تحمل السلاح إلى جانبه إقطاعاتٍ يعتاشون منها.

وحسب تقارير المؤرّخين، كانت إقامة اللاتين تتركَّز في المدن الكبرى حيث يقيم نبلاؤهم؛ وسرعان ما تعوَّدوا اسلوبَ الحياة المحلّيّة مستسلمين بدعة إلى ملذّات العيش المشرقية. أما عامّتهم، من الذين لم يعودوا إلى أوروبا بعدما وفّوا نذور حجّتهم، فقد توطَّنوا في تجمّعات المدن التجارية. وفي الأرياف لم يكن للأوروبيين إقامةٌ خارجَ القلاع؛ فالنبلاء كانوا يقيمون مع جنودهم في قلاع بنوها أو استولوا عليها كما كان يفعل كلّ فاتح قبلهم، فاستقرّوا خارج تجمّعات السكان الأصليين[136].

ب - التنظيم القانوني والعسكري

من الصعوبة بمكان أن نرسمَ بدقّة، جغرافيةَ الإقطاع في عكار لأنّ ما يتوفّر من البراءات المانحة لحق الإقطاع قليل وأسماءُ البارونات، أصحابِ المنح، لا تدلّ على شيء ذي أهمية. لذلك سيستقرّ بحثُنا على اقتفاء أثر بعض العائلات التي تردّدت أسماؤها، تكرارًا، في الوثائق المتعلّقة بهذه الناحية من عكار، علّنا نُلقي بعضَ الضوء على الحقبة الصليبية في القبيات والتي لا يزال تاريخها مكتنفًا بغموض مُحيِّر.

إن تاريخ الصليبيين في عكار والقبيات، بشكل خاص، وثيقُ الصلة بتاريخ كونتية طرابلس، وقد مرّ بمرحلتين هامّتين: الأولى هي مرحلة التبعية المركزية لكونت طرابلس عبر نظام الأسياد الاقطاعي. والثانية من خلال المنظّمات العسكرية. ولقد شهد النصف الأول للقرن الثاني عشر نشوء ثلاث سنيوريات في عكار:

 

1- عرقة:

يجب أن تكون عرقة، كمدينة محصّنة في السهول الساحلية، قد شكّلت مركز سنيوريّة ترتبط بها القصبات في المنطقة المحيطة.

هل كان يتبعُ لها كلُّ الأماكن المحصّنة في الجوار، كتلك التي على الشريط الساحلي؟ ومَن كان أسيادها ؟ فمصادرنا في هذا الشأن شحيحة. وعندما سقطت في يد الفرنجة، أَنزل فيها برتراند جماعتَه في السنة 1108 أو 1109، حسب غروسّيه. وبقيت المدينة جزءًا من كونتيّة طرابلس حتى رحيل الصليبيين، لأنَّها تشكِّل، استراتيجيًا، مفتاحَ طرابلس من الشمال. وغالبًا ما جعلها كونتات طرابلس ملجأً لهم أو ملتقى لتجميع قواتهم العسكرية وقد عهدوا بها، في مرحلة من المراحل، إلى فرسان الهيكل. هل كان ذلك عقب زلزال 1170؟ كذلك كانت عرقة مركزًا لأسقفيّتين، واحدة لاتينية والثانية مارونية. وكان موارنة عكار يتبعون، رسميًا، لأسقف عرقة.

 

2 - جبل عكار:

يقع حصنُ جبل عكار، أو جابلأكار، على بعد أربعين كيلومترًا من عرقة، جنوبًا. ويحمل اليوم اسم عكار العتيقة، وقد تحوّل مركزًا مهمًّا لسنيوريّة بعدما سلّمه طغتكين، أتابك دمشق، إلى الفرنجة بموجب معاهدة عقدها مع برتراند سنة 1109.

ما كان امتداد أملاك هذه السنيورية ؟ ومَن كان أسيادُها ؟ إنّ أيَّ جواب على السؤال الأول يبقى مبهمًا، لأن المصادر لا تفي بما يكفي لإعطاء معلومات نطمئنّ لها. فعندما حصل زلزال 1170 عهد به عموري، ملكُ أورشليم، عندما كان ريمون الثالث كونت طرابلس (1164-1172) في الأسر، عهد به إلى الفرسان المضييفين (Hospitaliers)، أصحاب الحصن الذي صار يعرف باسمهم، حصن الفرسان (حصن الأكراد سابقًا). ولا نعرف ماذا حصل بعد ذلك؛ لكنّنا نعرف اسم عائلتين سادتا هذه السنيورية عندما كانت مرتبطةً مباشرة بكونتيّة طرابلس، هما عائلتا استوفوريس (من أصل إيطالي)، وذلك بين سنتي 1177-1187[137]. ثم عائلة رينوار الثالث-أنفا، الذي تزوّج وريثةَ السنيورية، فآلت إليه. وعمّا إذا كانت قد حكمتها عائلة پوي لوران، صاحبة الأملاك في الجوار، في مرحلة من المراحل فإن بعض المؤرِّخين يعتقد ذلك[138].

 

3 - الحصن:

استولى تنكريد، صاحب أنطاكية، على حصن الأكراد سنة 502ﻫ الموافقة للسنة 1110م[139]، في شهر حزيران. وعندما توفي برتراند سنة 1112. صار تنكريد وصيًّا على بونز الصغير، وريث كونتيّة طرابلس، والذي تلقّى منه بعض أملاك ومنها القصر الشهير. فماذا حصل بين 1112 و1142، بعد أن أصبح حصنُ الأكراد حصنَ الفرسان؟

من الممكن أن تكون تشكّلت سنيورية لم تتوفَّر لنا معلومات كثيرة عنها. وكلُّ ما نعلم، هو أنَّ بونز مَنَح سنة 1128 مستشفى القديس يوحنا في أورشليم أعطيةً هي كناية عن منزلين وكرم في أملاك الحصن[140]. وسنة 1128 أعطى ريمون الثاني، كونت طرابلس، هذا الحصن للمستشفى نفسه بموافقة غليوم كرات. ويظهر أن غليوم هذا كان متسلمًا للقصر، بدليل أن الكونت قد عرض عليه أن يعوّضه، بدلاً عنه، إقطاعيةً في جبل لبنان على حساب الموارنة[141]. فمنذ متى كانت تلك العائلة متسلّمةً القصر؟ وإلى أيِّ مدى تمتدّ أملاكه؟ ليس لدينا جواب.

هل كانت القبيات تابعة للفيليسيوم أم كانت من أملاك الكونتيّة؟

أشرنا إلى أنه في سنة 1112، عندما توفي تنكريد ترك أملاكه إلى بونز، كونت طرابلس. وبين من أقطعهم أملاكًا كانت عائلة پوي لوران الريفية، أسياد الحصن وجبل عكار. وكان هؤلاء قد وجدوا في أملاكهم الجديدة قلاعًا وأبراجًا مبنيّة، فكان من السهل عليهم إعادة تأهيلها. لكن مأزق عائلة پوي لوران تمثّل في إيجاد مركز إقامة لها. كانت الأماكن كثيرة والحجارةُ المقصوبة متوفّرة، فالحضارات الغابرة والفاتحون الغابرون تركوا الكثير منها: «قلاع مهدومة، سرعان ما تعود قلاعًا مبنية». وهكذا وقع اختيار عائلة بوي لوران على الجرف الستراتيجي للفاليسيوم. واللاكوم يبقى دائمًا موضع استكشاف. أما بيار، الذي يظهر اسمه ابتداءً من سنة 1117، فقد استولى على الموقع وبنى، أو أعاد بناء قلعة صغيرة، لا تزال آثارها بادية للعيان في غرب ذلك الجرف.

تفيدنا براءة صادرة سنة 1142 أن الفاليسيوم واللاتو (أو اللاكوم) قد صارا من أملاك المستشفى. إلاَّ إنّ السنوات الأولى لهذه الاقطاعية (1112-1117) لا تزال غامضة، ولم يبدأ تاريخها بالوضوح إلا مع بيار.

هل رافقت عائلة بوي لوران الريفية، المنتسبة إلى مقاطعة لافور-تارن، ريمون دي سان جيل أم شكَّلت جزءًا من حاشية برتراند؟ وهل كانت من أصحاب «جبل عكار»، كما يعتقد جان ريشار، على أراضي الدريب والقبيات ؟ في هذه الحال، تكون أملاك السنيوريّة قد امتدّت حتى مقلب الماء؛ وإلاّ فإنّ عائلة بوي لوران كانت مجرّد بارونات أسياد على الفاليسيوم، ويمدّون نفوذهم من القبيات حتى الهرمل؟ ومنذ 1142، شكَّلت القبيات جزءًا من «الإمارة الدينية» للمستشفى وارتبط مصيرُها بمصير الحصن. لكن قبل هذا التاريخ لمن كانت؟ فباعتبار جوارها للفاليسيوم، لا بدّ أنها كانت من أملاك بوي لوران، مع أننا نعتقد أن جزءًا من هذه المقاطعة كان من أملاك الكونتية لسبب بسيط وهو أن الكونتات كانوا يحتفظون بممرّات عبر مختلف الإقطاعات لمشاريع خاصة بهم، وأنّ إحدى الدروب إلى العاصي كانت، من غير شك، تمرّ بها[142].

 

ج- الصليبيون والمورانة: علاقات خاصة

يؤكّد كلود كاهن «أن العلاقات الأولى بين الفرنجة ورعاياهم من السكان الأصليين، حتى المسيحيين، لم تنعقد من دون صدام[143]. ففي الوقت الذي بدأت فيه أصداء الحملة الصليبية الأولى تتردد في سوريا كان الشعبُ قد عاد يتطلّع من جديد باتجاه بيزنطية التي كانت تعود لتنهض في ظل حكم ألكسيس كومين. ولما كان المسيحيون قد نظروا إلى القادمين الجدد كخدام للسياسة البيزنطية فقد سهّلوا لهم سبلَ الفتح بهدف أن يستعيدوا المكاسب التي كانت لهم قبل مجيء العبّاسيين. ومع ذلك، فإن بعضًا ممن كانوا قد صفّقوا لمجيء الصليبيين عدلوا عن ذلك وأداروا وجوههم إلى العالم المحيط بهم. من هؤلاء كان المونوفيزيون الذين لم يكونوا يبالون بمن يسود، بل كانوا على استعداد لأن يستجيبوا للأقوى، لذلك لم يكن الفرنجة يثقون بهم[144]. أما بالنسبة إلى الموارنة، على ما يقول كلود كاهن، فقد كان يربط فيما بينهم وبين الفرنجة علاقة عَمليّة ما بفعل التجاور والتعاطي الدائم[145]. وقد أشاد بهذا التفاهم، ومن غير تحفّظ، عددٌ من المستشرقين، وجميعُ المؤرخين المحلّيين[146]. لكن في الواقع لم تَسِر الأمورُ من غير تصادم وبتعبير أوضح، فإن افتراقًا فيما بينهم قد وقع.

لما كانت العلاقات بين الموارنة والفرنجة قد سجّلت تقاربًا على الصعيد الديني، تَطبعه وحدةُ الإيمان، فإن العلاقات فيما بين الشعبين، على الصعيد الاجتماعي، ما عدا بعض فترات حَرِجَة، كانت طيّبةً ووديّة رغم عنفوان الموارنة وغطرسة الصليبيين.

وعلى الصعيد السياسي، أدخل الفرنجة معهم إلى سوريا نظامَ مؤسّساتهم الاقطاعية في أوروبا، والتي كانت موجودةً عند نهاية القرن الحادي عشر، وطبّقوه من غير ما اعتراض من «القواعد البورجوازية في أورشليم».

«ومن المؤكّد أنه عندما سقطت أنطاكية بيد المسيحيين ونُصِّب بويموند ملكًا، طَبَّقَ عليها الأنظمة كما أراد. كذلك فعل كونت تولوز الذي ساد على طرابلس»[147]. لكن المؤسّسات الجديدة لم تنفرد بتنظيم شؤون الحياة في البلاد لأن تعديلات أُدخلت عليها لتنسجمَ مع المؤسسات المحلّية التي تم الحفاظ عليها.

بتعبير آخر، احترمَ الفرنجةُ عادات أهل البلاد المعروفة، عندما لم تكن تتناقض، فعلاً، مع مصالحهم. «وقد كانت الأعرافُ، عمليًّا، هي السائدة وعبرها كان يمكن لأهل البلاد استعادة ما كانوا قد خسروه من مكاسب بفعل الاحتلال»[148]. وهكذا سيتكتّل المؤمنون، من مختلف الطوائف، في وحداتٍ لها استقلالها الذاتي، وسيسوّي زعماؤها ما سيحصل من مشاكل خاصة فيما بين أولئك.

أما بعض القواعد التي بدت وكأنها جديدة، لم تكن في واقع الأمر، إلا استعادةً لنظم كانت معروفة لدى الموارنة قبل مجيء الصليبيين. ولقد أشرنا، سابقًا، إلى أن الموارنة، في جبال لبنان، شكّلوا نوعًا من إمارات مستقلّة، تحت توجيه البطاركة وبقيادة زعمائهم. وهناك سببان يدعواننا إلى أن نعتبرَ أن الفرنجة حافظوا على احترام هذه الاستقلالية. الأول أن استمرَّ الموارنة، طيلة الحكم اللاتيني، على انتخاب زعمائهم، وهناك لائحة بأسماء هؤلاء أعدّها الأب يوسف مارون[149]. وعندما أبحر القديس لويس من عكا على رأس حملة عسكرية لاقاه الأمير سمعان على رأس جيش مؤلّف من خمس وعشرين ألف مقاتل. وذلك تؤكّده رسالة كتبها الملك القديس إلى أمير الموارنة وبطريركهم مؤرخة سنة 1249 «أ». والسبب الثاني يرتكز على استنتاج بسيط هو أن بين الهبات التي منحها كونتات طرابلس لصالح مستشفى القديس يوحنا كانت نادرةً القطائعُ الموهوبة من أرض الجبل، والواردة أسماؤها في براءات الهبات، بينما تعود هذه الأسماء، بمعظمها إلى القرى والمدن الموجودة على الساحل. هذا الواقع يقودنا إلى الشك في أمر وجود سنيورية صليبية في بشري، وهو رأي أبداه الأب لامنس، وتابعه فيه، منذئذ، آخرون من مؤرّخي القرون الوسطى الفرنسيين الذين اعتقدوا أن «بويسارا» هي بشري، مدينة الأرز.

هذا الرأي لا يمكننا تأييده للأسباب التي أبديناها منذ قليل، لاسيّما أن أحدًا لم يكشف عن أثر إفرنجي، إن في بشري وإن في إهدن وإن في كل قضاء الجبّة، وذلك استنادًا إلى مؤلّفات المؤرّخين الموارنة، وعلى التقليد المحليّ، إذ إن بقايا البرج التي ذكرها لامنس لم تكن سوى بقايا قلعة أمراء الجبل[150]. ولربّما يكون ضروريًا البحثُ عن مكان آخر لما سمّي «بويسّارا» أو «بوسّارا». وهناك شيءٌ آخر يؤكد على الاستقلالية المارونية في الجبل هو لجوء الفرنجة المنهزمين أمام بيبرس إلى إخوانهم الموارنة في الجبل حيث كانوا على يقين أنهم سيلقون ترحابًا ودودًا؛ وبالفعل لم يخيّب هؤلاء رجاءهم فقبلوهم على الرحب والسعة. وقد أشاد البابا ألكسندر الرابع بتفاني الموارنة في مثل ذلك الظرف العصيب[151].

وقد أكَّد المؤرِّخون الموارنة على التعاون الفرنجي الماروني. وغليوم الصوري لم يخف إعجابَه بحذاقة القوّاسين الموارنة. أما جاك دير فينزي، فاعتبرهم أثمنَ معاوني الفرنجة. وكلود كاهن كتب: «سنة 1268، بعد مناوشة بيبرس لعكا عاد وظهر أمام طرابلس. وعندما لم يستطع إخضاعَ أهل لبنان في جبالهم المكسوّة بالثلوج انسحب باتجاه حصن الفرسان»[152]. هذا النص يؤكّد على جزم الدويهي بأن طرابلس لم تسقُط بيد المسلمين إلاّ بعد هزيمة أهل الجبل سنة 1283. ويؤكّد، أيضًا، على أن هزيمة جيوش الكونتية عند جبل الحجّاج سنة 1137، ومقتل بونز، كونت طرابلس على يد السريان، وردّ فعل ريموند الثاني العنيفة، كلّ ذلك يدل على أنّه كان هناك تململ خفيّ عند الموارنة أدى إلى انفصالهم عن الفرنجة. لقد خاب أملُهم أيّما خيبة! هذه الخيبة نجمت عن قلّة الكياسة في تفاعل الفرنجة مع هذا الشعب الأنوف الذي لم يحبّ الحياة إلاّ في ظل الحفاظ على عزّة نفسه[153].

إذاً احتفظ الجبل باستقلاليته، وبقي أمراؤه موقَّرين من قبل شعبهم. أما نبلاء المدن، لا سيما الفرنجة، فقد عاشوا في دوائر مقفلة، ولم يقبلوا في صفوفهم الارستقراطية المارونية، مع أنها كانت على جانب كبير من الثقافة. وحتى البورجوازية لم تكد تجد لها مكانًا متواضعًا، لاسيما أن الكتلة الشعبية كانت من السكان الأصليين. هذا التزمت القومي، لدى القادمين الجدد، جعل من الفرنجة أسيادَ البلاد الأوحدين، بينما انحطّ الباقون إلى مستوى التبعية المستعبدة، تقريبًا. وخارج الجبل كان الملّاكون الكبار من الفرنجة، والفلاحون من أهل البلاد. لقد تبدلت الاقطاعية الأوروبية في سوريا بشكل فظّ، وترحّم الفلاحون الذين صمدوا على عوادي الزمن، ترحّموا على زمن العباسيين.

 

د- عودة الموارنة إلى القبيات

لم تتأخّر عائلة بوي لوران، بل سرعان ما أعدّت موضعَ سَكَنها؛ وعند ذلك صار من الضروري أن تفكّرَ في طريقة تصبح بها السنيورية آهِلة بالسكان. كانت البلاد، عند وصول الصليبيين، مأهولة بقبائل كردية وتركمانية، وبعض جماعات صغيرة من النصيرية، وبعض الشيعة والمسيحيين الموارنة وغير الموارنة. يقول كاهن: "هرب الأكراد والتركمان أمام جيوش الفرنجة خائفين[154]، والنصيريون نزحوا، بالتدريج، نحو سلسلة «جبال النصيرية» الساحلية، حيث، كانوا وكأنهم يؤسّسون لما سيصير دولة «العلويين». وإذا كان أهلُ البداوة المترحلّون مقبولين كرعاة، فإن الفرنجة لم يكونوا ينظرون إلى بقية العناصر بارتياح سياسي لأنهم، من الممكن، أن يساهموا بتسرّب المسلمين أكثر مما يمكن أن يفيدوا منهم على صعيد الدفاع. ويبقى الأهمّ هو الحاجة الماسّة إلى مزارعين يحرثون الأرض، فأخذ موارنةُ الجبل ينزلون باتجاه الشمال. هذا التمدّد الماروني، في عهد الفرنجة، كان، في البداية، وعلى الأرجح ضعيفًا، لأنّ الموارنة كانوا مطمئنّين في جبالهم، ولم يكن، هناك، ما يُغريهم بتركها. وكانوا متعلقين بصخورهم القفراء رغم ندرة الموارد. ففي جبلهم كان لهم جوُّهم الخاص، وبطريركُهم، والأمانُ، والضرائب المعتادون عليها... وكانوا راضين عن حياتهم التي يحييون. أما في الأجزاء الشرقية من الكونتية فكان عليهم أن يتواجهوا مع نمط جديد من الحياة، وأن يخضَعوا لضرائب جديدة، ولنظام إجتماعي جديد. كان عليهم أن يتخلَّوا عن حصونهم الصخرية، وعن مقدّميهم وأساقفتهم ليخضعوا لغرباء. قد يحصّلون معاشهم بسهولة أكثر، لكن بأيّ ثمن؟ هنا بدا لهم الأمان سريعَ العطب. وكانت الاجتياحات الإسلامية المتكرّرة لهذه المناطق شديدةَ الوطأة. لنذكر حصار «الحصن» سنة 1115، والحملات التركمانية سنة 1132 وسنة 1137. فالعوائق في طريق التجارة كانت متعدّدة، وكانت ضريبةُ الحرب، والعشورُ لصالح الكنيسة اللاتينية، والضريبة على الحيوانات، والضرائب العينية. كلُّ ذلك أخّر في عودة الموارنة الكثيفة إلى القبيات حتى ما بعد سنة 1142.

إضافة إلى ذلك، شكَّلت هباتُ ريموند الثاني، كونت طرابلس، إلى منظمة «الفرسان المضيفين»، على الحدود الشرقية للكونتيّة، نوعًا من «إمارة رهبانية»، ذات حكم ذاتي؛ فأعاد «المضيفون» تأهيلَ الوسائط الدفاعية: جعلوا من «حصن الأكراد»، سابقًا، الحصن الجديد الشهير «حصن الفرسان»، ودعّموا الحصون الأخرى بدفاعات جديدة، كما بنوا مواقع أخرى لم تكن، فاطمأنّوا إلى أمنهم. وإذ طلبوا منحًا جديدة من الأراضي سارع الكونت إلى تلبيتها، واستتبعَ تثبيت هذه الأملاك في إطار دويلة شبه مستقلة «بإعفاءات مالية، كما كانت نتيجة التفرّغ عن الحصن» سنة 1142. واكتسب رعايا «المستشفى» إعفاءً من الرسوم على التجارة في كل أنحاء الكونتية. كما شجّع ترسيخ دعائم هذه «الدولة» عودة الموارنة إلى القبيات، فتوطَّنت جماعة كبيرة منهم على أرضها.

في البداية، كانت تنشأ العلاقة بين الفرنجة والسكان على بعض السوء؛ لكن ما إن بدأ الفرنجة المولودون على أرض البلاد بالتكاثر حتى بدأ يسود تفاهم عميق بين الشعبين[155]، وما لبثت أن سهّلت العوامل البيئية عملية اندماج الفرنجة في الحياة الشرقية، وتكفل مرور الزمن بترسيخها. في مثل هذه الظروف، استعاد المسيحيون، والموارنة بشكل خاص، تقاليدهم السابقة التي تقلّصت بفعل السيطرة الإسلامية، فصاروا يؤمّنون الخدمات الإدارية وتدريس العلوم والفلسفة والرياضيات وعلم الفلك[156].

والمسلمون أيضًا، تمتعوا بحرية مطلقة في عيش إيمانهم. يقول ابن جبير: «...المسلمون والمسيحيون تمتعوا بأمانٍ تام على أشخاصهم. اجتزنا عددًا كبيرًا من القرى والمزارع الإسلامية التي كانت تعيش، في ظل الحكم الفرنجي، عيشًا رغدًا حمانا الله من مثل هذا الجاذب، وكانوا يمتلكون منازلهم ملكيةً خالصة، وكانت أموالهم تحت مطلق تصرّفهم. وكثيرون منهم كانوا يميّزون بين رغد عيشهم وبين بؤس إخوانهم في البلاد المجاورة»[157].

بشكلٍ عام، وفي حال تأدية السكان ما كان ينتظره منهم الأسياد، ما كان هؤلاء يتدخلون في تفاصيل حياتهم الخاصة. فكان أهل البلاد يتصرّفون أحرارًا بشؤون علاقاتهم الخاصة، كما كانت لهم حقوق محفوظة، ولهم حقّ الإدارة المحلية بواسطة القادة والرؤساء. فمن المفترض أن يكون لجماعة الموارنة، في القبيات، مؤسّساتهم الدينية الخاصة. وإن الشعب المتمسك بتقاليد الآباء لا يمكن له أن يتقبَّلَ سلطةً أخرى غير سلطة كهنته. وعلى ما تفيدنا الوثائق المتوفّرة، يبدو أن موارنة القبيات لم يكن لديهم مركزٌ أسقفي، كما لا تفيد أيّة تقاليد بأن وجودَ ذلك ممكن افتراضه. تاريخياً، ومنذ بداية المسيحية، كانت عرقا مركزًا أسقفيًا مارونيًا. ومنذ وصول الصليبيين، كانت عرقا لا تزال، إسميًا، مركزًا أسقفيًا رسميًا. ولم تكن الضرورة تستدعي أن يستقرّ الأسقف في المركز، وقد بقي ذلك مرعيًا حتى بداية القرن الثامن عشر. لكن في النصف الثاني من القرن الثاني عشر بدأت متطلّبات الخدمة الأسقفية للموارنة في عكار تكبر مما استدعى تنشيط الخدمة الأسقفية في كرسي عرقا، وهو ما جعل البابا إنوسنت الثالث يُعيد تثبيته في سنة 1215[158].

 

الإقطاعية المارونية:

كانت سوريا خلال ثلاثة قرون، بين التاسع والثاني عشر، مسرحًا للنزاعات وطعمًا للدم والدمار. في ظل هذه النزاعات الدائمة، كان لا بدّ للموارنة من أن يدعموا مؤسّساتهم الاجتماعية والعسكرية، حفاظًا على استقلالهم النسبي بقيادة رؤسائهم الدينيين وملاّكي الأرض. وهكذا انتظموا، كشعبٍ صغير، في إطار نظام إقطاعي[159]، لعب فيه كبارُ ملاّكي الأرض، وبالتمادي، دورَ القادة العسكريين لفلاحيهم الذين هم جنودهم في آنٍ واحد. وقد تحوّل إقطاعيو الأرض، إذا صحّ التعبير، إلى طبقةٍ أرستقراطية، مؤلّفةٍ من أمراء ومشايخ[160]، وذلك لأنّ الإقطاعية التملّكية، في لبنان، كانت تختلف كليًّا عن تلك المعتمدة، رسميًا، في سوريا. ففي لبنان لم يكن الملاّكون مُقَطَعين أرضًا سلطانية[161] يستغلونها كقادة عسكريين أو ولاة مقابل الخدمة العسكرية أو الخراج. كان الخلفاء أو السلاطين أو الأمراء يُقطِعون القادة العسكريين وموظفيهم الكبار أراضيَ واسعةً من البلاد المفتوحة، فيوزّع هؤلاء، بدورهم، أقسامًا من الأراضي؛ تكبر أو تصغر على ملتزمين[162]. أما زعماء الموارنة فقد كانوا ملاّكين فعليّين للأرض، يُشرِكون فيها موسميًا الفلاحين مقابل حصّة من الربح، إلاّ فيما ندر. فلم يكن الفلاحون الموارنة إذًا أقنانًا عند اسيادهم بل كانوا مزارعين على أرض المالك، وحتى إنّ الغالبية منهم كانت تمتلك أرضًا خاصة بها، ولو صغيرة. من هنا جاءت كلمة شريك المشهورة في الجبل. هذا النوع من الإقطاعية كان مصدرَ ثروة للمالك، واسلوبَ عيش كريم للفلاح[163]. هذا، وكانت الجماعات القاطنة في المراكز الرئيسة، في الجبل، تنتظم في وحدات مستقلة ذاتيًا، بقيادة طبقةٍ تنتمي إلى العائلات العريقة المعروفة؛ ثم، بدأت طبقةُ صغار الملاّكين تتكوّن إلى جانب تلك، وكانت أكثر عددًا[164]. وهناك نتيجة أخرى ترتّبت على هذا النوع من الإقطاع، وهو تلك العلاقة بين المالك وفلاّحيه والتي هي كناية عن عقد ضمني مُلفت: المالك الذي تحوّل إلى قائد وسيّد صار عليه التزام بواجب الاحترام تجاه فلّاحيه الذين كانوا، عندما يقومون بأعمال الزراعة، موفوري الكرامة، فلم يكونوا يشعرون بأيِّ جرحٍ للكرامة البشرية. هذه الليبرالية، في المجتمع الماروني، أرهفت عند الشعب الاحساس بعزّة النفس، والتعلَق بالتقاليد، والاحساس الاستقلالي، مما جعل كبرياء الماروني الجبلي أسطوريًا كأرزه الخالد. معنى العزّة، وشموخُ النفس، والتعلّقُ بالعائلة، والوفاء للوطن وللكنيسة، كلُّ هذه القيم خلقت عند هذا الشعب «وطنيةً» محلّية ملتهبة، وفي الوقت نفسه وطنيةً قوميّة تعبّر عن نفسها تعبيرًا كاملاً، ولا تزال، بالتعلق بشخص البطريرك[165]. ولأنّ المسيحيين، في لبنان، كانوا مُجبرين على النضال من أجل ما تبقَّى لهم من استقلال، فإنهم شعروا بضرورة جمع صفوفهم وبذل كلّ جهد في أن يختاروا، عند الحاجة، قائدًا فردًا يجمع كلمتَهم عند داعي الدفاع عن النفس. هكذا، عندما كانت قعقعةُ السلاح تملأ أجواءَ سوريا، عند نهاية القرن الحادي عشر، لم تؤثِّر تلك الأحداث الدائرة حولهم في تعديلٍ يذكر على وضع موارنة الجبل[166].

وكان أولَ اهتمامات المورانة، عبر مسار حياتهم الأبدي، المليء بالتقلّبات، اجتماعُهم حول قضيّة العبادة، الذي لم يسهَ عن بالهم قط، وخدمة شعائر دينهم. فمنذ منتصف القرن الثامن كانت لهم كنائس، منها على سبيل المثال كنيسة مار ماما المقامة سنة 749 في إهدن[167].

«وقد شكّل الموارنة، مع بطريركهم والإكليروس، شعبًا صغيرًا بروحيّة مميّزة. فوادي قاديشا المقدّس، بصخوره المحفورة بصوامع النساك، والأرز الشامخ في الأعالي، هي رموز لحيويتهم واستقلالهم. ويختصر دير البطريركية في قنوبين، المعلَّق كعش النسر، مجملَ تاريخهم»[168].

 

الفلوحيّة المارونية في القبيات:

كان الفلاّحون الموارنة يتوزّعون على ثلاث فئات: الملاّكين الصغار، والمزارعين والمأجورين. أما الأقنان فكانوا حالات استثنائيّة نادرة.

عندما استتبَّ الأمر للفرنجة في البلاد المفتوحة، طبّقوا نظام الإقطاع العسكري. الأمر المهم في هذا النظام لم يكن من يمتلك الأرض بل من يُديرها. وهذا الوضع كان يؤمّن لهم حقَّهم من ريعها من غير ما همّ إدارتها كملكية خاصة. وأغلب الأسياد كانوا ملاّكين كبارا، لذا قلّما استحوذوا أو مدّوا سلطتهم على أملاك المسيحيين، فتركوا للموارنة أملاكهم وحواكيرهم[169].

وفي القبيات لم يكن الفلاّحون الملاّكون كثيري العدد، رغم زعم ابن جبير، لأن الموارنة، هنا، كانوا قد هَجروا قراهم إثر الفتوحات السابقة ليلتحقوا بإخوانهم في الجبل. ومن جهّة ثانية، كان عددُ القادمين الجدد منهم، ممن يقدر على اقتناء ملكية، قليلاً جدًّا. وممّا يؤكِّد على وجود هذه الطبقة الفلاحية هو ما سمّي «شكارة»[170]، وقد دلَّت عليها تلك الضرائب المفروضة على الأراضي المتروكة في أيدي السكان الأصليين.

وبعد سنة 1142، صارت الملكيات الكبيرة تعود، إما إلى «منظّمة المضيّفين»، وإما إلى الأسياد الفرنجة، وإما إلى الأعيان من السكان الأصليين. وفي كل الأحوال، لم يكن الفرسان المضيّفون ولا الأسياد يتعاطون دينيًّا[171] أعمال الفلاحة، بل كانوا يستغلّون أراضيهم بواسطة الأتباع أو تؤجّر إلى أفراد، وحتى إلى جماعات. وكان استثمار الأرض يتمّ، إمّا بضمان الربح، وإمّا بشراكة نصف الربح.

وشراكة النصف هذه، بشكل عام، كانت تختص بالملكيات الفلاحية[172]. والقسمة تشمل كلَّ شيء: الكلفة والغلّة. وقد سبق أن أشرنا إلى أن المزارعة ترتكز على عنصرين: أرض المالك وعمل الفلاح. وشكلُ المزارعة هذا يحكمه عقدٌ ينصّ على موضوع عُدّة الفلاحة وعلى القطاف. فإذا كان هذان أكبرُ من قدرة الفلاح، كان المالك يعوّضه. وإذا جاءت الغلال لصالح الفلاح كان عليه أن يزيدَ في حصة المالك. وهذا الوضع دلّ، آنذاك، على سبب هجران بعض القرى المؤدّي إلى دمارها[173].

هذه الفئة من الفلاحين، كانت كما يبدو، أكثريةً، إذ إنّه في مواسم الجفاف، أو اجتياح الجراد، أو اكتساح الجليد، أو الزلزال، أو ما شابه من كوارث متعدّدة، كان المالك يعوِّض. وكما يبدو، أيضًا، كانت طبقة المستأجرين أقلّية، لأنّ المخاطرة كانت واردة فلا يجرؤ الكثيرون على احتمال مواجهة المواسم الصعبة. وفي مطلق الأحوال، كانت طبقةُ الفلاحين القبياتية تعيش بعض الرفاه، لأن «المسيحيين السوريين، حسب دي شان، إذ منحوا من كونت طرابلس بعض امتيازات وضمانات عاشوا في اطمئنان»[174].

 

موارد البلاد:

يندهش المؤرّخون، عمومًا، أمام غنى التجارة الطرابلسية وتنوّعها. فبعضُهم عبّر عن الصعوبة في شقّ طريقه بين التجّار المحتشدين والبضاعة المعروضة، حتى على الأرض، في الأسواق القديمة والزواريب. وآخرون أعلنوا اعجابههم الكبير ببذخ السادة المستشرقين وغناهم. كذلك انتزعت الحدائق في المدينة صرخات الاعجاب من الأفواه. وبالإجمال، كانت المعلومات التي وصلت إلينا عن غنى طرابلس إلى درجة يعتقد فيها المرء وكأن ثروة الكونتية بأجمعها قد جُمعت في عاصمتها. لكن المعلومات التي وصلتنا عن الموارد في الأرياف، كانت قليلة. وإن قراءة سريعة لبعض براءات المنح، وإلقاء نظرة على ما أبقى لنا الزمن من خرائب، تفتح أمامنا الآفاق على ما كانت عليه الزراعة والصناعة في القبيات: أشجار مثمرة، زيتون، كروم، قصب سكر، مطاحن، أفران، معاصر، فواخير، حرير... هذه الألفاظ كان يتكرّر ورودها في براءات المنح التي يُصدرها الكونت.

وفي هذا الجزء من لبنان، المعروف اليوم، بمنطقة الشمال، يبدو أن التاريخ قد توقّف منذ زمنٍ بعيد، وأن المدنية لم تستأنف مسيرتها إلاّ منذ منتصف القرن العشرين... إنّه التباطؤ المميت. وإنّ علامات التمدّن المعاصر لا تكاد تظهر إلاّ في بعض أنحاء عكار، بينما هي في أماكن أخرى، مثل أكروم، قد بقيت على حالها، فلم تتطوّر منذ القرن الثالث عشر: القرى هي هي، والمزارع هي هي. وزقاقٌ من جلود الحيوان، منذ أيام الجدود، لا تزال تؤديّ وظيفة نقل الماء مترجرجة على ظهور الحمير. الحِرَف كما كانت من قديم الزمان، والصناعات الخفيفة لم تكد تشهد تقدمًا يُذكَر. كذلك لم تتطوّر الزراعة التي هي قوام موارد البلاد، فالأساليب القديمة، والزراعات نفسها لا تزال معتمدة في هذه الأنحاء. لكن، بالمقابل، تقلَّصت المساحات المزروعة؛ فنرى، اليوم، أماكن كثيرة، تدلّ البقايا الأثرية فيها على ماضٍ زاهر، قد صارت الآن مهجورة، ومهيّأة لتنقيبات أثرية ممكنة. واكثر ما تُفيدنا تلك الأدلّة، أن البلاد كانت تزدهر فيها زراعةُ الزيتون التي تنمّ عليها حجارةُ المطاحن والمكابس وكلُّ ما يتبع لصناعة الزيت. وفي قرية أكروم وحدها عددنا سبع معاصر زيتون، في الوقت الذي لم تقع أعيننا، أثناء تجوالنا، على شجرة زيتون خضراء عتيقة، ولو واحدة!

وكروم العنب كانت تغطّي القبيات المشمسة وأراضي وادي النهر الكبير. لقد اجتزنا، أثناء تجوالنا في الناحية، عددًا كبيرًا من الكروم، فلم نقع على ما يفيد من وسائل صناعة النبيذ التي كانت بدائيّة جدًّا، ولا على أقبية لتخزينه...[175].  أما صغارُ الكرّامين اليوم، فقد انصرفوا إلى صناعة العرق.


 

صورة نادرة: نقل الماء عبر الوادي من تلّة الى تلّة بواسطة الجرفة. والجرفة كناية عن شجرة طويلة تجوّف على هيئة ساقية.

 

عبر الوادي: ساقية على قنطرة واسعة وعالية تسمح بمرور الدواب المحمّلة

حقول التوت كانت كثيرة وواسعة. والخبز والبرغل كانا في أساس معيشة الفلاح الماروني الذي اعتمد زراعة القمح والشعير والذرة على نطاق واسع. وعددٌ كبير من براءات المنح نصَّ على عطاءات مخابز ومطاحن. وكانت المطاحن تعتمد على قوّة الماء والهواء. وقد صادفنا الكثيرَ من طواحين الماء، لكنّنا لم نقع على أثر لطواحين الهواء مع أنّ التقاليد تؤكّد على وجودها.

 

الزراعة في القبيات:

اجتاز الفرنجة وادي العاصي على مراحل قصيرة، فتوفَّر لهم الوقت، في أثناء الاستراحة، لأن يُمتّعوا النظر بجمال المواقع وتنوّعها. وكلّما تقدّموا باتجاه الجنوب كلّما كان لطفُ المناخ يدغدغ أحاسيس رجال دي سان جيل، لأنّه كان يذكّرهم بمسقط رؤوسهم في مقاطعة لانغدوك. لقد شاهدوا خصوبة الأراضي وروعة المناظر، وكثرة الأشجار، وتنوّع الثمار التي لم يروا مثيلاً لبعضها في أوروبا. وأدهشهم قصبُ السكّر ذو العصير المنعش، والمتوفّر بكثرة في جهات طرابلس، والذي نقلوا فسائله، فيما بعد، ليزرعوه في أوروبا[176]. أما جاك دي فيتري الذي اجتاز البلاد في النصف الأوّل للقرن الثالث عشر، فلم يخفِ إعجابَه وحماستَه أمام غنى الزرع في البقيعة. وبرخارد لجبل صهيون أكّد على أنه تذوّق أفضل الأنبذة في انفه. فلا بدّ أن هذا سيثير في نفس الجيش الافرنجي هاجسَ تأمين الميرة محليًّا، إذ لا يعقل أن يعتمدوا على الاستيراد الخارجي الى ما لا نهاية، وحتى لا يبقى مصير الجيوش الكونتية تحت رحمة التجار البنادقة والجنويّة.

ويؤكّد بول دي شان، في دراسته على سبب اختيار الفرنجة لمواقع تحصيناتهم، على أنهم كانوا يختارون مواقع الحصون الكبيرة بجوار الأراضي الخصيبة والمتنوعة الزراعات[177]. ولطالما أفاضَ المؤرّخون والسيّاح في كلامهم على خصوبة الأراضي الزراعية المحيطة بتلك الحصون، لا بل توسّعوا أحيانًا في الكلام على جَمال المنظر وكثافة الحصاد، ووفرة المرعى الذي تسرح فيه قطعان كثيرة، وعلى زراعة الأشجار المثمرة والخضار مما يساهم في صمود المتحصّنين لمدّة طويلة. لذلك كانت مسألةُ الفلاحة شديدةَ الأهمية إلى درجة أنها كانت تشكّل بندًا أساسيًا في المعاهدات التي كانت تعقد بين الفرنجة والمسلمين. وقد سجَّل لنا المؤرّخون، نقلاً عن معاهدة سنة 1110 بين صاحب أنطاكية ورضوان صاحب حلب، أن المعاهدة لا تصير ناجزة إلاّ عندما يعيد رضوان، في الربيع التالي، من الجزيرة، كلَّ المزارعين الهاربين إلى حلب في أثناء المعارك[178].

هذه المسألة المتعلّقة بأهمية وجود الفلاحين يدعونا إلى السؤال عمّا إذا كان للفرنجة، بصورة عامّة، وللفرسان المضيّفين، بصورة خاصة، سياسةٌ زراعية من نوع ما؟يؤكّد الباحثون أنهم لم يجدوا أيّة إشارة إلى ذلك![179].

نستنتج مما سبق أنّه كان لمنظمة الفرسان المضيفين مصلحة في الحرص على وجود القرويين الذين يقومون بحراثة الأرض في جوارهم، بالإضافة إلى الاعتماد عليهم كأيدٍ عاملة تؤمّن أعمال البناء. وإنّ الحاجة إلى تأمين الغذاء كانت تدعو المضيّفين للسهر على حسن سير الأعمال الزراعية، وبالتالي على الحفاظ على ثبات الفلاحين في جوارهم. «فقد كانوا يوزّعون البذار، ويستعيدون النساء الهاربات أمام الحملات العسكرية، ويجمعون المؤن، ولا يستهينون بمساعدة الأعيان المحلّيين في إعادة إعمار الأراضي المهجورة"[180].

 

تربية الحيوان:

 كان عدد كبير من الفلاحين يهتم بتربية الحيوان، فهذا كان يؤمّن الحاجة اليومية من الاستهلاك الغذائي للسكان في حالات الحرب والحصار، وكانوا يحتفظون بعدد من القطعان لتأمين الحاجة في حال الحصار.

وكان الضأن يُربَّى في السهول إلى جانب الجمل وعلى هضاب القبيات، وكانت قطعان الماعز تسرح في غابات جبل عكار. وفي المنطقة الجبليّة من القبيات، كانت الأراضي الزراعية قليلةً فيها فكانت الضرورة تستدعي التوسّعَ على حساب الغابة، فلا تزال إلى اليوم، تسمّى الأماكن المحوّلة إلى أرض زراعية «كسارات» بأسماء أصحابها.

 

موجبات زراعية وعسكرية:

طَبّقَ الفرنجة على المزارع والقرى السورية ما عُرف عندهم باسم «كازاليا» (casalia)[181] الذي يدلّ على مجموعاتٍ سكنية على أرض ريفية بهدف الاستثمار الزراعي أكثر مما يدل على القرى المعروفة[182]؛ فكانت غالبيةُ تلك الكازاليات، في المنطقة الجبلية، مجمّعات عائلية، كان الأبناء فيها يُنشئون بيوتهم إلى جانب المنازل الأبوية لتأوي عائلاتهم الجديدة. وهكذا، بعد حين، يتحوّل المنزل الجديد إلى كازاليا صغيرة تتوسَّع لتحمل اسم العائلة، مثل بيت كذا وبيت كذا[183]. وقد تنزل عائلة جديدة إلى جانب العائلة القديمة فيكبر حجم الكازاليا، ثم تعمد العائلة الجديدة، متى توسّعت، إلى بناء كنيسة جديدة. هذا الواقع يفسّر وجود كنيستين أو ثلاث، وأحيانًا أربع، في موقع واحد، يفصل بين الكنيسة والأخرى بضع مئات من الأمتار[184].

ما إن استقرّ الموارنة في أمكنة هجرتهم حتى أخذوا ينظّمون شؤونهم الخاصة. فكان عليهم واجبات، لكنّهم ما كانوا يقبلون أن تكون مُرهقة، وكانوا معفيّين من كثير من الضرائب التي تُعيق العمل الزراعي أو التجاري. وبقيت عليهم ضرائب يؤدّونها، من بينها العشور وضريبة الحرب. أمّا العشور فكانت إمّا عينيّة وإمّا نقديّة، وكانت تُؤَدَّى إلى رجال الدين منهم[185]، وتُدفَع على الفرد أو الرأس الواحد من الحيوان، أو الأصل الواحد من الشجر.

هذا، ولم نجد تفسيرًا للتجزئة الغريبة في الأراضي وفي الأشياء المتوارثة التي قد تكون، أحيانًا، على أساس الأصل الواحد من العنب أو التين أو التوت وما شابه، والتي طالما أثارت النزاعات فيما بين الفلاحين الأنسباء من أجل نتفة أرض، وهو ما حفظته لنا سجلات الضرائب منذ المماليك ثم العثمانيين وحتى مجيء الانتداب الفرنسي إلى هذه البلاد.

وكان مزاج الموارنة يميل، عمومًا، إلى المسالمة في حياتهم الجبلية، فلم يكن الفلاح من هواة امتشاق السلاح، مع أنه كان شجاعًا، صلبًا، متمرّسًا في القتال، فكان يفضّل سكّة المحراث على السيف، لكن متى دعت ضرورة البقاء فعندئذ يصير فلاحًا جنديًا يجيد لعبة السيف كما يجيد العمل بالمعول والفأس.

«في وضع دولة مثل كونتية طرابلس، كانت الحاجة إلى وجود المؤسسات العسكرية المعهودة في اوروبا لا تزال ضروريةً بشكل ملحّ. وعديد الجيش الكونتي لم يكن على مستوى كافٍ. فلتعويض النقص، وجد الكونتات بديلاً محليًا من الرجال بفضل وجود هؤلاء الموارنة»[186].

إذًا كان للتضامن فيما بين المسيحيين وللمصلحة المشتركة أن يفسّرا مسألةَ التعاون بين الفريقين، بداية، إلى أن تتحوّل إلى المشاركة فيما بعد. لكن كيف يمكن أن نفسّرَ وجودَ الموارنة الدائم في جيش الكونت وجيوش المنظمات الصليبية؟ هل كان على الموارنة التزامات عسكرية مباشرة أو بواسطة رؤسائهم المحليين مثل سائر الأسياد في الكونتية؟ أن يكونوا مرتزقة أمر مستبعد، ويجب البحث عن فرضية أخرى. إذًا، كيف لنا أن نفهم تلك المشاركة الكثيفة لأهل الجبل في كلِّ مرّة كان الخطر يداهم الكونتية؟

عندما استتبّ للصليبيين «سلامَهم اللاتيني» في سوريا، استعاد المسيحيون أمانهم الذي كانوا قد فقدوه منذ عدّة قرون. هذا السلام أتاح لهم فرصة تحسين أوضاعهم المسيحية، وبشكل أخصّ، الانصراف إلى الاهتمام بالشؤون الفكرية. لقد أعاد الإيمانُ الحار لدى الصليبيين حرارةً إلى إيمان الموارنة، إذ بزوال الكبت الديني عنهم عاد إليهم التجدّد الروحاني، بحسب ما قال الدويهي، فظهر ذلك بتجديد طقوسهم وبناء كنائسهم الجديدة.

ومنذ أن وطئت أقدامهم أرض القبيات كان على الموارنة أن ينظّموا خدمة طقوسهم. فخرائب كنائسهم القديمة كانت لا تزال موجودة، ولم تكن هناك صعوبة في إعادة إعمار ما كان قد كرّسه الأجداد.

 

ﻫ - الكنيسة اللاتينية والكنيسة المارونية

بمقدار ما كان طموحُ قادة الحملة الصليبية الأولى إلى اجتزاء إقطاعات يحكمونها، كذلك كان اندفاع الإكليروس منهم لتأسيس كراسي أسقفية لهم في الأراضي المفتوحة. فيتساءل كاهن: «بأيّ قدرٍ من التمجيد حظيَ الصليبيون الذين قدّموا أنفسهم على أنهم إنما جاؤوا لنجدة المسيحيين، في نظر الجماعات المسيحية المحليّة؟...»[187].

ليس لنا أن نحكم على النوايا، لأنّ الحقيقةَ كانت ساطعة. من أنطاكية، بدأ استعمار سوريا، ومنها بدأت ليتنة الكنيسة الشرقية. فعددٌ كبير من الأسقفيات ونيابات الأسقفيات قد أنشئ، وتوزّع بين بطريركيتين: أنطاكية وأورشليم[188]. وكان القادة الروحيّون[189] والزمنيون شركاء في القرارات السياسية الهامة، كما كانوا يتشاركون في الحملات العسكرية. وكان الأمراء يساهمون في بناء بيوت العبادة أو حتى في بناء عدد كبير منها. وكان للكنيسة اللاتينية في الشرق نظامها الداخلي الخاص والمماثل لنظام الكنيسة الأم، إن بالمجالس الأسقفية أو بالمحاكم الروحية. وكانت ثروات تلك الكنائس، في جزء كبير منها، عطايا من مصادر محليّة وأجنبية، ومن مصادرات من الكنائس الشرقية، ومن إلزامات مفروضة على العلمانيين. من غير شك، قد ترك الفرنجة، في هذه البلاد، كثيرًا من الأبنية الدينية التي كانوا قد بنوا القليل منها، لأنهم إما صادروا أبنية، وإما أعادوا ترميم بعض آخر كان موجودًا قبل وصولهم، أو أنّهم بكل بساطة، أعادوا تعميدَ بعض الجوامع الإسلامية وحوّلوها إلى كنائس لهم.

هكذا عكست العلاقات بين الكنيسة الافرنجية والكنائس السورية، غالبًا، الطابع الاستعماري للصليبيين. قال كَهِن: «كان موقف الكنيسة اللاتينية، بعض الأحيان، تجاه الكنائس الشرقية غيرَ أخوي»[190]. وبالنسبة إلى العلاقة بين الكنيسة المارونية والكنيسة اللاتينية، فإن مؤرّخينا قد دأبوا على مدحها من دون تحفّظ. فوصفها الدويهي بالأخوية، بينما وصفها لامنس «بالودودة جدًا».

هذه العلاقة بين الموارنة والفرنجة بدأت منذ أن وطئت أقدامُ هؤلاء أرضَ طرابلس سنة 1099؛ ثم ساعدت الظروف، على تمتينها في ما بعد. وهذه المودّة بين الفريقين يمكن تفسيرها بسهولة على ضوء إعلان الموارنة اتحادهم الكامل مع إيمان الكنيسة اللاتينية عشيّة الحملات الصليبية[191].

وقد كان تأثر الصليبيين عميقًا بالاستقبال الحار الذي لاقاهم به الموارنة عند وصولهم إلى أرض الموارنة[192]، وهم لم ينسوا تعاونَهم الوثيق. فقد كتب راي: «كان الموارنة، من بين جميع أهل البلاد الأصليين، أكثرَ شعب شغل بال المشرّع اللاتيني، فكان دائم الحضور أمام تفكيره، وحصل على نظم تمتاز على بقيّة الشعوب المحلية الأخرى»[193].

وليس عسيرًا على الفهم أن يكون موارنة القرن الثاني عشر قد سعوا إلى التقارب مع لاتين أوروبا، كذلك من السهل أن نفهمَ تلك المودّة للأوروبيين في مؤلفات المؤرّخين الموارنة، ذلك لأنّ قيام الكنيسة المارونية في محيط أديان مغايرة لدينهم، ومحافظتهم على أَصالة إيمانهم جعلهم يسرعون إلى الاتحاد مع الإيمان الكاثوليكي وإلى الحصول على تثبيت شرعي من كنيسة روما[194].

كذلك كان الشعب الماروني يتوق إلى الخروج من عزلته التي كان محاصرًا فيها منذ قرنين من الزمان، كما كان متعطِّشًا إلى الإحساس بوجوده كجزء أصيل من العالم المسيحي الواسع، كجماعة نخبوية عادت إلى التواصل مع العنصر الأصلي، بعد أن كانت هذه الجماعة قد نجحت في المحافظة على كيانها الديمغرافي في وسط المستنقع الشرقي، ودفعت ثمنًا باهظًا لتحفظ استقلالها الذاتي. هؤلاء الصليبيون حملوا إليه أملاً بالأمان الاجتماعي وتحقيقًا لرغبته الحارة في العودة إلى التلاقي مع البحر ومكاسبه. كذلك كان الكرسي البطريركي متشوّقًا إلى أن يعاود التواصل مع روما.

ففي رسالة كتبها جبرائيل ابن القلاعي سنة 1494 إلى البطريرك سمعان الحدثي قال: «بعد أن أخذ الملك غودفروا أورشليم، أَرسل يبشّر روما بذلك فانضمّ موفدون من قبل البطريرك يوسف الجرجسي إلى سفارة الملك»؛ فردَّ البابا أوربان الثاني برسالة كانت لا تزال محفوظة أيام البطريرك الدويهي في خزائن مقامه في قنوبين[195].

وسنة 1131، نزل الشعب الماروني بجماهيره لملاقاة المندوب البابوي عند مرفأ طرابلس. وتفيدنا الرسالة نفسها، المذكورة أعلاه، أنّ كبار رجال الدين والأمّة المارونية، مع بطريركها، آنذاك، غريغوريوس الحالاتي، المنتخب سنة 1121، قد اجتمعوا ووضعوا بين يديه وثيقة خضوعهم للكرسي الرسولي، فكان لهم، إثر ذلك، مكانٌ خاص في نظام الكونتيّة. «يأتون في المرتبة الثانية بعد الفرنجة... وكانوا مقبولين في طبقة البورجوازية، وهذا امتيازٌ يتيح لهم أن يمتلكوا الأراضي كما يمكن لهم أن يحظَوا ببعض ما تتمتع به البورجوازية الفرنسية»[196].

وهبّت على الجبل ريحُ الحرية، فترك الناس خبايا الأودية ليسكنوا التلال المشمسة وصار صوت النواقيس النحاسية العذب يدعو إلى الصلاة بدلاً من صوت صفائح الخشب، وذلك بعد سنتين من سقوط طرابلس بيد الفرنجة، أي سنة 1111.

وبدأت ليتنةُ الطقس الماروني في عهد البابا إنوشنسيوس الثالث برعاية القاصد الرسولي الكردينال بطرس أمالفي. فقد جاء في الرسالة التي أرسلها قداسة البابا إلى الأمّة المارونية على ما يلي: «أما وقد تبيَّن لنا أنَّكم تحتاجون إلى بعض الأمور، فإن الكاردينال المذكور سيهتمّ بتأمينها لكم. إننا بملء السلطة الرسولية «نرسم على الأساقفة القاطنين في بلاد الموارنة أن يلبسوا ثياب الأحبار والشارات الموائمة لوظائفهم على زيّ اللاتين، وأن يجتهدوا في مماثلة الكنيسة الرومانية في كل الأمور»[197].

منذ وقت مبكر، وبفضل الإيمان الجامع، صار الموارنة يقصدون الكنائس اللاتينية ويقيمون مراسيمهم الدينية على مذابحها متزيّنين بألبسة الإكليروس الغربي[198]. نذكر، في هذا الشأن، الترخيص الممنوح من كونستانس الصقلي للموارنة بأن يقيموا مراسمهم على مذابح أولئك ولابسين حللهم. وتعبيرًا عن رغبتهم في التقرّب إلى اللاتين والاتحاد بهم، أبدى الموارنة استعدادَهم لاعتماد بعض عادات الأساقفة اللاتين كوضع الخاتم واعتماد التاج واعتكاز العصا، بينما رفض باقي المذاهب المسيحية ذلك الأمر رفضًا مطلقًا[199]. وكان قبول الموارنة لتلك العادات قد حصل إما عن طريق الفرض المباشر، وإما تجاوبًا مع رغبات المراتب الكهنوتية اللاتينية، وإما رغبةً في تحقيق بعض المكاسب، وإما لمجرد التعبير عن نضج حضاري رأوه في تلك العادات.

ونقول أخيرًا، إنّ هذه «الأخوّة» بين الفرنجة والموارنة كانت مصطنعةً أكثر مما هي حقيقية، لأنّ عمليةَ ليتنة الكنيسة المارونية بأي ثمن كان يكشف عن فوقيّة عند اللاتين، وعن خضوع الموارنة لفرائضهم، مما يدلّ على إقرار الموارنة بدونيتهم. هذا من ناحية؛ أما من الناحية الأخرى فإنّ التمايز بين المحاكم الدينية اللاتينية والمحاكم الدينية غير اللاتينية كان فاقعًا، وتؤكّده رسالة من البابا أنوريوس الثالث تشير إلى أن شهادة السوريين ضد الفرنجة لم تكن مقبولة في محاكمهم. كذلك كان ثراء الإكليروس الإفرنجي فاحشًا. ولم يكن هؤلاء يدفعون الضرائب لدولة الفرنجة، في الوقت الذي كانوا فيه من أكابر الملاّكين فيها[200]. عن هذا الثراء، يقول بيار كوبيل: «يجب أن نعرفَ حقيقةَ ذلك الثراء إن من خلال الشهود وإن من خلال الأملاك التابعة لتلك الأسقفيات والمخصّصة لطقوس العبّاد المحليين؛ أنها كانت شحيحة المداخيل»[201]... ناس أغنياء وناس فقراء، مع ما يحمل هذا الوضع من نتائج نفسية وماديّة. تلك كانت حقيقة العلاقات بين الفرنجة والموارنة. لقد ظهرت الهيمنة اللاتينية على المناهج الثقافية والليتورجية المارونية، وسيظهر هذا التأثير، أكثر فأكثر، على الأخص، إبتداءً من القرن الثاني عشر[202].

 

بيبرس يجتاح: دم ونار

«كانت كحرب في القرون الوسطى، بصورتها المعهودة، عبارةً عن حصارات متتابعة، ومناوشات لا تحصى، وغزوات، بالإضافة إلى بعض معارك كبرى وبعض مجابهات حاسمة كانت ندرتها تتبدى في دمويتها المفرطة»[203].

عاشت القبيات في ظلّ حكم «المضيّيفين» حقبة زاهرة. فالأمان، ولو نسبيًا، والضرائب المخفّضة جعلت هذه الناحية تعرفُ كثافةً سكّانية افتقدتها منذ البيزنطيين. هذا لا يعني أنها كانت بمنجاة كاملة عن الصراع طوال هذه الحقبة؛ بل تلقّت عددًا من الاجتياحات العسكرية، وعانت من نتائج كوارث طبيعية ضربت البلاد السورية. وسنة 1170، ضرب المنطقة زلزال عنيف هدم دور العبادة على رؤوس المصلّين. وسنة 1166، اجتاحها عساكرُ نور الدين تحت نظر «فرسان المستشفى» اللاجئين إلى حصونهم، ونظرِ كونت طرابلس المحاصر مع جيشه في عرقا. لكن البلاد كانت تعود لتنهضَ وتعاودَ الحياة في مجراها الطبيعي بكثير أو بقليل من الأمن حتى جاءها بيبرس، هذا السلطان الرهيب الذي أعلن حربًا لا هوادة فيها على الفرنجة. في البدءَ قام باستعراضَين للقوّة أمام أبواب طرابلس لكن من غير جدوى، وذلك بفضل شجاعة أهل الجبل. و«سنة 1264، غادر الملك الظاهر مصر على رأس جيوشه فاحتلّ القليعات وعرقا وحاصر طرابلس؛ لكن الموارنة انحدروا إليه من جبالهم وأنزلوا الهزيمة بجيشه»، فانهزم باتجاه حصن الأكراد[204].

لكن (الملك الظاهر) بيبرس قد عاد أخيرًا... فحوالي السنة 1270، تدهور الوضعُ بشكلٍ خطير، وعاينت البلاد نهاية الحكم الإفرنجي فيها؛ فسقط عددٌ كبير من المدن والقلاع بين يديه، الواحدة بعد الأخرى. وسقطَ حصن الفرسان في 8 نيسان 1271. وكان الفرنجة لا يزالون بحصن عكار القائم على لسان وسط وادٍ عريض عند أقدام جبل القمّوعة، يعاند، السقوط في موقعه الحصين. فصعد بيبرس عبر القبيات لمهاجمته... وفي رسالة كتبها الى بوهيمند، كونت طرابلس، فصّل ظروفَ انتصاره الباهر: «حملنا آلات الحصار رغم الطقس العاطل والأمطار المعاكسة فوق جبال وعرة حيث العصافير نفسها تجد صعوبة في التنقل فوقها لبناء أعشاشها بمنأى عن الخطر. وركّزنا آلاتنا على أرض يزلق عليها النمل. وأزاحت أعلامُنا الصفرَ أعلامَهم الحمر، وارتفعت صيحات «الله أكبر» بدل صوت الأجراس. خبِّر فرسانَك أنّ سيوفَنا ستحلّ عليها عمّا قريب، ومجانيقنا ستقصِف أسوارك وكنائسك، وأن أهالي عكار لم يرووا عطشَ سيوفنا إلى الدم»[205].

إذا وضعنا جانبًا هذه المغالاة، فإننا يمكن أن نصدّقَ بسهولة عطشَ «الفهد الجبار» إلى الدم، دم الأهالي المخلصين للفرنجة. ولم يكن الأمر غريبًا في مثل هذه العادات في حروب ذلك الزمان. فلنستعد ذكرى سقوط طرابلس في يد الفرنجة، ثم استعادة المماليك لها. أنهارٌ من الدم قد جرت، والكنائسُ هدّمت أو أحرقت، وأن حلولَ آذان «الله أكبر» بدل دعاء رنين الأجراس ما هو إلا صورة رمزية لإفناء المسيحيين في هذه الجهات. وهاتان كنيستا القديس جاورجيوس ودانيال في شويتا-القبيات شاهدتان على نتيجة تلك الحرب، وقد ظهرت آثار الحريق في القبتين، حتى على الحجارة، فطُليتا ثم أزيل الطلاء مؤخرًا. أما عن صوت الأجراس فلا يبدو الأمر واقعيًا، لأنَّنا لم نرَ أثرًا لمكانها، لا في الخرائب ولا إلى جانبها. ومن جهّة أخرى، على ما يبيّن كميل أنلار، فإن استعمالها لم يكن منتشرًا آنذاك لأن مصدرها كان أوروبيًا، وقد تمّ اصطناعها في لبنان في زمن متأخر. بل كانت الأجراس، آنذاك، كنايةً عن نواقيس استعاد الموارنة استعمالها بعد الفتح الإفرنجي[206].

من المعلوم أنَّ كثيرًا من الموارنة قد قتل خلال اجتياح بيبرس، وهربَ قسمٌ آخر باتجاه الجبل، أو لحقَ بالفرنجة إلى قبرص ورودس[207]. وبعد سكون العاصفة عادَ قسمٌ منهم إلى قراهم. يخبر الدويهي أنّ بداية القرن الخامس عشر كانت سيامة مطران لحفد الماروني[208]، وهو يعقوب من قنية التي تقع على بعد خمسة عشر كيلومترًا من القبيات، والتي لا تزال بقايا ديرها وكنيستها ظاهرة للعيان.

لقد أفاد الموارنة بعض الإفادة من وجود الفرنجة في المشرق. لكن بأيّ ثمن؟[209]. الجبل أَقفرَ من أهله الذين ذُبحوا خلال اجتياح قلاوون له سنة 1283، أي قبل سقوط طرابلس بسنوات. «وكان لنا نصيب من المصائب بعد رحيل الفرنجة. كسروان أُحرقت وجبّة بشرّي دمّرت»[210].


 

 ================

 

القسم الثاني

 

قِشَل وقلاع الفرنجة في ناحية القبيات

 

===============

الفصل الأول

 

أسماء ومواقع

 

جرت محاولات عديدة هدفت إلى تحديد أمكنة المواقع الإفرنجية في سوريا. لكن الأبحاث التاريخية، هذه، اصطدمت بصعوبات لا يُستهان بها، لأنّ المراجع التي استندت إليها لم تكن لتفي بمستلزمات التحرّي الشافي، إذ لا تزال مواقع عديدة بحاجة إلى تحديد، ولا يزال الشكّ يحوم حول المواقع الأخرى التي جرى تحديدها. أما الأمر المؤكّد فهو أن الفرنجة لم يسهّلوا الأمور، كذلك المماليك، بعدهم. أولئك ظنوا أن ملكهم يدوم فعزموا على أن يغيّروا هذا الشرق العصيّ على التغيير. وهؤلاء، أي المماليك، وبهدف محو أي أثر للاستعمار، أحرقوا وهدموا وبعثروا كل ما لم يكن ينتفع به مرتزقتهم كغنائم حرب.

وفي تشويه أسماء المواقع اتّبع الفرنجة عدّة أساليب، كان أغلبها في قطم الأسماء، أي أخذ بداية الكلمة ورميها، على حدّ ما يقول بول دي شان «حتى صارت عندهم أبو سنان بُسنان، وأبو قبيس بوشبيس، ودبّوريّة بوري أبو ريس»[211]. وأدَّت صعوبة النطق عندهم، لبعض الحروف الحلقية العربية، إلى أن يسقطوها، فصارت البقيعة بوكيه أو بوشيه. وغالبًا ما زاد الإهمال لدى النسّاخ في تلك الصعوبات فنقلوا أسماء الأماكن كما جاءت، وبأشكالها المختلفة، حتى في المرجع الواحد. وأحيانًا أخذ الفرنجة الأسماء اليونانية أو اللاتينية فحرّفوها وبدّلوا في لفظها فصارت جبيل جيبليه، والبترون بوترون، وطرابلس، عاصمة الكونتية، تربيل. وأحيانًا ترجموا أو «عمّدوا»، حسب مزاجهم، أسماء بعض الأماكن والقِشل، بل المدن أحيانًا، بل حتى مقاطعات بكاملها. من هنا كانت المشقّة في إعادة إكتشاف أسماء المواقع الواردة في براءات المنح والتي لم تكن محدّدة بوضوح.

ولأن في عزمنا الثابت أن نلقيَ الضوء، قدر الاستطاعة، على الأوابد القديمة، وعلى دَوْرٍ قد تكون لعبته في العلاقات الاقتصادية، عمومًا، أو في التأثيرات الفنيّة المتبادلة بين الشعوب، بدا لنا أنه من المفيد إعادة درس أسماء المواقع الواردة في براءات المنح الإفرنجية التي لها علاقة بموضوع دراستنا؛ وذلك لأنّ عملية إقامة تخطيط كامل لناحية القبيات، في ظل الحكم الصليبي، يحلّ لنا جملةً من المسائل التي تخطر في البال. ثم، لأنّ مصادرنا قليلة ومفتقرة إلى الدقّة، فإن التنقيب المنظّم، وحده، قادر على كشف ما تخبئه هذه الأرض العذراء، من كنوز، فيتحقق ما يراودنا من حلم جميل.

سنة 1137، حقّق أتابك الموصل زنكي نصرًا حاسمًا على الفرنجة فاضطر ملك أورشليم، فولك دانجو، الذي كان محاصرًا في حصن مونفرّان، على أن يقبل بمعاهدة تحفظ له ماء الوجه، وتتيح الحرية لريمون كونت طرابلس الذي وقع أسيرًا بين يدي زنكي. هذه المعاهدة خفّفت من وطأة الهزيمة الإفرنجية التي لم يستطيعوا، من بعدها، التعويض. لكن خسارة حصني مونفرّان ورفنيه، وهما الحصنان المكينان اللذان كانا في يد الفرنجة، شمال شرق البقيعة، كانت بمثابة حرمان الكونتية من كل دفاعات جدّية عند حدودها الشرقية أمام الغزوات التي تأتيها من الداخل السوري. لذلك رأى كونت طرابلس، بعد هذه الكارثة، أن يعوّضَ خسارة هذين الموقعين بترتيب استراتيجية دفاعية تؤمّن سلامة حدوده الشرقية عند فجوة حمص، الممر الطبيعي للغزاة، والنقطة الأضعف عند هذه الحدود. ولأنَّه كان بحاجة إلى الرجال والأموال، سارع إلى وضع المنطقة في عهدة فرسان المستشفى الذين بإمكانهم قطع الطريق أمام تحرّشات أمراء حمص وحماه، وربما التمهيد لاستعادة الأراضي التي خسرها، كانت براءة سنة 1142 الأساس الشرعي في إقامة «إمارة دينيّة» لصالح فرسان المستشفى.

هناك براءةٌ أخرى بتاريخ 1143، تضمّنت مندرجات السابقة، وزادت عليها عطاءات جديدة. هكذا صارت هذه «الإمارة» الجديدة تتضمَّن، عمليًّا، كلّ حوض النهر الكبير، من جانبيه: من الجانب اللبناني كانت القبيّات ضمن أملاك «المستشفى» التي وصلت حتى حدود الهرمل، ووصلت إلى حدود الوعر وسنيوريّة عكار ضمنًا. ونحن نعتقد أن حدود هذا الإقطاع الجديد تبدأ عند جسر الكويخات، حاليًا، وتتبع مجرى نهر الأسطوان حتى نقطة التقائه بنهر السنّ، وصعودًا إلى غزارته، ثم تتبع خط القمم الذي ينتهي عند منابع نهر العاصي.

إذا، فإن أغلب المنح الواردة في هاتين البراءتين، بالإضافة إلى عطاءات أخرى لصالح المستشفى، يبدو أنها تنصُّ على أسماء موجودة في القبيات وجوارها المباشر. لذلك نورد، بدايةً، نصوص البراءات، كما هي، ثم نحدّد على الخريطة، أسماء المواقع المعروفة ونضيف إليها ما يمكن أن نُسهم به من رأي خاص، مع التزامنا جانب الحذر الكثير.

In nomine sancte et individue Trinitatis.

Notum sit omnibus hominibus, tam presentibus quam et futuris, quod ego Poncius, gratia Dei comes Tripolis, et xuor Cecilia, regis Franchorum filia, Volente filio nostro Raimundo, donamus Deo et Hospitali lherosolimitano hospitali pauperum quod est in Monte Peregrino, et omina simul que sunt juris ejusdem hospitalis, villas videlicet que his nominator: in primis Misdeliam cum omnibus pertinentiis et terminis suis, sicuti Bertandus prior melius tenebat et habebat in die qua dedicate est ecclesia S. Johannis de hospital que est apud Motem Peregrinum, scilicet usque ad flumen quod discurrit ad Montem Peregrinum, et usque ad terminus ipsius ville que dicitur Ardacium; et ex alia parte usque ad terminus ipsius ville que dicitur Alma, et usque ad terminus ipusius ville que dicitur Bethsama, et ipsius ville que dicitur Bethsedion, et usque ad terminos Bethleemitice ville que diciyur Ceraphtenie. Deinde ipsam villam que dicitur Bahanni donamus Deo et Hospitali cum omnibus pertinentiis suis, et ipsam que dicitur Cornonium cum omnibus pertinentis suis, et villan Coliatche cum omnibus pertinentiis suis, et Aroath cum omnibus pertinentiis suis, et Cendianam cum omnibus pertinentiis suis, apiam cum omnibus pertinentiis suis, villam Coliath cum omnibus pertinentiis suis, et Aroath cum omnibus pertinentiis suis, et Cendianam cum omnibus pertinentiis suis, Apiam cum omnibus pertinentiis suis, villam Siccam cum omnibus pertinentiis suis, Durcarbe cum omnibus pertinentiis suis, ad motam de Bochea villa m que dicitur Baho cum omnibus pertinentiis suis et in terra de Rafania theledehep cum omnibus pertinentiis suis, et Cartamare cum omnibus pertinentiis suis. quas quidem villa dedit pater meus Bertrandus, predicto hospitali; quas etiam donaverat (Eidem) avus meus bone memorie dominus Raimundus, cum arboribus diversorum generum que sunt in ipisis villis et in omnibus terminis earum, cum aquis (ac pascuis), molendinis et ortis, et omnibus rebus ad easdem villas pertinentibus, oleum videlicet et ceteros fructus supradictarum arborum, nee non et bisantios quos Wilelmus comes solebat accipere de bubus Surianorum in supradictis vi/lis laborantium. Omnia lib era et sine ulla retentione, sicut melius donari possunt, dono et trado per scripturam in perpetuum valituram Hospitali lherosolimitano. Terras etiam, quas dedit pater meus et avus meus ultra Pontem Montis Peregrini ipsam quoque vineam que est juxta cirniterium ecclesie S. Johanni, et cetera omnia que tenet et possidet supradictum hospitale in omni terra. mea, omnia et integra et absque ulla diminutione dono et laudo. Confirmo etiam ut ab hodierno die et deinceps teneat et possideat absque ulla inquietudine. Preterea laudo supradicto hospitali domum quamdam optimam in portu Tripolis supra mare, et unum campum ante civitatem. Theloncum etiam, quod ceteri homines reddunt in porta Tripolis et in platea, dimitto ei et dono, et dominus Bernardus, tripolitanus episcopus, suam partem similiter, favente Durando archidiacono, Garsione cantore et universo ejusdem ecclesie capitulo, ita ut omnes homines supradicti Hospitalis emant et vendan quidquid voluerint, et nihil ab eis nomine thelonei in platea vel ad portam exigatur. Dono etiam predicto hospitali lherosolimitano upud Archas quasdam mansiones, et unum ortum, et furnum, et vineam, ut habeat in perpetuum, apud Felicium, unam mansion em, apud Cratum duas mansiones et unam vineam. Omnia etiam que data sunt ei in civitate Tortose, vel in omni territorio ejus, sive in castro quod dicitur Kamel sivi alibi, confirmo et laudo eidem hospitali, et nominatim ipsos molendinos quos habet apud Kamel. Villas vero, quas supertim ipsos molendinos quos habet apud Kamel. Villas vero, quas superius nominavimus, et terras, et vineas, et ortum, domos, molendinos, furnum et balneum, que omnia pater meus et avus meus dedit in civitate Rafanie sive in territorio, ejus ad hospicium pauperum, sicut in carta scriptum est et legitur, et Galterius tenuit, sic laudo et dono Hospitali lherosolimitano. Dono etiam licentiam omnibus meis hominibus, qui a me terra habent, ut, si voluerint, habeant potestatem donandi vilanum unum Hospitali supramemorato unusquisque in suo honore. Et, si quid amplius cum mea consilio dederunt, similiter laudo. Ad ultimum confirmo et laudo supradicto Hospitali omnia que data sunt ei in omni terra mea, tam ab avo et patre mea quam ceteris qui ibi terra habuerunt vel adhuc habent, a prima die qua avus meus cepit aquirere terra m usque in hodiernum diem, ut supradictum Hospitale teneat et possideat omni tempore absque omni inquietudine. Super hec omnia dono et laudo Hospitali supramemorato quamdam vineam apud Kafaracham, de qua exeant ei centum jarrae de vino. Laudo etiam totum donum quod (factumfuit) Hospitali a baronibus meis, seu ab aliis hominibus, tempore consecration is ecclesie sancti Yohannis Baptiste que est apud Montem Peregrinum.


Charte de 1143:

In nomine Patris et Filii et Spiritus Sancti, amen.

Notum sit omnibus, tam praesentibus quam futuris, quod ego Raimundus, Dei Gratia comes tripolitanus, pro amore Dei et salute animae meae et requie parentum meorum, nec non rogatu domini Willelmi, dei gratia patriarchae hierosolymitani, Petri Dominici Sepulcri prioris, totiusque ipsius ecclesiae capituli, concedo atque in perpetuum inconvulse confirm, et sigilli mei impressione corroboro, omnes possessiones quas in toto comitatu nostro Tripolis glorioso Sepulcro praedecessores nostri donaverunt, videlicet: dominus Raimundus comes, Poncius comes, et barones etiam seu alii fideles. In prim is ecclesiam Sancti Sepulcri, quae est in Monte Peregrino, cum suis domibus et integra sua curia. Furnum etiam, cum domibus sibi pertinentibus, ita scilicet ut absque nostra aut heredum nostrorum contradictione valeant ibi coquere omnes quicumque voluerint, ad utilitatem et proficuum domus praefatae ecclesiae, secundum quod mater mea Cecilia comitissa, coram nobis praesentibus et illud idem confirmantibus, donavit atque concessit. Domos etiam quas in Monte Peregrino et Tripoli habent ex devexum montis, ex utraque parte viae veteris, sicut et nunc possident, a muro usque adconductum. Gardinum etiam. Libertatem quoque in portu nostro Tripolis afferendim, deferendi inde omnia quoqe usibus suis necessaria fuerint, quiete et absque consuetudine aut ulla exactatis damus atque concedimus, transitumque per portas civitatis, nec non et per universam terra m nostram, eadem libertate et quietudine firmamus. Ecclesiam Sancti Georgii in montanis. cum suis casalibus atque cunctis aliis suis pertinentiis. quemadmodum probatur dinosciturve eam dedisse comes Raimundus Sancti Egidii praedictae ecclesiae. Casale Bujola, cum Villelmus Jordani comes donavit in dedicatione ecclesie Sepulcri, quae est in Monte Peregrino. Tria alia casalia quae sunt in montanis, cum villanis et pertinentiis suis, scilicet Abdin, Habela, Beneharan, quae comes Bertrandus eidem ecclesiae dedit; et ex alia parte montanae, casale Modena, cum villanis et pertinentiis suis, quod W. Ermenegardus donavit. Gaustinam insuper, quae dicitur Loisan, quam Raimundus de Raisac dedit. Casale Helmedel, cum villanis et pertinentiis suis, prop Guibelacard, quod dedit Ribod. Casale Cafarsequel, in territorio de Gibelet, quod vocatur casale Pontis Sicci, quod Stephanus de Brolo dedit. In casali de Bocumbe villanum unum, cum una carrucata terrae, quem donavit Raimundus de Narbona. In casale quod dicitur A er, villanum unum, cum una carrucata terrae, quem dedit Bernardus Derat. In casale etiam Derio, villanum unum, cum carrucata terrae et CX Jarras olei. quas debet persolvere annuatim dominus quicumque fuerit casalis, quae dedit Petrus de Podio Laurenti, concedente uxore sua. Et villanum unum, cum una carrucata terrae. quem dedit Petrus, nepos Rogerii contabularii, in casale Ardin. Et in casa le de Buissera, unum vi llanum cum una carrucata terrae, quem dedit Abelardus. In casali Sorbe, villanum unum, cum una carrucata terrae, quem dedit Gaufridus de Pennis.ln territoriode Nephis, XII. quoque bisancios, aut CXX littras olei, quos donavit supradictae ecclesiae Adalaxia, pro anima Hugonis Ebriaci, viri sui, una cum fllio suo Willelmo, Ebriaco. annuatim in sempiternum reddendos.

Unum quoque villanum, cum omnibus suis pertinentibus, et terras alterius villani. quem dedit W. de Boschet. Villanos supradictos, eorum que heredes, cum terris suis, perhenniter habendos ecclesiae concedimus. Ista omnia supradicta et alia cuncta, quae juste canonici in antea sunt adquisturi, seu donatione quorumcumque hominum, vel emptione, aut aliqua commutatione, vel ad praesens possident, memoratae ecclesiae Sancti Sepulcri praesenti privilegio praem un im us, et sicut praefati sumus nostro sigillo insignimus, ut Ubere et quiete absque exactione aliqua et servicio in eternum possideant. Testibus etiam supra scriptis illud idem sanccientes, ut censurae nostrae monumentum inviolabile permaneat, quatinus ut nec per nos vel successores nostros in aliquo tempore queatviolari.


Charte de 1142

Cart., 1, p.116-117, n° 144, notum sit omnibus... quod ego Raimundus, Poncii comitisfllius, comes Tripolis... laudavi et concessi eidein domui sancti Hospitalis Jherusalem Raphaniam et Montem Ferrandum cum omnibus suis pertinentiis et cum omni Jure facti, tam meis propriis quam ex omnibus ftodalibus... et Mardabech cum omnibus pertinentiis et juri bus... et quidquid habeo vel habere debeo juris vel dominii in piscaria Chamele, a Chades usque ad Resclausam, et castella et villas et cetera que ex pertinentiis Raphanie et Montis Ferrandi comprobari deinceps esse poterint, que munc a me ignorantur. Similiter dedi, concessi, ore et corde laudavi sine aliquo retentu Juris vel dominii, Cratum et castellum Bochee cum omnibus pertinentiis suis... et Felitum et Lacum cum omnibus suis pertinentiis... Pro quibus videlicet castellis scambium eis dedi... Nunc igitur, ostendam seriatim scambium quod dicto Willelmo de Crato coram universa curia mea feci, videlicet caveam Davidis Siri cum omni raisagio montanee prout ego melius habui et tenui. et feodum Pontii Willelmi, id est duas terre caballarias et sexcentos bisantios. Ego Raimundus, dictus comes Tripoli, CC bisantios, et barones CC bisantios et episcopus Tripolis CC bisantios; et super omnes caballarias predicte montanee in una quaque divisius XII bisantios, ab hoc mense augusti usque ad decem annos dedi... Similiter quidem, assensu, et voluntate Gisliberti de Podio Laurentii et uxoris sue Dalgoth, prelibate domu paupernm Christi dedi... Felicium et Lacum cum omnibus suis pertinentiis... que mille bisantios ab eis emi... Hoc igiturdonum... ego Raimundus... Tripolis comes feci, nutu et consilio Cecilie comitisse, matris mee, regis Francorum flUe, et filii mei Raimundi et Philippifratris mei, pauperibus Hospitalis Jherusalem sine ulla convenientia et alicujus condition is tenore, excepto quod in omnibus negotiis militaribus quibus ego presens fuero, tocius lucri medietatem partiri mecurn debent... Hoc autem donum et hanc libertatem dedi, concessi communi assensu et voluntate, ut dictum est, testium subscripturum,

…Denique Raimundus dicta loca hospitalis tueri pollicitus hortum qui olimfuit Galterii de Margato et uxore sue Gislee, ipsa adhuc in vita superstite concedent, velud cum muro circumcladitur et illa spatia locurum ad trahendos lapides apta quee inter utramque viam concluduntur et exterius illinc a capite... dedi... in manu fraire Raimundi dicti Hospitalis magistri et Rotherti comitis Alverniensis et Gislaberti Malemanus et Petri Montis Peregrini prioris... Et ut hec dona omnia rata et inconcussa permaneant in eternum, sigilli mei plumbei impressione istud presem privilegium precepi roborari, anno ab Incarnatione Domini millesimo centesimo quadragesimo secundo.

«Casale Helmedel, cum villains et perti nentis suis prope Guibelacard quod dedit Ribod…»[212]

إن قشلة[213] المجدل الوارد اسمها في الترتيب الثالث للإنعامات الكونتية في براءة سنة 1143[214]، قد حُدّد مكانها في قرية المجدل الحالية، وهي على مسافة ثلاثة كيلومترات (خط نار) تقريبًا، شمال قلعة عكار. ولفظة المجدل آرامية الأصل، تعني «المرقب والمكان العالي المشرف للمراقبة والحراسة، وقلعة»، حسبما يقول أنيس فريحة[215]، ودرج الاستعمال على أن تستعمل بمعنى: قلعة.

في الواقع يشكّل مكانُ القلعة موقعًا لا يستهان به، استراتيجيًا، فوق هضبة تشرف على نقطة التحاق نهر القبيات بنهر الأسطوان (أو نهر موسى)، ثم التلاقي مع نهر السن الذي ينساب عبر عكار عند أقدام القصر الذي يحمل هذا الاسم. بقايا الكنيسة القديمة لا تزال ماثلة، لكن تستحيل دراستها تحت أكوام الحجارة والهشيم. كذلك، هنا، بقايا أخرى لا يمكن الحسم بأن تكون من زمن الفرنجة أو من زمن متأخر! المكان استراتيجي، فاحتمال استعماله من غير الفرنجة وارد أيضًا.

 


 

صورة لحصن المجدل مأخوذة من شويتا: على رأس التلّة في عمق الصورة الى اليسار.

 

 

باب من حجر البازالت لمقبرة دير صليبي في بلدة البيرة: كأس في الأعلى، صليب في الوسط و A G في الوسط.

2- «… et ex alia parte Montana casale Modena, cum villains et perninentis suis quod W. Ermengardus donavit…»

نقل هذا الاسم إيجين دو روزيير بلفظ «ماديرا»[216]. وكتب دوسّو، في هذا الموضوع[217]: «... أما ماديرا فإنه اسم يغطي واحدة من عدّة مزارع». وزاد عليه دي شان، «بالإمكان أن نقترحَ موقع «مزرعة» المحدّد على خريطة «جاليسGélis » وهي الموجودة على بعد ثلاثة عشر كيلومترًا شمال شرق عكار»[218]. أما راي فقال: «... إذًا، يجب أن يتطابق هذا الاسم مع ضيعة المزرعة الواقعة على المنحدر الشرقي لجبل عكار»[219].

من خلال هذه المعلومات، أعلاه، يتبيّن لنا أن المقصود هو مزرعة النهرية أو مزرعة النهر الواقعة حاليًا شرق خربة الجندي على الطريق الفرعي الذي يصل بين حلبا والقبيّات، مرورًا بدير جنين.

كما يبدو أن دوسّو والآخرين قد حدّدوا الموقع مدفوعين بالظن أن المقصود بلفظة الجبل الواردة في النص اللاتيني هو جبل عكار فاقترحوا موقع «مزرعة النهر» لقشلة «مودانا» الواردة في النص. نحن نعتقد بالمقابل، ومن خلال سياق النص، أن المقصود بلفظة الجبل هو السلسلة الموازية للشاطئ بجوار طرابلس، فتكون براءة الانعامات تلك تشير إلى سلسلة من العطاءات تجاور مدينة طرابلس في أسفل جبل تربل، لأن النص يضيف «alia parte». فإذا كان استنتاجنا صحيحًا، فنحن نقترح أن القشلة المذكورة يجب أن يتطابق موقعها مع ضيعة المزرعة الواقعة في منتصف الطريق بين منيارة والحاكور، قرب ضيعة كرم عصفور تمامًا. ولنلاحظ تلك العلامة الظاهرة في النص بين «مودانا» و«ناحية عصفور» Gaustinam… Loisan.

3- «Gaustinam insuper quae dicitur Loisan…»[220].

هذه الأعطية التي أنعم بها ريمون دي ريزاك على «مستشفى القديس يوحنا»، ولم يحدّد موقعها حسبما قال دي شان، نظنُّ أنّها قرية كرم عصفور الحالية، الواقعة على مسافة ثلاثمئة متر من منيارة، بينما تكون بنهران (Beniharan) الصليبية واقعة في الجوار المباشر لقلعة عرقا. أما خريطة الدليل الأخضر (Guide vert)، التي بمقياس 200000/1 تسجّل في هذا المكان اسم قرية عصفور. ونعتقد أن «مزرعة لوازان» ما هي إلاّ الترجمة الفرنسية لكرم عصفور أو مزرعة العصفور.

4- Felicium

المعروفة لدى الجغرافيين العرب باسم «الفالس»[221] حدّدها دوسّو[222] بالقلعة الموجودة جنوب تل كلخ، على ضفة النهر الكبير الجنوبي، عند التقائه برافده نهر منجز، والمسمّاة حتى اليوم باسم القلعة أو قلعة منجز. إن بقايا هذه القلعة تعود، من غير شك، إلى الفرنجة، ونسبتها إليهم لم تكن موضع اعتراض من أيّ من الأركيولوجيين[223].

5- بالنسبة إلى «كورنونيوم» وهي القِشلة المملوكة أيضًا من «مستشفى جبل الحجاج»، حسبما كتب راي، من غير أن يحدّد مكانها، فإن دي شان قد حدّدها بمزرعة «الخرنوبي» الواقعة بين القليعات وقلعة الفالس. فنقترح تحديدَ مكانها في قرية كفرنون الحالية، وذلك للأسباب التالية: في براءة سنة 1127، جاء ذكر هذه القشلة مباشرة بعد ذكر الفيليسيوم، بينما مزرعة الخرنوبة تأتي قبلها، وعلى مسافة أبعد بكثير، بينما كفرنون واقعة على مسافة كيلومترين فقط، شرق قلعة الفاليسيوم. من ناحية أخرى، إذا حذفنا حرف «ف» من لفظة كفرنون تتطابق اللفظتان: كورنونيوم وكفرنون، بشكل تام. كذلك يدعم وجهة نظرنا هذه وجود خرائب إفرنجية مبعثرة في كفرنون.

6- وأبعد، إلى الشرق، ورد في البراءة نفسها اسم «باهو» (Baho). بالحرف: «ad motam de Bochea» وجب أن يكون هذا الموقع شمال جبل عكار، في ناهية البقيعة. وخلافًا لوجهة نظر راي، كتب دي شان يقول: «نقترح أن يكون الموقع متطابقًا مع «باهور»، والذي لا يظهر على الخرائط. إنه الجبل المطل من الشمال على سهل البقيعة، بين الحصن وقصر «طوبان» (Touban)[224].

لكن هذا الاقتراح لا ينسجم مع الترتيب الجغرافي الوارد في البراءة. كذلك يجب أن نفتش عن هذا الموقع، وبصرف النظر عن اقتراح راي، فيما بين التلال المحيطة بالبقيعة إلى جهة الغرب. إن قرية البهلولية، هناك، تتناسب بشكل أفضل مع موقع «باهو» الوارد في البراءة. هذه القرية موجودة، الآن، على الضفة الشمالية للنهر الكبير الجنوبي، والمعروفة، شعبيًا، باسم البهلولية، في قضاء الشعرا (سوريا)، وعلى بعد ثلاثة كيلومترات من قلعة الفالسيوم، وتطل على السهل. وكما يبدو، كان لها أهمية في ذلك الزمن، حيث لا تزال ظاهرة للعيان بقايا كنيسة قديمة، يطلقون عليها اسم «كنَيْسة».

7- أما بالنسبة إلى السنديانة (cendiana)، فتوجد عدّة مواقع تحمل هذا الاسم، إن في عكار وإن في سوريا، فلا يتّفق الباحثون على موقع محدّد لها، وهي الواردة في براءة سنة 1127. ديسّو وراي يتَّفقان على أنها في عكار. دي شان يحدّد موقعها في ما يسمّى، اليوم، بالسنديانة إلى جانب الحصن جنوبًا. إنَّنا نوافق ديسّو على أنها قرية السنديانة الواقعة في منتصف الطريق بين البيرة والقبيات، على خاصرة التلة المحاذية للنهر الجاري في وادي شمعة (القبيات)، والذي يبعد خمسة عشر كيلومترًا شمال شرق قلعة عكار. وإنما نقول بذلك لسبب الترتيب الجغرافي. وهذه القرية يقطنها اليوم مسلمون سنّة، كما لا يزال فيها خرائب دير للرهبنة المارونية (أوائل القرن الثامن عشر) وكنيسة من الحقبة الصليبية يحترمها السكان[225].

أما بالنسبة إلى قرى أروات وسيكا وأبْيا وديركارب (Aroath, Sicca, Apia et Durcabe) فإننا نقترح أن يفتش عليها على ضفة نهر الأسطوان الشمالية، بين كوشا والبيرة، في ممتلكات پوي لوران، وذلك للأسباب التالية: كما يبدو أن كونتات طرابلس احتفظوا بشريط من الأراضي بين ممتلكات البارونات التابعين لهم، حتى إذا ما لزم لهم أن يسلكوها مع فرقهم العسكرية باتجاه العاصي، لا يضطرون إلى طلب الإذن[226]. ويظهر أن هذه الأماكن الواردة في براءة الانعامات تعني أنها لا تزال في ملكية الكونت لأنّ أسماء المنعم عليهم بها غير محدّدة بوضوح.

8- وعن أروات كتب دي شان: «نقترح أن تكون في موقع «باروما»[227]. وبما أنّ هذا الأركيولوجي المشهور قد حدّد المواقعَ الواردة في براءة سنة 1127، في ما بعد حدود التلال المحيطة بسهل البقيعة، فنعتبر بالتالي، أنّه لا بدّ من أن يحدّد هذا المكان حيث كان قد رمى بظنّه قبلاً.

وكيف يُشرَح ذلك؟ لا نرى تقارُبًا لفظيَّا بين كلمتي «باروحا» واروات! برأينا أن هذه القِشلة يجب أن يكون موقعها متطابقًا مع قرية عين تنتا الحالية. والسبب أنّ هذه القرية كانت تُسمّى، قديمًا، العروة أو عين العروة حسبما كشفنا ميدانيًا، وهو يعني بالعربية أو السريانية عروة (أي الفتحة حيث يدخل الزر)، وهي للفصل او الوصل بين قطعتين. فيمكن أن يعني الاسم، هنا، الحدّ أو الفاصل[228]. في هذه الحال فإن الموقع ربما يكون دالاً على الوادي الطويل الذي يفصل بين «قاطعين» أو طريقين هما طريق الدريب، وطريق آخر يمرّ في دير جنين ويصلان بين حلبا والبقيعة، وكلاهما درب قوافل[229].

9- وبالنسبة إلى دارة (ڤيّلا) سيكّا (Sicca)، فهناك احتمالان: إمّا «الشقدوف» وهو لفظ فينيقي يعني الصخر أو المكان العالي المشرف، لا سيّما أن حرفي السين والشين، في اللغات السامية، يُستعملان الواحدُ بدل الآخر. وإمّا كوشا بقلب الأحرف كما يفعل الفرنجة مرارًا. فالقريتان تتقابلان على ضفتي وادي نهر عكار حيث يحدّ الوادي سنيورية جبل عكار وسنيورية عرقا. أما أسيا أو أبيا ودير كرب فإن دي شان قد حدّدهما بجوار حصن الفرسان. لكنّنا، وللدواعي الجغرافية التي عرضناها، نرى أنّه يجب التفتيش عنهما في المكان المحدّد من قبلنا أعلاه، في جوار القبيّات.

10- دير كارب: رأى دوسّو أن هذا الاسم يشير إلى أحد الأديرة الكثيرة الموجودة في المنطقة. هل هو قرية دير جنين الحالية ؟ ومعناها دير الجنائن أو الحدائق، وهي تشرف على نهر الأسطوان، على بعد خمسة عشر كيلومترًا من القبيات. فقد كانت هذه القرية موقعًا قديمًا، إذ نجد في أنحائها بقايا متراكمة من حضارات قديمة عديدة، منها كنيسة مارونية قديمة، من زمن الفرنجة، بقي جزءٌ من حَنيتها قائمًا عند الزاوية الجنوبية من باحة كنيسة الرعية الحالية.

11- أما أبيا فإن دي شان حدّد موقعها في ما يسمّى الحجر الأبيض في سوريا. ونعتقد أنها «قبور البيض»، الواقعة على مسافة ثلاثة كيلومترات، شرقي كفرنون، حيث هناك رُكَمٌ تنتظر من ينقِّب فيها.

12- بيت ساديون Bethsédion:

تذكر البراءة الظاهرة في الثامن من شباط سنة 1127 قِشلتين لم يُحَدَّد موقعُهما بعد، هما بيت شاما وبيت ساديون. وقد حدَّد لامنس وديسّو واحدةً في بصرما، قريبًا من أنفه، والثانية في برحليون قرب البترون؛ أما جان ريشار فيستبعد هذا التحديد[230]. أما سياق النص فيدلّ، بتأكيدنا، على أنهما موجودتان في جوار طرابلس مباشرة. وإذ نوافق على منطق دي شان وريشار نقول: لنذهب أبعد قليلاً من طرابلس، شمالاً، لنحدّدَ موقعهما في ناحية القبيات، فنرى بيت ساديون في بيت سيدة أو بيت سعادة[231]. ثم قبل قرية التليل بقليل، إذا دخلنا في مفترق إلى اليمين يصل بعد مسافة قصيرة إلى موقع تظلّله سنديانات عتيقة إسمه صيدنايا. فهل هو بيت ساديون الوارد في البراءة ؟ والموقعُ محجّةٌ قديمة جدًا، وتحت متساقطات ورق السنديان لا تزال توجد خرائب قديمة. أم نتقصّى الاسم في حيّ القطلبة من القبيات، في جهتها الجنوبية الشرقية ؟ ففي هذا الحيّ ثلاثة مواقع سكنيّة: سيدة كِمَّاع في الجنوب الشرقي من الحيّ، وقد كشف عنه الآباء الكرمليون في بداية القرن العشرين[232]. وباتجاه جنوب غربَ يمتدّ تجمّع بيوت باتجاه نبع حمادة. وبين الاثنين، وباتجاه الأسفل، اسمٌ لمزرعة هي مزرعة بيت سعادة وهو ما يتذكّره الشيوخ في الحيّ. هذه التجمّعات السكنية المتواصلة، حاليًا، تشكّل حيَّ القطلبة الذي أصبح قريةً كبيرة. فهل يصحّ أن نعتبرَ أنّ موقعَ بيت ساديون وبيت شاما هما في هذا الحيّ؟ لا سيّما وأن ليس في اللفظ أو في الترتيب الجغرافي ما يمنع؟

وتبقى الإشكالية الأهم لَدَيْنا، قبل اختتام هذا البحث الشائك في مواقع الأسماء الإفرنجية، في ناحية القبيات، إشكالية موضع اسم القبيات نفسه!

13- هل المقصود بقرية «كوليات» (Coliath)، القبيات؟[233]

النصوص اللاتينية تورد اسم كوليات بعدّة أشكال: غُوليات وغولياد وكوليكات، ثم فيلا غُوليات.

يبدو، أولاً، أنّ المستشرقين قد حسموا تحديد موقع الحصن (حصن القليعات). لكن مسألة الفيلا (القرية) لا تزال موضعَ نظر. فهل تكون تلك التسميات، بالأشكال الكتابية المختلفة، عائدةً إلى مسمّى واحد؟ جوابًا على السؤال، نورد نصًّا لماكس فان برشم: «... بين إنعامات كونت طرابلس على المستشفى ورد اسم كوليات في براءة الثامن من شباط سنة 1128...».

«Donamus Deo et Hospitali Iherosolimitano… villam Coliath cum omnibus pertinentis suis…»[234].

«صحيحٌ، يتابع فان برشم، أنّ «كوليات» ورد كإسم قرية وليس كإسم لقلعة. وفي سنة 1153، نجدها بين الأملاك التي أعطاها البابا للمستشفى». وعلى عكس روريخت، يؤكّد فان برشم «... في الواقع لا يوجد في القليعات ما يدل على أن هناك كانت توجد قرية أو أية خرائب أخرى ظاهرة غير القلعة...». ويتابع في المكان نفسه: «... نميل إلى الاعتقاد أن قرية «كوليات» كانت القرية القديمة الخربة «قليات» أو «قبيات» اللبنانية الواقعة بين عكار والبقيعة، أكثر مما هي حصن القليعات...».

وقد نقل رينان عن المستكشف الأميركي تومبسون، الذي، بحسب رأيه، افضل من استكشف هذه الأنحاء، أنه كتب في مؤلفه «Bibliotheca Sacra» عن وجود خرائب بازلتية للقبيّات القديمة وذلك سنة 1848[235]. وأشار ديسّو في كتابه "الطوبوغرافيا"... في هامش الصفحة 90، إلى معلومة المستكشف الشهير إشارة غامضة، فقال «القوليات (Couliath)... هذا الشكل من الكتابة، هل يدلّ، أصلاً، على وجود عدة أعمال منفصلة ؟ هذا الأمر يغيّر، أيضًا، في واقع مسألة لفظ «كوليات» (الوارد في براءة الإنعامات) الذي لا يمكن أن ننسبه إلى القبيات الواقعة في أسفل جبل عكار...».

هذا، وإنّ تسمية قرية «كوليات» إذا قارنّاها بقرية «أروات» الوارد اسمها في براءة سنة 1127، فإننا نستدلّ على أن القريتين تقعان في جهة واحدة. وبما أن قرية «أروات» قريبة من الفالسيوم، كما لاحظنا سابقًا، فإن قرية القبيات يجب أن تكون في الجوار أيضًا. عندئذٍ يصحّ افتراضُنا أن القبيات هي «الكوليات» الواردة في نص البراءة. وسواءً قبل الضالعون في البحث أن «القبيات العتيقة» هي المذكورة في براءة سنة 1127، أم رفضوا، فإنّ كثيرًا من المسائل التاريخية يبقى عالقًا.

على خريطة القبيات الحالية، لا توجد خربةٌ واحدة، بل كثيرات هي الخرائب القديمة والكنائس والمزارع ومجموعات السكن، العائدة إلى أواسط القرن الثاني عشر أو بداية الثالث، كما سنرى؛ فأيُّ منها حَملت اسم القبيات أو الكوليات؟ إذا كان هذا الاسم يقتصر على «القبيات العتيقة»، وبالتحديد، حيّ الغربية حاليًا، كما يحلو للبعض أن يؤكّد، فما كانت أسماء كلِّ تلك المواقع التاريخية؟ هل تحمل الأسماء نفسها التي تحملها اليوم؟ هذا ممكن للبعض منها. والبقيّة ؟

إن موقع القِشلة التي كانت في أصل حي الغربية اليوم، في القرون الوسطى، يجب أن تتمحورَ حول كنيستها الحالية، كما يمكن أن تمتد بيوتها حتى وادي شمعة. فخرائب البيوت، عند الوادي، لا تزال موجودةً فوق المطحنة التي لا تزال قائمة. وهذه القِشلة القديمة تحمل اسم شمعة أو بيت شمعة، وهي عائلة قديمة معروفة أعطت كاهنًا مارونيًا إسمه يونس، وشاعرًا مدح البطريرك الشهير موسى العكاري المولود في قرية الباردة المجاورة. وهذا الشاعر معروف باسم ابن شمعة القبياتي (نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر).

هذا الأمر يجعلنا نبدي وجهة نظرنا التالية:

إذا كانت القِشل المذكورة والعائدة إلى القرون الوسطى، كانت تسمّى بيت شمعة، بيت سعادة، الزوق، غوايا... فإن اسم القبيات، وهو تسمية عامّة، يُحتمل أن يكون كناية عن اسم «كورة» وتشمل كل تلك المواقع القبياتية[236].


الفصل الثاني

 

حصون الفرنجة في القبيات

 

درج المستشرقون، في العموم، على تحديد المواقع الصليبية فيما حول حصن الفرسان تاركين مدىً واسعًا مكشوفًا يشكّل حاجة حيويّة جدًا في الدفاع عن الكونتية.

بين الحصن وعرقا، وبين حمص وعرقا مساحة تزيد على مئة كيلومتر، طولاً، في أكثر من خمسين كيلومتر، عرضًا، مما يترك عرقا وطرابلس تحت رحمة أيّة هجمة آتية عبر خط القبيات. وكنّا قد أشرنا إلى وجود مسالك طبيعية تشقّ البلاد عبر منعرجات الأودية التي تتخلل التضاريس وتتيح العبور السهل في مجال القبيات[237]. فإذا كان حصن عكار يسدّ الناحية من جهة فنيدق، ويقطع حصن الفرسان طريق فجوة حمص باتجاه طرطوس، فإن هذين الموقعين لا يمكن لهما إطلاقًا أن يكفيا، وبشكلٍ معقول، للتحكّم بالمسافة الفاصلة بينهما، والتي تزيد على خمسين كيلومترًا، فتبقى هذه المسافة معرّضة للاجتياح بكل سهولة. وإذا كان حصن الفيليسيوم جديرًا بحراسة وادي النهر الكبير، مع الهضبة الممتدة بين البقيعة وعرقا، عبر شدرا – التليل – حلبا، وهو طريق القوافل القديم المعروف ﺑ «الدريب»، يبقى المسلك الداخلي الذي يربط بين حلبا والداخل السوري، عبر وادي الأسطوان – القبيات – أكروم، على مسافة خمسين كيلومترًا، مغطّىً بالأودية والتضاريس التي يمكن أن تواري الجيوش الغازية وهجمات الأعداء من غير ان تشعرَ بها حاميات الحصنين. لذلك كان من الضروري أن تسدَّ المنافذ الحساسة، هناك، بأبراج الرصد والحراسة.

هذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأنّ خطّ القبيات، البالغ الحساسية، كان مجهزًا بعدد كبير من المواقع الحربية.

 

ثلاثة خطوط من التحصينات:

هذه التحصينات، المنسّقة على أبعاد متساوية، لافتة، تشمل ثلاثة خطوط دفاعية، مرتّبة من الشمال إلى الجنوب، أي عرضيًا، وذلك لتسدّ المنافذ الحسّاسة في خلل الحدود.

الخط الأول هو الأحصن، طبعًا، لأنّه في مواجهة مباشرة مع المدن الإسلامية في سوريا. فعادةً ما كانت تتجمّع العساكر الإسلامية في جوار بحيرة حمص، حيث «كانت تستطيع بسهولة، وإنطلاقًا من الضفة اليمنى لنهر العاصي، أن تهاجمَ الديار المسيحية، فتنقضّ على كبريات المدن الساحلية»[238]. لذلك أخذ الفرنجة بدواعي الضروريات الأمنية فبنوا منظومةً من المنشآت الدفاعية لحماية المسالك التي تخترق سهل عكار.

وكان هناك حصنان يحرسان ممر ما يسمّى «فجوة حمص»، أحدهما حصن عكار القائم على إحدى الخواصر الشمالية الأخيرة من جبال لبنان، والذي يسميه الفرنجة Guibelacard أو Guibelacar، بارتفاع سبعمئة متر، ليحمي جنوب البقيعة. والثاني هو حصن الفرسان القائم على مطلّ بعلو ستمئة وسبعين مترًا، في جبل النصيريّة، عند الطرف الشمالي لسهل البقيعة. ويتقابل الحصنان بفاصل ثلاثين كيلومترًا بينهما، فكأنّهما كمّاشة تمسك بالممر صوب الأراضي المسيحية. صحيح أنّ حصن عكار قائم على حيزوم صخري صعب الممرّ، تنفسح أمامه الرؤية إلى أفق وسيع، مما يمكّن من التواصل المباشر مع حصون السهل ومدن الساحل بالإشارات الضوئية من على أعلى أبراجه، فينبّه إلى تحركات العدو؛ لكن من الصحيح أيضًا أنّ هذه الكمّاشة العضّاضة يمكن أن تكون بلا أسنان بدون التحصينات الأخرى التي تزرع الناحية. يقول بول دي شان مؤكّدًا: «بين عكار والحصن كان هناك تحصينات تحرس المسالك إلى سهل البقيعة»[239].

أ- خط الدفاع الأول:

هذا الخط جنوب الحصن يقفل الطريق إلى طرابلس عبر القبيات. وهو يضمّ، بالإضافة إلى الحصنين المذكورين، أي حصن الفرسان وحصن عكار، القلاع التالية: الفاليسيوم، ميليشان، اللاكوم، وقِشلة البقيعة.

«الفاليسيوم، أو قلعة الفالس، يقع على تلة عند ملتقى نهري منجز والنهر الكبير الجنوبي، ويرصد مجرى النهر كما يرصد، جنوبًا، الطريق إلى طرابلس عبر البيرة وعرقا باتجاه نهر العاصي. ويظهر أنّه كان على اتصال مع حصن صافيتا بالرؤية المباشرة... ولا تزال بعض بقايا الفاليسيوم قائمة، فالحجارة المحدّبة المقصوبة ظاهرة للعيان»[240]. وقد كان ديسّو قد أفاد بفحوى الكلام السابق هذا بمقالةٍ له في المجلة الأركيولوجية لسنة 1891، كذلك كان تحديدُ الموقع هذا مقبولاً من قبل لامنس[241]. فإن تكن نسبة الفاليسيوم إلى موقعه المنوّه عنه أعلاه لم تُثِر اعتراضاتٍ ذاتَ قيمة، فإنّ موقع «لاكوم» أو «لاتوم» لا يزال موضع تفتيش. وبراءة سنة 1142 تعلن، بوضوح، منحَ الفاليسيوم واللاكوم إلى فرسان المستشفى. وفيها أيضًا تعداد لمجموعة من الحصون والقِشل، كما فيها ذكر لنوع آخر من الانعامات مثل البيوت والبساتين والأفران والمطاحن.

«… dedi, concessi, or et cord Laudavi sine aliquot retentu juris vel domini, cratum et castellum bochee cum omnibus pertinentiis suis… et Felitum et Lacum cum omnibus suis pertinentiis… similiter quidem, assensu et voluntate Gisliberti de Podio Laurentii et uxoris sue Dalgoth, prelibate domui pauperum Christi dedi Felicium et Lacum cum omnibus suis pertinentiis… que mille lisantios abeis emi…».

تحدَّدَ موقع الفاليسيوم. وبقي موقع اللاكوم بحاجة إلى تحديد. فاقترح ديسّو موقع قرية «أكوم» مكانًا له. واقترح دي شان تلكلخ: «لاكوم يجب أن يكونَ في قرية تلكلخ، الواقعة إلى الجنوب في أسفل الجبل الذي يتسنّمه الحصن، حيث تظهر هناك بقايا تحصينات، فهو بموقعه على مرتفع صغير يمكن له أن يراقب السهل مع طريق الساحل»[242].

إقتراح دي شان هذا يفتقر، برأينا، إلى برهانٍ مُقنع. كذلك رأي روريخت في أن موقع لاكوم هو في «الأكمة»؛ وهذا الرأي، أيضًا، لا يَثبت أمام المنطق نظرًا لبعد المسافة بين الموقعين. وقد سمع ديسّو مَن يتحدث عن موقع ولم يرَه؛ ومع ذلك يبدو لنا اقتراحه مناسبًا، لأنّ التشابه اللفظي بين «لاكوم» وأكّوم مُلفت، ولأنّ الطريق بين أكروم والقبيات سالك في كل الفصول، ويشكّل، من جهة الشرق، نقطةً حسّاسة في منظومة الدفاع عن الكونتية، لا يمكن التغاضي عنها؛ كذلك فإن المنطق البسيط يحتّم، من ناحية أخرى، حراسةَ هذا الممر الحسّاس جدًا. وعلى رأس إحدى التلال المشرفة على قرية أكروم الصغيرة لا تزال تقوم هناك خرائب هيكل روماني قديم، جرى تعديل بنيان الهيكل، على ما أفاد الأب موريس تالون، من غير أن يُوضحَ أكثر من ذلك[243]. فهل كان الصليبيون هم مَن قام بذلك التعديل ليجعلوا من الهيكل موقعًا حصينًا كما فعلوا في أماكن أخرى[244]؟

إن خرائب الهياكل الرومانية تغطّي جانب لسان صخري واسع يطلقون عليها اسم قلعة الحُصين. وبشهادة أهل المنطقة فإن عساكر ابراهيم باشا المصري قد رابطت في هذه الهياكل، كما عاد واستعملها الجيش اللبناني فيما بعد؛ فلا تزال تُرى بعض إنشاءات عسكرية جنوبها. برأينا، إنّ تلك التحصينات سابقة جدًّا لأواخر القرن التاسع عشر، وهي قد أعدّت لتكون مستقرًّا طويل الأمد، فنحن نعرف أنّ لا عساكر باشا مصر ولا الجيش اللبناني مكثا مدّة طويلة هناك. وإنّ التعديل في الأبنية ممكن، لا سيّما على التلّة المقابلة، شرقي الهيكل، لا تزال بقايا ما يسمّى قصراً موجودةً وقابلة للترميم رغم حالتها السيّئة. وأهل المنطقة يسمّونه «قصر الأميرة»، والموقع مثالي على صعيد الاستراتيجيا، فهو يرصد منطقة واسعة، صالحة، تمامًا، لتكون دربًا مطروقة باتجاه بحيرة حمص، كما في اتجاه وسط وادي خالد.

قلعة الحصين – أكروم

 

 

 

 


ثم إنّ هناك حصنين صغيرين يشكّلان عقدتين في هذه السلسة، هما حصن «مالاشان» و«حصن الوادي». فحصن «مالاشان» ذُكر في مرسوم مؤرّخ سنة 1811، حيث ينعم فيه ريمون الثالث الطرابلسي على المستشفى بأرض واسعة تقع عند أقصى الحدود الشرقية للكونتية: «Concedo totam terram que intra divisionis submonitas continetur, videlicet a pede montanorum in quibus est castellum melechin situmusque ad caveam de memboa…»[245].

ولأنّ المختصين بتاريخ القرون الوسطى خلطوا بين مامبوا (Mamboa) مع «ماأوا» (Maou’a) على مسافة 17 كيلومترًا، شرق المالكية، اقترحوا مطابقة مالاشين مع المالكية، بين مصياف ورفانية. لكن، بعدئذٍ، سلّط جان ريشار ضوءًا جديدًا على المسألة، إذ حدّد أن موقعَ «ممبوعة»، الوارد في النصوص اللاتينية، بجوار ينابيع العاصي، مستبعد أن يكون في شرق البقاع. ونتيجةً لذلك، يكون موقع المالكية قرب مصياف، وحدّد موقع مالاشان بخرائب قلعة البرج المشرفة على معبر وادي الميس، الذاهب من البقيعة باتجاه حمص، شرقي جبل أكروم[246]. وقد أيَّد دي شان وجهة نظر جان ريشار في نسبة موقع ميليشان هذا. لكنَّنا نتساءل: إذا كان التقارب اللفظي معقولاً، فأين يمكن أن يكون قد نبش، هذا المستشرق الشهير، مثلَ هذا الاسم طالما أنَّ أيَّة خارطة جغرافية للبنان أو لسورية لم تُشِر إليه؟ ولمّا تقصّينا، ميدانيًا، هذا الأمر فإنّ أحدًا من المسنّين، في المنطقة، لم يُفدنا بأنه سمع بمثل هذا الاسم. أما ديشان، فهل يكون قد سمع بدير شيح، فنسبَ إليه «مالاشان»؟ أم اعتبر اسم تل شلوح هو اللفظ المقصود؟

أما دير شيح فهو الضيعة التي تتوزع منازلها في أسفل تلّة الحصن. وعند مدخل هذه الضيعة أجمةٌ من السنديان العتيق تظلل مقامًا لوليّ، وفيها نبع يسمّى «نبع دير شيح». وأما موقع تل شلوح فهو أبعد بكثير، إلى جهة الشمال الشرقي للقلعة، في الأرض السورية؛ فلا يُعقل، كما يبدو لنا، أن يتطابق موقعان يبعدان، الواحد عن الآخر، مسافة عشرين كيلومترًا.

 

قلعة البرج = حصن مالاشان

يقوم هذا القصر على تل صخري عالٍ، ويقع في منتصف الطريق بين المقيبلة، شمال غرب، والعماير، شرقًا، ليشكل خلفية لهما، بينما يمتد جبل الملاح (أو المالح) بين جنوب وشمال. إذا نظرت من أعلاه ترى مرتَسمًا، عبر النهر الكبير الجنوبي، وعند الطرف الشمالي الغربي لسهل البقيعة، خيالٌ أبيض لحصن الفرسان. ذلك الحصن أصغر من حصن الفليسيوم، وهو مبني من الحجر الأبيض، بمداميك مزدوجة، بينما تزيّن واجهتيه، الجنوبية والغربية عصابتان بالحجر البازلتي؛ لكن لم يبق من جدرانه سوى أجزاء متهدمة. لا شك في نسبة هذا الحصن إلى الحقبة الإفرنجية، حتى وإن لم تكن حجارته محدّبة، فإن بقايا الكنيسة الصليبية لا تزال هناك، بحجارتها السوداء، وبحائط حنيتها الداخلي الذي يرتفع إلى ما يزيد على المتر علوًا، وحيث لا يزال يُطالعنا، إلى جانب البرج الرئيسي، على الأرض، عتبة بابها المزدان بصليب مزنبق، وعلى جانبيه رمزان يكاد يُمحى نقشُهما. وحجارة البرج من عمل الفرنجة، يُثبتها مِلاطٌ له العناصر نفسُها التي كان يخلطها الفرنجة، ويستعملونها في الأبنية الأخرى، في أنحاء البلاد. كذلك من المثير أن ترى الأقنية التي كان يجري فيها ماء المطر إلى الصهاريج؛ فقساطل الفخار التي صارت ضحية الجهل، تركت أثرًا لا يمحى في الأخاديد المنقورة في الصخور. كذلك الصهاريج، فهي، أيضًا، من طراز مميّز، إذ بدلاً من إضاعة الوقت في حَفرها أو بنائها، رأى الفرنجة أن يفيدوا من الحُفَرِ الطبيعية فطيّنوها وملّسوها وجعلوا منها أحواضًا واسعة للماء، في الهواء الطلق. هذا الأسلوب نفسه، استعملوه في حصن تلة القبو في قرية المهيري[247]، على بعد عشرين كيلومترًا من الحصن الأبيض في صافيتا.

وكان بإمكان حصن مالاشان، من موقعه عند مصب وادي خالد، أن يرصُدَ، بسهولة، وادي العاصي، الغيرِ بعيدٍ من منبع نهره، ويقطعُ كل الممرات إلى حمص، كما يرصُدُ القسمَ الأوسط من سهل البقيعة. وبسبب موقعه هذا، في الوعر السوري، وكما وصفناه، ينطبق عليه تمامًا ما جاء في النص اللاتيني، حرفيًا:

«terram que a pede montanorum in quibus situm est castellum Melchin»

حرب عاره = حصن الوادي

وكان وادي خالد، أيضًا، قبل أن يلتقي بسهل البقيعة، ببضعة كيلومترات، مقفلاً بحصن صغير اسمه «حصن الوادي». فيقول دوسّو: «ربما يكون حصنُ الوادي هو الأثر الخرب عند النهر الذي يحمل اسم الوادي نفسِه أي وادي خالد، على الطريق الآتي من تل النبي مند (قادش قديمًا) ويتَّجه غربًا»[248].

أين يكون موقعه بالضبط؟ لأنّ وصفَ دوسّو، رغم تفاصيله، يبقى غامضًا. نعتقد أن المكان الذي أشار إليه دوسّو ليس سوى القلعة الواقعة على مسافة قريبة من حرب عاره إلى الجنوب. وهذا الحصين الواقع على التلة القرعاء كانت مهمته حراسة الطريق إلى قادش، والتحكم بالضفة الشرقية لوادي خالد. أمّا اليوم فقد صار هذا الحصن، القائمُ على بعد ساعتين مشيًا على الأقدام، من حصن مالاشان وقلعة البرج، أثرًا بعد عين وركامًا من حجارة مطمورة، واسمًا في الذاكرة الشعبية الحيّة وعلى خريطة الجيش اللبناني التي بمقياس 1/20000.

 

ب- خط الدفاع الثاني

خط الدفاع الثاني هذا، الممتد عرضًا، يقوم في منتصف المسافة، تقريبًا، بين حصن الأكراد وعرقة، وتقوم عليه، من الجنوب إلى الشمال، قلاعُ عكار وبرج طيبو وحصن ألب.

حصن عكار

1 - يقوم حصن عكار على ساحة صخرية في الجهة العليا من بلدة عكار العتيقة، عند أقدام جبل القموعة. ويبدو هذا الحصن، من بعيد، كفأر مرمي في بحر من الخضرة.

 

 2 - برج طيبو

ذُكر هذا الحصن في معاهدة سنة 1284 المعقودة بين السلطان المصري قلاوون وفرسان الهيكل في طرطوس. هذه المعاهدة عدّدت، من بين أملاك السلطان، حصون: الأكراد وصافيتا وميعار وعريمة وحلبا وعرقا وطيبو والقليعات. وهذا الترتيب الجغرافي يفرض أن نفتش عن الحصن في ناحية عرقا. دوسّو نفسُه اقترح أن يكون الموقع في قرية الشيخ طابا، شرقي حلبا، فقال: «إذ توجد محلّة تحمل اسم شيخ طابا على مسافة قصيرة من حلبا، والذي يجب أن يكون الاسم تحريفًا أطلق على شيخ خرافي باسم طيبو»[249].

 

 

 

 

حرب عاره – حصن الوادي

بقايا

 

بقايا وبركة ماء شتوية

أما نحن فنفضِّل، بالنسبة إلى موقع طيبو، مكانًا استراتيجيًا هامًّا شرقي قرية المجدل، عند نقطة تلاقي وادي القبيات مع نهر الأسطوان. فالخريطة العسكرية اللبنانية، بمقياس 1/50000 تسجّل خربةَ طيبو وقلعة طيبو. أما الخرائب الباقية فلا تدل على موقع كبير الأهمية، بل تدل الأساسات الباقية على حصن أو برج حراسة. فإنّ برجَ مراقبة في منتصف المسافة بين عكار والفاليسيوم هو موقع لا يستهان به لأنه يراقب وادي الأسطوان الذي لا يتمكن من مراقبته الحصنان المنوّه عنهما أعلاه. وبقايا البرج واضحة للعيان وهي بعضُ أجزاء من الأسوار الجنوبية والشمالية لا تزال تُرى من بعيد. أما مداميك العصائب فقد اقتُلعت من واجهة الجدران ومن داخلها، ولم يبقَ سوى المنظر البائس للحجارة الصغيرة المغمورة بالطين الحامل سمات الحقبة الإفرنجية. وذكرَ الدويهي: «أرضُ الجون فوق برج تيب أو طيب...»[250]. فهل يكون هذا البرج هو المذكور في معاهدة سنة 1282؟

 

3 - حصن ألب

إلى الشمال من هذين الحصنين، نجد بقايا قلعة. هذه البقايا مهدّمة، مبعثرة، لأنّ حجارتها كانت نهبًا للجوار حيث أخذ منها البكوات الحجارة الجيِّدة لبناء دارات لهم في ذلك الجوار؛ أما ما بقي فيستحقّ أن يُدرَس... فهي تقع على قمة رابية تُشرف من الشمال على مجرى النهر الكبير في مكان اندياحه واسعًا في سهل عكار، باتجاه مصبّه. وفي الجنوب تشرف على وادي «دْلب»، وتبعد مسافةَ ربع ساعة مشيًا من قرية وادي الحور، وتشكِّل نقطة الارتكاز بمثلّث قرى قشلق – سرار – جنين. وعلى خريطة الجيش اللبناني التي بمقياس 1/20000، لسنة 1962، مسجَّلة باسم القلعة. أمّا محليًا فيدعوها البعض «قلعة نجم السحور»، والبعض الآخر قلعة «دْلَبْ». إلاّ أنّ دعوتَها ﺑ «قلعة نجم السحور» فهي تسمية من خيال العامّة الذي تثيره حكايات الجنيّات. أما الإسم الثاني فيمكن أن يكون ذا بال! فهل هو استعارة من «وادي الدلَب» المجاور، أي وادي شجر الدلب؟

«وعلى بعد خمسة وعشرين كيلومترًا تقع حلبا التي يفصلها وادٍ عن قرية الشيخ محمود (يقصد قرية الشيخ محمد)، وتؤلِّف حلبا المركزَ الثاني من مراكز المثلث الستراتيجي الذي تحدَّثنا عنه أعلاه. أما الثالث فهو بلدةُ القليعات التي كان الصليبيون يسمّونه الكوليات أو لا كوليّه وهي الضرب بقفا السيف على كتف من كانوا يقبلونه في سلك الفرسان. ولم يبق هناك أي أثر لقصر الألب الذي كان المسلمون والصليبيون يتنازعونه بعنف في القرون الوسطى»[251].

وخلافًا لمعظم المستشرقين الذين يطابقون بين حلبا وألب، فإن السيد جميل يميّز بوضوح بين الموقعين ويحدّد، مؤكِّدًا، أن حصن ألب يقع بجوار القليعات. وإذ نوافق هذا الرأي، نقترح تحديدَ حصن ألب بموقع «القلعة»، وإلاَّ فأين يمكن أن نجدَه ؟ وماذا كان اسم هذه القلعة ؟ أو بالأحرى كيف يمكن أن نفسّر الاسم الحالي «دْلَبْ»، وهو اسم محلّي ذو دلالة؟

 

خط الدفاع الثالث

أما خط الدفاع الثالث الحصين الذي كان يقطع الطريق إلى طرابلس، عبر سهل عكار، فهو عرقا التي تشكّل العقدة المركزيّة في هذه الشبكة من الدفاعات العسكرية.

في الحملة الصليبية الأولى، «وجد الفرنجة مدينةً محصّنة في وسط بلاد مزدهرة»[252]. لذا شكلت حلبا الحالية، وهي شمال شرق عرقا، العقدة الأولى في مثلث الدفاع الذي شكَّلت فيه القبيات عقدته الشمالية. «هذه القلعة الصغيرة تقع على ربوة قليلة الارتفاع وتتحكّم بالسهل الساحلي»[253]. ويظهر أنها كانت مجموعةَ قلاع صغيرة باعتبار الاسم العربي للجمع أي «قليعات». ولم يبقَ أيّ أثر لتلك القلاع التي كانت موصولةً بحائط بالقلعة الباقية؛ بل بقيت التلال التي كانت تقوم عليها والتي تتطلع إلى البحر الساحر عند جون عكار. ولم يلعب هذا الحصن، تاريخيًا، دورًا ذا بال، لأنه لم يكن يتحكّم بمحلّ استراتيجي[254]. لكن رغم هذا التأكيد، فإنَّ هذا الحصن كان يشكّل مع حلبا وعرقا مثلثًا استراتيجيًا في الدفاع عن طرابلس. وكان سقوطه مقدّمة لمصير طرابلس المحتوم.

 

==========

القسم الثالث

 

دراسة مفصّلة للكنائس


========

 

الفصل الأول

الكنائس البسيطة

 

 

ضفة النهر الكبير

 

أولاً: منجز

تحتمل تسميتها عدّة تفسيرات. إذا كانت عربية، فما تفسيرها؟ أو سريانية، فماذا تعني؟ بعضهم يحبّ أن يسمعَ في الإسم صدىً يترامى من بعيد لاسم عائلة صليبية: مونغيز. أما د. حسّان سركيس، في كتابه: «Contribution à l’histoire de Tripoli…» فقد سجّل فكرةً خطرت بباله بشكلٍ عابر، فتساءل هل يمكن أن تعودَ تسمية منجز إلى ما جاء في النصوص الأشورية لتتطابق مع التسمية ماييزا؟... فإذا كان لتساؤله هذا حظٌ من الواقع، فإنَّ هناك موقعًا اسمه «وادي المحلات»، عند الأطراف الغربية لمزرعة شويتا، يكون له حظ في التفسير، ويكون الإبهام المحيط بالمقبرة الواسعة لمحلّة غزراتا قد أزيل. وبعضهم قَارَبَ بين منجز ونمسيس، آلهة «مقام الرب»، وهو معبد يقع بجوار نبع الجعلوك. هنا، التشابه اللفظي بين التسميتين مرجّح[255].

 

1- الفاليسيوم

 

‌أ.       الإسم:

«Ego, Raimundus, Comes Tripoli… dedi… et Felitum et Lacum»

هذا التعبير قد صُحّح في البراءة نفسها، العائدة إلى سنة 1142، فأُضيفت لفظة «لاكوم» لتصير العبارة «فيليسيوم ولاكوم». هذان الحصنان، وما يتبعهما قد تملّكهما جيلبير دي بوي لوران[256] مقابل ألف «بيزان»[257].

ما معنى فيليسيوم؟ هل هو لفظ لاتيني؟ في اللغة اللاتينية الكلاسيكية يوجد النعت «Felix» أي السعيد، ولا توجد لفظة فاليسيوم. فهل يعود هذا النعت إلى اللاتينية القديمة أم هو اسم علم قديم أبقى عليه الفرنجة ؟

أما الفاليسيوم، هذا، فهو ما أُطلق على بقايا الحصن المسمّى (في المصادر العربية)[258] «قلعة الفالس». في هذه الحال يمكن التساؤل: هل يدل هذا الإسم على أثر للفظة يونانية،

قلعة الفاليسيوم – البرج الرئيسي

 

قلعة الفاليسيوم – برج المدخل من داخله


أم يجب أن نفكّر في أصل أيطوري له؟ والأيطوريون عرب متليتنون، زمن الرومان، كانوا يسودون على هذه المنطقة مدة قرنين من الزمان. وقال ياقوت[259]: «الفالس هي إلهة عربية من عهد ما قبل الإسلام»[260].

 

‌ب.  الموقع

تفصل منجز عن الحيزوم المشمس الذي كان يقوم عليه الفاليسيوم، الحصن السعيد، ثلاثة كيلومترات من الأرض المستوية. فبينما أنت تسلك الدرب الأغبر الذي يخترق السهل الممتد على الهضبة، تطالع عينيك، بين الحين والحين، وعن يمين وشمال، ركوم من حجارة سوداء! إنها بقايا القبور الميغاليتية التي نقبها الأب موريس تالون في مطالع الخمسينات من القرن العشرين. أما وقد عرّيت هذه القبور من أستارها فقد صارت اليوم دريئات للصيادين، تحميهم من الرياح الشمالية.

وإن تابعت مسيرتَك باتجاه الغرب، تدخل في حقل واسع، في ما يسميه أهل المحلّة: الميدان. والشيوخ منهم، يُشعلهم الحنين فيحدثونك عن زمنهم المفقود أيام كانت تقام، هنا، أعياد عظيمة على شرف العذراء سيِّدتنا. وإذ كنَّا نشاهد أولئك القرويين الشبّان، يطلقون الأعنة لخيولهم، في تلك المناسبات، لم نتساءل مرّة واحدة، عمّا إذا لم يكونوا سوى أحفادٍ بعادٍ، لأولئك الفرسان الرائعين من الفرنجة، وأن ما يجري من منافسات في الفروسية ليست سوى صدى بعيد للمبارزات الباذخة التي كان يجريها سادة الحصن القدماء.

«Omni die, ludos, torneamenta, hastibudia et varias deductions, militares ac omnia exercitionum genera ad militiam pertinentia continuabant»[261].

كان الفرسان الفرنجة، حتى النبلاء، لا سيّما في الربيع، زمن تخضير الخيل، وهم يخيّمون في جوار البدو، يُطلقون العنان لعشقهم الفروسية، فيلعبون الجريد الذي كان يرى فيه بعض الكتاب أساسًا لمباريات السباق[262].

وما يزعجك في سيرك في الهضبة الجدباء، سرعان ما يتحوّل إلى بهجة عندما تطالعك كنيسة سيّدة القلعة، هذه الكنيسة التي بناها اليسوعيون في منتصف القرن التاسع عشر، فجاءت درّةً من فنّ الباروك الذي نادرًا ما اعتُمد في سوريا[263]. فواجهتُها البيضاء المزنّرة بخطوط سوداء تبرز جمالها لشمس الصباح[264]. وحجارتها المأخوذة من بنيان القلعة غالبًا ما احتفظت، عند إعادة استعمالها، بصورتها السابقة. وأصداغُ الأبواب والعتبات وبعضُ الأعمدة جُلبت، أيضًا من القلعة، وأُعيد استعمالها، كما كانت، في بناء الكنيسة التي بنيت على شريط ضيق في الأرض عند المنحدر الغربي للهضبة، تمامًا على حافة الخندق الاصطناعي حيث كان يرتكز رأس الجسر المتحرّك الذي كان يصل بين الأرض الممتدة والقلعة.

وحتى نصل إلى تلّة القلعة علينا أن نعبرَ مدخلاً في يسار الكنيسة إلى فناء الدير الداخلي. هنا، قبالة باب الكنيسة الجنوبي، بئر قديمة تؤطّر فوهتها خرزة؛ ويؤخَذ الماء من البئر ويُصَبّ في نقيرة هي أسطوانة حجرية كبيرة كانت مكبسَ زيتون قديم تحوّل إلى حوض. وبعد خطوات قليلة من مكان الاستسقاء، هذا، وباتجاه الغرب، ينزل العابر ثلاث درجات صغيرة ليصل إلى حوش حظيرة. الدرجة الأولى هي كناية عن حجر بازالتي (20×70)، يحمل نقشًا بالكتابة اليونانية[265]. وحده مزارع يقيم، منذ مدّة، في أرض الحصن. أما الكتابة فتشير إلى آلهة الحظ، ممّا يؤكّد على قدم الموقع الذي، ربما، يعود إلى الحقبة اليونانية أو اليونانية-الرومانية ! كذلك تعود النقود والفخار التي تُخرجها سكّة الفلاح إلى تينك الحقبتين. ويبدو أن هذا الموقع يعود إلى حقبة أبعد من زمن الاسكندر بدليل وجود القبور الميغاليتية قريبًا منه. ثم إنّ البيزنطيين لزم أن يكونوا قد حصّنوا هذا الموقع قبل الصليبيين بدليل وجود مكابس الزيتون هناك[266].

وقبل تسلّق الصعدة التي توصل إلى «باب السر»[267] في الحصن، والذي لا يزال بيّن الأثر، علينا أن ننزل منحدرًا هيّنًا إلى عمق الخندق. هذا الخندق مصنوع وليس طبيعيًا. طوله أربعون مترًا، وعرضه خمسة عشر مترًا، وعلوّه عشرون. هذه الحسابات تدلّ على مقدار الجهد الذي بذله الفرنجة ليفصلوا بين اللسان الذي يقوم عليه الحصن، هذا اللسان المحاط بثلاثة وديان عميقة، وبين امتداد التلّة. والوديان الثلاثة هي: وادي منجز الذي تبدأ فرجته من الشرق منحدرًا ليطوّق التلّة من جنوبها، قبل أن يصبّ غربًا بوادي النهر الكبير الذي، بدوره، يلتفّ مجراه من شرقي التلة، عابرًا أسفل الفاليسيوم ومكوّنًا، شمالي الحصن، حاجزًا طبيعيًا لا يمكن القفز فوقه.

ما كانت القيمة الاستراتيجية لهذا الموقع في الشبكة الدفاعية شرقي الكونتية؟

كانت قيمته في دوره كنقطة حراسة أكثر من كونه موقعًا دفاعيًا. وعمليًا، كانت مهمّته أن يسهرَ على المسارب الطبيعيّة التي تصل بين الداخل السوري والساحل اللبناني فيقطع الطريق بين طرابلس وحمص، عبر منطقة الشعرا ومنطقة القبيات، بالإضافة إلى صلاحياته كمركز إقامة لسيّد إقطاعي أكثر مما هو حصن دفاع.

يقول بول دي شان مؤكِّدًا: «كان النبلاء في القرن الثاني عشر، يعيشون في الحصون التي بين أيديهم مع أبنائهم ونسائهم»[268].

لم يكن باستطاعة هذا الحصن أن يصمد أمام هجوم كثيف يأتيه من جهة الشرق، رغم موقعه المتميّز فوق ملتقى ثلاثة أخاديد تمنع اكتساحه من التلال المقابلة، وذلك لأن ما يفصله عن المنفذ الشرقي، أي هضبة منجز، لا يتعدى سوى عشرين مترًا، أي وسع الخندق الاصطناعي. لذلك، فهو، في موقعه هذا، على بعد خمسة عشر كيلومترًا، بين الساحل والبقيعة، يقتصر دوره على مجرّد مرصد لوادي النهر الكبير.

كانت ملكية الفاليسيوم الزراعية فقيرة، والتليلات التي تضرِّس الهضبة شبهَ المستوية، صخرية جدباء، ماؤها نَزِر، والينابيع في الوديان المحيطة بها لا يمكن الإفادة منها. نبع الجعلوك، وحده، المنبجس في الأعلى، عند الأثر القديم «مقام الرب» يكاد يلبّي حاجةَ الأهالي لريّ بعض قطع أرضٍ من أراضيهم الفقيرة. وإنّ تسعةَ أشهر من انحباس المطر تجعل اعتماد الزراعات المرويّة مستحيلاً، وتجعل العبور في المجاري الشتوية على كثير من السهولة. وبالمقابل، فإنّ الأرض البركانية تصلح لزراعة الكرمة[269] والزيتون والقمح والقطاني والشوفان، وهذا ما يفسّر وجود المعاصر والمطاحن في الجوار. كذلك تستقطب المراعي الوفيرة، في الشتاء والربيع، الكثيرَ من القطعان، وهذا ما لاحظه رحّالتان، في النصف الأول من القرن الثالث عشر، هما برخارد وجاك دي فتري، في أثناء مرورهما في المكان، ممّا يجعل تفسير انتشار القبور الميغاليتية، على أنها آثار الحضارة البدوية الرعوية، أمرًا يسهل الدفاع عنه. بالمقابل، فإنّ وادي النهر الكبير، في اختناقه وانفساحه، يترك مساحات خصبة من الأرض تصلح للزراعة على مدار السنة، لاسيّما زراعة قصب السكر والبرتقال والبقول على أنواعها والأرز.

ولأنَّ الصيف القائظ في الفاليسيوم يشقّ على أهله، فيمكن السؤال: هل كانت عائلة بوي لوران تصطاف في «لاكوم» حسبما كانت العادة عند أهل البلاد؟

حتى نصل إلى القصر ننحرف يسارًا صوب وادي منجز! وسرعان ما يتعلّق النظر بالحجارة الغرشاء في جدران القصر. وهي حجارةٌ متوسطة في حجمها، دقيقةٌ في القطع عند أطرافها، لكن في وجهها أخاديد تكاد لا ترى، وذلك لأن العمل في الحجر البازالتي القاسي لا يطاوع يد القاطع. وعند المدخل، تمامًا، تُطالعنا أساسات برج دائري يفصله عن السور الخارجي خندق ضيق. وبعد ثلاثة أمتار من المدخل يلفتنا إلى اليمين حجر كبير فيه نقرات: صفّان منها، عموديان، في كل واحد سبع نقرات، وأفقيًا، توجَدُ نقرةٌ إلى كل جانب، مما يشكل، في مجموعه، رسمَ صليب لاتيني تقريبًا. هذا الحجر أعيد ترتيبه في البناء، كما رأينا، وقد كان نوعًا من لعبة يمارسها الفرسان في أوقات فراغهم، هي لعبة «المنقلة»، وقد صادفنا، هناك قريبًا، إلى جانب الحجر، كراتٍ سوداء وبيضاء، صقيلة مناسبة لحجم النقرات. وإلى اليمين تصعد تلّةٌ صغيرة، واضحٌ أنها إصطناعية. هي بقايا البرج الرئيس في الحصن (Donjon)، وهو يواجه النقطة الأضعف فيه التي هي جهة الشرق. وفي أرض البرج رُكَمٌ كثيرة يغطّيها الشوك والهشيم، وفي بقايا الجدران المتهدمة تطلّ مقاتلات على كلّ أنحاء الحصن. في أرض البرج فتحةٌ تنفذ إلى قبو وسيع، تسدّها، الآن، ردوم. وتمتدّ إنشاءات الحصن على جميع مساحة اللسان التي تتساوى بشكل ملفت، مع مساحة حصن عكار. هذه البقعة الغبراء (الفاليسيوم)، المرتسمة على الأفق، المحاطة بالاخضرار، توحي بانطباع مريح. في أنحائها آبار كثيرة، تزوّدها بالماء الذي ينقل إليها عبر درج لولبي في نفق يقود إلى ضفة النهر، وهو مسدود الآن، وقد لا يهتدي إليه أحد من غير مساعدة أحد الفلاحين الشيوخ. أمّا الإنشاءات المختلفة، داخل البرج، فهي كثيرة، وظاهرة للعيان. وما بقي من جدران يتجاوز عرضُه المترين في بعض الأماكن. ما كانت وظائفها ؟ لا يمكن التكهّن لأنّ أنواع النبات تغطّيها. وفي بعض أنحاء الحصن سوّيت الأرض واستصلحت للزراعة.

 

‌ج.    مصلّى الحصن:

يبدو المصلّى القائم في وسط الحصن مستقلاًّ تمامًا عن باقي الأبنية فيه. ويبدو أنّ أرضَه قد سوّيت لتكون مَصطبةٌ بعد أن كانت تشكو من إنحدار في جهة الشمال، وحيث لا يزال الحائط الساند باديًا للعيان بمستواه المنخفض أكثر من مستوى الحائط الجنوبي. ولا يمكن التنقيب حول الأساسات لأنّ الصخرة الأم تحتها ظاهرة الامتداد، في بعض أماكن، خارج الأساسات. ورسمُ الجدران على الأرض لا يزال محفوظًا حتى علو ثلاثة مداميك من جهتي الشرق والجنوب، وإلى ارتفاع متر ونصف، وإلى مترين في الجهتين الأخريين. أمّا الحجارة البازالتية في الحنية فهي بحجم 55×35 سم. بينما تبلغ الحجارة في الجدران الأخرى حجمًا أكبر، أي 35×75 سم؛ وبطانةُ الجدران مبنيةٌ بالحجر الغشيم (دبش)، المغموس بالطين. وهذه الجدران مزدوجةُ المداميك ممّا يجعل سمكَها مقدار متر. أما وجه الجدار، من الخارج، فحجارتُه مقصوبةٌ بإتقان، لكن من غير تحديب؛ فإذا حُدّبت في بعضها فلا تكاد تظهر حدباتُها. ومع جودة تقصيب هذه الحجارة، فإنّ التصاقَها في ما بينها ليس ملزوزًا تمامًا. أمّا حجارة الباطن فمتروكة على حالها، من غير تشذيب، فعلى ما يظهر أنها كانت مغطاة بالطين الذي يمكن أن نتبيّن أثره عند زواياها.

وقبل أن نباشر بدراسة مخطّط المصلّى بودّنا أن نُبرز مسائلَ تتعلّق بتقنية البناء في مختلف أجزائه.

 

                                    i.          الأساسات

تماشي أساسات مصلّى الفليسيوم طبيعةَ أرض القلعة، فتعلو حيث تعلو الصخرة، جهة الجنوب، فوق التراب، أو على مستواه، حيث يستقرّ المدماك التأسيسي على الصخر. وبالمقابل، في جهتي الشرق والغرب، يَعْمُقُ في الأرض أكثر فأكثر. أمّا في جهة الشمال، حيث تشكو الأرض من انحدار، فإنّ البناةَ نزلوا بالحائط إلى حيث تستوي الأرض في أسفل الانحدار وأَرْسَوه على صلابة. ونتبيّنُ، من بعد، أنّ هذه الأساسات تتكوّن من نوعين من المواد. في جهة الشمال، حيث طرفُ الحائط أبعد عمقًا، تصير الحجارة أقل تشذيبًا، ومثبتة بطين هو كناية عن مزيج من حصى ورمل محلّي وكلس. ولوجود نثر من فحم في هذا المزيج نظنّ أنّ قد خالطه رَماد. ويتراوح عمقُ الأساس بين مدماك وثلاثة مداميك بحسب ما تعلو الصخرة أو تنخفض. وحجارةُ هذه المداميك مشذّبة ومزوّاة بالملطس (الشاقوف) أو المقطع، وكلّها مستوية عند سطحها ولربما كانت مغطّاة بردم أو مطيّنة بشكلٍ يحجُبها عن النظر. ذلك ممكن لأنّ الأرض في طبيعتها، جهة الشمال، بين الكنيسة والوادي، قد حفرتها سيول الأمطار وقشرتها. والملاط، نفسه، المؤلّف من كلس، عمومًا، مع الحصى والرمل والرماد يجمع بين المداميك ويغطّي سطحها لتصبح مستوية فوق تضاريس الأرض، ولتبقى الحجارة المشذّبة، الظاهرة للعيان، على هيئتها الحسنة.

 

                                  ii.          الجدران

لا يبدو أنّ جدران المصلّى كانت معدّةً لأن تُغطّى بطينٍ ما لأنّ مظهر الحجارة الخارجي مشذّب بإتقان إلى درجة أنّ الفواصل بين حجر وآخر تبدو كأن لم يكن يجمع بينها طين. ومن الناحية التقنية، تبدو هذه الجدران السميكة (متر تقريبًا)، مبنيةً على الطراز الذي نجده في معظم أبنية الإفرنج في سوريا: جدارٌ مزدوج، بحجارةٍ منتظمة، في الداخل والخارج، ويجمع بين الصفَّين حشوّةٌ من حجارة صغيرة مغموسةٍ بالطين. وحجارةُ الخارج ممسوحة الوجه، ومحدّبة في بعضها بشكل طفيف لا يكاد يُرى. أما حجارة الداخل فهي أصغر وممسوحة تمامًا، ولا يزال يحمل بعضها أثر تطيين.

ما كانت الآلة التي استُعملت في تقصيب الحجارة؟ لا مجال للتأكّد لأنّ عوامل التآكل قد أفسدت صورة الحجر. أمّا علو المداميك فمختلف؛ فحيث لا تزال بعضُ مداميك الداخل واضحة، فإنّ علو الواحد منها يتراوح بين 0.25 و0.30 م. أما حجم الحجارة من الخارج فيتفاوت بين صغير – هو الأقل – بطول 0.54 م وعلو 0.35 م، وكبيرٌ جدًا، وهو استثنائي، فإنّ المعدل العام يتراوح بين 0.75 و0.35 م.

 

                                iii.          دراسة مخطّط المصلّى

في الحصون التي كانت بأيدي السادة، على ما يؤكِّد دي شان[270]، كانت أحجام المصليات صغيرة. وفيليسيوم بوي لوران لا تخالف هذا الوصف؛ فالمصلّى فعلاً، صغير: طوله، من الداخل لا يتعدّى 12.55 مترًا، وعرضه يتراوح بين 7.45 م (في الغرب) و7.05 م في الشرق. وهو ذو صحن وحيد على شكل مستطيل. ضلعه الشرقي يضم حنيةً ناتئةً على شكل تنّور مقدود.

1.     الصحن

الصحنُ مستطيل، وعلى ما يبدو، بقبَّةٍ وحيدة، إذ لا أثر في ما تبقى من أضلاع هذا المستطيل، ما يدلّ على أن كان فيها أثرٌ لعمود أُزيل أو حتى لنعلةِ عمود، مما يعني أنها لم تكن مقسومةً بشكل من الأشكال أو كان سقفُها بقوسٍ متصالب. في نقطة التقاء الحائطينن من الداخل، لحمةٌ تامّة. وفي ما تبقى من الجدران لا توجد أيّة علامة ارتكاز أو حجر ناتئ يدلّ على أن هناك بداية قوس.

 

2.     الباب الشمالي

كان لمصلَّيات الحصون الفرنجية، في سوريا مدخلان، واحدٌ في جهة الغرب والآخر في جهة الشمال او الجنوب. نذكر على هذا المثال مُصلّى حصن المرقب، ومصلّى البرج الرئيس في صافيتا الذي كان يحتوي على باب جميل، في الغرب، يؤدّي إلى درج يصعد إلى الطابق العلوي الكائن في زاوية المبنى الجنوبية.

أمّا المتبقّي من حائطي المصلّى، الجنوبي والغربي – في الفاليسيوم – والذي يبلغ علّوه مترًا، فلا يحفظ لنا أثرًا لباب أو عتبة. وأساسات هذين الحائطين مستويةٌ وملتحمة تمامًا، بشكلٍ لا يوحي أن كانت هناك ثغرة؛ ويُرى بوضوح التبايُن في طريقة البناء وفي المواد المستعملة في ما تبقى من الحائط المتزعزع في هذه الجهة، بحيث يختلّ الاستواء، وإن كان الحائط لا يزال واقفًا. والجزءُ الثاني الذي أشرنا إلى أنه يتباين مع بقيّة الحائط هو، بالتأكيد، حديثُ البناء لأنّ أساسه غيرُ ملتحم مع الأجزاء الأخرى في الحائط، وحجارتَه غيرُ منتظمة وغيرُ مغموسة بالطين. وعرضُها تسعون سنتمترًا أي ما يساوي، تمامًا، عرضَ أيِّ باب في مثل هذه الأبنية.


 

الفاليسيوم: كنيسة القلعة – الحنية من الداخل

 

 

النهر الكبير الجنوبي أسفل تلّة القلعة

وهنا، في مكان قريب، نقع على حجر بطول 120 سنتمترًا وبعلو 30، مرميّ على الأرض، يبدو أنه كان في الأصل ساكفًا للباب. وللأسف، هذا الساكف مشوّهٌ بشكل لا يوفّر لنا أن نتبيّنَ فيه أثرًا لكتابة أو نقش ما، إذا ما كان هناك شيء من هذا القبيل.

 

3.     الباب الشرقي

وفي الطرف الشمالي الشرقي لصحن الكنيسة، وقريبًا من زاويته، يظهر أنّه كان هناك بابٌ آخر. وحائطُ الكنيسة الشرقي الذي يحتوي الحنية، لا زالت تبدو، في ما تبقى من طرفه الشمالي، فُرضةٌ، وذلك بُعيْدَ افتراقه عن الحنية. كذلك لا تزال تظهر إنشاءاتُ بناء معدّة لتحملَ قاعدةَ قوسِ الحنية، وتمتدُّ باتجاه حائط الشمال عموديًا، لكنها تنتهي قبل الالتقاء به، وتنكسر لتمتد بموازاته، مشكّلةً دعامةً للحنية؛ وهكذا يكون الفراغ الحاصل بين نقطة الانكسار والحائط قد وفّر بابًا بعرض 82 سنتمترًا، للعبور شرقًا إلى يسار الحنية.

 

4.     الحنية

ترتسم الحنيةُ في طرف البناء المستطيل، ولا أثر يدلّ على أنها كانت مُحتضَنةً من خارجها بحائط. ولا يزال قوسُها مرتسمًا في مكانه بعلوٍّ ينوف على المتر. وصورةُ بنائها، من الخارجِ، مشابهةٌ لصورة بقية الجدران. أما صورةُ جدارها، من الداخل، فمختلفة لأنها أكثرُ صَنعة؛ فالحجارةُ الصقيلةُ الوجه أصغر، ويظهَر أنها كانت معدّةً لتكون مطليّةً بطلاء يشمل الداخل بأكمله.

أما جانب الحائط الشمالي للحنية فيخترقه منفذٌ على بعد خمسين سنتمترًا شرقي القوس الفاتح للحنية، حيث لا تزال آثارُه ظاهرةً للعيان. وهذا الممرّ باتجاه شمال-جنوب، داخل الحنية يلتقي، من غير شك، الممرَ الآخر الذي تكلّمنا عليه سابقًا. فحيّز الحنية لا يقوم في وسط الضلع الشرقي للمستطيل، بل هو أَمْيَلُ ليكونَ مُزَاحًا صوب الجنوب، أي أنّ جزءَ الضلع الممتدّ من أدنى القوس الأمامي باتجاه حائط الجنوب هو أقصر من الضلع الممتدّ باتجاه حائط الشمال الذي فيه المنفذُ باتجاه الشرق. ولأن الأمر كذلك، فإنّ المحور المركزي للبناء جاء منحرِفًا بحيث يُطرح السؤال: هل كان ذلك بمثابة تصحيحٍ لموقع الحنية باتجاه الشرق بعد أن سبق ورُسمت بقيةُ البناء، أم أن التخطيطَ لحظ إفساحًا في المجال لفتح المنفذ الذي تكلّمنا عليه ؟ هذه الإزاحة للحنية موجودةٌ في أماكن أخرى مثل كنيسة «سيدة الريح» في أنفه، وفي كنائس قبيّاتية أخرى سيأتي الكلام عليها. 

 

5.     السكرستيّا

ليست معرفتنا لقلعة الفاليسيوم بجديدة، فلطالما كنا أصدقاءَها القدامى، تآلفنا مع كلِّ زاوية فيها، نجول بين دغلاتِها والركامِ سعيًا وراء كشفٍ جديد أو انطباعٍ جديد. ومع تلك الأُلفة القديمة فيما بيننا، فإننا لم نلحَظ مرَّةً واحدةً بين الأنقاض أو في ما حملت السيول من رواسب أيَّ أثر للسكرستيا التي تقوم عادةً إلى يسار الحنية. لكن آخر السيول كشفت عن حجر مُحدَّب على بعد أمتارٍ في شمال البناء. ولما حفرنا حول الحجر وجدنا أنّه جزءٌ من البناء كشفته مجرَّدُ حفرية سطحية. ذلك البناء هو السكرستيا التي تلاصق، عادةً، أغلب الكنائس الصليبية في بلاد سوريا[271].

 

المنقلة: لعبة الفرسان

 


 

 

السكرستيا، هنا، كنايةٌ عن غرفة صغيرة (2.60×3.20) واجهتُها الشماليّة، وهي الأطولُ، تبدو وكأنها امتدادٌ للحائط الشمالي، بينما واجهتُها الشرقية تلتقي عموديًا مع الحنية الناتئة. والبابان اللذان لحظنا علاماتهما، في ما جاء أعلاه، يؤدّيان إلى السكرستيا، واحدٌ من المذبح مباشرة، والآخر من الصحن.

فكنيسة حصنِ السيد الإقطاعي، هذه، تبدو صغيرةً نسبةً إلى كنيسةِ حصن الفرسان، أو كنيسة حصن صافيتا، أو كنيسة حصن المرقب. ومع ذلك فقد كانت أكثر من كافية لتلبية الحاجة الليتورجية لأسيادها.

وللمرّة الأخيرة، وقبل أن نبارحَ تذكاراتنا، دعونا نتوقّف لحظةً، هنا، تحت الأشجار التي طالما ظلّلت هذه الربوع! المدعوون خرجوا من كنيسة سيّدتنا العذراء وانفرطوا في الباحة: «العروسُ في أحلى زينة. وفستانٌها الحرير، الرائع، المشغول بالذهب، تكنس أذيالُه الأرضَ من خلفها. وجبينها يشعّ بتاج الذهب، وتتدلّى من فوقه شبيكةٌ ذهبية. وكذلك، الذهبُ مشعٌّ على صدرها. وفي زينتها تلك تتقدَّم متهاديةً بخطوات صغيرة، معدودة، كأنها اليمامة. ومن ورائها يتبع أكابر المسيحيين ببذلاتهم الباذخة التي تجرّر أذيالها. ورصيفاتُهم في الكبر، المسيحيّات، خلفهم، يتهادين، أيضًا، في أروع فساتينهن ساحبات وراءهن كلّ ما لديهنّ من زينة. ويتوجّه الجميع إلى الميدان حيث يَستعرض الفرسان ألعابَ الجريد. وتصدح الموسيقى، وجماعاتُ الناس، من مسلمين ومسيحيين يتفرّجون».

وصفُنا لهذا العرس استعرناه من ابن جبير[272]. ولم يتغيّر شيء منذ القرن الثاني عشر وحتى اليوم، تحت سماء هذا الشرق العصيّ على التغيير. وقد سجل المركيز دي فوغيه مثل هذا، قال: «الشرق هو الأرض المعهودة للتقاليد. في أيِّ مكان آخر لا نجد مثل هذه الطقوس للعادات المحليّة»[273].

 

2- مقام الربّ: هيكل – كنيسة

على مسافة ساعة، تقريبًا، جنوب شرق الفاليسيوم، تمتدّ سلسلةٌ من التلال البركانية تحجب مدينةَ القبيات الصغيرة. إنها تلالُ مرتمورا. وأسفل هذه التلال، شمالاً، أطلالُ معبدٍ قديم، من الحقبة الرومانية. لأنه متميّز شملته مديريةُ الآثار بعنايتها. إنه المعبد الوحيد، في لبنان، مبنيّ بحجارة البازالت. بمثل هذه الأنواع من أبنية البازالت تشتهر ناحية حوران في جنوب سوريا. لذلك يعتقد بعض الأركيولوجيين أنّ بُناةَ هذا المعبد قد استعانوا بالبنائين والعمال الحوارنة لبناء معبد منجز الشهير هذا[274].

ويقع المعبد على بعد مئتي متر غرب ينبوع يحمل اسم «نبع الجعلوك».

هل ضمّ هذا المعبد كنيسةً مسيحية ؟

الأركيولوجيون يؤكّدون ذلك. والأب غودار الذي زاره في بداية القرن العشرين يؤكّده أيضًا. واليوم، لا يبدو ما يدل على ذلك[275]. وأهلُ المحلّة دلّوا على خربة في جوار النبع، بحدود مئتي متر إلى شماله. إنها كنيسة قديمة على اسم سيّدتنا العذراء.

 

3.     كنيسة سيّدة المُعين

هل هي كنيسة مخصصة للأضياف؟ وقفنا على بقايا هذه الكنيسة القديمة في ظلال سنديانة عتيقة، وقد لعب الزمن بالكنيسة وأبلتها عوامل المناخ، كما نال منها ذلك المعبد.

المبنى الصغير (6×4 م)، مؤلّف من صحن مربّع، تقريبًا، ومن حنية نصف دائرية يحتضنها مربَّع. شيءٌ قليل بقي من الكنيسة. وحدها الحنية وقد غمرت جوانبها الرواسب، بينما احتفظت بحجارتها المصقولة بإتقان. أما الصحن فقد جرفته الهاوية فلا نكاد نتبين رسمه إلا بصعوبة بالغة، إذ، وهو القائم على شفا جرف، ذهبت بواجهته الغربية، مع جزء منه، زحلةُ الأرض تحته، لا سيّما زاويته الجنوبية التي لا تزال حجارة أساسها مبعثرة على المنحدر. وليس من شك في أن الكنيسة تعود إلى الفترة الفرنجية. التخطيط وتقصيب الحجارة، وتركيبة الملاط تتشابه إلى حدّ الدهشة مع مجمل تركيبة كنيسة سيدة الفاليسيوم. ربما كانت هذه الكنيسة جزءًا من مجمّع بنائي يمكن ملاحظة آثاره جنوبها، مما يدعونا إلى الاعتقاد أنها كانت كنيسة تابعة لمستشفى أو فندق على غرار ما كانته كنيسة «سيدة الريح» في أنفه؛ فالتشابه تام بين الاثنتين[276]. ويظهر أنّ هذه الكنيسة قد بُنيت على بقايا أخرى تعود إلى زمن أبعد.

 

ثانياً: كفرنون (قرية السمك)

 

تقع على بعد ثلاثة كيلومترات شرقي الفاليسيوم. هل يمكننا القول إنّ هناك كفرنون عتيقة وكفرنون جديدة ؟ هذه الضيعة لا تكاد تغادر الزمن الغابر، فكأنها لم تبرح صورة القرية القروسطية. هُجِّرت وأُحرِقت خلال أحداث 1975؛ وتنهمك الآن في نفض الغبار عن نكبتها. ولا نبالغ عندما نقول: إهمال، بؤس، غمّ، في وصفنا هذه الربوع، بالمقابلة مع أمسٍ زاهر، زاه، مشرق! وفي بحثنا الميداني، كنا نشهد على كرم ضيافة مؤثّر. فالمختار، الشيخ نجيب، كان يروي لنا، بهدوءٍ ورضى، ويزن كلامه بمعيار المطّلع! ولأنّ بحثنا كان في مجال الأركيولوجيا فالموضوعية واجبة. والوثائق غير متوفرة، لأنَّ النار التهمت كلَّ شيء، لكن ما بقي ذو دلالة. هذه القِشلة، في أمسها الفرنجي، كانت على بحبوحة ممتازة: أربعُ كنائس، وسبعُ معاصر، وعيونُ ماء وأحواض، ومطاحن هواء، ومطاحن ماء، ومطاحن يدوية، وصلبان قديمة، ونقشٌ على حجر ضاع... فكأنّ هذه الكفرنون متحفٌ حقيقي. ويذهب خيالنا، بل معرفتنا النظرية، بعيدًا في متاهات الزمن... ونعود لنلتقط أنفاسنا: الفرنجة، هنا، في كلّ مكان. لماذا لا يزال ذكرهم حيًّا في نفوس الناس وتقاليدهم؟ هل لأن حسّ الشعوب المرهف هو أقرب إلى المعرفة من علومنا العقلية أم ذلك حنين تعويضي في نفس الشعب الماروني، في الوقت الذي هو موجود عند الآخرين؟ نحن نعتقد أنهما، كليهما، صحيحان. هذا واقع أوّل. ولأنّ الموقع أبعدُ إيغالاً في الزمن مما يشي به الإسم السرياني (كفرنون = حقل السمكة)، والدليل هو تلك القبور الميغاليتية العديدة المنتشرة في الجوار. ما كان، إذًا، الإسم الأصلي؟ ربما لم يكن هذا الموقع إلاَّ أحد أحياء منجز في إطار المدينة التي كانت تشكلها «ماييزا» الواردة في الوثائق الأشورية والتي سنغتنم الفرصة لنتكلم عليها في ما سيأتي.

 

الكنائس

إنّها، هناك، حيّة تُرزَق. لكن، للأسف، لم تعد تحتفظ أيُّ واحدة منها بشكلها الأصلي. لقد لعبت بها أيدي التبديل إلى درجة لا نكاد نتبيّن خصائص واضحة لأية منها. هذه الكنائس تتوزع في مجموعتين، كلّ واحدة منها تتشكّل من كنيستين، فلا تبعد الواحدة عن الأخرى أكثر من ثلاثمئة متر.

a.     المجموعة الأولى كنيستان، واحدة على اسم السيدة العذراء، والثانية على اسم مار الياس، وكلاهما يقع شرقي الضيعة، بجوار المدافن. الواحدة تستقلّ عن الأخرى، وتفصل بينهما مسافةُ عشرة أمتار، وتتجاوران باتجاه غرب-شرق. فالأولى التي على اسم مار الياس، والتي في جهّة الشرق، بقي منها جزء. ولدى تدقيق النظر بدا لنا أنّ صحنها كان مسقوفًا بأقواس قوطيّة متصالبة، وحنيتها قُبةٌ نصفيّة يحتويها مربَّعٌ بحيث يبدو مجملُ البناء كمستطيل مُدمَج. ولها بابان لا يزالان قائمين، واحد إلى الغرب، وآخر  إلى الشمال، وما زالا يحتفظان بالقبّتين وبالأصداغ التي تناهز، في ارتفاعها، مترًا ونصف المتر، والأسكفتان مرميّتان إلى جانب. وقد عُدِّل بناء الكنيسة عدّة مرّات، ثمّ وُسِّعت، أخيرًا، بتمديدٍ نحو الشرق بشكل بربري[277]. والثانية، إلى الغرب، وهي التي على اسم السيدة العذراء، قد دَفنتها المقابر. وعلى ما بدا لنا، أنّه كانت، هنا، كنيسةٌ تعود إلى فترة أبعد من زمن الفرنجة. فسور المدافن الحالية، والدرجات الملاصقة له، يحتفظ، من جهته الغربية، ببقية حائط قديم، بعلو ثلاثة مداميك، إلى أربعة. حجم الحجارة فيها يبلغ 75×45 سم، وتدل طريقة قطع الحجارة، وكذلك شكل الصليب، على أنّه كان هناك مركزُ عبادة سريانية يعود إلى العهود المسيحية الأولى (القرن الرابع أو الخامس).

b.     أمّا المجموعة الثانية فتقع شمال شرق القرية، على بعد ثلاثمئة متر تقريبًا. وفي هذه المجموعة الكنيستان متباعدتان أكثر ممّا هما متباعدتان في المجموعة الأولى (ثلاثون مترًا).

والكنيسة الجنوبية على اسم مار الياس، وهي بناء جديد يعافه الذوق. فلم نقع فيه على ما هو قديم، لا في حجارة أُعيد استعمالها، ولا في أساساته. ونعتقد أنّه أقيم بمجمله، في أواسط القرن التاسع عشر، وأعيد ترميمه في أواسط القرن العشرين. ويظهر أنّ اسم شفيعه مار الياس قد استعير من مقام قديم كان موجودًا في المكان ولا يزال أثره بجوار الكنيسة الثانية الشمالية. وهذه الأخيرة، هي أيضًا حديثة، وكما يبدو، هي، بدورها أقيمت على أثر قديم لا يزال ظاهرًا في أساساتها، لا سيّما أنّ التصميم الجديد لا يطابق التصميم القديم، العائد إلى النمط الغربي، والذي يتجاوز الجديد بنسبة كبيرة. وعلى بعد عشرة أمتار وقعنا على بقايا خربة قديمة، ترتسم في ناحية منها أصول حنية. نعتقد أن هذه الحنية تعود إلى الكنيسة القديمة التي كانت على اسم القديس جاورجيوس. ونجد تشابهًا تامًّا بين هذه المجموعة والمجموعة الأخرى.

هاتان المجموعتان ليستا من الكنائس المزدوجة، مثل تلك التي في القبيّات، لكن أسلوب البناء المتشابه، مع هذه الأخيرة، يدفعنا إلى الإعتقاد بأنّها تعود، جميعها، إلى شعب واحد. فهل هي معدّة لتخدم الطقوس ذاتها المعتمدة في تلك الكنائس الأثرية المنتشرة في هذه البلاد؟

في وسط المسافة بين المجموعتين، هناك، «البير» إنّه يشبه «بير» الفاليسيوم من جميع النواحي، وهو لا يزال قيدَ الاستخدام. وكشفنا على عدد كبير من الصلبان العائدة إلى القرون المسيحية الأولى في أنحاء القرية، وهي محفورة في الحجر، لكنّها ليست دائمًا بشكل منتظم. ويظهر أنها ليست من صنع محترفين أو أنها كانت معدّة لتكون في أعتاب فوق أبواب الكنائس. وكان من عادة الموارنة أن يرسموا الصليب على أي ماعون يستعملونه أو أي إنجاز مثل العجين أو المنزل. إنه «البركة» لتكثير الخيرات ولتكون الحرز ضد الشرير. وقد كشفنا كذلك على عدد كبير من معاصر الزيتون، وعلى مطاحن مائية قائمة على مجرى النهر الكبير، لكن ما لفت نظرَنا هو مطحنة صغيرة معروضة في باحة البيت القديم للسيد المختار، وهي من طراز خاص، فهل كانت معصرة زيتون أم لطحن أشياء أخرى؟[278].


ثالثاً: قـنـية[279]

دير قديم وكنيسة قروسطية

 

1- الموقع

هناك ، حاليًا، طريق مشقوق، يُتيح للهضاب العالية أن تحملَ الزائر الفضولي، أو الدارس المتحمّس، من وسط مدينة القبيّات حتى قنية عبر شمال غرب جبل أكروم[280]. فالتلال الصخرية، وجنباتها البخيلة بالأعشاب التي تنبت خلال بعض فصول السنة، تعيش عليها بعض قطعان هزيلة من الماعز، وحتى الأمس القريب. واليوم، تنتشر عليها ضياع، تربط ما بينها طرقات شُقّت حديثًا. وأعلى الهضبة يشكو العطش، ومورد الماء الطبيعي لقنية هو أعماق مغارة تقع على بعد ألف متر غربي الدير. فيها، وعلى عمق ثلاثة أمتار، ينساح الماء عبر شقوق الصخر، ويتجمّع في حوض. وتنزل نساء القرية بالدَوْر، ليملأن الجرار. إنها مغارةُ السيدة، حيث نجد بقايا مزار على اسمها يكرّمه أهل الجوار. أما الموقع الذي هو موضع بحثنا فيقع على بعد كيلومترين من ضيعة قنية، وكذلك من ضيعة أخرى إسمها «مراح الخوخ»، والقائمة فوق مرتفع صخري مسطّح على جانب الوادي الممتد بين قرية أكروم وقريتي جرمنايا والعوّادة.

على اسم أيِّ شفيع هذا الدير؟ أهل الجوار لم يُعطوا له اسم «عماد»، بعد؛ ولا يزال يحمل، ككثير من مثله، اسم «دير قنية».

 

2- الاسم

«قنية»، بمعنى الملكية، تبدو أنّها من السريانية: قنايا وقنيانا، بمعنى المُلك والحقل والديار. والعامة تقول: قْنُوتي وقنٍيْتي. نحن نعتقد أن اللفظة ومشتقاتها تعود إلى الأصل السامي: قنا بمعنى الامتلاك. ولفظ التصغير «قنوتي» لا يغيّر من المعنى الأصلي الذي هو الملكية الكبيرة، وهو ما ينطبق على الموقع الواسع المحيط بالدير ومن حيث رسوبية التربة وخصوبتها. والبقايا الأثرية تخبرنا بشكل أفضل عن الماضي الزراعي للموقع.

 

3- الآبار

بما أنّ الماء نادر في أكروم، ولأنه ثمين لحياة الإنسان والحيوان، فلا بدّ أن نجد مصادره في الآبار. هذه الآبار على أنواع ثلاثة: تلك المحفورة في باحات المنزل، وإليها تُصَوَّب مياه السطوح. وتلك المحفورة في أجلاد الصخر، ويُصَوَّبُ إليها ماءُ المطر بمجار منقورة فيه. أما النوع الثالث فهو ماء الخزّان. إنه، في الواقع، خزّان صخري، يرشَح ماؤه عبر الشقوق ليتجمّع في حوضٍ سفلي. أو هو عبارة عن عِرق من الماء وَجدَ له منفذًا إلى أعماق مغارة، وأَكملت يد الإنسان حصرَه في حوضٍ مسدود ومملّس بالطين، فصار تلك البئر المرجوة.

في الموقع المذكور ثلاثة صهاريج ينطبق عليها ما جئنا على وصفه أعلاه: الصهريج الموجود إلى الجهة الشمالية الغربية يقع خارج الأثر، وعلى بعد عشرة أمتار من حائطه الغربي، وهو، على ما يبدو، شقٌّ صخري أُعيدت تسويته ليكون بئرًا. وهو غيرُ منتظم في شكله، واسعُ الفوَّهة، وكأنه من صنع متأخّر، لا يتجاوز أبعدَ من المرحلة الإفرنجية، وهذا ما يدلّ عليه نوعُ الطين المستعمل فيه. وماؤه يتجمّع من نواحي الصخرة المحيطة به.

وهناك بئرٌ أخرى، أكبر بقليل، موجودةٌ في وسط الباحة الرئيسة. وهي أيضًا حفرةٌ طبيعية أعيدت تسويتها، ويلزم أن يكون تجميعُ مائها من الأرض التي حوّلها.

الثالثة، وهي الأكبر، ليست بئرًا بالمعنى الحرفيّ، بل خندق طبيعي مردومٌ، الآن، في جزء منه، ويظهر أنّه كان في زاويةٍ منه ينبوعٌ طبيعي صغير.

 

4- مُنْشَأة الزيت

يظهر أن تنقيباتٍ قد جرت، في هذا الزمن الأخير، قد تكون سريّةً، وقد تكون علنيّةً، كشفت عن وجود منشأةِ زيت لا تزال على حالها الأصلية. وتقوم هذه المنشأة في زاوية الباحة الداخلية للدير، شرقي الكنيسة، بين المدخل الرئيس الجنوبي والحائط الغربي لبرج الحراسة. وعند عبورنا المدخل الجنوبي يطالعنا في وسطه، تقريبًا، حوض ماء، نعبر إزاءه لندخل، مباشرة، إلى المعصرة. ولا أثر يدلّ، كباب أو ما شابه، على أنها كانت مقفلة، لذلك نعتقد أنها كانت في رواق أكثر مما لو كانت في غرفة مقفلة.

إنها معصرة «منقولة»، أي ليست محفورة في الصخرة كمعصرة شويتا أو غزراتا. وتتألّف من عدّة قطع منقولة من غير مكان. وحوضُ المطحنة دائري بشعاع خمسين سنتم وبعمق خمسين سنتم. وسماكةُ الحافّة 25 سنتم. وقطر الدولاب ثمانون سنتم، وسماكته 45 سنتم. أما الخشبة التي كانت تجمع بين الدولابين فيجب أن تكون سماكتها عشرين سنتمترًا. وحذاء الحائط حوضٌ محفور في صخرة بعمق أربعين سنتمترًا، وبقطر مئة وعشرين سنتمترًا. ويلاحَظ أن جميعَ الأجزاء مقطوعةٌ من صخرة بيضاء من نوع صخور المكان. المعصرة، هنا، قائمةٌ بجميع أجزائها، لا ينقصها إلا أن تدارَ لتعمل. والزيتون المطلوب لعمل المعصرة، عادت أكرومُ لتغرسه وهو ينمو بنجاح كبير، مما يدلّ على أن المنطقة كانت، قديمًا، تزدهر به، بشهادة المطاحن الكثيرة، المماثلة، المبعثرة على أراضي المنطقة.


 

أكروم – دير قنية

 

أكروم: حنية مثلثة من بقايا الكنيسة البيزنطية


 

5- الكنيسة

مؤلفةٌ من صحنٍ وحيد، بطول 12 مترًا وعرض 2 و5 أمتار، بما فيه الحنية النصف-دائرية، والتي يحتضنها بناء مربَّع. ويبدو مجمل الكنيسة، من الخارج، كتلةً متماسكة، متجانسة، قائمةً جنوبي الدير، سليمةَ التوجّه صوب الشرق، وتنتؤ عن مبنى الدير ببعض أمتار إلى جهة الغرب، وترتبط به بواسطة عدة غرف تقفل باحته من الغرب. ولا يبدو أنه كان في واجهتها الغربية بابٌ ما، في ما بقي من حائطها الذي يرتفع مترين عن أرض الخارج ومترًا عن أرض داخلها. أما مدخلها الرئيس فيقوم في جهتها الشمالية، على مسافة 160 سنتم من الزاوية الشمالية الغربية. وكان الدخول إليها يتم إما عبر رواق مكشوف، وإما عبر مجاز كان قائمًا، هنا، حيث لا تزال بقية حائط تزنّر المكان حيث الباب الكبير، وحيث كَشفت التنقيبات عن بابٍ صغير (سبعين سنتمترًا)، عند الزاوية الشرقية للحنية، يصلها بالغرف التي تفصل الكنيسة عن الدير.

 

6- الدير

هو بناء على شكل مربّع منحرف، وقاعدته الكبرى (Trapèze) هي القاعدة الجنوبية. ويتألّف الدير من عدّة غرف طوليّة باتجاه شمال-جنوب، متّصلة بممشى ممتد على طول المبنى؛ ومدخله شرقي، عند الزاوية الجنوبية الشرقية. هل كانت له مداخل أخرى؟ ما كانت وجهة الاستعمال الأولى بهذه الغرف؟ وهل كانت له طبقات أخرى؟ فحالة الآثار الحاضرة، المغمورة بالركام، لا تسمح لنا بالإجابة على هذه الأسئلة.

 

7- البرج

على امتداد الكنيسة والمعصرة معًا، في جهة الشرق، عند الزاوية الشرقية الجنوبية، يقوم بناءٌ تدلُّ بقاياه على أنه يقارب شكل مربّع منحرف. وجدرانُه أكثر سماكة من بقيّة الجدران، وبها منافذ – مقاتلات. يبدو أنّه برجُ حراسة، وهو بناء مألوف في المزارع القديمة والأديار. هنا يجدر بنا أن نقول إن مجمل هذا الأثر يقوم على مساحة تتسع أو تضيق بحسب شكل الموضع، حيث إنّ الدير وملحقاتِه، بما فيه الكنيسة، يقوم، كالعادة، على مصطبة حيزوم صخري، ويحيط به سور تقليدي.

وهل يسعنا أن نعرف إلى أيِّ تاريخ يعود بناء هذا الأثر؟ هناك صمتٌ مطبق تسدله المصادر على الحجارة المتروكة. فلا كتابة، ولا نقوش، ولا روايات، إلا ما تجود به علينا البقايا إذا استنطقناها، وهي غنية. ولا يبدو أنّ الدير والكنيسة يعودان إلى الحقبة نفسها. فالفارق بين حجارة المبنيين واضح: حجارة الدير بحجم 45×75 سنتم. بينما حجارة المعبد هي أصغر (55 × 35 سم). أما حجارة الكنيسة فمنحوتة بإتقان، وبخموش منحرفة متوازية، (حدّ مسنّنن مستقيم الشفرة)[281]، ومتلاصقة بملاط كالذي كان يستعمل في أبنية القرن الثاني عشر، وهو كناية عن رمل محلّي، مخلوط بالكلس والفخار المسحوق مع كسر الحجارة والكثير من الفحم والرماد، بينما حجارة الدير مشغولةٌ بالملطس (الشاقوف)، ومتآكلة بفعل الزمن، وعلى ما يبدو لم تكن متلاصقة بملاط. وقد كُسيت جدران الداخل، في كلا المبنيين، بالطين. وطين الكنيسة مؤلّف من طبقتين متمايزتين الأولى بسماكة سنتمر واحد تقريبًا، ولونها أغبر، وهي مزيجٌ من فحم ورماد، بينما الورقة الخارجية فبسماكة 3 ملم، ومصنوعة من صلصال أبيض، تشبه تمامًا حصن المرقب، وهي معدّة لتقبّل النقوش التزينية إن في الحنية أو في غيرها. أما طين السور فهو عجينةٌ تتفتت كالوحل اليابس. وفي حال صدّقنا شهادة الصلبان ذات الأصابع في أطرافها المحفورة في بعض حجارة الدير العتيقة، فإنّ البناء يجب أن يعود إلى العصور المسيحية الأولى، التي تسبق القرن السابع. بالمقابل، نقدّر أنّ بناء الكنيسة، والذي يشبه ما تبقَّى منه بناء كنيسة الفاليسيوم فلا يعود إلى أبعد من القرن الثاني عشر.


 

رابعاً: حوض نهر الاسطوان - فساقين

تقع شرقي دير جنين، وعلى مسافة قريبة منها، على الطريق الثانوي الذي يربط بين حلبا وحمص، عبر القبيات. وقد بقيت مغمورةً، فلم تكن أكثر من اسمٍ على الخريطة العسكرية. وعلامة الحياة الوحيدة فيها كانت، ولا تزال، عين الماء فيها، «عين الدلبة» المعروفة، والتي كانت تشفي عطش الفلاحين والقوافل، ومن يحجّ من أهل التقى إلى هذا الموضع. واليوم تنفض القرية عنها غبارَ الأيام إذ بدأت تنهض فيها عمائرُ جديدة، مبعثرة على غير نظام، مكان خرائب البيوت القديمة[282].

 

أ- الاسم

«فساقين»[283] أي «بسّينا» (Piscina) هي من أصل لاتيني، بمعنى حوض الماء و«الجرّة» والمورد والمطهرة. وقد يكون من أصل فارسي عبر إلى العربية بصيغة الجمع، ومفرده «فسقية» حوض ماء. وصيغة الجمع، هنا، مبرّرة، لأنَّ العيون الصغيرة، ذات المحاقن، متعدّدة تروي عطش الحيوانات الأليفة، أو تسقي الخضار القليلة في قطع من الأرض صغيرة. وإذا صدق تفسيرنا نكون قد وقعنا لأول مرّة، في جغرافية هذه المنطقة على أثرٍ فارسي[284].

 

ب- مبانٍ وبقايا أخرى

1- الناووس: فُقد منذ فترة، واختفى أثره. كان من الحجر الأسود، بطول مترين وعشرة سنتمترات. وعلى أحد جانبيه صورة ناتئة لامرأة جالسة على عرش، بصدر نصف عارٍ، وبنهدين بارزين. أمام المرأة رجلٌ ملتحٍ، واقفٌ، يمدّ يدين محمّلتين بالهدايا. والمشهد مؤطّر بشريطٍ حسب الموائد المشهورة في مثل هذه الحال. هل كان هذا مشهد تعبّد؟

2- الساكف: حجرٌ كبير أسود، اقتطعت منه أجزاء، وما بقي صار بطول ثمانين سنتمترًا، ويحمل صليبًا ناتئًا، من طراز يعود إلى المسيحية الأولى، وهو محاطٌ بدائرة قطرها 23 سنتمترًا. وذراع الصليب سبعة سنتمترات. والعرض عند نقطة التصالب سنتمتران.

 


 

فساقين: مار نوهرا

فساقين – حجر العصي


 

3- منشآت قديمة: يجب أن تكون القرية قد قامت، على الأرجح، فوق مصطبة عريضة في سفح الجبل تشرف على المعبد. وعلى مبعدة خمسمئة متر، تقريبًا، من الكنيسة، يمكن أن نقع الآن على رُكَمٍ من بقايا مشعّثة لمقامين من الأولياء، يفصل الواحد عن الثاني أقلُّ من عشرين مترًا. ولا يزال بالامكان تفحُّص بعض أصولها، لكن هذا لا يسمح لنا بمعرفة وجهة الاستعمال بشكلٍ أكيد كما كانت عليه أصلاً، وإنما يسمح لنا بمعرفة تركيبتين لنوع الملاط الذي كان يَجمع البناء. الأول مركّب من كلس أبيض، يداخله قليل من الفحم المسحوق، وهو قويٌّ صلب ويبدو أنه الأقدم. والثاني يميل إلى اللون الزهري، ويتألّف من رمل ناعم، محلّي المصدر، بالإضافة إلى الكلس، وإلى الكثير من الفحم المسحوق مع مسحوق الفخّار. نوعية هذا الملاط أقلُّ صلابةً من الآخر، وهي موجودة في المداميك العليا. وكلا الملاطين وجدناهما في الولي الذي إلى الجهة الشمالية الغربية.

يظهر أنّ هذه القرية القديمة دُفنت تحت ركم التراب حيث لا تزال سكّة الفلاح تقتلع أثناء الحرث الكثير من حجارة البناء.

أما الجبل الذي يقطع الأفق، من جهة الجنوب، فيحوي نوعين من التربة. في جهته السفلى، حيث يوجد المعبد، التربة بركانية، والحجر بازالتي، وهنا تقوم الأرض المحروثة. والجهة العليا من التلة كلسيةُ التربة، طبشوريةُ الصخور، حجرُها ليّن، سهلٌ على القطع. في هذه الناحية المدافن القديمة في حفائر تحت الأرض وعلى النمط الناووسي. وحوالي المعبد مقبرة كُشفت، حتى الآن، بالإضافة إلى الكثير من المدافن الفردية والمدافن الشعبية التي تظهر بين وقت وآخر أثناء الفلاحة.

 

ج- مار نوهرا

تحوّلت الكنيسة، حاليًا، إلى «وليّ» مسلم باسم الشيخ «محمود». وكانت، قديمًا، على اسم القديس «نوهرا» (Nouhra-Lucicus). وهي ذات صحن وحيد وخورس دائري، وحنية ناتئة، ورواقٌ يمكن أن نترسّم وجوده، حتى اليوم، رغم حالة التردّي اللاحقة بالأثر. وشكل المعبد، مع ما يتبعه من أبنية، يؤكِّد على هويّته الأصلية، سواء بالنسبة إلى الكنائس ذات الصحنين، أو الكنائس المزدوجة، أو الكنائس البسيطة.

- الخورس

لا يزال قائمًأ بعلو يتجاوز المتر محافظًا على شكل الحنية، وعلى قسم من الصحن بعدما أزيل قسمه الآخر. ويظهر أن الحنية كانت ناتئةً عارية، فلا شيء يشير إلى أنّ شكلاً بنائيًا ما، كان يحيط بها من جهة الشرق. ولا أثر في حائط الخورس يشير إلى أن هناك منفذًا ما أو بابًا يوصل إلى ما يجاوره من منشآت، ربما كانت تشكّل امتدادًا للكنيسة.

- الصحن

بعرض خمسة أمتار وأربعين سنتمترًا، بين حائطين جانبيين بسماكة 115 سنتمترًا وبطول، ما تبقّى منه، 195 سنتمترًا، أمّا الباقي فقد امّحى. والجهة «الثقافية» التي تولّت حفظَ بقايا «الوليّ» المكرّم، هنا، حرصت على إقامة حائط عرضي ارتجلته لتقفل على القبر صحن الكنيسة، مع مدخل خاص في هذا الحائط.

ومن خلال الجزء المتبقّي من الصحن نقدّر أن مساحته لم تكن لتتعدّى 6×12 مترًا. فإلى أيِّ حدّ كان امتداده إلى جهة الغرب؟ ما يتكشّف، بين الحين والآخر من الأساسات يدلّ على أن الامتداد كان يصل إلى 15 مترًا، ابتداءً من الحائط الشرقي المتبقّي من الصحن ويلاحَظ أنّ تلك الأساسات كانت تشكل امتداداتٍ بنائية عند جوانب الكنيسة.

ونتساءل هنا: في حال كانت هذه الإنشاءات الباقية أساساتها لا تعود إلى بناء قديم، وهو ما نستبعده، فما كانت وجهة استعمال بناء من 17 مترًا طولاً وسنة أمتار عرضًا، وهي مساحة لا تتوفّر في أي أثر من آثار هذه المنطقة ؟ إذًا، علينا أن نجد جوابًا أكثر صوابًا، وهو أن طولَ صحن الكنيسة كان بقياس 13 مترًا، وكانت الأمتار الأربعة الباقية، والتي بإمكاننا ترسّم أثرها، هي للمدخل أو الرواق والذي كان بمساحة 4×5 م. فإذا كانت وجهة نظرنا، هذه، صحيحة، فنحن إذا أمام مخطّط كنيسة من طراز متميّز تمامًا عن بقية الطرز الأخرى للكنائس في هذه البلاد، وذلك بالنسبة لكنيسة بسيطة وبحنية ناتئة وبصحن موصول برواق- مدخل، والكلّ يشكّل وحدة طقوسيّة ذات استعمالات متعدّدة.

- الملحقات

قلنا إن الكنيسة تؤلف جزءًا من كلّ لخدمة الطقوس. فشمالاً، وباتصالٍ متعامد مع حائط الخورس لاحظنا وجودَ بناء قديم من غرفتين متوسطتَي الحجم (5×4.5) أمّا إلى ناحية الجنوب، فهناك عدّة غرف متتالية باتجاه جنوبي.

ما كانت وجهة استعمال هذه الغرف؟ هل كان البناء ديرًا؟ لا يبدو ذلك وإلا كان قد حمل اسم دير. نعتقد أنه كان مجرّد كنيسة بسيطة تعود إلى رعية قريبة مع توابع معتادة مثل مدرسة وبيت كهنة وقاعات اجتماع أو غرف للمؤونة[285].

 


الفصل الثاني

الكنائس المزدوجة

 

 

 

 

أولاً- هضبة شويتا

أقلّ من ثلاثة كيلومترات، إنطلاقًا من وسط المدينة، وعبر حي الضهر الآهل بالسكان، تُوصل إلى هضبة شويتا. إنها مَطلٌّ جميل على مدينة القبيّات ومنها يشتمل النظر على مجمل الناحية تقريبًا.

تنبسط شويتا مرتاحة على سطح الهضبة بمساحة عشرة كيلومترات. من هنا اسمها: شويتا أي المستوية. ثمَّ، ما إن تطأ قدماك عتبة بابها مديرًا ظهرَك للمدينة حتى تطالعك في المغرب، رُقعتان ظليلتان، أقربهما مار جرجس ودانياال، وأبعدهما سيدة غزراتا. وفي ما بعد غزاراتا، وعبر نهايات التلال، وإلى الغرب، تسدّ جبال عكار الأفق، وعليها يجثم حصن عكار الإفرنجي، الذائع الصيت. إلى يمينك وادي شمعة حيث كانت البؤرةُ الأولى لمدينة القبيات، وهي تمتدّ من الشرق باتجاه الغرب، فاصلةً بين هضبة شويتا وقِشلة السنديانة القديمة. وإلى الجنوب ينتصب جبل «البلاط» كترس أمام جبل القموعة، تكلِّله باقةُ اخضرار وينسدل ما تبقى منه بصخورٍ تُزعج النظر وتلتمع تحت الشمس بالبياض المبقّع، في بعض أماكن، باجمام الصنوبر. وهنا، قصر مريق، قصر كليب، مار جرجس، سيدة غزراتا. أربعة أسماء تفوح منها رائحة القِدَم. وفوق ذلك يبقى كثير من الدفائن القديمة، على هذه الهضبة الآرامية القديمة، تنتظر يدًا مُنقذة.

 

قصور شويتا

 

أ- قصر مريق

خرائب مريق وكليب تشغل وسطَ الناحية الشرقية من الهضبة. والطريق المستحدث بينهما قضم جانبًا من قصر مريق.

يقوم على جيب واسع بين نهدتين من الأرض، مفتوح من الجنوب باتجاه الشمال. وهو بناء مربَّع، طول ضلعه أربعون مترًا. وتصميمه، بمجمله، يُشبه تصميمَ دير قنية. وسوره الخارجي، على ما يبدو فيما بقي منه، كان محصّنًا ببرجين في الجهة الجنوبية منه، فلا يزال يحتفظ أحدُهما، في جنوب شرق، ببعض أساساته، وقد حفر في وسطه بعض صائدي الكنوز الليليين خندقًا متوقّعين، أنه، حسبما يعتقد العامة، هنا، أنه قبر مريق القائد البيزنطي الشهير. أما البرج الجنوبي فامّحى إلى درجة لا نكاد فيها أن نعيِّن مكانه، لولا استدلالنا ببعض حجارة مبعثرة في مكانه. وإلى الجنوب، داخل السور، بئرٌ لا تزال صالحةً للإستعمال. أمّا بعض أجزاء من الجدران فلا تزال قائمةً تفيد في تحديد معالم البناء، وفي جهة الشرق لا يزال يظهر سَنامُ قبوةٍ غارقة تحت الركام.

يقوم مجمّعُ الأبنية شرقيّ القصر، لذا يجب أن يكون المدخلُ إلى جهة الجنوب، وهو يفضي إلى باحة داخلية مربّعة لا تزال معالمها واضحةً للعيان. ونفترض أن هذه الباحة كانت تحيط بمجمّع البناء الموجود في جهة الجنوب وفيها ممرٌّ مكشوف، لأننا لا يمكن أن نتصوّر أن البئر كانت داخل المساكن. حجارة البناء كانت كبيرة الحجم، مزوّاة، وذات صَنَعة أقربُ إلى أن تكون متقنةً، وهي مقطوعة، على ما يبدو، من المكان نفسه، لأنَّنا لا نزال نرى في الركن المجاور، وعلى بعد مائة متر من القصر آثارَ المقلع بهيئته الأصلية القديمة. ونوع حجارةِ المقلع أبيض ملكي، كما يسمّى، وهو، على صلابته ينشرح بسهولة. ويقوم مكانُ المقلع اعلى من أصل القصر، مما يعني أن نقل الحجارة كان يتم بسهولة كبيرة، واختيار مثل هذه الوضعية للمقلع أمرٌ مألوف جدًّا في كلّ أنحاء سوريا القديمة[286]، وحتى إنّ من شروط اختيار موقع البناء تَوفُّر جميع العناصر اللازمة للبناء، وهو ما نلاحظه في كثير من المواقع التي قامت عند أقدام صفائح الصخور الطبقية. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن تهديمًا قد لحق بالقصر من أخذ حجارة منه لتشاد بها أبنية[287] أخرى.

منذ أمدٍ قريب، نُقبت قبورٌ داخل القصر، لصقَ الحائط الشمالي، وقد تمّ ذلك ليلاً. وللأسف، لم نتمكّن من معاينة القبر قبل إتلافه، لكننا شاهدنا غطاءً سالمًا لمدفن وأجزاء من عظام مفتَّتة. (الغطاء حجرٌ واحد (200×90) بحوافٍ مشطوبة (مائلة)). في التراب الذي كان يغطي اللحد، وقد وقعنا على قطع من القرميد الأحمر الباهت. فهل يجدر بنا أن نظنّ بأن هذا المدفن كان مسقوفًا، في الأصل، بالقرميد؟ ولا سيّما وأنّ:

«I posti piu ambiti di un’aera cimiteriole»

«furono quelli situati presso il recinto che spesso era munito di una tettoia» (protectum teglata)[288].

وهل هذه المدافن تعود إلى العصر البيزنطي أو إلى ما قبله؟ الإجابة ليست بسهلة نظرًا إلى الحالة الرثّة التي بلغت إليها.

«Le spoglie del matire come quelle di tutti i defunti, vengono deposte in una semplice tomba, ma ben presto si contorna di sepolcri e diventa centro di un santuario, intorno al quale si raccoglie talvotta una popolazione stabile.»[289].

إنّ ما جاء على لسان الكاتب، في ما يخص الشهداء، هنا، يجد تبريرًا له في ما يأتي. فالقائد الشهير جُرح في الكورة، ثم دفن في شويتا. والحدث ينقله البطريرك الدويهي: «جُرِحَ مريق في المعركة، في الكورة (أميون) فحمله جنوده إلى قرية شويتا في عكار حيث مات. ويعيّدون له في الكنيسة المبنيّة على اسمه»[290]. ولما طفقوا يكرّمون مرقده، أخذوا يحتفلون بتذكار موته.

فهل هذه القبور كانت تضم جثامين من رغب في أن يدفن إلى جانب الشهيد؟ تلك القبور كانت محشورةً في مصطبةٍ على طول الحائط عند أصله، فكأنها بطانةٌ له، فهو عريضٌ جدًّا في هذا المكان، فصارت المصطبة والحائط جسمًا واحدًا، ونحن قد عاينّا ذلك مرارًا. أمر آخر يلاحظ، هو أنّ هذا الغطاء من النوع المستعمل في «sepulcrum sub divo… un monolito a foggia di coperchio di sacrofago con duplice spiovente".

وصف تيستيني، هذا، ينطبق على الغطاء المذكور. وفي هذه لحال، فإنّ مدافن كثيرة تعود إلى الحقبة المسيحية الأولى في هذه البلاد. إذًا، كيف نفسّر ما جاء على لسان الدويهي؟ والتقليد الشعبي، هنا، يسمّي المكان «قصر مريق». لكن الجنرال كان اسمه مرسيان = موريقيان، وليس مارك = مريق = موريق، والذي دُفن في أميون. وليس في هذا «القصر» أيُّ أثر لكنيسة. فهل نحن هنا، أمام دير سرياني، سابق الوجود للفترة التي نتكلّم عليها، مع أبراجه المعهودة في مثل تلك الأديرة؟[291]. كما أنّ العزلةَ في هذا المكان لها دلالتُها. فطائفة الملكية التي كانت مؤيِّدة للإمبراطور انتهزت وجود الدير لتدفن شهيدَها فيه ولتبنيَ فوقه هيكلاً بمعنى مذبح وليس كنيسة[292]. ومن المجازفة استعادة كلام ذينك العالمين الكبيرين، لأنّه، بالرغم من ذلك، يبقى اللغزُ مغلقًا!.

سؤال صغير آخر: من كان أولئك المسيحيون الذين كرّموا ذلك البيزنطي؟ هل هم اليعاقبة؟ لا، بالتأكيد! والنصوصُ صريحة، إذ تقول الملكية؛ واليعاقبة لم يكونوا كذلك؛ بل كانوا يقودون جبهةً متطرِّفة، معادية لبيزنطية[293].

وهل كانوا يونانيين؟ لقد سبق أن قلنا إنّ اليونانيين والموارنة لم يكونوا موجودين قبل القرن الثامن. وجميع الأروام الأرثوذوكسيين كانوا ملكانيين. فحادثة سنة 694، كانت أحدَ المنطلقات لانقسامات المسيحيين إلى شيع حصلت فيما بعد[294].

 

ب- قصر كليب

على بعد ثلاثمئة متر، قبالة الأثر البيزنطي الذي تكلمنا عليه أعلاه، وباتجاه جنوب-شرق، يرتفع نتوءٌ وسط بقعة رائعة، مستديرة الحوافي، عاليتها. الانطباع غريب: كأن الربوة تنبثق من فوهة حفرة واسعة، أو كأنها مزروعة وسط صفيحة عريضة. فهذا الخندق الطبيعي الذي يحيط بالقصر يبدو كأنه محفور ليفصل بينه وبين بقيّة الهضبة. من المحتمل أن يكون الموقع قد أحيط، قديمًا، بخندق اصطناعي. فالأمطار الشتوية، هنا، تجد لسيولها مجمّعًا تنساب فيه، عند أقدام البرج الجنوبي الغربي لقصر مريق، بمحاذاة الطريق.

ومن جهة الشرق، تتصل هذه التلة بباقي الهضبة، بما يشبه البرزخ، فيشكّل المعبر الوحيد إلى رأسها. ومن وسطه يتدرّج التلّ بدوائر ضيّقة حتى أسفله، وخرائب كثيرة مبعثرة الحجارة، تنتشر على درجاته مما يجعل معرفة طبائعها مستحيلة. وكسر الفخّار المنتشرة في كلّ مكان تشير إلى أن التلّ كان مأهولاً منذ القدم. وقيل لنا إنّ حجرًا عليه نقوش كان موجودًا. فتّشنا عنه، لكن من غير طائل. وكذلك تفيد التقاليد أن حصنًا كان موجودًا أيضًا هو قصر كليب، ولا يزال التلّ معروفًا بهذا الاسم. هنا يجدر بنا أن نذكر أنّ الأيطوريين، أسياد خلقيس (عنجر)، كانوا يمدّون نفوذهم حتى ساحل فينيقيا، بما فيه طرابلس، أقلّه حتى عهد دومسيان (أواخر القرن الأول الميلادي). فهل يمكن وجود موقع جبلي كان لهم، هنا، من المواقع الجبلية الكثيرة التي كانوا ينطلقون منها ؟ لا تدلّ البقايا المبعثرة، هنا، بنوع جدّي، على أنّ حصنًا كان قائمًا في المكان. وإنّ بعض الذين اهتموا بدراسة موقع شويتا، قالوا إنّ الموقع يعود إلى منتصف القرن الحادي عشر، ويختص بأمير لإحدى قبيلتين عربيتين، من كلب (أو كلاب)، أم من المرداسية (أو التغلبيّة). كلا الرأيين ممكن. لكنّنا نعتقد أنه من الجائز أن يكون لأحد مقدّمي «طائفة الكلبية النصيرية»[295] الذين، على ما يقول كمال الصليبي، كانوا يشكّلون أغلبية سكانية في قضائي عكار والضنية[296]. يقول ابو الفدا «كان


قصر مريق – من جنوب غرب

 

 

قصر كُليب – من شمال غرب

 

 

شويتا – مقلع حجارة


سكان عكار وجوار عرقة، في أغلبيتهم، ينتمون إلى شيعة مسلمة يقال لهم «قومي»، ولهم صلة وطيدة بالباطنية، وهم على ما أعتقد، طائفة النصيرية»[297]. أما الأب لامنس الذي ينقل عن الرحالة جاك دي فيتري الذي زار هذه البلاد في منتصف القرن الثالث عشر، فيؤكّد على وجود هؤلاء «ابتداءً من ناحية عكار نزولاً إلى وسط البلاد»[298].

على كل حال، فالبقايا الأثرية لا تفيدنا بشيء، وكذلك مصادر المعلومات، ويبقى باب البحث مشرّعًا.

 

 

2- القديسان جرجس ودانيال

أ- الموقع

مجموعة المعابد العائدة إلى القديسَين جرجس ودانيال تبعد مسافة كيلومترين غربي القصرين، وتتألّف من كنيستين تحتضنهما نهدتان من الأرض، وتستظلان فَيءَ السنديان الغضّ. ويتسنّم الموقعُ ملتقى منحدرين يتدرّجان بالجلول المزروعة، حتى مجرى الواديين. فالمنحدر الجنوبي المطلّ على وادٍ متسع قليلاً، يبتدئ بانحداره على بعد بضع مئات من الأمتار شرقي التلة، ويتعمّق نزولاً في اتجاه الغرب. أما المنحدر الشمالي فيتدرّج بالجلول التي تكاد تكون منتظمة، وعلى مسافة ممتدّة، قبل أن ينفرج، بشكل مروحة، على فجّة وادي «شمعة» التي تصل بين القبيات وسهل حلبا عبر وهدة تتوسَّط خطّين من القمم.

من على إحدى النهدين، الغربية بالتحديد، ينفسح على النظر أفقٌ عريض. ومن على الأخرى، الشمالية، ترى على منحدرات التلال، بخط مباشر، بقايا حصن طيبو وقرية المجدل. وإذا كان الانقشاع جيِّدًا، نرى حصنَ الفاليسيوم بالعين المجرّدة؛ أما في البعيد، فترتسم، أمام الناظر، كنقطة بيضاء، قلعةُ صافيتا. وفي الجنوب يمكن للنظر أن يستشفّ ركنًا جبليًّا زهريًّا، هو قصر عكّار، بينما، في الشمال-الشرقي، ترتسم، بوضوح، كتلة «حصن الفرسان» على صفحة الاخضرار القاتم لجبال النصيرية.

الموقع قديم، من غير شك. وقد عبرت فيه حضارات متعاقبة؛ فلا تزال، على أرضه، تختلط كِسَرُ أخزاف من حضارات مختلفة. ومن خلال تفحّصنا لطين ذلك الخزف، ولطريقة شَيِّه، نقعُ على نماذج من الحقبة اليونانية الرومانية، أي التقليدية، وعلى أخرى من العصور الوسطى، لا سيّما منها الحقبة الإفرنجية.

 

ب- الخزف القروسطي

في افتقادنا لنماذج خزفية سليمة، وفي حال التفتّت لما لقيناه من القطع الخزفية المبدّدة على وجه الأرض، فإنّ دراسةً رصينة لخزف الموقع تبدو مستحيلةً. ومع ذلك، ففي الموقع كسرٌ خزفية كثيرة من «الخزف المزجّج» تدل على أن هذا النوع كان دارجًا[299]. ومن خلال اختيارنا وتمحيصنا السريع لعدد من قطع الخزف التي التقطناها في المكان، تبيّن لنا نوعان من الخزف، إنطلاقًا من أسلوب تزيينه:

الأول يعتمد الرسومَ الهندسية من شرائط عريضة وخطوط متموّجة. والعجينة حمراء، والجبلة رملية ناعمة، تخالطها نثارة بيضاء، وهي مشويّة جيّدًا. طلاؤه، من الداخل، أبيض، وأحيانًا، أسمر، وأحيانًا يميل إلى اللون الزهري. أمّا تزجيجه الداخلي فحشيشي اللون. ويتميز بصفتين: السماكة ثمّ قلّة المبالاة بزخرفته.

النوع الثاني مزيّنٌ، أيضًا، برسوم هندسيّة لكنّها تأخذ شكل دوائر متراكزة، وشكل لوالب وقلائد. وكِسرُ هذا النوع تدلّ على أنه صُنع من عجينة رملية ناعمة فيها نثارة صفراء وبيضاء وسوداء. وهي مشويةٌ جيّدًا، ويتراوح لونها بين الأغبر والأحمر الفاتح والقرميدي. ويسود في هذا التزيين شكلان يتردّدان بنوع مُلفت: الأول كناية عن قلادة مخطَّطة أفقيًا، يقطعها شكلُ رقم سبعة (7) ثلاث مرات متراكبة. والشكل الثاني كناية عن دوائر مقطّعة بخطوط متوازية، لكن بيضويّة تقريبًا، ومتداخلة اثنتين في اثنتين. والزوايا الخارجية، المقارنة للدائرة، مخطَّطة بحزوز متماوجة متراكبة.

إلى أيِّ زمن من العصر الوسيط تعود هذه الأخزاف؟ إلى حوالي القرن الثالث عشر، يجيب الدكتور حسّان سركيس[300].

اعتماد الموقع مركزًا سكنيًا يعود، من غير شك، إلى زمن مُغرق في القدم. فهل كان مركز عبادة وثنية؟ أم كان مجرد موقع استثمار ريفي؟ نحن نميل إلى اعتناق الرأي الثاني، وذلك لسببين: الأول هو أننا لم نقع على أيِّ أثرٍ لهيكل وثني، أو لما يختصّ بعبادة وثنية؛ كما لم تذكر التقاليد المحلّية أيَّ شيء من هذا القبيل؛ بل إنّ كلّ ما تبقّى من مخلّفات أثريّة تعود إلى الحقبة المسيحية الأولى. والثاني، هو أنّه يتوفّر، هنا، الكثيرُ من الوسائل التي كانت تستخدم في أعمال الزراعة.

 

ج- منشآت زراعية

كانت شويتا منطقة زراعية هامّة. فإلى جانب كنيسة القديسين جرجس ودانيال، كانت تقوم منشأةٌ صناعيّة عامرة. ونظن أنّ هذه الهضبة كانت مأهولةً بكثافة، وكانت من النوع الذي يسمّيه جورج تشالنكو، «قريةً سورية قديمة»؛ واليوم، حتى، لا يزال بالإمكان إعادةُ ترسيم القرية؛ فتجمّعات المنازل (الأحياء) كانت تنتشر على مدرّجات التلة، ابتداءً من موقع الكنيسة وحتى أسفلها في جهة الجنوب؛ وتتدرّج، كذلك، صعودًا باتجاه الشمال؛ وقد لقينا عددًا من تيجان الأعمدة المطروحة على الأرض، هنا، حملنا بعضها إلى باحات مدرسة الآباء الكرمليين حيث لا تزال معروضة، مع غيرها، في حدائق المؤسّسة. أما المؤسّسة الصناعية الكبيرة التي أشرنا إليها، والموجودة إلى جوار الكنيسة، فهي من غير شكّ، كانت معصرة زيت واسعة، مرتّبة، بالإضافة إلى معصرة عنب.

 

ج/1: معصرة العنب

على بعد مئة متر من الكنيسة، تقريبًا، يتكوّن النتوء الشرقي من مسطَّحٍ صخريّ فسيح، يمتدّ من الشرق إلى الغرب بانحدار لطيف نحو المنفرج حيث يقوم موقع الكنائس. وأجزاءُ المعصرة محفورةٌ، بشكلٍ متدرّج، في الصخرة نفسها. ونستطيع أن نتميّز مكان المعصرة في أعلى الصخرة، وهو كناية عن حوض منقور، له، إلى جهة الشرق، حافّةٌ صخرية، وللرافدة الخشبية نقرة في مسند الصخرة، في جهة الشمال، ليدخل طرفها في النقرة. ودولاب العصر يدور على محوره كأنه دولاب عربة. والحبوب المعصورة يتلقّاها، مع العصارة، حوضٌ واسع، غيرُ عميق، ومنه ينسرب إلى آخر واسعُ الفوهة. هكذا، من حوض إلى حوض يُعادُ العنب المسحوق والمعصور، بمساحق أخرى لا يزال عدد منها موجودًا في المكان، ثم يرقّد ويصفّى في أحواض أخرى محفورة في الصخرة نفسها بالقرب من المعصرة[301].

 

ج/2: معصرة الزيت

صفحة الصخرة التي تقوم عليها معصرة العنب تتمدّد مسافة باتجاه الغرب، وقد غَطَّتها السيول بالرواسب والأتربة. وكما درجت العادة، كشف نقّاب الليل، مخدوعين بالنقرة الموجودة في طرف المرصّة (المكبس الأسطواني)، والتي على شكل صليب، عن معصرةِ زيتون قائمة بكاملها تحت التراب. وعند حافة الصفحة، إلى جهة الغرب لا يزال جزءٌ من دولاب المعصرة ظاهرًا في مكانه من معجن العصير. أما بقيّة أجزاء الهرّاس فلا تزال مطمورةً؛ لكن الحوض، ذا الصوص، والذي يحمل خوصات عجينة الزيتون المعدّة للكبس لا يزال قائمًا على الحافة الشمالية للمكان.

والهضبة تفتقد اليوم إلى اشجار الزيتون، إلا قليلاً، لكن هذه الزراعة كانت مزدهرة قديمًا، على جنبات الهضبة، لا سيّما وأنّ حقلاً هناك لا يزال يحمل اسم «عريض الزيتون».

 

ج/3: الماء

هو نادر في شويتا؛ ولا وجود لمياه الريّ الغزيرة. وجنوبَ الهضبة، وفي عمق الوادي، عين ماء صغيرة، تتحوّل في الصيف إلى نزّ لا يكاد يبُلّ غلّة. «عين شويتا» الموجودة على المقلب الشمالي للتلّة، كانت ذات قبوة، لكنّها جرفت مؤخّرًا. هذا الوضع يفسّر كثرة الآبار المحفورة هنا. عَددنا سبعًا منها حول معصرة الزيتون فقط. وعلى الصخور تصفيح ومسايل تسهّل جري ماء المطر إلى الآبار.

 

د- أبنية قديمة

بين نهدتين صخريَّتَين، تمتد مساحة مستطيلة من الشرق إلى الغرب (30م × 100م). وقد صارت اليوم حقلاً. وفي الواقع، هي صفيحة صخرية صمّاء، غمرتها، مع الزمن، الأتربة المجروفة لتحوّلها إلى أرض مزروعة، تتخلّلها، فعلاً، نواتئ صخريّة، وأيضًا، أكثر من بئر تفتح فمها في هذا الحقل. الجانبان الشمالي والجنوبي يمتدّان بانحدار سريع. أما الجنوبي فينفتح، في أعلاه، على الباحة الظليلة التي تحتلّها الكنيسة. وإلى الجانب الجنوبي للباحة، وبانخفاض مترين، ينفسح شريطٌ من الأرض لا يزال يحمل بقايا ابنية. هذه الأبنية كناية عن غرف مستطيلة مهدّمة، وتتراصف من الشرق إلى الغرب، مديرةً ظهرها إلى الباحة، وتنفتح أبوابها على ممرّ مشترك. كنّا قد لاحظنا مثل هذه الغرف إلى جانب الكنائس في أماكن أخرى، مثل إدّه - البترون، وهي كانت مخصّصة إمّا لتعليم أبناء القرية، وإمّا لسكن رجال الدين، وإما لتخزين الغلال.

وبقايا الجدران، المغطّاة بالركام، قد تأسّست على حجارة كبيرة، لكنّها بتقصيب متقن ومنتظم. ويبدو إنشاء هذه الجدران أقدمَ من إنشاء الكنيسة المجاورة، وقد بنيت بأسلوب مختلف من حيث الحجم والشكل، ومن حيث المواد المستعملة. وتحوم حول هذا المقام حكايات شعبيّة متعدّدة جعلت من ماضيه أسطورة. نأخذ إحداها التي قد تشكّل لنا طرفًا من حقيقة، وهي أنّه يوجد تحت الكنيسة مقبرة. وأحد القرويين من الذين شاركوا في تنقيب ليلي دلّنا على المدخل الذي يقود إلى المقبرة. هذا الشاهد، نفسه، يقول بأن المدخل يجب أن ينقّب عنه قرب كعب السنديانة المقابلة لمصلّى القديس جرجس من جهة الغرب[302]. وشرقي الحنية، نقب باحثون آخرون عن الكنوز فكانّ ما أخرجوه من تراب الحفرة أنقاضًا سوداء مخلوطة بالفخار المكسّر، وبحجارة للبناء، مما يدلّ على أنّ الأرض مردومة.

 

ﻫ - المدافن

مدافن القرية محفورة شمال الباحة، على بعد ثلاثين مترًا من الكنيسة، ويبدو أنها كانت كثيرة، لكن أكثرها مغطىً، الآن، بالمجروفات.

 

و- القبر البيضاوي

أحد المدافن، وقد فُتِّشَ منذ أزمان، بدا، من الخارج، ذا شكل متميّز، ظننّا معه، لأول نظرة، أنه ينبوع قديم غائر؛ فكشفنا ما علاه من أشواك وركام. فلم يكن سوى قبر على غير طراز: إنه بيضاوي الشكل، له مدخل قصير وعريض يفضي إلى ما يشبه مصطبة سوّتها يد الإنسان في الحافة الصخرية، وفي وسطها تجويف نصف كروي مفتوح إلى الخارج. وفتحة الباب، هذه، مستطيلةُ الشكل (60×80 سم) أعلى من رأس المنحدر بعشرين سنتمترًا، مُتوَّجة بجبهة على النمط اليوناني (مثلّثة)، غير معمّدة. من الخارج، يأخذ القبر شكل "Loculum cum centina acuata"، أما في الداخل فله، على التمام، صورةُ بيضة عملاقة جالسة على رأسها الأضيق. وحسب تيستيني «il sepolcro ad arcosoglio» أو بالأحرى، «il loculo con centina arcuata» من اصل شرقي. وتستيني هذا، قد درس قبورًا مماثلة في مقبرة دياميس القديس بانكراسيوس في روما، التي تعود إلى القرن الثالث الميلادي. «In un cubicolo del terzo secolo detto di Botrys da una iscrizione greca, si notano caratteristici loculi con centinatura superiore a forma di arcosolio»[303]. ما عدا اﻟ arcosolio، لم نقع، في هذه البلاد، على شبيه لهذا القبر البيضاوي الذي في شويتا. لكن، من المؤكّد أننا إذا أخذنا موضوع البيضة، كرمز شائع، فإن هذا القبر هو النموذج الأمثل للمدفن المسيحي.

 

ز- الكنيسة

هي مكوّنة من معبدين متلاصقين؛  ومع كونهما متساويين، فالواحد متأخر عن الثاني؛ والمعبد الجنوبي، الأكبر نسبيًّا، يتقدّم بأشواط على الشمال.

والمعبدان يقومان على ذات المخطَّط، وهذا المخطَّط يحوي صحنًا واحدًا تغطّيه قبّة على شكل مهدٍ مشطوب، ينتهي بقوس له حنية واحدة على شكل نصف دائرة تغطّيها قبّة نصفيّة. وهناك نتوءان يربطان الصحن بالحنية.

والمعبدان موجَّهان بالاتجاه القياسي (أي الى الشرق). والتراجع في ما بينهما يترك مكانًا فسيحًا إما بين الحنيتين، أي حنية الكنيسة الجنوبية التي ليس لها إلاَّ ما يقرب من مترين بالنسبة إلى الواجهة القريبة للكنيسة الشمالية، أو بين بناءي الكنيستين عينهما.

ومن الجانب الغربي للمعبد الشمالي وعلى جانب المعبد الجنوبي ينبسط ما يمكن أن نسمّيه ساحةً فسيحة.

 

ز/1: المعبد الشمالي : مار دانيال

تصل الأبعاد الداخلية لهذا المعبد إلى (5.50 سم × 4.50 سم)، من دون أن يُحسب عمق الحنية التي يبلغ شعاعها إلى 2.20 مترًا.

أمّا أرض الحنية الحالي، فهو قليل الارتفاع عن مستوى الصحن. وقد رُمِّمَ داخل الكنيسة منذ وقت قليل. فعندما نُزع المِلاط ظهر جدار الحجر. وترتيبه ليس ناعمًا، بل يبدو أحيانًا من دون شكل كما تظهر عليه آثار حريق قديم. أو يكون حريق سنة 1271، نتيجة اجتياح جيوش السلطان بيبرس ؟

يبدو أنّ الداخل لم يُمَسّ قط. على الأكثر، كان يُعادَ، من وقت لآخر، الطلاء الأزرق الباهت، الذي كنا نشاهده قبل ترميم الكنيسة. أمّا الواجهة القريبة، المنهار جزء منها، فقد رُمِّمت منذ وقت غير بعيد، - يا له هولاً – ببلاطات أغطية المدافن المنقوبة في قصر مريق في شويتا. والداخل لم يكن ينيره إلاَّ الباب، وقد وُسِّع اليوم، وتعلوه فتحة صغيرة مستطيلة.

أمّا الحنية فهي، اليوم، مظلمة وكان يجب أن تحمل الفتحة التقليدية التي كانت تزيّن، كما هو معروف، الكنائس المارونية. وهذه الفتحة، البسيطة في تقنيّتها، تدلّ على الشرق، منبع النور، كانت تفيد في التهوئة أكثر منها في إنارة هذا الجزء الخبيء من الكنيسة.

كنيسة القديس جرجس - واجهة

 

مار جرجس – حنية ضمن حائط

 مار دانيال – حنية نافرة

 

 

في الجدران كوى كانت توضعُ فيها فوانيس الزيت والكتب البيعيّة. وسماكة الجدران معتدلة، علمًا بأنها كانت معدّةً لتحمل القوسَ السريرية المنكسرة والمفروشَ سطحُها بالتراب المرصوص. أما الحنية الناتئة فلا تحمل أيّة زخارف من الخارج. وزخرفُها الوحيد من الداخل هو ذلك النتوء المشطوب المرصوف على مدارها بمستوى ابتداء تقوُّسها. وطين الجدران القديم كان يحمل رسومًا على ما بدا عليه قبل أن يكشط. وفي الخارج، تبدو حجارة الجدران عاديّة إلاّ في المكان الذي جُدّدت فيه. في السابق، كان النزول إلى قلب المصلّى يتمّ على ثلاث درجات موقّتة، ومن حجر غير منتظم؛ أمّا في الفترة الأخيرة (آذار-نيسان 1985) فصار حفرٌ للأرض التي تلي الواجهة الغربية، فصار الدخول إلى المصلّى أسهل؛ وكذلك كشفت الردميات المرفوعة عن شيئين جديدين، الأول هو أساسات بناء تتجاوز بطولها حدودَ واجهة المصلّى وكذلك حدودَ الحائط الشمالي للمصلّى الجنوبي. والثاني وجود عدد من القبور التي كانت معروفة في كونتية طرابلس حيث الجثمان يُمدَّد على التراب، ويحيط به مستطيلٌ من الحجارة، وعلى الحجارة ترصَفُ صفائح تغطّي الجثمان. فهل تعود هذه القبور إلى الحقبة الإفرنجية أم إلى فترة الحرب العالمية الأولى (1914-1918)؟ على ما يشهد المسنّون فإن الهوا الأصفر (الكوليرا) اجتاحت البلدة فمات الكثيرون، وتفاديًا للعدوى كانوا يأخذون الموتى خارج الأماكن الآهلة لتُدفَن بعيدًا.

ز/2: المصلّى الجنوبي – مار جرجس

أبعاده كأبعاد الشمالي تمامًا، وهو يتمدَّد إلى الأمام، مسافة صوب الغرب؛ وهذا الوضع يجعل الحائط المشترك قصيرًا، بحيث يبدأ عند نقطة انطلاق قوس الحنية الأمامي. وليس المصلّى مستطيلاً بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هو، بالأحرى، على شكل مربع منحرف قاعدته الصغرى تشكّل واجهتَه الغربية التي أعيد بناؤها منذ فترة. وحائطه الجنوبي يفيدنا بأن بناءه قد أعيد بناؤه ثلاث دفعات. أسفله، أي قاعدة الحائط، وهو الأقدم، يتراوح ارتفاعه بين مدماك أو مدماكين. الدفعة الثانية انزاح بناؤها بوضوح صوب الداخل. أما التكملة الثالثة فتصل حتى السطح، وهي الأحدث. كيف نفسّر أن هذا الحائط الجانبي من المصلّى قد بُني على ثلاث دفعات، وبمداميك متباينة، وبملاصقة قنطرة قديمة البناء جدًّا ؟ ليس الأمر غريبًا. لأنّ سقوطَ واجهة الحائط الخارجية لا يستدعي أبدًا انهيار القبّة. والدليل على ذلك قلعةُ طيبو التي سقطت جدرانها الداخلية ولا يزال هيكلُها واقفًا[304]. هذا الحائط الذي أعيد بناؤه، وبشكل سيّئ، عاد وانهار، ليعادَ بناؤه من جديد، وعلاماتُ إعادة البناء ظاهرة بوضوح. ولا نستغرب الأمر لأنّ الزلازل، المعروفة في هذه المنطقة، لم توفّر هذا المكان.

صحن الكنيسة موصول بالخورس بمجرّد نتوء بسيط. والمسافة بين متن قوس النصر وسقف قبّة الحنية واسعة. وقبّة الحنية موطّأة بشكل مدهش حتى ولكأنها نصف بيضة قصعاء.

الطنف الحجري المشطوب مصنوع بشكل فجّ مما يجعله يبدو، على الأرجح، وكأنه أعدّ ليُغَطَّى بالجصّ، وهو ظاهر عند بداية نهوض قوس الحنية، أي على ارتفاع متر عن الأرض تقريبًا؛ وهذا أمر يختلف عمّا هو معهود في كنائس الناحية بحيث يعلو إلى متر ونصف؛ لكن يمكن تفسير ذلك بأن الأرضيّة الأصليّة قد ردمت حتى صار الأمر على هذه الحال.

وعلى الحائط الداخلي للحنية، أُلصق ركنٌ على مسافة بضعة سنتمترات من الطنف وهو مكون من حجارة مختلفة الأحجام، مغموسة بطين عادي. وخلال أشغال أجريت مؤخرً داخل الكنيسة (آذار 1985) أزيل هذا الركن-المذبح المؤقّت فظهر تحته مدفن لاصق بحائط الحنية هو، على الأرجح، قبر لأحد الكهنة، وهذه عادة معروفة لدى الموارنة منذ زمن بعيد[305].

إزالة الركن عن حائط الحنية كشفت، أيضًا، عن عريه، فبدت الحجارة في هذا المكان منحوتةً بدقّة كبيرة مما يتناقض مع بقية الجدران في المصلّى. ويبدو أنه لا يزال عميقًا في الأرض، مما يدلّ على أن الأرضية الأصلية قد طمرت. وفي الردم المرفوع من الركن- المذبح الذي أزيل، ظهر «تبليطُ» مذبح قديم، هو كناية عن صفيحة حجرية مستطيلة (100×80 سم)، محفورةٌ عند أطرافها الأربعة بحفائر مربعة، وفي وسطها نقرة تتَّسع للذخيرة المقدّسة حسبما كانت عليه العادة قديمًا. وحول هذه النقيرة حُفرت أربعة صلبان مصوبعة[306] تشكّل مربعًا يحيط بها بالإضافة إلى صليب خامس يتحوّطها. والثقوب الأربعة عند الأطراف معدّةٌ ليحتضن كلٌّ منها عمودًا صغيرًا، فتحمل الأعمدةُ الأربعة بيتَ القربان، وهو مظلَّة معهودة على المذابح المارونية، ولها منظرها الجميل[307].

وفوق المذبح، في حائط الحنية الشرقي، كانت الطاقة المعهودة؛ لكنها اليوم، مسطومة بعد أن كانت نافذة. ويتلقّى صحنُ الكنيسة إضاءته من باب المدخل ومن بعض فتحات الجدران. وكان باب المدخل ضيّقًا ومنخفضًا، وكان فوقه نافذة صغيرة مستطيلة. لكن بما أن الواجهة قد أعيد بناؤها فإنّ الباب قد وسّع. وفي كل من الجدراين كوّةٌ للإنارة والتهوئة تقع عند طرف الحنية. والكوّة الجنوبية على علو متر ونصف من مستوى الأرض، وهي على شكل مقاتلة حقيقية. أما الثانية التي في الحائط الشمالي، وعلى مستوى الأرض، فتشكّل وجهةُ استعمالها لغزًا؛ فهي ليست نافذة، ولا كوّة، ولا مقاتلة. ما كانت وجهة استعمالها ؟ من المحتمل أن تكون بابًا جانبيًا يُفضي إلى الباحة التي أمام المصلى الشمالي، ومنها درجٌ في قلب الحائط المشترك، مقفلٌ الآن، كان يتّجه شرقًا. وساكف هذا الباب حجر بازلتي محفور عليه صليب مصوبع جميل.

 

 

ثانيًا: غزراتا

لا نجد هذا الاسم على الخريطة اللبنانية، لأنّ إسم القرية الحالي هو «المراحات»[308]. وفي الموقع، وعلى الخريطة، صليبٌ صغير كعلامة على وجود كنيسة. إنها سيدة غزراتا. تقع كنيسة السيدة في منتصف الطريق، تقريبًا، بين قصري شويتا وقلعة عكار العتيقة. والمسافة الفاصلة بين المواقع الثلاثة تكاد تكون أربعة كيلومترات، سيرًا على الأقدام.

 

1- الموقع

تقوم غزراتا على الممرّ الإجباري بين القبيات وعكار العتيقة. فالجدارُ الجبلي الفاصل بين البلدتين، يحني فجأةً خط قممه ليكوّن نهدةً سهلة العبور. فيركب الموقعُ متنَ جرف يمتد باتجاه شمال- غرب بين واديين.

في هذا الوادي يجري نهرُ السِنّ الذي يجمع المياه المتحدِّرة من أعالي جبال القموعة ليرفدها، في مجراه، مع مياه الينابيع المتدفّقة من عكار العتيقة. في الأعلى، يتوسّع الوادي عريضًا، عميقًا، فاتنًا أخّاذًا. ثم يَضيق ويعمُق عند التقائه بنهر القبيات ونهر الأسطوان، في أسفل قلعة طيبو شمالاً. وهذا الوادي المعروف باسم وادي عكار العتيقة، والذي لا يتّسع كثيرًا، لعب في تاريخه دورًا مجيدًا. ولا تتأتّى شهرته من حصنه الذائع الصيت الذي يعود إلى القرون الوسطى، بل أبعد من ذلك بكثير! والهيكل القديم المخصّص لعبادة الشمس فيه، والذي لا يزال موقعه غيرَ مُحقَّق، شهدَ المناغاة الأولى لأباطرة روما السوريين؛ فولادة الأباطرة السيفيريين لم تكن في عرقا كما ساد الاعتقاد طويلاً، بل، وعلى ما ترى طائفة من المؤرّخين، كان في هيكل الشمس في عكار العتيقة. وإنّ معبر مار سمعان في «دورة عكار»، وعلى الشرفة الأخيرة قبل أن ينتهي إلى نزلة الوادي، كان لا يزال يحتفظ، وحتى الأمس القريب، بجزءٍ من الطريق الروماني الذي كان يربط، طبعًا، عرقا وحمص مرورًا بعكار العتيقة والقبيات.

وغزراتا هذه، المطمئنّة فوق جرفها، تطل على عمق الوادي، غربًا عند قرية السنّ، بينما تمتد حقولًها التي كانت مزدهرة، قديمًا، بكروم الزيتون، إلى الشمال الشرقي حيث شرفاتُ وادي «المحلاّت» العميق. ونسجّل هنا، على الهامش، وجودَ الكثير من مكابس الزيت موزّعة، هنا وهناك، حول الكنيسة.

 

2- المقبرة

إذا كان الإيمان بالألوهة يشكّل الحلقة الوثيقة للتماثل بين البشر في كل آن، فإنّ هذا التماثل يشكّل، بالتالي، الثابتة الدائمة في الإيمان الراسخ بخلود النفس البشرية أي «الجزء الساقط من الألوهة». لذلك كان الإنسان دائم التوق إلى العودة إلى حياة ثانية، فيسمو ويتّحد بالأعلى. وهذا التوق الفطري عند الإنسان، حمله على الاهتمام بمسكن الآلهة. هذا الاهتمام واضح، بشكل خاص، في «حيّز الموت» في غزراتا، فالقبور موزعة أينما كان في كل المواقع القديمة في الناحية. والبعض يسمّيها نواويس، والبعض الآخر يسمّيها قبور اليهود. لكن الوجود الكثيف للقبور، سواء أكانت مغاور مدفنية أم لحودًا، وفي مكان واحد، فكأنه مدينة أموات؛ فذلك أمرٌ ليس له مثيل في هذه البلاد. حيّز الموت، هذا، يغطّي بطحةً صخرية على خاصرة التلة تستطيل في خمسمئة متر طولاً وثلاثمئة متر عرضًا، وتحدّها الغابة في الأعلى، وتمتدّ الحقول الزراعية إلى غربها. مدينة الموت، هذه، ليست على نظام محدّد، فاللحود الفرديّة والمقابر الجماعيّة تتوزّع بحسب تنوّع الصخور وبحسب ما يتّفق مع ظروف كل شخص.

 

أ- اللحود الفردية

هذه اللحود المكشوفة يتجاوز عددها، إلى الآن، المئة. وغيرها كثير يمكن أن نخمّن وجوده بين الأجمام والأشواك وتحت التراب الطامي. فتلك اللحود، ليست على ترتيب معيَّن، إذ تصطفّ أحيانًا على كتف الصخرة، وأحيانًا تكون محفورةً في منزلقها كيفما اتفق. وقد يشدّ نظرك قبرٌ منعزل، فكأنه يَنشد الدعة في وحدته. تلك القبور تلتزم نموذجًا واحدًا، هو النموذج المعروف ﺑ «sepulcrum sub divo» (قبر في رعاية الله). وغطاؤه مكوّن من صفيحة بسماكة سبعين سنتمرًا، مصنوعةٍ على أسلوب الحفر والتنزيل، أي إنّ جزءًا من سماكتها محفورٌ لينزل في أخدود بأعلى حوافي الصندوق الحجري المستطيل، والجزء الآخر من السماكة، وهو الأعلى، والذي بسماكة تزيد على عشرين سنتمترًا، يُطبق على أعلى الحوافي. وهذا اللحد الصندوقي يعلو، إجمالاً، بجزءٍ منه مقدارَ أربعين سنتمترًا عن مستوى الأرض. والأغطية المؤطّرة بشكل جيِّد لها، جميعها، سطوحٌ ملساء. ولم نجد على أيّ منها رمزًا أو كتابة تدل على ساكنه. كذلك ليس من تشابه فيما بينها، فلبعضها في جدرانه، في الداخل، نقيرات يبدو أنها معدّةٌ لتحتضن رأس الميت. وأغلبها موجّه ناحية الشرق، إلاَّ القليل فإنه يتّجه جنوب-شمال، وهذا ما قد يكون حَتَّمته طبيعةُ الصخر.

 

ب- المغاور المدفنيّة

هي أقلُّ عددًا بكثير من تلك؛ إثنتان منها كشفتهما تنقيبات تحت جنح الظلام، وتشكّلان نموذجين متميّزين إذا قابلناهما بالمدافن الموجودة في هذه البلاد. الأولى، والمحفورة في جانب ركن صخري، لها شكل ورق نبتة النفل «sepolcro a tricore» (آس السبات). وتبدو، بمجملها، على هيئة صليب مؤسلب. وبابها المستطيل محفّرٌ على الأسلوب اليوناني، ويحتويه قوس نصر فوق ممرّ مدرّج قصير يفضي إلى الداخل، وهذا الممرّ مردوم الآن. وفي الداخل، غرفة مدفنية تحتوي على ثلاث خلايا مدفنية، متساوية في حجمها، مرتبة على صورة ورق النفل، فإذا نظرنا إليه نظرةً شاملة بدا على هيئة صليب مؤسلب. وهذه الغرفة المصلّبة تقع في وسط النصف السفلي للتلّة الجنائزية، ويفصلها عن باقي اللحود فسحةٌ واسعة.

في أرض المدافن هذه خربةٌ غير واضحة المعالم، فيها حجارة أساساتها متقنة القطع. يمكن للرائي أن يتوسّم، في هذه الخربة، حَنيتين غير واضحتين، صحيحتي التوجيه، مما يوحي بأنّهما مصلّيان متلاصقان. هل هما بقايا كنيسة مزدوجة، على غرار ما هو معروف في الناحية ؟ ام أنها ضريح شهيد كما في بعض أنحاء سورية ؟ أم هو جزء من «ضريح فوق رمس» (Monumentum cum hypogeo)، وحدها التنقيبات تجيب على هذه الأسئلة.

الثانية تبعد عن الأولى مسافة، وهي في أعلى التلّة تقريبًا، ومحفورة في ركن صخري ممتدّ. الممرّ إليها، قبل بابها، يستهوي النظر. بابها واطيء يفضي عبر نزلة، إلى غرفة مربعة تقريبًا (4م × 5م). وللدخول إلى هذه الغرفة المظلمة، على المرء أن يطوي جسدَه على نفسه، لكن بعد الدخول يمكن له أن يعود فيقف مرتاحًا رغم الماء المتحلب من الصخر فيملأ حجرات الدفن، والذي قد اعتاد رعاة الناحية أن يسقوا أعنازهم منه، لكن صار، اليوم، مُنتنًا. ومع أن الطميَ قد تراكم على أرض الغرفة، فإن الرجل يقف فيها مرتاحًا. وفيها ستُّ حجرات غير متساوية حُفرت على جهاتها الثلاث. واحدةٌ من هذه الحجرات تحتوي على صفّين من اللحود، لكنّها كلّها معدّة على شكل arcosolium، يرتكز في وسطه على عميدات منحوتات ضمن إطار. وأغطية اللحود، على ما يظهر من بعض أجزاء منها مبعثرة، كانت سميكةً على الطراز اليوناني المتوسّط الصنعة. أحد تلك الأجزاء عليه كتابة بالحرف اليوناني، ولم نتمكّن من قراءته في مكانه نظرًا لحالة التلف اللاحقة به.

على يمين المدخل خرقٌ نظنّ أنه بداية ممرّ يوصل إلى مدفن آخر يبعد نحوًا من عشرة أمتار، لكن الأمر يحتاج إلى تحقّق. ولا يمكن اعتبار هذه الخرق مجرد فجوة طبيعية، لأنّ فيه، على وجه اليقين، علامات تدلّ على أنه مصنوع، مع أنه ضيّق إلى درجة أن هرًا لا يكاد يعبره. كيف حفر في الصخرة نفسها ؟ ما كانت وظيفته ؟...

جدير بالذكر هنا، وجودُ معصرة محفوظة بكامل أجزائها إلى جانب المغارة المدفنية. هناك معجنُ العصير وإلى جانبه حجيرة صغيرة محفورة في الصخرة. غريبٌ شأنها! ربما كانت موضعًا لإبريق ماء؛ وربما كانت مشكاةً لسراج إضاءة كتلك الأسرجة التي لا يزال أهل البلاد يستعملونها إلى اليوم. وهنا أحواض متدرّجة، ونقيرات للركائز، وصهاريج صارت مردومة. وعلى أرض الحقل الملاصق عدة أسطوانات حجرية...

إذا صحّت نظرتنا إلى هذه المدافن فإن عدّة حضارات قد تتالت هنا. ولا نُعدَم من وجودَ علامات من القرون الوسطى في الخربة القائمة فوق المغارة المدفنية الأولى والتي نظن أنها كانت كنيسة مزدوجة.

 

3- كنيسة سيدة غزراتا

تقع على بعد خمسمائة متر غربي المقبرة، ولا تزال خرائبها تتنسّم الحياة في ظلال السنديان العتيق، هذا الشاهد على حضارة في طريق الزوال بعد أن جارت عوامل الدهر وأسقطتها ذاكرة الإنسان.

غزراتا التي تحوّل إسمها اليوم إلى قرية «المراحات» شهدت بأسى نزوح آخرِ أهاليها المسيحيين عنها، مدفوعين بأحداث سنة 1958 المؤلمة. وأهاليها، اليوم، وهمّ مسلمون سنّة، يكنّون احترامًا كبيرًا ﻟ «مقام مريم». لكن الإهمال جعل نجمه يخبو وكفُّ التفتيت عبثت أيّما عبث بهذا المزار الكريم[309].

 

أ- التخطيط

وتتألّف كنيسة سيدة غزراتا من مصلّيين متلاصقين يكادان يكونان بالحجم نفسه. المصلّى الجنوبي، والأصغر بقليل، (6.90 × 6.85م) يتقدّم على الشمالي بنسبة كبيرة، لكن التخطيط في الإثنين واحد: صحنٌ وحيد كان مسقوفًا بقبّة سريريّة مكسورة قليلاً، وينتهي بحنية نصف كرويّة، وكلاهما، الصحن والحنية، موصولان، فيما بينهما، بنتوئين. المصليان موجّهان بشكل صحيح، لكن الفارق في موقع الحنيتين يترك بينهما مساحة واسعة؛ فمحراب (أي حنية) المصلّى الجنوبي يتقدّم كثيرًا على واجهة المصلّى الشمالي، وتلك المساحة الناتجة عن ذلك مردومة بشكل تضيع معه هيئة المحراب. وقد نجد تحت هذه الردوم بقايا الكنيسة التي هي من العصر المسيحي الأول، والتي يدلّ عليها ساكفها الرائع النقوش والذي لا يزال موجودًا هناك. بل نظن أن هذا الفارق الواسع بين المصلَّيين ناتج عن وجود بقايا الكنيسة القديمة تلك، فجاءت الكنيسة المزدوجة لتلاصق تلك البقايا[310].

 

ب- المصلّى الشمالي

أبعاده من دون الحنية، 60 و5م×3.40م. وشعاع الحنية، من الداخل، 1.50م، أرضها أعلى من أرض الصحن رغم الانهدام الذي لحق بها مؤخرًا. وفي حائطه الجنوبي قنطرة مفرّغة بطول مترين تقريبًا، لكن الردم يمنع من تحديد علو قاعدتها عن سطح الأرض، وهي اليوم مسطومة، لكننا نعتقد أنها كانت بابًا يفضي إلى الكنيسة العتيقة. وليس في الحنية كوّة، والإنارة الوحيدة لها تدخل من بابها ومن كوّة نافذة مستديرة صغيرة فوقه.

 

ب/1- البناء

عادي، وبحجارة محليّة من النوع المسمّى «ملكي» (ناصع البياض)، وقد أخذت من التلة المجاورة حيث المدافن وحيث لا تزال مقالعها بادية للعيان. وهي متوسطة الحجم ومشغولة بشكل ملائم. والحنية يحتويها مربَّعٌ فيبدو المبنى بمجمله مستطيلاً، متناسب الأبعاد (7.70م × 5.15م). مدخله الوحيد هو كناية عن باب مستطيل، ساكفه من حجر واحد، ومن غير قوائم تحمله، ويعلوه قوس «تبديد الثقل». وفوق الباب نافذة تشكّل مصدرًا للإنارة، وهي مستطيلة من الداخل، ضيقة من الخارج، على نمط المقاتلات. والقبّة غير معمّمة بل مغطّاة بالتراب المرصوص، والذي لا نزال نرى بعضًا من بقاياه عليها. والسقف غيرُ مدعّم إطلاقًا، لكنَّ الحائطين الجانبيَّين السميكَين (1.80م) يبدو أنهما كانا كافيين ليحملا ثقل التراب على السطح.

 

سيدة غزراتا – المصلّى الشمالي

 

بقايا المذبح القديم

 

 قطعة من إفريز الصليب المشطور

 

 

ب/2- الزخرفة

في الداخل غائبة، إلا عن قاعدة إنطلاق قوس الحنية، والبارزة على ارتفاع 1.40م من مستوى الأرض. وليس في ما بقي من الصحن زخرف، لكن الجدران كانت مطيّنة بطبقة من الطين الذي بقي القليل منه. ومن الخارج لا توجد زخارف هندسية، لكن الحجارة البسيطة تبدو مشغولة جيّدًا.

والجدير بالذكر، هنا، أن في الواجهة الغربيّة حجرٌ كبير (2.5م ×0.40م ×0.30م)، أعيد استعماله كزاوية ممتدَّة باتجاه الباب وعلى علو 1.50م من مستوى الأرض. يظهر أن هذا الحجر كان ساكف الكنيسة العتيقة وقد أعيد استعماله، هنا. ولا يحمل كتابة لكن عليه ثلاثة خطوط متماوجة يقطعها، في وسطها، صليب ضمن هالة بقطر 0.30م، من الصلبان التي كانت معروفة في العصور المسيحية الأولى. مثل هذا الصليب صوّرناه عن ساكف في كنيسة «تراز»، قرب «مشتى الحلو» على بعد 25 كلم شمال-شرق صافيتا، في سوريا، والتي تعود إلى سنة 245 ميلادية، كما تفيد كتابة يونانية وجدت هناك. فهل نحن، هنا أمام مركز عبادة مسيحي يعود إلى ذلك الزمن؟ 


 

ج- المصلّى الجنوبي

أبعاده تتساوى مع توأمه الشمالي، وهو يتقدّم عليه كثيرًا، لذلك فإن الحائط المشترك بينهما يبدأ قبل النتوء الحامل لأصل القبة بعدّة سنتمترات (0.45م)، وهذا النتوء بقي وحده ظاهرًا بعد انهدام البناء. صحنه الوحيد كان مسقوفًا بقوس سريريّة منكسرة قليلاً، وكان مغطّى بالتراب المدكوك، وهو ما يدلّ عليه ما تبقّى من جدران لا تزال واقفة. مساحته 5.50م × 3.40م، وهذا سمح للبنّائين بجعل بابين له، الأول غربي بعرض 0.60م يفضي إلى داخلها بواسطة درج صغير لا تزال درجاته المفكّكة موجودة. ما تبقّى من هذا الباب يصل إلى علو ثلاثة مداميك. والثاني موجود في الحائط الشمالي بعرض 0.85م، وأمامه فسحة مشتركة مع واجهة المصلّى الشمالي، مما يسهّل التواصل بينهما. لكنَّ بناءَ الحنية يطرح مُعضلة! نحن أمام حَنيتين، تركب واحدتهما الأخرى، وبفارق 0.50م بين القوسين الأماميين، و0.30م بين القبّة والقبّة الغلاف. هاتان الأخيرتان تركب واحدتهما الأخرى من غير ما اتصال ظاهر. في حائط القبّة الأولى فتحةٌ مستطيلة على بعض اتساع، وتبدو للوهلة الأولى وكأنها نافذة مسدودة؛ لكنَّها، في الحقيقة، إطار أوّلي مفصول لباب درج يفضي إلى القبة الثانية. والدرج مسطوم، الآن، بالركام، لكن في حال رمينا من خلال الفتحة إلى الداخل، بشعلة، يظهر لنا بداية بشكل درج يصعد باتجاه الشرق، ثم يتجه شمالاً إلى سطح البناء الثاني!


 

غزراتا – الكنيسة المتراجعة

 

ساكف قديم أعيد استعماله في الواجهة

 

الكنيسة الجنوبية بعد الترميم

 

 

استُعمل في بناء جدران هذا المصلّى المواد نفسها التي استُعملت في أخيه. وحجارة القبّة الأولى أكثر إتقانًا مما هي في القبّة الثانية، فحجارتها أصغر، ووجهها أنعم، وحوافيها مزوّاة بدقة بقصد تمتين الالتصاق للواحد برصيفه.

على بعض حجارة قائمة في قوس النصر في المصلّى الجنوبي أحرف منفردة، هي، ولا شكّ علامات البنّائين، ومثلها كثير موجود في أبنية أخرى. هذه العادة، كانت متَّبعة في زمن الفرنجة.

وتجدر الإشارة، أخيرًا، إلى أن مركز عبادة السيّدة ليس قائمًا في وسط غزراتا. فالمدينة القديمة كانت تغطّي الركن الصخري القائم على ضفّة نهر السنّ قبالة قلعة طيبو وقبالة قصر عكار. وبعض أحيائها كان يصل حتى أعلى قرية المراحات الحالية. ونحن قد لحظنا وجود مدافن قديمة وآثار كنيسة مزدوجة مطموسة في محلّة «حديا»[311]، في الناحية نفسها. وفي هذا المكان، وتحت ظلال السنديان الضارب في قدمه صار المكان وليًا مسلمًا، وقبور المسلمين تزحف في أرض المعبد المسيحي شيئًا فشيئًا. فيا لنزوة الأقدار! على أرض عكار العتيقة يتخاصم الأحياء بضراوة من أجل العقائد لكنهم يعودون ويتصالحون متسالمين وهم أموات.


ثالثًا: وادي حلسبان

 

عين الست، حلسبان، مار شليطا، بتْوَيج، مار سركيس! أسماء يتردّد صداها منذ القدم. إنها أسماء قد لا تعني شيئًا لعامّة الناس لكنَّها تعني الكثير لمتصيّدي الأساطير، ولعشّاق الزمن الغابر.

هيكل حلسبان المغمور بالردوم والنسيان لا تزال تكتنفه الأسرار من حيث الذي كانه ولأيِّ شيء كان، وحتى يأتي يوم قد يزاح فيه القناع؛ بل، ربّما، يمكن من خلال الرصد الجوي والتصوير أن تتاح الفرصة لترسّم الطريق الروماني الذي كان يربط، عبر هذا الوادي، مدينة حمص والبقيعة بعرقا، عبر خطٍ جانبي يمرّ بعكار العتيقة؛ وهو طريق عبرته، من غير شك، أفراس الصليبيين المطهّمة، وعبره، على الأرجح، الظاهر بيبرس عندما انقضّ على حصن عكار؛ وكذلك فعل أمير لبنان الرهيب، في القرن السابع عشر، فخر الدين الثاني، مطاردًا عدوّه اللدود ابن سيفا الذي فرّ لاجئًا إلى حصن الفرسان.

 

 

1- عين الست

 

أ- الإسم

عين السيدة: ماذا يعني؟

من المرجّح جدًا أنّه كان مركزًا من مراكز عبادات الينابيع القديمة مثل «عين القبو» في وادي عودين، وفي مراكز أخرى كثيرة. وقدرة الماء في هذه الينابيع، على الشفاء معروفة لدى الكثير من الأهالي المحلّيين، ويخبّرون عنها الأعاجيب. هذا إيمانهم، نحترمه، ولا نشكّ. لكن لماذا الاسم؟ هل لفظة عين تعني الحاسّة وليس الينبوع؟ لا سيّما وأن معنى العين، بالعربية، تفيد الاثنين معًا! موضوع العين مفضّل في الشعر الغزلي العربي القديم، إذ لم يكن الشعراء يتغنّون كثيرًا إلا بعين الحبيبة وشعرها، وذلك استحياءً. والعين والشعر موضوعان مائيان بامتياز. من هنا تأتي التسمية على سبيل المحاكاة: «عين الست» (بمعنى الينبوع)، وما على عالم الآثار إلاَّ أن يتندّى، جسدًا وروحًا، في ظلال دلبتها الوارفة. إنه لتفسير شاعري، إلى حدّ ما، لكننا نعتقد أن التفسير الحقيقي للإسم لن يكونَ إلاَّ على ضوء المجاورة مع المعبد القريب.

 

ب- المعبد

يقع على بعد كيلومترين غربي عين الست، فوق سطيحة طبيعية، لها شكل صدفة، تكوّنت بفعل تراجع مباغت للجبل، ومن عليها يطل على مسيل شتوي ينساب متعرجًا في قلب الوادي. هذا الطلل غارق في الأرض، يظهر منه حائطان حتى علو مترين، هما الشرقي والشمالي؛ عارضان حجارتهما العملاقة، وكأنها شواهد عدول على مجد غامر. «... وأهم أثر فيها هو الأثر الموجود الآن في وادي حلسبان كونه يشبه بكبر حجارته قلعة معراب بكسروان وهيكل أفقه عند مخرج نهر ابراهيم»[312].

 

ج- أصل الإسم

يحمل الوادي، اليوم، اسم حلسبان، ويؤكّد المسنّون أنّه كان يحمل قديمًا اسم «حسن البال». التسمية شاعرية! في الواقع، يتمتّع المكان بجمال أخّاذ، لا سيّما لأولائك الذين ينشدون دعة الاعتزال، ويشهد على ذلك «المنسكة» في «بتويج». لكن المنطق السليم يجعلنا نُرجع التسمية إلى اللغة الآرامية، وإلى زمن أبعد في القدم.


 

وادي حلسبان الخصيب من أمام دير مار سركيس وباخوس

 

عين الست

 

مار شليطا: علو الحجر نصف قامة

 

مار شليطا: مدخل الكنيسة – الساكف حجر من الهيكل الروماني

 

حلسبان: حلس- بعل أو حلس- بال. حِلْسو، لفظة يمكن أن تفيد معنى القلعة أو مقام أحد آلهة المثلث السرياني الروماني: البعل الفينيقي أو بال الحمصي أو بان اليوناني[313]. وفي حال اعتمدنا اشتقاقًا صغيرًا مناسبًا لهذه اللفظة يمكن أن نضيء عليها بشكل أفضل. و«حِلْسو»، السريانية، معناها ينطبق على القوي بمعنى السيادة والسلطة. فتصير لفظة حلسبان: بال، بعل، بان: القويّ، الجبار، الرب، السيد... ويعزّز الرأي المعبد المسيحي الذي أضيف فوق الوثني أي معبد القديس شليطا، والذي يعني بالسريانية: المتسلّط، أو الرئيس. وفي حال صحّ هذا التفسير تصير حلسبال البعل أو الرب. والهيكل يكون مكرسًا لبال أو أدونيس- أبولون، إله الشمس، وإلى أخته الإلهة- القمر أي عشتروت – أرتميس، فتكون النتيجة المباشرة لذلك، أنّ «عين الست» هي عين «السيدة» بمعنى اسم العلَم، والتي تمثّل عشتروت الفينيقية، أخت بعل أدونيس، وتكون «بتويج» «بيت الوجه»، أي مقام السيد، مقام الإله.

 

2- مار شليطا

في منتصف الطريق، تقريبًا، بين عين الست ومار سركيس كان يقوم، في الماضي، البناء الأبيض الجميل لمعبد حلسبان. الآن يظلل أطلاله دغل السنديان العتيق، وقد حلّ فيه، مكان بعل الجبار، مركز عبادة مسيحي باسم مار شليطا، وتحوّلت العبادة الوثنية إلى عبادة مسيحية[314].

الوادي يستعرض، هنا، وفي أكنافه تنداح حقول تزرع بزروع مختلفة. الماء الجاري، على بعد مئات الأمتار، يقنعنا بأن الآبار المحفورة في الصخر جنوب-شرق المعبد، ما هي إلا لحفظ السوائل الغالية كالزيت والخمر، وليس للماء. والمدافن تنتشر على بعد مئتي متر، على جانبي الجبل، وجنوب الهيكل. والجدير بالذكر أنّ الحجر، هنا، كناية عن صفائح طباشيرية بيضاء، سهلة الاقتلاع.

 

أ- الكنيسة

تتكئ على الحائطين الجنوبي والشرقي للهيكل، وهي تتألف حسبما يظهر، من صحن وحيد، ويحتويها الهيكل، كليًا، حتى مستوى تَكوُّن قبّة الحنية. وللدخول إليها علينا النزول على درج بعمق مترين عن مستوى الأرض التي حولها. وبما أنها ذات صحن وحيد فإن التأكّد من وجود كنيسة أخرى ملاصقة يحتاج إلى كشف الردم الكبير إلى جوارها. وحتى الكنيسة الحالية، على ما يتذكّر جيّدًا وكيلها كانت مملوءة بالركام. وأهل الجوار أزالوا الركام منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وسقفوها بالتوتياء، وأعدّوها لخدمة حاجاتهم الروحية في أثناء مواسم القطاف. الآن، لم تعد الكنيسة مسقوفة، كما لم تعد تستعمل لإقامة الشعائر الدينية بل صارت عرضةً ليجتاجها الهشيم، مما اضطرنا لنشقّ خلالها دربنا، لذلك قد تكون أعوزتنا الدقة في بعض القياسات وذلك حذرًا مما قد نتعرّض له من عقص وعض أضياف مُريبين.

 

ب- مخطَّطها

تتألّف من صحن وحيد وحنية نصف كروية. والصحن مستطيل (7.90 × 5.75م)، وما زال يحتفظ بجدرانه حتى علو مترين، ويتصل بالحنية بواسطة نتوء وحيد. ويصل بين أرض الصحن ووتر قوس الحنية نوع من دكّة بعلو 25 سنتم وعرض 140 سنتم، وعلى جانبيها ثلاثة حجارة، قبالة ثلاثة، بعرض 40 سنتم وعلو 30 سنتم تشكّل مقاعد. كذلك حجارة مثلها، على جانبي الصحن، مرصوفة كدشك للوظيفة نفسها.

ونذكر، هنا، أنّ انحرافًا في محور الصحن عن قطر الحنية، واضح للعيان، وناتجٌ عن أن النتوء الجنوبي يزيد عن الشمالي.

لكنّ دراسة تركيب المبنى من الخارج مستحيلة لأنّه مطمور من جميع الجهات. وكل ما يمكننا قوله هو أنّ الجدارين الشرقي والجنوبي مبنيان من بطانة وحيدة ملصقة إلى جدار الهيكل بطين مؤلّف من رمل وفخار مسحوق، ناعم، ومن كلس ورماد. أما الحائطان الباقيان فمزدوجا المداميك (كَلّين) وقد أخذت حجارتهما من بقايا الهيكل. وتقصيب الحجارة الداخلية مُتقَن، على صغرها، ويَظهر أنّها قُصِّبت من الحجارة الكبيرة، كذلك يظهر أن الحائط كان مطيَّنًا لأنّ آثار الطين لا تزال ظاهرة عند بعض زوايا الحجارة. 


 

 

مار شليطا – كتابة وزخارف

ج- الزخرفة

تقتصر فقط على الطنف من الحجارة الملزوزة على مدار الحنية، حسب الأسلوب الروماني، وعلى علو 140 سنتم من الأرض. لا طاقة في الحنية، علمًا أن استدارتها الخارجية مغلقة بحائط الهيكل. وفي عمق الحائط، فوق الطنف، كوّة مستطيلة (35 سنتم × 25 سنتم). ومثلها كثير، وبأحجام مختلفة، موزَّعة في صدور الجدران وعلى ارتفاعات مختلفة: بعضها معدّ لاحتضان كتب الصلاة، والآخر، ربما، لحمل سرج الإضاءة. ويظهر أن الإضاءة كان يؤمِّنها الباب ونافذةٌ وحيدة. والبابُ مجعول في الزاوية غربي الحائط الجنوبي، وهو كناية عن قائمتين حجريتين مفردتين، فوقهما أسكفّة من حجر واحد، وكلّها مستعارة من حجارة الهيكل. والنافذة ثقبٌ مستطيل من الداخل، ضيّق من الخارج، وهي واقعة عند مستوى الأرض المجاورة، وسط الحائط الغربي. والقائمة الشمالية لهذه النافذة حجرٌ متوسط الحجم مستعار من البناء القديم، ومنمّق بخطوط هندسية، وبلون غرانيتي مغاير للون حجارة المبنى البيضاء. فنظن أنّه، حقًّا، جزءٌ من تاج عمود قديم من النمط السرياني.

عبر الوادي الغني بالينابيع، والمظلل بأشجار الجوز والصنوبر والدلب، يطالعنا، عند رأس الجبل، مار سركيس.

 

د- القبر الأخرس

في الجنوب الغربي للهيكل، على بعد أمتار من المقبرة، لحدٌ لطالما أَثارَ فضولَنا. فالقبرُ محفورٌ على صفحة شرفة صخرية، تطلّ علىالمنبسط من علو عشرين مترًا. يا لَكبرياء قاطِنه! يا لَعظمته! إنه يشبه بعض اللحود التي في غزراتا؛ وفي البداية، ظنَّناه قبرًا لراهبة من راهبات الإلهة فِستا، وهو ما دعانا إلى تقييم أبعاد الهيكل الكبير. فتحتُه الظاهرة فيه جعلتنا نظنّ أن تحتَ الشتول النابتة فيه غرفةً مدفنية، وهو ما أوقعنا في ضلال، إذ، وبعد حين، أماط لصوص الكنوز اللثام عن السرّ: إنّه مدفن في العراء (sub divo)، لكنّه مشغولٌ بعناية فائقة، لا رمزَ فيه، ولا كتابة... ليس ما يشفي الفضول! أسميناه: القبر الأخرس.


 

 

القبر الأخرس  Tombe du Silence

 

قبر بيضاوي    Tombe ovale

3- مار سركيس وباخوس

 

أ- الموقع

حزّات بيضاء توشّي الأخضر القاتم عند الأفق، إنها تلة مار سركيس الطباشيرية، في مزرعة «بيت غريب»[315].

كان، هنا، منذ ما يقرب من عشرين عامًا، كوخان وحظائر متفرّقة. والآن، صار الكوخان والحظائر، قريةً حديثة تتواصل مع بلدة عكار العتيقة بطريق شًقّت منذ زمن يسير.

هنا تنبعُ العيون من كل جهة؛ لكنَّ أعلى التلة، حيث تُشرف الكنيسة على القرية، يفتقر إلى الماء كلّيًا، ولهذا السبب نجد آبارًا محفورة في الصخور المجاروة للكنيسة.

ويتشابه الموقع مع المواقع الأخرى في الناحية. إنه مصطبةٌ على ظهر تلة بين واديين. وظاهر أن جوانب التلّة كانت محروثَةً لأنّ جلولهَا المدرّجة، والتي تتسع وتضيق، والمكسوة بالصنوبر العتيق، لا تزال مساندها المشيّدة بالحجارة بادية للعيان.

من أمام المعبد الذي يظلّله الاخضرار، يمكن للنظر أن يتنزّه، شرقًا، عبر وادي حلسبان، ليرتميَ، بعيدًا، على سلسلة جبل أكروم. وفي الشمال- الشرقي يمكن لنا أن نترسّم صورة حصن الفرسان عند الأفق، إذا كان الجو صافيًا.

هل هذا هو الوادي الذي زحف خلاله بيبرس، سنة 1171، لينقضّ على حصن عكار؟ إذا كان الوادي سهلاً تخطّيه، فإن عقبة مار سركيس هي على جانب كبير من الصعوبة، لا سيّما على جيش تثقله حمولة المعدّات، وفي طقس ماطر «حيث تنزلق النملة على الأرض الموحلة»، حسب قول بيبرس إلى أمير طرابلس.

 

ب- المخطَّط

كنيسة القديسَين سركيس وباخوس هي، أيضًا، كنيسة مزدوجة. وكلّ الملامح فيها تدلّ على أنها جزءٌ من مجمّع للعبادة.

المصلَّيان مسنودان، من جهة الغرب، على غرفة مستطيلة، باتجاه شمال جنوب، ويتجاوز طول حائطها الغربي المستند إليها من جهة الشرق، وأبعد من حائطي الحنيتين، بقايا أبنية تدلّ أساساتُها الظاهرة على أنّ المكان كان مجمّعًا للعبادة. هذه النظرة يؤكّدها شاهدُ عيان من القرن التاسع عشر، في سياق تعداده لأماكن العبادة في القبيات، ذكر أن كنيسة مار سركيس وباخوس كانت ديرًا، نظرًا إلى الخرب الكثيرة التي لا تزال موجودة[316]؛ ويؤيده في ذلك ما تعبّر عنه التقاليد المحلّية التي تطلق على المكان اسم دير.

المخطَّط هو لكنيسة مزدوجة، موجّهة، تمامًا، نحو الشرق، وتبدو، من الخارج على شكل مستطيل. وإذا كان للمصلَّيَين واجهةٌ مشتركة من الغرب، فالحنيتان، من الشرق، تتقدَّمُ الواحدة منهما على الأخرى. الواجهة الغربية الواحدة للمصلَّيَين مسنودة، بدورها، على غرفة مستطيلة باتجاه شمال-جنوب. وبالأحرى، نحن لا نتكلَّم على واجهة بل على حائط مشترك، بين المصلَّيَين والغرفة، لأن ما يعلو فوق سطح الغرفة، من الواجهة تلك، لا يزيد عن متر واحد، والباقي منها يكاد لا يظهر.

المدخل الرئيس موجودٌ في الشمال، وبين الكنيستين بابٌ داخلي يصل بينهما. الكنيسة الجنوبية مقفلة كلّيًا إلاَّ من باب واطئ وضيّق يصل بينهما وبين الغرفة المستطيلة، ومن نافذة في أعلى حائطها الغربي، ويبدو أنها كانت مخصّصةً لتوصل إلى غرفة كانت موجودةً على سطح الغرفة المستطيلة عند زاويتها الجنوبية، لكن لم يبقَ لها، أيُّ أثر يذكر.


 

مار سركيس وباخوس – عضادة شمالية والباب من الداخل

 

الباب من الخارج وفي أعلاه صليب لاتيني

 

ج- المصلّى الشمالي

مخطّط هذا المصلى يختلف عن مخططات جميع الأبنية التي درسناها حتى الآن. يتوجه المصلّى من الغرب إلى الشرق، حسب التقليد، وله صحنٌ وحيد بمقطعين[317]، متصل بحنية نصف دائرية تنتظم في صدر المصلَّى المستقيم، وتنفتح على الصحن بقوس واسعة، لأنّ الجدارين الجانبيين يمتدّان امتدادًا واحدًا يشمل الصحن والحنية.

ويبدو أنّ هذا المصلّى كان يشكّل عماد النشاط التعبدي في هذا المجمّع. طوله، من الداخل، بما فيه الحنية 9.90م وعرضه 4.40 أمتار. وباحة الصحن، بمفردها، تتألّف من مقطعين مربَّعين، تَحدُّهما عضادتان حيطيتان في كل من الجانبين. هذه الهيئة تسمح لنا بتصوّر واضح للسقف المقبّب، المرتكز بطولَيْه على عضادات حيطية. العضادتان اللّتان في الوسط تتميّزان بصنعة متقنة، فهما مشيّدتان بحجر أبيض، صلب، نحيت، رشيق الحنايا، لطيفها، وكلّها مبشورة بدقّة متناهية، وبخمشات مائلة من أعلى إلى أسفل، مما يدلّ على أن بشرها كان بشاحوطة مسنّنة، وعلى الطراز الذي كان متّبعًا، عادةً، في فن البناء الصليبي. وشبه طنف ينضّد تاج العمود فيجعل خطّ الافتراق بين رقبة القبة وقائمة العمود يتراجع قليلاً. وحجارة المداميك، هنا، رغم أنها مصقولةُ الجوانب صقلاً جيّدًا، فهي ملزوزة، بعضها إلى بعض، بواسطة طين مكوّن من رمل محلّي مخلوط بفخار مسحوق وكلس. كما أنّ وجودَ جُزئيّات الفحم في الخليط يجعلنا نعتقد أن الرماد قد دخل في تركيبة الطين. وحجارة الأعمدة التي في الزوايا، وتلك التي في صفحات الجدران، أقلّ إتقانًا في صنعتها، مما يدلّ على أنها كانت مطيّنة، وهذا ما تؤكّده بقع متفرقة من الطين باقية على تلك الجدران، وهو نوع الطين نفسه المركّب من رمل ومسحوق الفخار والكلس والرماد الذي يجمع مداميك البناء غير المنتظمة.

عضادتا الوسط غارقتان في الحائط إلى نصفيهما، ووجهاهما أملسان صقيلان، بينما عضادات الزوايا مزوّاة لتلقّي قواعد العقد المتصالب. والعضادات الحيطية الثلاث التي في الزوايا: الجنوبية- الغربية والشمالية- الغربية والشمالية- الشرقية، لا تزال قائمة في مكانها وحتى نقطة منشأ رباعي القُرَن[318]، والذين بدوره لا يزال سليمًا حتى ارتفاع متر منه.

العضادات الحيطية، عدا عن وظيفتها في حمل الأقواس المتصالبة للقبة، فهي، أيضاً، تتلقَّى رقابَ القناطر الجانبية بأثقالها، مما يعطي إحساسًا يعبّر عن القوّة والثبات في دعم السقف الذي لم يعد موجودًا، اليوم.

قوس القبّة الذي يفتح الحنية على الصحن بسنام يرتفعُ بقائمتيه ليرتكزَ على غارب كلّ من العضادتين المتقابلتين في الزاويتين على شكل قوس سريري، فيرسم، هكذا، مع القبّة الصاجية الشكل، هيئة قنطرتين. الآن لم تعد القبّة موجودة، ولا الأقواس التي كانت تحملها.

على كل حال، يمكننا الافتراض أن السقف كان يرتكز مباشرة على غوارب العضادات التي لا تزال قائمة في مكانها، والتي كانت تحمل القناطر المشابهة للقنطرة التي لا تزال ظاهرة في الحائط الغربي.

تقتصر الزخرفة، على ما تبدو اليوم، على توزّع الأبواب والفتحات. فالطنف الدائري في الحنية يتشابه مع كل الأطناف في كنائس المنطقة، انطلاقًا من مستوى ارتفاع قاعدة الدعم. كذلك يبرز شبه تطنيف على مستوى الغارب لعضادتي الوسط. وبلاط الأرضية الداخلية غير ظاهر بحيث يغمرها الردم. وعند أسفل عضادة الوسط قام منقبو الخفية بحفر كاشفين عن أسّ العضادة، فتبين أنّ التطنيف الممتد على مستوى طنف الحنية كائن هنا، وعلى ارتفاع مئة وسبعين سنتمترًا من الأرضية الأصلية. وقواعد العضادات والقناطر مشيّدة داخل الواجهة الداخلية للجدران مما يدعو إلى الظن أنها بنيت على دفعات، أو على الأقل، بنيت العضادات والقناطر مع الواجهات الداخلية في وقت واحد.

حجارة الباب لقيت عناية في صنعها تميّزت بها على حجارة البناء. على الأقل، جاءت مساوية بذلك لحجارة العضادات. والباب مستطيل (90سنتم)، وهو غير مقبّب، وغير معمّد، ولا يختصّ بأي زخرفة تميّزه. أما ساكفه، الذي من حجر واحد، فقد لقيَ عنايةً أقل، ويظهر أنه من نوع الحجارة التي اعيد استعمالُها، فعدا عن خشونة الصنعة فيه، وعن نوعيته المغايرة، فإن رسمة صليب قديم محفورة عليه، وتكاد لا ترى. العتبة يغمرها الردم، لكن الصدغين لا يزالان قائمين وسليمين ولا تزال نقرة القفل ماثلةً في مكانها، وكذلك حزوز المفاصل. جبهة الباب مفرّغة على شكل قوس منكسر بعض انكسار، وقاعدتاها، ثلاثة مقابل ثلاثة، يجمع بينهما غلق، تستريحان على طرفي الساكف. أما الجهة الداخلية من الباب فقوامها قوس وطيئة، جميلة الصنعة، ومن غير ساكف. منطلق هذه القوس يرتكز على حامل مشطوب. هذا التناقض بين القوسين، الخارجية والداخلية أمر محيّر، لا سيّما وأنّ هذه القوس الوطيئة تأتي في جملة من الأقواس المنكسرة المعتمدة في مجمع العبادة هذا.

الإضاءة في المصلّى ضعيفة، فالنور لا يتسرّب إلى الداخل إلاَّ من باب ونافذة صغيرة مستطيلة من الداخل والخارج. أمّا كوى التهوئة فمتعدّدة، وإحداها فوق الباب يعلوها ساكف مقوّر (arcoated linted). على هذا المثال قوّرت مقاتلات القلعة الحمراء الواقعة بين صافيتا وطرطوس. كذلك في الجدران كوى غير نافذة، لا شكّ في أنها كانت معدّةً لتحمل قالب بناء السطح؛ وأيضًا توجد كوّتان واسعتان على علو قامة الرجل في الحائطَين الجانبيين، غير بعيدين من الحنية، أُعِدَّتا لإيداع أغراض ممارسة الطقوس. أما التي عن شمال فكانت، على الأرجح، مختصَّةً بكتب الصلاة بعد الانتهاء من استعمالها، بينما التي عن يمين، فربّما كانت مخصَّصَة لاستعمال الزيت المقدّس، كتذكارٍ باقٍ من الأمس البعيد للزيت الذي كانت تُمَسح به عظامُ الشهداء؛ وهذه عادةٌ لا تزال مُتَّبعةً في الشرق. وعلى كلّ حال، نستطيع أن نستدلَّ على الأمر من علاماتٍ لا تزال ظاهرة، رغم عوامل الزمن، وهي أنّ هذه الكوّة قد اسودّت من دخان الشموع التي كانت توقد إكرامًا لشفيع الكنيسة.

نذكر اخيرًا، أنّ البابَ الموصل بين الكنيستين، والمفتوحَ في وسط الحائط، قبالة باب المدخل، هو باتساع سبعين سنتمترًا، وأنَّ حال التهديم اللاحق بهذا الجزء من المصلّى لا يسمح لنا بأخذ مقاساته، ولا معرفة كيفية صناعته.

 

مار سركيس وباخوس

ما بقي من السطح، فوق المدخل، والشجرة عليه

 

ﻫ - المصلّى الجنوبي

هو أكثرُ خرابًا وأحفلُ ردمًا من سابقه. وهو أيضًا، يمثّل نموذجًا متميّزًا، إن بالنسبة إلى أخيه أو بالنسبة إلى ما يماثله في الناحية. فيه صحنٌ وحيد مقبَّب على شكل قوس مائلة، والقناطر ترتكز، في وسط الصحن، على عضادات حيطية. وعرض المصلّى يتساوى تقريبًا، مع أخيه (4.30م) لكن طوله أقلّ (8.50م). هذا النقصُ جاء من جهة الحنية التي لا يتجاوز موقعُها حدودَ قوس النصر في المصلّى الأول، إلاَّ قليلاً. وحائط الواجهة الغربية، المستند إلى الغرفة المستطيلة الملاصقة، هو امتداد لحائط المصلّى الآخر، بينما يمتد الحائط الجنوبي على طول جنوب الغرفة المستطيلة بكامله. وبين المصلَّيينَ حائطٌ مشترك يرقّ في غربيِّه (0.90م) ويعرض في شرقيِّه، عند مستوى الحنيتين (1.50م)، وقنطرة بقوس سريرية ترتكز على عضادة في كل من الزاويتين، فتحمل السطح من جهة الغرب. وفي الحائط الجنوبي عضاضةٌ غارقة فيه، مصلَّبة، تحمل ركائز قنطرة مزدوجة على طول الحائط. هذه الأقواس السريرية، كمثيلاتها في المصلّى الشمالي تمامًا، ترتكز على عضادات في الزوايا، وكذلك يرتكز قوس النصر. ولا يبدو أن القوس المنطلقة من عضادة الحائط الجنوبي، وتلك التي تنطلق من الحائط المشترك، تلتقيان لتشكِّلا قنطرةً قوطية.

ثم إننا نرجّح أن هذا المصلّى كان مقبَّبًا على قوس نصف سريرية. على الأكثر، نصف جناح مرتفع، يستند من الجنوب على قناطر الحائط الجانبي، ومن الشمال يستند على المصلّى الأول.

في المحصّلة، كلّ المؤشرات تدل على أن البناء، إذا نظر إليه في مجمله، يظهر كأنه كنيسةٌ واحدة بصحنين، أكثر مما هو كنيستان متلاصقتان.

الحنية، في هذا المصلّى، تنفتح على الصحن باتساع، وبقنطرة واطئة. والطنف، الذي هو الآن بحالة رثَّة، من المفترض أن يدور على مدار الركن الداعم.

توجد عدّة كوىً، لكنَّها، اليوم، مسطومة. ومن الطبيعي أن يكونَ بعضُها مخطّطاً للتهوئة، وبعضٌ آخر لقناديل الزيت، وواحدةٌ منها مسطومةٌ الآن، واقعةٌ في ما تبقّى من الحائط الشرقي، فوق الطنف.

يبقى أن ندرسَ وجود فتحتين كبيرتين في حائط الواجهة الغربية ووجهة استعمالها: الفتحة الأولى، على ما يبدو، كانت ممرًّا يُفضي إلى الغرفة الطويلة المجاورة. وعرض هذا الممر 0.60م، أما الارتفاع فلا يمكن قياسه بسبب الركام الذي يملأ الأرض. لكن يظهر، أنه كان منخفضًا. وشكله مستطيل؛ لكن لا اثر في جانبيه لحزوز المفصّلات أو لنقرة القفل، مما يدلّ على أنه لم يكن معدًّا ليُقفَل. فما كانت وُجهة استعماله؟ هل كان مرمى للنظر على صمدة القربان المقدس، على عادة النسّاك السريان المتوحِّدين؟

الفتحة الثانية تقع أعلى من هذه، وهي أوسع، ومكانها في وسط الواجهة تقريبًا. وحاليًا، يُتاحُ العبور منها إلى سطح الغرفة الطويلة المجانبة. فالتراب المتراكم وشتولُ النبت تحول دون تمكّننا من الكشف عن درج حجري ما. لكن هذا لا يلغي فرضيةَ أن الباب كان مَعبرًا بواسطة سلّم منقول على ما كان معروفًا في الكنائس المارونية آنذاك.

وفي سطحِ الغرفة الملاصقة، الآن، نبت شجرٌ وأجمام، كذلك في ما بقي من أجزاء لا تزال قائمة في البناء، وهو ما يهدِّده بالتلف.

 

و- الملحقات

هذا المعبد كان قائمًا ضمن مجمَّع تلاشت أكثر أقسامه، وبقي بعض منها سنحاول استعراضه، نظرًا إلى أهمّيته في الكشف عن طبيعة الموقع ووظائفه.

 

ز- الغرفة المستطيلة

على طول الواجهة الغربية للمعبد تمتد غرفةٌ مستطيلة ابتداءً من طرف الحائط الجنوبي للمصلّى الجنوبي وباتجاه الشمال، حتى تتجاوزَ بطولها الحائط الشمالي للمصلّى الشمالي. وهي مؤلّفةٌ من باحة وحيدة مقبَّبة على قوس سريرية شبه منكسرة. وواجهتها الشمالية مهدَّمة وحتى جزء منها. لكن ما تبقّى من مجملها يسمح بإعادة ترميمها على صورتها الأصلية. وسطحُها ينخفض كثيرًا عن سطح المعبد، وأرضيتُها أوطأ بكثير من أرضيته، وتتَّصل الأرضيتان بممر منخفض وضيّق.

في الزاوية الغربية للغرفة صخرةٌ راسخة كبيرة، سُويّ سطحُها بحيث يمكن أن يوضعَ عليه شيء ما. طولها 13 مترًا وعرضُها ثلاثة، وعلوُّها ثلاثة. وما تبقى من جدرانها يفتقر إلى المناور كلّيًا. فكيف كانت تضاء؟ بالإضافة إلى الباب، وجب أن يكون لها كوةٌ في الحائط الشمالي. فساكف الباب لا يزال ملقىً على الأرض أمامها، وعليه ثلاثة صلبان مصوبعة محفورة[319]، وموزَّعة على مسافات متساوية على ذلك الحجر الكبير؛ فهل يمكننا الظن أنها باقية من بناء سابق يعود إلى الحقبة المسيحية الأولى؟ وحجارة هذه الغرفة، الأقل صنعةً من حجارة المعبدين، والأكبرُ حجمًا، وموقعها المستعرض منه، بالإضافة إلى الساكف، كل ذلك يدعو إلى الاعتقاد، لأول وهلة، بأنها كنيسة قديمة، أو نوعٌ من كنيسة- مقبرة. لكن بالمقابل،

مار سركيس وباخوس – الخوروس

 

 

الغرفة الجانبية الطويلة

 

هناك معطيات قد تشير إلى أن بناءها جاء لاحقًا لبناء المعبد؛ مثلاً، هناك كوّةٌ مفتوحة في وسط حائطها الشرقي وعلى مستوى الأرض تقريبًا، يكشف عن أساس حائط الواجهة الغربية للمُصلَّيَيْن. وهذا يدل على أنّ دعامة قوس الغرفة قد اتكأت إلى حائط الواجهة تلك، أي أنّها بنيت بعدها، كما قد تشير على ذلك الحجارة المتقنة في حائط الكنيسة. واحتمالٌ ثالث، نتبنّاه، وهو أن مجمّع مار سركيس التعبّدي قد بُني بأكمله، مرّةً واحدة، وذلك للأسباب التي نعرضها تاليًا: الحائط الغربي للكنيسة يمتد على عرض المصلَّيَيْن وبالملاصقة بطول الغرفة فيحتويها أفقيًا وعموديًا مما يجعل أيَّ تمايز أو إضافة أو فصلٍ بينهما متعذّرًا. وتقصيب الحجارة والعناية بها يتساويان فيما بين الحائط الجنوبي للمبنيين وحائط الغرفة الغربي. ثمّ إن حائط الممر الواصل بين المصلّى الجنوبي والغرفة هو واحد، مما يعني أن الحائطين واحد، بواجهة واحدة، وأن هناك حجرًا واحدًا في مكان واحد أو أكثر يقضب الحائط بمجمله. أما الفارق في العناية بالحجر فتفسِّره من غير صعوبة، طبيعةُ الوظيفة في كل مبنى، إذ إن العناية بحجر الكنيسة هي غيرها في حجارة الملحقات.

ما كانت وجهة استعمال هذه الغرفة الطويلة ؟

نحن نعتقد أنها كانت، وبكل بساطة، مَضْيَفة، أو مشفىً للحجاج من النوع الذي ذكره كميل أنلار في أنفه. ونستند، في هذا، إلى أمرين هامّين: أولهما أن المعبد يقع على قمة جبل هو الممرّ المحتم بين عرقا وحصن الفرسان عبر أعالي عكار. ثانيهما، هناك، النقيرات في الصخور والآبار المحفورة فيها، فالماء المأخوذ من هذه يُسَالُ عبر سواقٍ محفورة إلى أحواض، لإرواء الأضياف وركوبتهم. أما سكان الدير فوجب أن كانت مساكنهم شرقي الدير حيث لا تزال تُرى آثار أبنية، وهي ما أشار إليه شاهد العيان، الآنف الذكر، في القرن التاسع عشر. وفي شرقي المصلّى نقيرتان مستديرتان وعميقتان، وجب أن تكونا محلاًّ لارتكاز أخشاب. كذلك يجب أن يكون المجمّع قد أحيط بسور لا تزال بقاياه ظاهرة على مصطبة تمتدّ حتى الحرف، شرقي المجمّع. وعلى بعد عشرين مترًا جنوب غرب المعبد، أتون لصناعة الكلس الذي كان يستعمل في أعمال البناء عند الحاجة. وبكلمة أخيرة نقول: إنّ المعبد لحقته ترميمات في أزمنة لاحقة لا تزال آثارها ظاهرة في حائطه الغربي.

 

 

رابعًا: الشنبوق

 

1- سيدة كمّاع

عبر وادٍ ظليل، وعلى بعد أربعة كيلومترات من وسط المدينة، نصل إلى موقع سيدة كمّاع. على طول المجرى الذي يروي حقولاً زراعية نضرة، تنبع، من عمق الجبل، عيونٌ صغيرة عديدة فَتُضفي على المكان طراوةً منعشة في فصل الصيف.

يجثم المعبد على طرف مصطبة ممتدّة، مشرفة بين واديين. وإذ تصل أنت إلى الموقع تشعر بالراحة أمام منظر ينسيك مشقة التسلّق في تلك الصعدة الصعبة، ويعانق نظرك مدينة القبيات المستلقية عند طرف الوادي. في الجنوب الغربي، وعلى أقلّ من كيلومتر واحد، تنتشر البيوت الغاوية في حيّ القطلبة الجديد. وتفصل سلسلة من الجبال، عريضة، باتجاه شرق- غرب، بين وادي حلسبان ووادي كمّاع، هذا الذي يرتمي في أحضانه الوادي الذي يحمل اسم «حلبوسه».

 

أ- الموقع

هو جرفٌ مسطّح بين واديين، ويظهر كأنه انفصل في ناحية عن منشئه بفجّ عميق،  عريض. هذا الفصيل شكّل ربوة صغيرة وضيقة تحمل بقايا أبنية قديمة شاخت حجارتها التي كانت قد سوّيت بعض تسوية...

هل كان ذلك مَحرسًا متقدّماً يرصد الوادي الذي يفغر فمه، تحت قدميه، على بعد عشرات الأمتار؟... في الجنوب الغربي واد آخر، أقلّ عمقًا من سابقه، يرسم حدًّا طبيعيًّا فاصلاً بين الموقع والأرض المجاورة. في الاتجاه نفسه، الجنوبي-الغربي، وعلى بعد خمسمائة متر، تقريبًا، من البقايا، هذه، تلّة صغيرة تحمل اسمًا موحيًا: تلّة الجبّانة. يشغل هذا التلّ، المعروف باسمه منذ القديم، سلسلةٌ من المدافن في مقابر، مألوف نوعها في هذه البلاد. هذه المقابر تابعه، طبعًا، لموقع كمّاع، لأنّ أيّة آثار سكنية أخرى على التلّ غير موجودة. ويظلّل المكان، هنا، دغلٌ من السنديان الظليل القديم حسبما هو معروف في مثل هذه المواقع. أما ماء الشرب فيجري عذبًا في الوادي على مسافة مئتي متر جنوب-غرب الموقع. أما بالنسبة إلى الأطلال، فإنّنا لم نكن نرى، وحتى عهد قريب، سوى صاج القبّة النصف-دائرية، ترزح تحت ثقل أغصان سنديانة دهرية عملاقة... ودفعت حرارة الإيمان القرويين، هنا، ليستكشفوا قليلاً، فظهرت الحنية الكاملة للكنيسة، فاستحدثوا درجًا مؤقتًا وبيّضوا الخورس، فصار المؤمنون يحجّون إليه أكثر فأكثر. ثم جاءت الحرب الأهلية اللبنانية لتخلق جوًّا من التجدّد الروحي: أهل البلدة، وهم مجرّد مؤمنين بسطاء، كمثل أجدادهم الموارنة القدماء، استغاثوا بالعذراء مريم آملين بغوث سماوي ما. جاء في الإنجيل: إيمان بمقدار حبة الخردل تنقل الجبال. فكان أنّ الإيمان البسيط عند هؤلاء الفلاحين الطيّبين قد نجح، وبقدر من التعاون، أن رفع مئات الأطنان من الركام. وبالتقوى، وبالتديّن، وبوسائل يسيرة ظهر من تحت الردم الذي كان، كنيسةٌ بصحنين، وتنفّست فيها الحياة من جديد.

 

سيدة كمّاع – الحنية من الداخل

 

ب- المخطَّط

بسيط جدًّا. ظاهريًا، تبدو الكنيسة وكأنها اثنتان متلاصقتان، وكل واحدة منهما تتكوّن من صحن وحيد مستطيل، يتصل بالحنية بواسطة نتوء عند قوس النصر. الجنوبية، كما الشمالية، موجّهة شرق- غرب، والأولى أطول بقليل وأعرض من الشمالية. وطول صحنها، من الداخل، 9.50م بعرض 3.45م. وحنيتها، بصاجها، لا تزال محفوظة جيّدًا، ويميل قوسها ليكون مرتفعًا. ويبدو أنّ الحنية كان يحتضنها بناء مربع يضمّها مع الصحن، لكنه انهار منذ زمن بعيد تاركًا الحائط الداخلي للحنية يواجه العراء، لكن ما تبقى من البناء لا يزال قابلاً للترميم. والكنيسة الشمالية المؤلّفة، أيضًا، من صحن وحيد، مستطيلة ومساوية بحجمها، تقريبًا، لأختها، لكن حنيتها أقل استدارة، وهذا الفرق بين الحنيتين يجعل الاختلاف ظاهرًا بينهما. هنا، أيضًا يتّصل الصحن بالحنية بواسطة نتوء القوس. هذه الحنية التي ترسم عند مستوى الأرض، نصف دائرة بقوس منخفض، قد فقدت صاجها، لكن الركن الجنوبي لقوس النصر لا يزال قائمًا حتى مستوى بداية انتصاب القوس، كاشفًا عن أصل طنف من الطراز الروماني الفقير الصنعة، والذي يشكّل مدار الصاج، على مثال مما في قبّة الكنيسة الجنوبية. هذه أيضًا كان يحتضنها بناء مربع لا نزال نرى بقاياه بين الركام. ولا زينة تميّز هذه الكنيسة الصغيرة.

الإضاءة في الكنيسة الجنوبية تتمّ عبر الباب الوحيد في واجهتها الغربية، وعبر بعض الكوى التي يحجبها الركام، الآن. وبناء الجدران التي لا تزال تحتفظ بعلو المترين، في جهة الجنوب، والمتر في الغرب والشمال، يجب أن يكون قد تمّ من غير اعتماد البنّائين مدّ خيوطهم لضبط أفقية البناء، وذلك لأنه قد علا في الجدارين على أساسات سميكة لبناء قديم كان قائمًا في المكان. على هذا الوضع استندت الجدران الداخلية للمبنى الجديد على الجدران الداخلية القديمة، فتكون الكنيسة الجديدة قد اكتنفها البناء القديم بجدرانه السميكة، المدعّمة بحجارة كبيرة (0.95 × 0.75م)، وكانت كافيةً لتحمل ثقل القبتين اللتين كانتا مفروشتين بالتراب المرصوص. والحائط الجنوبي لا يزال يحتفظ بالمداميك الأولى لركن العقد المنهار. وزوايا الكنيستين، كذلك جدرانهما الجانبية، لا أثر فيها لأعمدة أو لعضادات حيطية تدلّ على أن السقف كان مقببًا على أقواس، فيظهر أن التراب المرصوص كان يفرش السطح كما في مجمل كنائس الناحية.

في الحنية، وفي الجدران، عددٌ من الكوى كانت تستعمل، إما لوضع أغراض الطقوس، وإما للتهوئة. يبقى أمران يستحقّان الدرس. الأول يتعلّق بالبناء القديم، والثاني بالوجهة التي كانت مخصّصة لها الكنيستان.

 

ج- إشكالية الكنيسة

هل هي كنيسة واحدة بصحنين، أم هما مصلّيان متلاصقان؟

في كل مرحلة من مراحل هذه الدراسة، وأمام كلّ طلل وقفنا لندرس، كنا نطرح هذا السؤال، وكان الجواب عفوياً يقول: قبل كل شيء يجب أن نعرف طبيعة الشعب الذي ندرس آثاره، وأن نعرف ما كانت طقوسه قبل أي جواب. ولأننا لسنا على علم بمعرفة ماضي ذلك الشعب نحاول أن نتقصّى ما يمكن على ضوء ما نملك من معطيات. في الأماكن الأخرى كان الواقع يدلّ، على سبيل الاحتمال، أن الموقع المؤلف من كنيستين متلاصقتين، على غرار ما هو الأمر في مار جرجس وفي سيدة غزراتا، لكن الكشف على موقع مار سركيس الذي احتوى مبناه الواحد على كنيستين بدأ يثير فينا شكّاً كلما مضينا قدمًا في دراسة المواقع في الناحية.

سبق وأشرنا إلى أن كنيستي سيدة كمّاع يحتويها نطاق واحد، حيث واجهاتهما الثلاث: الشمالية والغربية والشرقية تتلاصق مع محيط المبنى القديم بجدار بسيط. ولا نتكلّم على الواجهة الجنوبية لآنها مطمورة تحت الركام في ما يجاورها من الأرض وحتى مستوى بداية تكوّر العقد؛ فيبقى أن ننظر في كيفيّة بناء الحائط المشترك بينهما مما يثير إشكاليةً كبيرة! في المحصلة، هذا الحائط مبني بوجهين، بينهما حشوة من حجر مغموس بطين أحادي النوع، فيجمع هذا الحائط بين الكنيستين بطريقة أن متن الحائط المشترك، بامتداده الأفقي، يشكّل مرتكز عقدَي السقفَين، فكأنهما يتساندان.

هذا الحائط يفصل جزئيًا بين الكنيستين لأنه، في جزء كبير يتقوّر بقوس مسطومة تبدو وكأنها قوس لتبديد الحمولة، ينفتح في وسطها باب بعرض 0.90م، يؤمّن الاتصال بين الصحنين. وليس في صدغي الباب أخاديد لمفاصل أو ثقوب للأقفال، مما يدل على أنه لم يكن معدًا ليغلق بباب، وأنه ربّما، استحدث في زمن متأخِّر. أما القوس الكبيرة، نفسها، المغروس طرفاها عميقًا في الأرض، والمنصوبة على مستوى أوطأ مما تستدعي قوس تبديد الحمولة، فلا يبدو أنها كذلك، وليس فيها علامات تدل على أنها بنيت في زمن متأخر؛ فهي، في هذه الحال، تشكّل قنطرةً جميلة، إذا أفرغت من حجارتها صارت بين الكنيستين منفذًا مفتوحًا بسعة المترين. وقد أحسن القرويّون، فعلاً، عندما أزالوا، فيما بعد، سدّادة القوس، مدفوعين بحسّهم الفطري السليم، فظهر أن هذه السدّادة الحجرية لم يكن لها أساسات في الأرض. في هذه الحال، إذًا، ليس من الصواب أن المبنى مؤلّف من كنيستين متلاصقتين، بل، منطقيًا، يجب أن ننظر إليه على أنه كنيسة واحدة بصحنين.

 

 

د- ماضي كمّاع

هل بالإمكان أن نتأمل مليًّا ماضيَ كمّاع انطلاقًا من معطيات نجمعها من الموقع؟ فلنحاول أن نقدّم قراءةً مُقنعة! كَمَاع - من غير تضعيف الميم- معناها أرض السحر. وكَمَاعو معناها: الساحر. من هذا المنطلق نستشعر وثنيةَ أهل المكان في الماضي البعيد، أي في الحقبة السابقة على المسيحية، على الأقل. كذلك شكل القبور الموجودة على التل القريب، والمسمّاة قبور اليهود، والتي تدل بطريقة لا يرقى إليها الشك بأن الموقع قديم ويجب أن يعود حسب تِستيني إلى ما قبل القرن الرابع. من ناحية أخرى، فإنّ السور، عدا الأبنية الملحقة جنوب الكنيسة، والتي نرى بعضًا منها يظهر من بين الركام حينًا بعد حين، تدلّ على أنّ المبنى الذي كانت فيه يعود إلى القرن الخامس أو السادس على أبعد تقدير. هذا يفتح لنا الباب للقول بأن الموقع كان ديرًا سريانيًا قديمًا عائدًا إلى الحقبة الأولى لوجود الموارنة في المنطقة، والتي تتزامن مع مباني مار جرجس في شويتا. ولنقل أخيرًا، إنه إذا لم يكن البناء عائدًا إلى أبعد من القرن الرابع، فلا شيء يمنع الاعتبار بأن الموقع يعود إلى هيكل يوناني-روماني نظرًا إلى طراز القبور التي سبق وأن أشرنا إليها وإلى الكثير من كسر الفخار المنثورة في المكان[320].

 

2- دير عنان

صعدة منهكة تمتدّ على مسافة ثلاثة كيلومترات بين سيدة كمّاع والشنبوق، تلطّف منها طراوة نسيم الجبل المنعش والخضار المزروعة على أكتاف التلال.

يعلو الشنبوق، أو الجرد في تسمية أخرى، حوالي ألف متر عن سطح البحر، وهو يشكّل السفح الأخير للمنحدر الشرقي لسلسة جبال لبنان، وفيه المعبر الأسهل بين الداخل السوري والساحل اللبناني. وجديرٌ بالتذكّر، هنا، أن على هذا المعبر كان الزحف البابلي إلى أورشليم. ففي أعالي السفح تُشرف القموعة، التي ترتفع قمتها شامخة فوقه، حائلة، بانحدارها العمودي، دون كلّ إمكانية للعبور، لا سيّما في الأشهر الشتوية السِتَّة، على الأقلّ عندما يكون الثلج، على علو ألفي متر، قد غمر كلَّ شيء وسوّى بين الانخسافات والتضاريس. وليس الشنبوق هضبةً عالية مثل شويتا، بل هو جبل ينبسط قليلاً، في بعض التواءاته، ليسمح بمرور طريق عام، بينما تهبط منحدراته سريعة إلى الوديان العميقة. من الجنوب إلى الشمال يكتنف الشنبوق وادٍ ضيّق يسير عند أقدام جبل أكروم ليتواصل مع وادي عودين، ويوازيه انحدار آخر يمتد صوب القبيات عبر كمّاع والمرغان. وعند طرف المنحدر هذا، نتوقّف أمام كنيسة جديدة هي كنيسة سيّدة الشنبوق التي أحرقت في عام 1975، ثم أعيدت جديدة، الآن. هذه لم تُبنَ على بقايا الدير القديم الذي سنتعرّض لدراسته بعد قليل، والذي يقع على بعد مئات الأمتار من هنا... على جانب الساحة، أمام الكنيسة، يلفت انتباهنا حجرٌ عليه صورة نافرة لملاك، بوجه مدوّر وشعر معقّص، ينتمي، احتمالاً، إلى الفن السرياني الذي كان سائدًا في القرن الخامس أو السادس، والذي يسمّى، في الوقت نفسه، الفن البيزنطي. أحد الفلاحين قال لنا إنّ سكّة محراثه قد اقتلعته أثناء الحراثة في حقله المجاور للمعبد القديم.

 

أ- الاسم

في الوثيقة التي مرّ ذكرها آنفًا، تَرجم المنسنيور العالم لفظة «عنان»، السريانية، بلفظة الاستجابة، العربية، أي الاجابة بعد طلب، وبمعنى عام: «سيدة العطايا». هذا اسم آخر للعذراء، معروف، ويتلاءم مع استجابة ما يطلبه المؤمنون، وهو «سيّدة المعونات». كذلك يمكننا ترجمة اللفظة إنطلاقًا من مصدر الفعل السرياني «عنينو» بمعنى: العنان، الغيم. فهل هناك اسم «سيدة الغيث» أو «الغيم المطر»[321]؟ هذا النعت للعذراء لا يعود مستغربًا طالما نحن في مجتمع فلّاحي زراعي حيث المطر حاجة ضرورية. وكلّنا نتذكر حجّ القبياتيين الجماعي إلى القديس جرجس- شويتا في شهر نيسان استسقاءً للمطر عندما تكون الزروع بأمس الحاجة إلى الارتواء.

 

ب- الموقع

في منتصف المنحدر الجنوبي للشنبوق، وعلى بعد مئتي متر من الكنيسة الجديدة، نجد هذا الأثر غارقًا في الأرض، منبوذًا تحت ركام من الحجارة الغشيمة. ولم نهتد إليهِ إلاَّ بمساعدة راعٍ مسلم، تفضّل علينا، أيضًا، بحكاية ذات مغزىً مثير، يتعلّق ﺑ «دير عنان»[322] على مسافة قريبة منه أجراف صخرية شاهقة. وعلى بعد أقل من خمسمائة متر، شمال-غرب، أطلال ما يسمّى بالقصر. وغير بعيد من هنا تنبجس عين ماء ثرّة، عين البرغل، من خاصرة الجبل الذي تظلّله غابة الشوح الجميل Abes Libanotica، وأشجار الأرز العتيقة.

 


 

دير عنان – المصلّى الجنوبي

 

دير عنان – العضادة الحيطيّة المتوسّطة بين المصلّيين

 

ج- مخطّط الكنيسة

الكنيسة موجهة، تمامًا، نحو الشرق، والدخول إليها من باب وحيد في واجهتها الغربية. وجرن الماء المقدّس لا يزال موجودًا لكنّه اقتلع من مكانه ورمي بين الركام. والجدران لا تزال حتى رقبة القوس، لكنها، بمجملها، تغرق في الأرض وكأنها تتوارى عن نظرات الشامتين. ومخطّطها مرسوم جيّدًا، ويتشابه تمام الشبه، بمخطط سيّدة كمّاع، لكنه أقرب في الشبه إلى كنيسة مار سركيس. مدخلها الرئيس المفتوح في الواجهة الغربية يؤدّي إلى داخل الكنيسة الجنوبية، بينما هو، في مار سركيس، مفتوح في الواجهة الشمالية، ويؤدّي إلى الكنيسة الشمالية. ثم إن المخطط هو لكنيسة بصحنين، ويشكّل، من الخارج، مستطيلاً يتّصل، في زاويته الجنوبية-الشرقية، بالدائرة النصفية للحنية. من الداخل يُقسم المستطيل إلى نصفين متساويين، تقريبًا، بواسطة الحائط المشترك، المفتوح، عند طرفه الغربي، بقنطرة مفرغة تشكّل منفذًا واسعًا بين الكنيستين.

 

د- الصحن الشمالي

مخطَّط هذا الصحن يتشابه مع مخطط مصلّى مار سركيس الشمالي، ويمتدّ من الغرب إلى الشرق، ويتألّف من قاعة واحدة بمقطعين، وتنتهي بحنية نصف كروية يحتويها مَسند قائم الزوايا. الحائط الشمالي يمتد مستقيمًا ليشمل الصحن والحنية من الخارج. ويظهر أن الصحن قد لقي عناية خاصّة من قبل بانيه. ويبلغ طول محور الكنيسة، صحنًا وحنية، من الداخل 9.60م، بعرض 3.10م. والصحن مستطيل بمقطعين مربعين، وهو على ما يظهر، كان مسقوفًا بقبّة مقوّسة مرتكزة على عضادات حيطيّة، لقي بناؤها عناية خاصّة. وحجارتُها ملكية (ناصعة البياض)، جيّدة التقصيب، ناعمة الحنايا رغم ضخامتها. وعلى مثال الحجارة في مار سركيس، فهي مخدّشة خدشات مائلة بالنسبة إلى حدّ القاعدة، دلالةً على أنها منحوتة بالشاحوطة المسنّنة. وسطح العضادة تعصبه حافّة بارزة قليلاً تجعل العقد يتراجع قليلاً. ويظهر أن الجدران كانت مطليةً بملاط مكوّن من رمل محلّي وخزف مطحون وكلس ورماد تدلّ عليه نثراتُ الفحم الكثيرة التي تخالطه.

أما عضادات الزوايا فأقل صنعة وبوضعية مختلفة عن عضادات الوسط، فهي تبرز على هيئة مثلّثة، أما التي في الوسط فمسطّحة ومصلّبة. ولما كانت القنطرة التي تتوسّط الكنيستين، في كمّاع، تغرز رجليها في الأرض، مرتكزةً على جدار التأسيس، فهي في دير عنان، ترتكز على عمودين: الأول منهما يستند إلى حائط الواجهة الجنوبية، والثاني يسدّ الحائط المشترك عند زاوية المقطع الأول المربّع، بينما أُعِدَّ غاربا العمودين ليحملا قواعد القنطرة، وأقواس القبة، ولمساندة الحائط الغربي. ومربع المقطع الثاني غيرُ منتظم الأضلاع كالأول. لكن الحائط الجنوبي الذي هو أقصر من الشمالي، يجعل الصحن مائلاً إلى اليمين.

والحنية ترتسم عقدًا كاملاً، وتتّصل مع الصحن بنتوئين، بينما يرتكز قوس النصر فيها على غاربَي العمودين اللذين في الزاويتين مشكِّلاً نوعًا من قوس داعمة (doubleau) بين صاج الحنية وقبّة الصحن.

 

ﻫ - الصحن الجنوبي

يُدخل إليه مباشرة من الباب في الواجهة الغربية. وهذا المصلّى أعرضُ بقليل من المصلّى الشمالي (3.28م) لكنّه بالطول نفسه (9.60م)، بما فيه الحنية. وسقوط السطح ملأه بالركام إلى درجة تستحيل معها دراسة عناصره الهندسية. ونستنتج من خلال المعطيات المتوفّرة أنّ الصحن يتألّف من قاعة واحدة، بسطحٍ مُقبّب على هيئة عقد منكسر، مرتكز، في الجنوب، مباشرة على حائط سميك (1.50م)، وهو ما لم يتوفّر في بقيّة الجدران التي لا تتجاوز سماكتها المتر، مما يعني أن تلك السماكة مُعدّة لتحمل ثقل القبة التي تستند، من جهتها المقابلة، على غارب حائط الوسط وتتساند مع قبة الكنيسة الأخرى. دائرة الحنية تكمل امتداد المستطيل من غير ما نواتئ بادية، فيظهر أكثر طولاً من شقيقه المصلّى الشمالي.

 

و- الزخرفة

لا يبدو أن شيئًا من الزخرفة كان يزيّن هذه الكنيسة. فهناك عدد من الكوى، والنوافذ موزّعة في جدرانها، لا سيّما في الصحن الشمالي منها. وأغلبها غير نافذ، وهو معدّ لتلقّي أغراض الطقوس. وفي حالتها الراهنة لا نستطيع أن نتكلّم على كيفية الإنارة فيها، فالباب وحده لا يكفي للإنارة؛ ولولا ذلك الوضع لكان بإمكاننا التقدير فنفترض، مثلاً، احتمالين: الأول أن في الواجهة الغربية كانت نوافذ إضاءة، أو أن الجدران الجوانب، والتي يغمرها الآن الركام بسبب إنهيار السقف أو بسبب زحلة الأرض، كانت تنفتح في بعض أجزاء منها على الضوء. وإلاَّ فإن الكوّة الظاهرة، المقفلة اليوم، كانت تسرّب ولو ضوءًا خفيفًا ينير المصلّى.

ولا نزال نرى، الآن، فتحات ضيّقة في الجدران الجانبية، وهي تلك التي كانت تدخل فيها أطراف الأخشاب المكوّنة للسقالة التي استُعملت في بناء القباب، والتي هي بحجم ثلاثين سنتمترًا، تتوزّع عند قواعد القبّة بفاصل مترين بين الواحدة والأخرى. هذا النوع من الفتحات التي تتلقى الحوامل الأفقية معروفة في مبانٍ أخرى كثيرة، وعائدة إلى الحقبة الإفرنجية، لا سيّما في الأبنية ذات الطابع العسكري، ولا تزال ثابتة في مكانها من غير أن تكون ذاتَ منفعة لشيء. أما الصنف الدائري في الحنية فهو مشابه لأمثاله في الأبنية الأخرى المعروفة في الناحية.

ونذكر في ما نذكر أنّنا كشفنا عن جرن للماء المقدس من حجر منقوط بالأحمر، وهو نوع من غرانيت محلّي، كان مغمورًا تحت حجارة الركام في الكنيسة وقد اقتلع من مكانه، الذي بدا فارغًا الآن، عند العمود إلى جانب باب المدخل.

تسجيل أخير: بقايا أبنية قديمة تتوزّع في جوار الكنيسة، فلربما كانت بيوت قرية مندثرة أو ملحقات معتادة للكنيسة.

 

ز- القصر

جنوب غرب كنيسة دير عنان، وعلى بعد أقل من خمسمائة متر، خربةٌ عتيقة جدًّا، غير ذات أهميّة، يطلقون عليها اسمًا فخمًا: «القصر». ولأنّ كلمة قصر العربية تعني دارة فخمة كما تعني حصنًا، فإن أيًّا من المعنيين لا ينطبق على ما هو أمامنا، هنا، إنما الذي ينطبق عليه فعلاً هو اللفظة اللاتينية castrum أي بناء محصّن. ونعتقد أنه مجرّد برج حراسة، أو مركز مراقبة متقدّم في هذه الناحية المجانبة لطريق الفتوحات. إن البيزنطيين، ومن بعدهم الصليبيين، زرعوا عددًا كبيرًا من مثل هذه المراكز على حدود ممتلكاتهم في مواجهة المسلمين المتربّصين أبدًا. فهذا «القصر» كناية عن بناء مربّع، مدعّم بسور، لا تزال تُرى بعضُ أجزائه في الجهتين الشرقية والجنوبية. وما تبقّى من حائطه الغربي مقياسه 7.20م طولاً، بسماكة 1.50 م.م. والجهتان الشمالية والجنوبية بقياس 7.60م وبسماكة 1.10م. والحائط الشرقي قياسه 7.20م وسماكته 0.90م. في الزاوية الجنوبية الغربية يمتدّ الحائط الجنوبي باتجاه الجنوب ليعود ويقفل المربّع ممتدّاً صوب الشرق ليلتقيَ بحائط السور. والمسافة بين الحائطين 3.30م وعرض حائطها 0.90م، وتَبعد عن المربع 2.70م. وللعبور إلى داخل السور بابٌ في الزاوية الجنوبية الشرقية، ومنه نستطيع التوجه إن شمالاً وإن غربًا، حيث يوجد بابان واسعان يُفضيان إلى داخل القاعة. والباب الجنوبي مملوءٌ بالركام، لا يكاد يَسمح لنا برؤية أرض الداخل، بينما البابُ أفضلُ حفظًا، فلا يزال قائمًا إلى علو 1.50م وبعرض مترين، وكان يُقفَل حتمًا نظرًا لوجود حزوز المفاصل ظاهرة في الصدغ المؤلّف من حجر واحد كبير، فيه أيضًا نُقيرات النجر والأقفال.

هذا البرج، المبني على هذه الصورة، من اللازم أن كان مزدوج المداميك (كلّين). وحجارته كبيرة فهي بقياس 1.30م × 0.50م × 0.30م. وجدرانه ذات طوقين بينهما حشوة كثيفة. هل كان المربّع مقسّمًا من الداخل؟ ربما، لكن الركام لا يسمح بالتحقّق من ذلك.

 

خامسًا: وادي عودين

من عندقت، البلدة الكبيرة الواقعة شمال شرق مدينة القبيات، نَنعطف صعودًا باتجاه جنوب شرق، إلى وادي عودين.

مهلاً! سرْ بنا هَوْنا، لئلا تعكِّرَ هدأة المعبد! عناة، في مصيفها، تستجمّ بعد الجهود المضنية التي بذلتها لإنقاذ تموزها الوسيم. إنه وادٍ مقدّس!... كلّما توغلتَ فيه أخذتْ بك روعة السكون. إنه السرّ، سرّ الكون القدسيّ الذي يلفُّ المكان من كل جهة. في هذا الوادي نطأُ أرضًا مقدسة، مجبولاً ترابها بالعرق والدم: قدّيسو لبنان الأولون تركوا، هنا، علاماتِهم التي لن تُمحَى. والغابة تبكي، ولا تزال، عبقَ البخور الذي كان، ليل نهار، دائمَ الفوح. والأمكنة لا تزال تحتفظ بأسماء شفعائها القديسين...

ماذا يعني، بالضبط اسم عودين؟ هل هو اسم مستعار حملَه معهم المهاجرون الأوائل من «العواصم»، على ما يشي به كلام الأب لامنس؟ أم هو جمعُ الاسم السرياني «عودو»، بمعنى الغابة المقدّسة ؟ منطلق الأب لامنس كان في تفسير اللفظ على أنه اسم لدير. لكن، هنا، يتعلّق الأمر بمنطقة غابات حيث يتضاعف تناسبُ الاسم معها. فالقمم والتلال المظلَّلة بأشجار الصنوبر تقي من هجير الصيف. والينابيع المبثوثة في الوادي تَشفي غلَّة العابر، وتهدهد بأغانيها الشجيّة أحلامه، حينما يمشي على دروب الزمن الغابر. ورائحة النرجس العابقة، الآن، في أجواء الوادي، هل تكون فوحَ الباقات التي كان يجمعها العرّافون الآراميون، بالأمس البعيد، من غابة عودين المقدسة؟ لكن، حتى لو تركنا الرومانسية جانبًا، فإن الأمر قد لا يجانِب الحقيقة، لا سيّما وأن الظاهرة يمكن استشفافها من خلال «الحجارة المنصوبة» في الجوار العندقتي المباشر.

 

وادي عودين

 

حاليًا يخترق الوادي طريقٌ مزفّت. وعلى مسافة كيلومتر واحد من بيوت البلدة أجمةٌ من السنديان العتيق إلى يمين الطريق، تلفت النظر. وهي مسوّرة بالباطون، ويحتضن سورُها موقعَ «مارسابا». لماذا تقوم، هنا بين التلال المزروعة، هذه البقعة الداكنة؟ ومثلها كثير يطالعك أينما توجّهتَ في هذه الناحية. لا! لا تسل ديّارًا ! بل اعلم أن هذه الأجمة التي أنهكها الزمان تظلّل مقامًا مقدّسًا. إنه «ولي» أو «وقف»، فيمتنع، بالتالي، أن تمتدَّ يدٌ إليه.

 

1- مار سابا

يجثم على مصطبة تنداح في خاصرة جبل، ينظر، أمامه، إلى عندقت، وفي البعيد، إلى «حصن الفرسان». وإلى شماله تتمدّد مدينة القبيات، وإلى يمينه يتثاءب وادي عودين، وصولاً إلى البقيعة. من ورائه، على قيد خطوات، يشمخ الجبل، ومنه تطلّ صخورٌ متوحّشة، تشرئبّ برؤوسها البيضاء من بين الأجمام أو من بين شتول الصنوبر، حيث تتوارى عن أعين الفضوليين أشياء تخصّ المقام.

 

الكنيسة[323]

كانت الخرائب مملوءةً بجذوع السنديان؛ فجاء أهل المكان وكنّسوه، منذ سنة، فماذا بقي؟ المكان واسع، ومما تبقّى من أثر نستدل على أنّه كان مجمّعًا للعبادة. الأساسات، هنا، تدلّ على كنيسة مزدوجة أو على كنيسة بصحنين. توجّه الكنيستين من الشرق إلى الغرب، وهو توجّهٌ صحيح. من الشرق يضمّهما حائط واحد كواجهة، فتبدوان، من بعيد، وكأنهما بناء مُدمَج. وسماكة الحائط تختلف بين مكان وآخر، كأنّه يتألّف، أحيانًا، من ثلاثة أدوار. الدور الثالث، من الخارج، مبنيّ بحجارة كبيرة، منتظمة التقصيب. ووجه الحجر متآكل بفعل عوامل الزمن، مما يحول دون أيّة معرفة ترضي. هل يمكن نسبة الأطلال هذه إلى معبد روماني؟ أم إلى مركز مسيحي من الحقبة التالية ؟ نحن نميل إلى تبنّي الرأي الثاني، نظرًا إلى التشابه في الحجم الكبير للحجر وإلى طريقة قطعه، فهو يماثل الحجارة الموجودة في أماكن أخرى مثل كمّاع وكفرنون؛ ولأن الحنيتين تستندان إلى الحائط القديم الذي يضمّهما، ويشكّل وجهه الداخلي عمق الدائرتين فيهما، بينما تختفي الزوايا التي يشكّلها الحائط المشترك، مع جانبي الحائط الشمالي-الشرقي والحائط الجنوبي-الشرقي، تحت الركام.

الحائط القديم يتَّجه من الجنوب إلى الشمال. وزاويتُه الجنوبية لا تزال ظاهرة إلى الآن، بينما أساساته، التي تتجاوز بكثير عرضَ الكنيستين، تعود وتختفي في عمق الأرض، فلا نعود نعرف مداها. هذا يدعونا إلى الاعتقاد أن الكنيستين قد بنيتا، كلتاهما، داخل البناء القديم.

وفي حنية الكنيسة القديمة لا نزال نرى في مكان المذبح بلاطةً كبيرة ممدودة فوق حامل لها. وللبلاطة حزٌّ دائري يشكّل حافة لها وفيه ثغرة، بينما في وسطها، في مركز الدائرة، ثقب. هل هي طاولة قديمة للأضاحي؟ أم كانت غطاء لضريح ميغاليتي ما؟ أم هي، على ما نعتقد نحن، منضدةً لعصر الزيتون؟ رأينا واحدةً مشابهة، مرميةً داخل قبر ميغاليتي في منجز، وثانيةً في «عزير» مقابل الفليسيوم، قد أعيد استعمالها صدغًا لباب في بيت قديم، وثالثة في قرية فساقين نحتفظ بصورة لها.

المداميك الأولى للحائط الجنوبي في الكنيسة الجنوبية لا تزال ظاهرة، بينما غرق ما تحتها في الأرض. لذلك تستحيل إقامة مخطط صحيح للأثر، لأنّ قسمًا كبيرًا من أساساته مخفيّ. وكما يبدو لا تتقدّم إحدى الكنيستين على الأخرى على مثال ما هي الحال في كنيسة مار جرجس ودانيال في شويتا، أو في كنيسة سيّدة غزراتا، لكن يضمّهما سور واحد كما في سيّدة كمّاع.

في الجوار بقايا أبنية كثيرة مخرّبة لا يمكن تحديد وجهة استعمالها الأصلية في مثل هذه الحال. وحجارةُ البناء يجب أن تكون قد أُخذت من صخور الجوار، لأنَّنا لا نزال نرى مقلعًا قديمًا، في الجوار، إلى الجنوب من الموقع. وجديرٌ بالذكر أن مار سابا ربّما كان ديرًا وذلك لأنّ بقايا برج لا تزال قائمة في الزاوية الجنوبية للموقع.

 

2- مار الياس

نتقدّم باتجاه جنوب شرق؛ الطريقُ طويل، وإلى يميننا يرتفعُ الوادي عموديًا. كلّما تقدّمنا في الوادي الضيق، كلما انفسح أمامنا ليأخذ شكلاً بيضاويًا. فمار سابا يبعد عن مار الياس أقلّ من كيلومترين. «عين القبو» تظلّلها دلبة كبيرة. وعلى بعد مئتي متر، شرقي النبع تقوم كنيسة، على بعض من الزهو، بعلوّ قبة الجرس، صافيةُ الانتساب إلى الطراز الماروني. فالبناء جديد، ولا يحتفظ بأية قرابة مع البناء القديم الذي حمل اسمه. لقد بنيت الكنيسة الجديدة في مكان دير ماروني تحوّل إلى الخراب. والرهبان الموارنة، بدورهم، كانوا قد أقاموا موطنًا لهم في موقع خربة الكنيسة العائدة إلى الفترة الإفرنجية، وكان ذلك في منتصف القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت ازدهارًا في إنشاء الأديرة، في هذه المنطقة. الآباء الكرمليون الحفاة كانوا قد أَحيَوا دير مار ضوميط في القبيات، والآباء اليسوعيون رفعوا بنيان سيدة القلعة في منجز، وبعد ذلك، بقليل، قام دير القديس يوسف في عندقت في الوقت الذي كان فيه الرهبان الموارنة اللبنانيون قد أنشأوا ديرين في المنطقة، الأول لا يزال عامرًا في دير جنين، والثاني المنطفيء منذ عقود هو مار الياس في عودين.

ماذا بقي من منشأة القرون الوسطى، هنا؟

- لا شيء، على ما يظهر!

قد يُظهر التنقيبُ بعض الأساسات. أما في ما يخصّنا، فنعتقد أنّنا اكتشفنا بعض حجارة أعيد استعمالها في البناء الجديد، تعود إلى الحقبة القديمة.

الموقع يقوم على جَرفٍ صخري مرتفع قليلاً، حفرت في حناياه عدّة مقابر، كما يوجد أخرى في كعب الجبل، قبالتها في الجهة الشرقية عند مجرى السيل، أسفل الجرف.

وعبرنا الوادي، لنعودَ أدراجنا على ضفّته اليسرى. وبعد مسيرة كيلومتر ونصف، عند خاصرة الجبل، تحت أكروم، ينعطف ويبدأ بالاتّساع. فالحقول تنفسح باتجاه الشمال حيث، قبالة مار سابا، تقريبًا، بقعة داكنة! إنها سنديانات وارفة، قديمة، تظلل مار اليان.

 

3- مار اليان

لا يشكّل منظر مار اليان من مطل مار سابا أيّ إثارة. بل يبدو المعبد، من هناك، غارقًا في جوف الوادي، فيتساءَل الناظر: لماذا اختاروا هذا الموقع غير الملائم ؟

المعابد القديمة التي أخذت مكان هياكل الفينيقيين، أو الآراميين، احتلّت أكتاف التلال وقمم الجبال. ولم يكن اختيار تلك المواقع بالصدفة أو اتفاقًا، بل نتج عن تقاليد ومعتقدات. في القبيات، لم يشذّ اختيار المواقع القديمة عن هذه القاعدة. حتّى ولو صدف أن وُجدت كنيسة ما في قلب الوادي، فإن اختيار موقعها يتمّ على مصطبة أو جرف. عند مار ليان الوادي واسع، والمعبد يقوم على كتف جرف عند أقدام المنحدر الغربي لجبل أكروم. وعلى بعد مائة متر، غربي المعبد، نجد بقايا أبنية موزّعة في المكان تحت حراسة سنديانة عتيقة منفردة. ليس من السهل التأكّد من حقيقة هذه البقايا نظرًا إلى الحالة الرثة التي هي فيها: فهي أشلاءُ كنيسة قديمة على اسم السيّدة العذراء. وإلى الجنوب نظنّ أننا تعرّفنا على ترسيمة منشأة زراعية قديمة، هي معصرة زيتون، على وجه التأكيد. المكبس الأسطواني الكبير لا يزال، هناك، مستوحشًا، وتحت ظلّ السنديانة جاروشة كبيرة.

 

المعبد:

يتألّف من كنيستين، وبالأحرى، من صحنين، وهو مبنيّ، بكامله، ضمن مجمّع ديني قديم. وللكنيستين حجمٌ واحد تقريبًا. الجنوبية أقصر بقليل، وتبدو، مع ما هي عليه من بلى، الآن، أنها الكنيسة الرئيسة. الشمالية أطول من أختها، لكنّها أقل عرضًا. وبين الاثنتين باب مشترك يصل بينهما.

 


==========

 

القسم الرابع

عموميات

 

==========

 


بعد الدراسة التي قمنا بها، على غير نظام محدّد، لمختلف الأوابد في المنطقة، نعود لنختصر:

كان هدفنا، في الواقع، أن نحيط، عن كثب، بالهوّيّة الحقيقية لتلك الأوابد، فنلقي بعض الضوء على نسبها وعلى ميزات الفنّ فيها، وعلى المؤثّرات التي تلقّتها، وعلى ما تحصّل من تلك المؤثّرات.

في الشرق المتصوّف، المضطرب، «العنصر الحاسم في تكوين الأمم كان المعتقد الديني ولا يزال؛ بينما في أيّ مكان من العالم، يرتكز مفهوم الأمّة، أساسًا، على فكرة الوطن كوحدة جغرافية»[324]. وبما أن كلّ مجتمع في الشرق الأوسط، دينيّ المنشأ، فإنّ الفن فيه، بالنتيجة، يستوحي الديانة. وبتعبير آخر، يترابط الفن فيه مع مناهج العبادة. فعندما نكشف عن نهج العبادة نكون قد كشفنا عن الشعب وفنّه، إلى حدّ ما، فيغدو الفن، في هذه الحال، مرآةً تعكس الحضارة المتمثلة في هذا الشعب.

في الفن الغربي كان التمييز واضحًا بين الديني والوثني؛ أما في الشرق الأوسط فالحقيقة غير ذلك. إذا وضعنا جانبًا الحقبة اليونانية- الرومانية التي كان فيها الفنّانون، ومن يرعاهم، يسهمون في صنع الفنّ، بفرعيه الديني والزمني، في المدن والقصور أو البازيليكيات أو الأروقة أو الأسواق أو المعابد الخالدة، فإنّه اقتصر، في باقي الحقبات، على الديني والمدفني. أما في المستعمرات الإفرنجية، فكان هناك فصل واضح وهامّ وتنافسي، بين الهندسة العسكرية والهندسة الكنسيّة.

في الشرق القديم، كان الإنسان، إنطلاقًا من اعتقاده بخلود الروح وبأزلية الآلهة، يهمل، إذا صحّ التعبير، مسكنَه الخاص، «والملجأَ الموقّت في حياة قصيرة»[325] مركّزًا اهتمامه في مسكنه الأبدي، ومُوليًا كل عنايته بيتَ الآلهة. نحن لا ننكر كل الإنكار وجود فنّ وثني في الشرق، لكن نركّز على غيابه، إلاَّ في بعض الشواهد التي سَلِمَت بأعجوبة، فلم تمتدّ إليها أيدي الأجيال، إمّا تطيّرًا وإمّا لاعتقادٍ ما، في الوقت الذي كانت تسارع فيه، بحماسة، إلى نهب حجارة المباني لتعود وتبني بحجارتها أبنية جديدة على صورتها ومثالها.


الفصل الأول

 

تقاليد سوريّة

 

إنطلاقًا من وسط مدينة القبيات، وعلى مساحة تعادل عشرة كيلومترات، تقريبًا، تتركّز أماكن العبادة وكأنها من خارج الحدث المعتاد. وكان لنا، لحسن الحظ، أن نقيم مخطّطات لبعض من تلك الأماكن؛ ولكنّنا، بالنسبة إلى بعضها الآخر، لا؛ بل كان عزاؤنا المر أننا أقمنا له كشفًا (لائحة) يكاد يكون كاملاً، وكان الغُنم أننا تمتّعنا بظلال السنديان الوارف هناك.

 

1- نَسَبٌ في المنشأ وطرافة في المصلّيات

تمكنّا من خلال المخطّطات التي نجحنا في إقامتها لبعض المصلّيات، ومن طريقة سقفها أن نميّز بين ثلاث فئات منها:

الأولى تضمّ ثلاثة مصلّيات هي قنية ومار شليطا والفاليسيوم. يتكوّن كل منها من صحن وحيد، مستطيل، وبسيط، ويتّصل بحنية نصف دائرية، على الأغلب بسكرستيّا عند الجوانب.

الفئة الثانية تضم مصلّيات تصميمها بسيط، أيضًا، وتتألّف من صحن وحيد مستطيل لكن أمامه رواق.

الثالثة هي التي تضمّ مصلّيات مركّبة في التخطيط، أي التي فيها صحنان. وهذه، بدورها، على نوعين: الأول، باعتبار السقف، فهو إما مقبّب على شكل قوس سريرية، وإما على شكل قوس متصالب.

من النوع الأول مصلّى الفاليسيوم الذي مرّ وصفه، وهو مجرّد مصلّى ملحق بحصن صليبي، لا مجال للشك في انتمائه أو تاريخه. أما بالنسبة إلى طرازه أو تخطيطه أو أسلوب بنائه فيمكن تشبيهه، من غير تردّد، بالمصلّى-البرج، في «القصر الأبيض»، أي قلعة صافيتا[326]، العائدة إلى فرسان الهيكل، والذي صُمّم على صورة كنيسة رومانية بصحن واحد، ذي ثلاثة أجنحة، أو مقبَّب سريريًا على عضادات، وبحنية نصف دائرية، مقبّبة بنصف صاج، وعلى جانبي الحنية حُجرتان مستطيلتان، مفتوحتان عليها، تذكّران بالسكرستيتين اللتين كانتا مُعتمدتين، في العصور المسيحية الأولى، في البازيليكيات السورية، وكانتا تحملان اسم دياكونيكون وبروتزيس[327].

قد يكون مصلّى الفاليسيوم، بحجمه المختصر، نموذجًا لذلك::فيه صحن وحيد، مستطيل، متصل بحنية نصف-دائرية، يلاصقها، على شمالها، سكرستيتان فيشكلان، معًا، صورة بناء مربّع. والوضع الحالي للمصلّى لا يسمح لنا بالتأكّد عمّا إذا كان مقبّبًا بعقد سريري أو بعقود مساندة. وقد لا يجانبنا الصواب إذا افترضنا أنه كان مقبّبًا سريريًا حسبما توحي المعطيات الميدانية لنا.

كتب الأب لامنس، بعد أن زار السيّدة في بداية القرن العشرين: «خلال بحثنا على التلّة المسمّاة «القلعة»، والتي كان عليها حصن الفرسان الاوسبتاليين للقديس يوحنا، وقعنا على أساسات كنيسة ثانية تشبه بمخطَّطها الكنيسة الأولى»[328].

نشير هنا إلى أنّنا لم نقع على أيِّ أثر لهذه الكنيسة الثانية. هل زالت بفعل إعداد الأرض للزراعة؟ أم أن عوامل طبيعية قد محتها ؟ هنا نذكر بأن حجارة كنيسة سيدة القلعة الحديثة قد أخذت حجارتها من أبنية القلعة.

الكنيسة الثانية، في هذه الفئة، هي كنيسة قنية والتي يشبه مخطَّطُها، إلى حدّ ما، كنيسة الفاليسيوم. وهي تماثلها من حيث الأبعاد، ولها باب دخول في الجهة الشمالية الغربية، لكن هناك، تفصيلان يبدوان، في الظاهر، غيرَ مهمّين، يعطيان لكل أثر منهما شخصيته المستقلة. الأول هو أنّ كنيسة قنية يحتضنها مسند مربّع، بينما مصلّى الفاليسيوم يشكّل نصف طارمة (قبة على مربّع مقسومة نصفين)، من الداخل ومن الخارج. والتفصيل الثاني المفارق هو أنّ سكرستيّا الفاليسيوم تنفتح مباشرة على الصحن بباب رئيس، وعلى المحراب بممرّ جانبي؛ والمحرابُ في كنيسة قنية والذي يتّصل مباشرة بالصحن بحائط شمالي، مستقيم مما يجعل السكرستيا تتّصل به بممر جانبي شمالي وحيد.

الثالثة هي كنيسة مار شليطا. نحن نميل إلى تصنيفها في مصافّ الكنائس التي في محيطها، رغم بعض التشابه الذي يقرّبها من كنيسة قنية. كنا لمّحنا إلى أننا نرجّح احتمال وجود كنيسة ملاصقة لكنيسة مار شليطا يطمرها الركام، إلى شمالها. وبعد مزيد من البحث الذي قمنا به، لم يعد لدينا شكّ في ذلك. فإذا كان الأمر كذلك، فيمكن أن يؤدّي التفسير إلى احتمالين: الأول هو أن هذه الكنيسة قد تعود إلى الشعب نفسه، في الحقبة نفسها، كمثيلاتها في المنطقة، وهو أمر منطقيّ، نظرًا إلى وجودها في المحيط الجغرافي نفسه؛ وبالتالي، فإنها أعدّت لممارسة طقس العبادة نفسه الذي كان ساريًا في وادي القبيّات. أما الاحتمال الثاني فهو أنها قد بنيت في مرحلة متأخرة. وهذا الاحتمال، كما كنّا قد بيّنا، يفتقر إلى أساس تاريخي ثابت. والمنسنيور زريبـي، في مخطوطه الآنف الذكر، يسأل، ومنذ قرن من الزمان، عمّا إذا كان هذا الأثر يعود، وحسب التقليد، إلى الحقبة الصليبية[329].

المجموعة الثانية تعود إلى فئة الكنائس البسيطة التي يتقدّمها رواق. وبالنسبة إلى هذه، أمكننا أن نتثبّت من أساسات كنيسة واحدة منها هي كنيسة مار نوهرا في فساقين. وهنا نتساءل: هل هي مجرّد كنيسة رعائية صغيرة، أم هي تابعة لدير من الأديار؟ مهما كان الجواب، فإن هذا التخطيط يندرج في نمط الكنائس المارونية التي في لبنان، لأنّ نماذج كثيرة منه موجودة في كنائس جبيل والبترون القديمة. وجدير ان نشير، هنا، إلى كنيسة المخلّص في «كبّا» والتي يجمع الرأي، هناك، على أنها صليبية؛ بينما نرى نحن خلاف ذلك، أي أن نمطها يشير بوضوح كبير إلى أنها من الطراز المحلّي. وكنيسة القديس فوكاس في أميون ينسبونها، أيضًا، إلى الصليبيين رغم هويّتها اللبنانية.

أما كنائس الفئة الثالثة، فيمكن، إذا صحّ التقدير، أن يكون انتسابها الأصلي موضع شك. وذلك نظرًا إلى بعض المبرّرات التي نراها سطحية، مثل القبّة السريرية والقبّة المتصالبة. ولا يمكن لهذا المبرّر أن يميّز هذه الفئة، إن من حيث الطراز أو من حيث الحقبة؛ فهذا الاختصاصي الذائع الصيت، كميل أنلار، نفسه، يؤكّد أن الفرنجة قد اعتمدوا الشكلين في التقبيب، وحتى في المبنى الواحد، أحيانًا.

وإذا كانت القبة السريرية سهلة التحقيق، فإن القوس المتصالبة، مع ما تتطلّبه من ركائز وعضادات حيطية، وأعمدة، وعميدات مُدمجة، وتيجان، تؤدّي عنصرًا تجميليًا غنيًّا. وقد يكون مثل هذا الطراز من التقبيب عائدًا إلى منطقتين أو إلى أسلوبين، ولكن، ليس إلى حقبتين زمنيَّتين[330]. إذا المسألة ليست مسألة قبل أو بعد، بل هي مسألة فن وجمال. ومن هذه الناحية الجمالية، تتفوَّقُ كنيستا مار سركيس ودير عنان بمقدار على الكنائس الأخوات التي في المنطقة. ومن الممكن أن نقرّ بتمايز بين كنيستي غزراتا ومار جرجس- شويتا بالنسبة إلى باقي الكنائس المزدوجة من حيث التخطيط، ولو كان هذا التمايز مقصودًا وغيرَ عفوي.

والقدماء، احترامًا للأماكن المكرّسة، كانوا، عكس ما هم عليه في هذا العصر، يحرصون على صيانة الأماكن القديمة، إذ نرى أن الأضرحة الباقية من الحقبة المسيحية الأولى والكنائس القديمة قد حُفظت كاملة في بعض البازيليكات الكبرى، ممّا يشكّل شاهدًا حيًّا على ما نقول. وكنائسنا، هنا، لم تحلّ مكان الكنائس القديمة، بكل معنى الكلمة، بل قامت على مواقعها نفسها، واحتفظت، حتى، ببعض أجزاء منها، رأى البناة أنها جديرة بالحفظ... وقد سبق أن أشرنا إلى احتمال وجود كنيسة ضرائحية تحت كنيسة مار جرجس ودانيال في شويتا. وكنيسة سيدة كمّاع مبنيّة داخل بناء قديم.  كما أنّ ساكف باب الكنيسة القديمة في غزراتا لا يزال قائمًا في الزاوية الشمالية الغربية للمصلّى الشمالي في كنيسة غرزاتا. وهناك تفسير يقول بأنّ الفارق في موقعٍ بين المصلّيين، إن في شويتا وإن في غرزاتا، سببه أنه كان في الموقع بناء مكرّس، فرأى البناة الذين جاؤوا من بعد، أن يُضيفوا إليه الكنيسة المؤلّفة من صحنين فتصير مزدوجة. وهذا التفسير لا يمكن أن يشرح شرحًا كافيًا ما إذا كان الفارق إنما جاء ليحفظ مكانًا مُكرَّسًا؛ لأنّنا، إذًا، كيف نفسّر الانحراف الظاهر في محور الكنيسة، وكيف نعمّمه كنمط في باقي الكنائس؟ نحن، هنا، أمام طقس عبادة يحتاج إلى حسن قراءة، أو، بكل بساطة، نحن أمام معضلة فهم سرّ مثل هذا البناء الكنسيّ بالنسبة إلى المكان أو بالنسبة إلى شعب معيّن.

هذه القرابة في نشأة كنائسنا تَظهر، أيضًا، على صعد أخرى، لا سيّما في اختيار الموقع وفي شكل البناء.

 

2- اختيار الموقع

ثوابت ثلاثة تتحكَّم باختيار الموقع، وتكاد تكون عامّةً في الشرق الأوسط:

-        أولاً، أن يكون الموقع مرتفعًا، جبلاً أو تلاًّ، أو أي نهدة على أرض مسطّحة.

-        ثانيًا، نقاط المياه كالينابيع والغدران والصهاريج التي تسهم، بدورها، في اختيار الموقع.

-        ثالثًا، الملكيات الواسعة التي من شأنها أن توفّر الأسباب الضرورية لإعاشة سَدَنة الموقع.

 

2/أ- الجبل خيار ورمز

مواقع كنائسنا، في إطارها الجغرافي، تقوم إجمالاً، على مرتفع من الأرض، تحيط به وديان أو انخسافات من جهاته الثلاث، بينما تبقى الرابعة موصولة بالجبل، تربطه به، معلقًا فوق المنخسف أو الوادي.

علام كان يُبنَى مثلُ هذا الاختيار؟

بدايةً، ليس صحيحًا أن البناة كانوا أحرارًا في اختيارهم لمواقع الأبنية؛ لأننا إذا بحثنا في أصول تلك المواقع، وهي أصول قديمة، نجد أن هؤلاء البناة رمّموا أكثر مما أحدثوا. إذ إنّ مجمل كنائسنا، مبدئيًا، بُنيت على مواقع لكنائس قديمة، والتي هي، بدورها، قامت على أنقاض هياكل وثنية، وحتى إن بعض تلك الهياكل عُمِّدت كنائس.

على كل حال، فإنّ مواقع تلك الكنائس تُفسح لنا في المجال أن نقيم لها مقياسًا يصنّفها ضمن مجموعات ثلاث:

الأولى تضم، برأينا، ومن حيث الموقع، ثلاث كنائس: مار شليطا الذي اقتطع ناحيةً من الهيكل الكبير في حلسبان. ثم تلك التي شغلت جزءًا من الهيكل المسمّى «مقام الرب» في منجز، والتي لم يبق لها أثر، والأخيرة، وهي الهيكل الصغير، في أكروم، والذي حُوِّل إلى كنيسة.

- الثانية هي تلك التي قامت على أصول كنائس قديمة قامت، بدورها، على أصول هياكل وثنية. وكنموذج لذلك نسمّي موقعَ كمّاع الذي يدل بالإسم، ذات الأصل الآرامي، على وثنيّته. ثم مار ضومط الذي لا تزال الجِرار الكبيرة الأثريّة معروضةَ في باحته، اليوم، لدى الآباء الكرمليين. ثم سيّدة «شحلو» المجدّدة حديثًا، والتي تحتفظ، في باحتها، بمذبح التقادم الفينيقي القديم ككنزها الحريز.

- الثالثة، وعددها كبير، أخذت مكان كنيسة قديمة.

هنا نذكر أمرًا طالما لاحظه الأركيولوجيون[331]، وهو أن أبنية الكنائس الجديدة، مع أنها أخذت أماكن القديمة، فإنها لم ترتفع على أساساتها، بالتحديد، بل حافظت على مجرّد اقتفاء أثرها. لذلك، عندما كنا نرسم مخططات الكنائس المدروسة كنّا نشير إلى أصولها القديمة. وبالاختصار نقول: إذا كان بناة الكنائس، تلك، لم يستطيعوا التفلّت من اقتفاء أثر القديم، فإن البناة القدامى كان لهم ملء الحرية في الاختيار؛ فلماذا، إذًا، اختاروا المواقع الجبلية؟ هل كان هناك مبدأ تاريخي أو ديني يحتّم مثل هذا الاختبار؟

الجبل كان من الموضوعات التقليدية في الكتاب المقدس-العهد القديم، فهو في نظر العبرانيين يمثل «مسكن الله»:

«ويكون، في آخر الأيّام، أنَّ جبلَ بيت الرب

يُوطَّد في رأس الجبال، ويرتفع فوق التلال. وتجري إليه جميع الأمم

وتنطلق شعوبٌ كثيرة وتقول:

هلمّوا نصعد إلى جبل الربّ

إلى بيت إله يعقوب...» (إشعيا: 11: 2-3).

وموسى تلقّى الوصايا العشر فوق الجبل؛ وابراهيم صعد إلى الجبل ليقدِّم ابنه إسحق ذبيحة يقبلها الله، والنبي إيليا انسحب إلى جبل الكرمل ليبتهلَ إلى الله. وفي العهد الجديد: «... قامت مريم فمضت مسرعة إلى الجبل...» (لوقا 1: 39)، وحدث ذلك لكي يصبح يوحنّا، قبل الأوان، قدّوسًا بالمسيح... ويسوعُ، نفسُه، صعد إلى الجبل حتى يكلّم أباه (يوحنا: الصيد العجائبي).

وأماكن العبادة الوثنية، على ما كَتب الأب ميخائيل ناكوزي، كانت، غالبًا، على رؤوس التلال وفوق الأعالي وفي الجبال، وعلى ما نشهده في معابد الفينيقيين المبنيّة على قمم لبنان... وبنوا كذلك معابدهم في الوديان الظليلة للتستّر عن أعين الفضوليين عند ممارسة بعض طقوسهم المخجلة[332]؛ وحزقيال النبي، ناقلاً كلام الربّ: «... وتعلمون أني، أنا الرب، حين يكون قتلاهم في وسط قذارتهم حول مذابحهم، على كل تلّة عالية وفي جميع قمم الجبال وتحت كلِّ شجرة خضراء وكل بلوطة ملتفّة، حيث كانوا يقرّبون رائحة رضا لجميع قذاراتهم...» (حزقيال 6: 13).

والطقوس الوثنية كانت تجري إما في الهياكل حيث المذابح والنصب، وإمّا في خارجها: «... تخرِّبون جميع الأماكن التي كانت الأمم التي أنتم وارثوها تَعبدُ فيها آلهتَها، على الجبال العالية والتلال، وتحت كلّ شجرة خضراء. وتدمّرون مذابحها وتكسِّرون أنصابها وتُحرقون بالنار أوتادَها المقدّسة وتحطّمون تماثيل آلهتها...» (تثنية الاشتراع 12: 2-3). «...وذبح وأحرق البخور على المشارف والآكام وتحت كل شجرة خضراء» (سفر الملوك الثاني 16: 4). أما وجود الأنصاب داخل الهياكل فتشرح فكرتين متناقضتين من حيث المبدأ لكنهما تلتقيان في النهاية: بعض الحجارة تكون مسكنًا للآلهة([333]). وهنا لنتذكّر عبادة الحجارة عند عرب الجاهلية، وهي حجارة نيزكية يسمّيها الساميّون «بيت إيل» تعني الله، وانتقلت التسمية إلى الفرنسية تحت لفظة (Bétyle). وكانت تنسُب، كذلك، إلى بعض الحجارة منها صفاتٍ أموميّة, وإلى الخشب دورًا أبويًّا([334]).

في الهيكل الكنعاني كان العمود (أو السارية) يشكّل عنصرًا دينيًا هامًا. وعند الساميين القدماء كانت بعض الأشجار الضخمة، على الأخصّ، والوارفة مسكنًا للآلهة، فكان الكنعانيون يستظلون بعضها وفي اعتقادهم أنهم يتواصلون مع شخصيات مهمّة([335]). كذلك السارية الكنعانية والحجر المنصوب لدى ابراهيم العبراني والشير الفينيقي وبيت إيل العربي. هذه الشعوب الأربعة سامية كلها. كانت «العمودية»، عندها، (أو الانتصاب) تمثل ارتقاء الروح على الجسد وانتصارًا للحياة على الموت ([336]). ونداء الألوهة، هذا، المجسّد في بلاد ما بين النهرين السهليّة بالزقورة، كان في لبنان يرفع هياكله فوق الأعالي.

 

2/ب: الماء

كان اختيار الموقع مشروطًا بتوفّر الماء، كأن يكون هناك ينبوعٌ يجعل الماء في متناول أهل الموقع وكافيًا لهم، إن على التلة وإن على الجرف أو الجبل. وأحيانًا تكون الآبار حافزًا لاختيار المكان. وقد يكون لهذا الماء طابع مقدّس، أو يكون هو نفسه موضعَ عبادة. في هذه الحال يكون، على الغالب، في البناء المخصص للعبادة نفسه، على مثال ما كان في آبار يعقوب والسامرية والناصرة، كذلك في قانا لبنان، وفي سوريا، مثل الينبوع السبتي، -شبطونا في النصوص الفرعونية- وهو في دير مار جرجس بجوار حصن الفرسان. ولم يكن الماء مطلوبًا، غالبًا، إلا لتلبية الحاجة الضرورية وحسب، كما في حال الآبار المحفورة إلى جانب الكنائس، أو تحتها، وتتلقى ماءها من السطوح؛ وهذا كان مخصّصاً لحاجات ليتورجية كالتطهّر والعماد والتبريك وتنظيف الكنيسة، وعلى الأخص للشرب.

وكانت في صافيتا بئرٌ ذات عين موجودة في طرف الباحة، عند الزاوية الجنوبية لكنيسة البرج الذي لا يزال قائمًا في القلعة المعروفة بالبيضاء. كذلك مثل هذه الصهاريج موجودة في طرطوس (سوريا) وفي لبنان، في جبيل عند أسفل الحائط الشمالي، ومتّصلة «بدار العماد». ومنذ وقت قريب كُشف عن بئر سيدة غزراتا كما كنا قد أشرنا إلى ذلك. وأحيانًا كانت الاستراتيجيا تحتّم موقع المعبد، ولو افتقر إلى الماء، فكان يُستعاضُ عن النبع بماء المطر، وهذا يفسّر أن معظم المواقع، في القبيات، تَستخدم ماء السطوح لتتزوّد به. شذّ عن ذلك مواقعُ وادي عودين: مار الياس ومار اليان، التي تتزوّد بالماء من عين القبو الغزير، عبر السواقي. وعلى طريق السابلة، بين حلبا والقبيات، عين الدلبة التي كانت محطّة عزيزة على أبناء السبيل، وهي موجودة على بعد خمسة عشر مترًا، جنوب كنيسة فساقين. أما كنيسة «قلحتا» الصغيرة، الواقعة على مبعدة خمسة كيلومترات غربي الفاليسيوم، فإنها لا تبعد أكثر من مئة وخمسين مترًا عن مجرى النهر الكبير الجنوبي([337]).

 

2/ج: الممتلكات

ثابتة ثالثة تَظهر عند اختيار الموقع وهي وجود الممتلكات الواسعة الكفيلة بتلبية حاجات القيّم على الموقع أو الجماعة المتوطّنة فيه. فكنائس القبيات بأجمعها، من الخرائب العتيقة وكنائس الرعايا، تتملَّك أراضيَ وعقارات موقوفة، يديرها شخص أو لجنة. ويسهم

 

 

بئر محفورة في أعلى الصخرة على جبل مار سركيس وباخوس

 

حوض أسفل الصخرة نفسها

الوقف، اليوم، وبالضرورة،  في إدارة ملكية كبيرة موروثة كان وجودها يشكل، وبالأفضلية، اختيار الموقع. هذا الوقف يتشكّل من بقايا تلك الموروثات القديمة، ثم تُضاف إليها هباتٌ متجدّدة من المؤمنين. وكنّا قد أشرنا، في هذا السياق، إلى الشرعات الإفرنجية التي أحالت هبات كثيرة إلى أوقاف بعض الكنائس اللاتينية، آنذاك.

جميع المواقع، حيث الأوابد التي درسناها، محاطةٌ بأراضٍ زراعية غنيّةٍ: عودين، حلسبان، شويتا، كمّاع، وهذه كلّها صارت مشهورةً بمعابدها. ونحن نعتقد أن هذه المواقع مدينة بقيامها هنا إلى غنى الأراضي المحيطة.

 

3- لكل شعب طقوسه

من اللمحة التاريخية التي قدّمنا بها الكتاب حاولنا أن نُثبتَ انتماء الآثار الدينية القبياتيّة إلى الشعب الماروني الذي يسكن لبنان وكان حليفًا طبيعيًا للفرنجة. ورغم سكوت المراجع على حقيقة أصول ذلك الشعب تمكنّا من خلال التسلسل التاريخي أن نحيط بأصله وبهويته. ثم يأتي علم الأركيولوجيا ليسهمَ في الإضاءة على استقراء ذلك التاريخ في فنّ البناء؛ وهنا، من حيث هو ضرورةٌ طقوسية يشهد، برأينا، على حقيقة نشأة ذلك الشعب، وذلك لسببين:

الأول هو أن تلك الكنائس تخضع في بنائها، عمومًا، لقواعد الهندسة الكنسيّة الدينيّة المارونية.

الثاني، وهو الأهمّ، أن تلك الكنائس ليست يتيماتٍ لأنَّ نسبَها موجود في مخطّطات كنائس لبنان الماروني.

 

3/أ- قواعد فن البناء الماروني

فنّ البناء الديني لدى الشعب الماروني كان موضع دراسات، آخرها، زمنيًا، كانت دراسة الأب بطرس ضو. ولأن في نيّتنا أن نتحقّق من نسب كنائسنا القبياتية، فإننا، وبكل بساطة، قارنّاها بالكنائس المشابهة لها في لبنان، إن من حيث الزمان، وإن من حيث التوافق في الطراز، وحسبما رسم لنا البطريرك اسطفان الدويهي في كتابه «تاريخ الأزمنة»، ومن خلال تأكيد الأب لامنس على ذلك عند نهاية القرن التاسع عشر ([338]).

قواعد البناء الماروني لا تشكّل كلاًّ مميّزاً، بل إنّ كثيراً من تلك القواعد يشترك مع أيِّ نظام بناء كنسيّ آخر. وإذا كان هناك من تمايز فهو لا يتعلّق بتفاصيل ريازيّة (فن العمارة) لكن ببعض الرموز التي تتجسَّم فيها.

كتب البطريرك الدويهي: «الآباء القديسون قسّموا الكنائس الكبرى إلى ثلاثة أقسام: قدس الأقداس، والقدس (الخورس) والصحن. وهذا التقسيم يرمز إلى الأقانيم المثلَّثة التقديس. وهذا التقسيم ظاهر في كنائسنا القديمة، لا سيّما في كنيسة القديس ماما في إهدن، المبنيّة سنة 749م، وكنيسة مار سابا في بشري المبنيّة سنة 1112م ([339]).

 

3/ب- قدس الأقداس

أما قدس الأقداس، يقول الدويهي، فقد كان، قَبلاً، محجوبًا، فأمر الآباء أن يُفتح فيه بابان، قبل الخورس وبعده، بحيث يستطيع المؤمنون ان يدخلوا إليه من الصحن. ثم حُوِّل إلى خزانة، وفي وسطها أقيمَ مذبحٌ صغير، وإلى اليمين أقيمت قبّة العماد. وأفسح، أيضًا، مكانٌ لبيت القربان، وآخرُ للثياب البيعيّة، وللأواني المقدّسة، وللكتب الطقسية، وللذخائر المقدّسة، وهكذا...

وفي قدس الأقداس، كان يُنتخب الأسقف (ريش أبون)، وفيه تتمّ سيامة الشدايقة والكهنة، وفيه تُحفظ بقايا الأسرار، ويبارَك الأولاد وتُقامُ الزيّاحات([340])، وتوضَعُ كراسي الإكليروس. وفيه «خيمة المقدّسات» التي تحوي القربانَ المقدّس والميرون والزيت المبارك وماء العماد.

 

3/ج- المذبح

ويتابع الدويهي: «إرتأى الآباء القديسون أن يكون المذبح من حجر رمزًا لاستمرار التقدمة... ويجب أن يكون الحجرُ مستطيلاً، فيكون طاولةً يمتدّ طولها من الجنوب إلى الشمال وعرضها من الشرق إلى الغرب، وذلك لتحملَ كتاب القداس والبخور وكتب الصلاة...». وتتدرَّجُ أمام المذبح العالي إلى حدّ ما، مرقاةٌ من عدّة درجات. ويجب أن يكون المذبحُ مفصولاً عن حائط الحنية حتى يتمكن الاكليروس من عمل الزياح، وأن يكون ممرًا لتسهيل رفع الكسرات المقدّسة، وأن يكون فيه نقرةُ إلى جهة الشرق لتوضع فيها الذخيرة المقدّسة والتي يمكن أن ترفَعَ عندما يراد لها أن ترفع... وأمر الآباء القديسون، أيضًا، كما هو بائن في كنيسة مار سابا-بشري، وكنيسة السيدة في حلب، أن يكون فوق المذبح في الكنائس الكبرى، مظلّةٌ أنيقة مرفوعة فوق أربعة عميدات، وجوانبها مقفلة بأربعة ستائر، وفوق كل زاوية تمثال صغير يمثل ملاكًا أو حيوانًا من الأربعة التي في سفر الرؤيا، وعلى سطح المظلة تفاحة وعلى التفاحة صليب».

 

3/د- الصحن

يتألف صحنُ الكنيسة من جناح أو أكثر.

- الكنيسة ذات الصحن الوحيد، مستوحاةٌ من الدهليز اليوناني (ممر جانبي في الهيكل). وهذا الشكل، عُرفَ أولَ ما عرف في جبل «باريشا» في سوريا، منذ أواسط القرن الخامس. هذا النوع البسيط والسهل البناء كان منتشرًا بين موارنة جبل لبنان بكثرة في فترة انحطاط العمارة السريانية، بعد الفتح العربي في القرن السابع.

- التخطيط البازيليكي أبصر النور، أيضًا، في سوريا الشمالية، في جبل سمعان، خصوصًا. وفي الإجمال، كانت البازيليك المارونية في سوريا، تتضمَّن، بالضرورة، العناصر التالية:

·     صحنٌ مستطيل بثلاثة أجنحة وبصفّين من الأعمدة. وعلى الأعمدة تتقوّس قناطر.

·     الجناح الأوسط أوسع وأعلى من الجناحين الجانبيين، ومسقوف بسنام ذات شاحطين، وعدد من النوافذ المتتالية في حائطي الجناح الأوسط.

·     لكل من الجناحين سقفٌ بشاحط واحد يبدأ عند أسفل نوافذ الجناح الأوسط.

·     السقف مؤلّف من سقالة خشبية عليها قرميد أحمر. وكان داخل الصحن خاليًا من المقاعد لأنّ المؤمنين كانوا يبقون واقفين طوال فترة الصلاة في الكنيسة. ولأنّ الاحتفالات الدينية والصلوات كانت تستغرق فترةً طويلة، وعلى ثلاث فترات في النهار، كان الضعفاء من الإكليروس والشعب يتكئون على عصي.

«... آباؤنا في كرسي البطريركية الأنطاكية، أَهملوا اعتماد الكراسي في الكنيسة انصياعًا لقول الرب: إذا وَقفتم للصلاة قولوا: أبانا الذي في السموات... ويخبرنا التاريخ أن رفاقَ أبينا مارون أمضوا حياتهم واقفين، في الليل كما في النهار، جوقين أمام الباب الملوكي»... أما الكهنة والشمامسة فكانوا يتّكئون على عصيّهم ليسندوا أجسادهم النحيلة، بينما كان الأساقفة يجلسون على كراسٍ نظرًا إلى المرتبة التي ارتقوا إليها([341]). والمؤمنون الموارنة لم يكونوا يستعملون الكراسي في المراسم الدينية بل كانوا يقفون، والضعفاء منهم كانوا يتّكئون على عصيهم إذا دعت الحاجة([342]).

وكان يضمّ الصحن «القرّاية» والمنبر وأدوات العماد وأجران الماء المبارك والمرايا وبيض النعام والناموس...

وهذه المتاع كانت موزعة على الشكل التالي:

I- مقرآن (قرّايتان) على ناحيتي الدرابزين من أجل الصلوات العامة التي كانت تتمّ في الليل وفي النهار، وعليها تقرأ الكتب المقدسة والسنكسار وكتاب الأخيار.

II- المنبر أو البيما. كان يقيمها البعض في آخر الكنيسة، وبعض يقيمها في الوسط وآخرون إلى شمال الدرابزين، وعليها ترتل المزامير وتقرأ الأناجيل والعهود، ويبرّك الميرون...

III- وكانت توضع في الصحن أواني العماد، التي كانت قديمًا، توضعُ، إلزاميًا، خارج الكنيسة، وقريبًا من المدخل أو أبعد، لأن داخلها كان لأبناء النور، فقط. ثم جمعت هذه الأواني في خزانة «الرازات» أو الكنوز، كما في كنيسة مار سابا في بشري.

ودرجت العادة ان تُعلّق فوق جرن العماد منحوتةٌ لحمامة من حجر لترمز إلى الروح القدس.

VI- بعض الأحواض كان يُحفظ فيها ماء عيد الغطاس أو مناسبات أخرى.

وكانت تعلّق، أيضًا، فوقه مرايا مدوّرة وبيوض النعام، وكل هذا كانت له رموزه الخاصّة([343]).

V- وكان الناقوس يوضع، أيضًا، في الصحن ليدعو المؤمنين إلى الصلاة.

 

3/ﻫ - المحراب

هذا، بدوره، كان يُقسم إلى ثلاثة: قدس القداس، وحُجرتين، إلى كل جانب منه واحدة. وقدسُ الأقداس موجّهٌ إلى الشرق، ومفتوحٌ على الصحن بقوس.

نسجّل هنا، أن هذه القواعد في العمارة الدينية المارونية لم تكن معتمدةً في سوريا القديمة وحسب ولكنّها كانت معتمدةً، أيضًا، في كنائس لبنان القديمة مثل كنائس فقرا والغينة والزهراني وخلده وجبيل وغيرها.

وفي القرنين التاليين للفتح الاسلامي، صار الفن الديني الماروني يتقهقر. من هذه الحقبة بقي لنا، في إهدن، كنيسة مار ماما، وهي كنيسة صغيرة من طراز بازيليكي ذي جناحين مفصولين بواسطة قناطر معمّرة، ويحتضن حَنيتَها بناء مربع، يظهر أنه أضيف إلى بناء الكنيسة في زمن متأخر.

 

3/و – الحنية

هي تشبه حنايا الكنائس القديمة: مقوّرة من داخلها بارزة من الخارج، وعلى شكل نصف كرة في أعلاها، على مثال ما نشهد في كنيستي إهدن (مار جرجس) وكفرحي([344])...

كم حنية للكنيسة البازيليكية المارونية القديمة؟

يقول كميل أنلار: «الكنائس المحليّة ذات الجناحين الجانبيين كانت لها حنيةٌ واحدة، وكان لكلٍّ منها حائطٌ قائم في الجهة الشرقية. أما الكنائس الصليبية التي كان لها رواق جانبي فكان لها ثلاث حنايا([345])...».

في الأصل كان في العمارة السريانية حنيةٌ لكل صحن. وأوّل اعتماد لهذا الشكل كان في كنيسة قلعة سمعان في القرن السادس، وتَعمَّمَ في البازيليكيات السورية، إلى ان تحوّل قاعدةً معمارية في كنائس أوروبا خلال القرون الوسطى. هل كانت الحنية النصف- دائرية إلزاميّة؟

والقاعدة في بناء المحراب على صورة حنية نصف-دائرية لم تكن على جمود تام، وكان يمكن أن تأخذَ أشكالاً أخرى، منها الحنية الناتئة من الخارج، ومنها المحراب المضلع الذي كان له تطبيقات كثيرة، في البدء، في البازيليكيات السورية. مثل هذا الشاهد نجده في بازيليكية مار سمعان العمودي، شمال حلب (القرن السادس).

والحجرتان المرّبعتان كانتا تلحقان بالحنية القديمة، واحدة في كل جانب، وتُستخدمان لخدمة النشاط الكنسي، وتحملان اسم «ملحقة» (prothésis) في اليونانية ودياكونيكن. أما في اللاتينية فيسمونها سكرستيا (Sacristia).

وجاءت الحروب الصليبية تعطي دفعًا للبناء الديني في لبنان، فأعاد المعماريون الموارنة الاعتبار للأبنية الدينية من غير اهتمام كبير بالتفاصيل. هذا ما نراه في بازيليكية مار دانيال في حدث الجبة، العائدة إلى القرن الثاني عشر، مع ثلاث حنايا ناتئة، ونصف دائرية؛ ويتقدّم الكنيسة رواقٌ مقبَّب، بينما تعلو فوقها قبّةٌ صاجيّة جميلة([346]). اما كنيسة معاد-جبيل فلها ثلاثة أجنحة. وكنيسة «صغار» (جبيل) لها اثنان موصولان بحنيتين. كنيسة «رشكيده» (البترون) لها ثلاثة أجنحة بثلاث حنايا، وبرواق واسع. وهناك نماذج تتوسَّط ما سبق، وهي كناية عن حنية وحجرتين، ويتصل بالحنية جناحٌ مركزي، ويحتضنها بناء مربّع، ويُقفِل الحائطين الجانبيين حائطٌ شرقي تقوم فيه كوى عادية قد تُستخدَم في أحوال طارئة كمذابح. والتوجّه المشرقي انتقل إلى أوروبا في القرن الثاني عشر. وكنموذج ساطع على ذلك هو في كنيسة مار سابا-بشري.

كتب الأب لامنس: «ليس من شك، إطلاقًا، في أنّ الموارنة قد أهملوا بناء الحنايا منذ أن تقرّبوا من الصليبيين، إن بالنسبة إلى بناء كنائسهم أو إلى ممارسة طقوسهم([347])». فلماذا، إذًا، الحنية في الكنيسة؟

إنها حاجة عمليّة كما أوحى بذلك المؤرّخ الماروني الكبير، قال: «يجب أن يكون المذبحُ الرئيس وحيدًا بحيث يسهل، حوله، قيام التبريك والزياح، والاحتفالات التي رسمها لنا الآباء. ولهذا أمروا ببناء حنيةٌ حوله، إلى جهة الشرق، حتى لا يؤثر عليه حائط متقدّم...»([348]).

أما نحن فنتيجةُ تفكيرنا تتّجه إلى الرمزية الأساسية التي تتأصّل في سبب بناء القبّة. فقد قال الأب بطرس ضو في هذا الشأن. «يجب اعتبار المعنى الرمزي الذي تجسّده الحنية والقبّة والذي هو القدسية المعطاة لها باعتباره إرهاصٌ مسبق إلى السماء... فالقنطرة والقوس يرمزان إلى الانتصار كما يرمز الشرق إلى منبع النور»([349]).

 

3/ز – الأدراج

وكانت الكنائس المارونية مزوّدةً بأدراج، ولهذه الأدراج أشكال وأوضاع. بعضها كان ضيّقًا وواقفًا، أو داخلاً في الحائط كما هي الحال في الحائط المشترك في كنيسة القديس جرجس في شويتا وفي خرائب دير قنية-أكروم، أو مندرجًا في مكان انتفاخ الحنية عند استنادها إلى الجدار القائم وراءها كما في كنيسة سيّدة غزراتا. بعضُ الأدراج لولبي، كما في كنيسة طرطوس (Escalier à vis). وأحيانًا، يكون مثل هذا الدرج اللولبي ضمن برج مربّع لاصقٍ في الكنيسة كما في كنيسة المخلص (Saint Sauveur) في «كبّه»-الكوره. وهناك كنيسة من القرن الثاني عشر هي كنيسة القديسة كاترين في أنفه، لها درجان معلّقان في أعلى الحائطين الجانبيين، داخل الكنيسة، على بعد أقل من متر، من زاويتي الواجهة الغربية.

في زمن المماليك، بعد رحيل الصليبيين، لاقى فنُ العمارة الماروني أزمةً حقيقية استمرَّت في العهد العثماني، فخسرت هذه الكنائس الاشراقةَ التي كانت لأخواتها الأبكار السوريات، وصارت لا نَسَقَ لها محدّدًا بل مجرّد غرف للعبادة لا يميّزها فنّ، وضيّقة، وصغيرة،

 

 

أدراج مزفّرة أو معلّقة: مار جرجس - شويتا - القبيات

 

أدراج مزفّرة أو معلّقة: بشنّين – الزاوية

 

ملاحظة: كان الهدف من الأدراج المعلّقة، ابتداءً من منتصف الحائط، أن توصل بسلّم خشبي عند الحاجة، يُرفع بعدها حتى لا يصعد الاطفال أو الحيوانات الى السطح، لا سيما وأن السطوح كانت مكاناً لتحضير المؤونة كالبرغل والكشك تشميس الفواكه والبقول. (المترجم)

وواطئة، وصارت الأدراج خارجها لأن الداخل لم يعد يتَّسع لها، بل صارت مجرّد حجارة مزروعة في الحائط لتوصل إلى السطح، ولا يوصل إلى أدناها إلا بسلّم خشبي، يوضع ويرفع عند الحاجة.

 

3/ح- ملامح

إن الأوابد القبيّاتية يمكن أن تُصنَّف، من غير شكّ، في النسق الأساس لفن العمارة الديني السوري؛ لكنّ انتسابها، هذا، كمثل انتساب الفقراء إلى أنسبائهم الأغنياء، وهؤلاء موارنة سورية القديمة. وبالمقابلة مع تلك الكنائس القديمة، يمكن أن نبرزَ الثوابت المعمارية كالتالي:

I- اعتماد خليط من الخطوط المحنية والمستقيمة. فالخطوط المنحنية ماثلة في الأقواس والقباب السريرية، في الحنايا وقوس النصر، وفي الأقواس المرفوعة فوق أعمدة أو ركائز. أما الخطوط المستقيمة، وهي أقل استعمالاً، فموجودٌ في الجبهات المثلّثة، وفي السقوف الحجرية، وفي البلاطات التي على حوامل، وفي أطر الأبواب والشبابيك.

II- اعتماد القوس السريرية هو من الثوابت.

III- من حيث المبدأ، كانت تُقصَّب الحجارة بشكل يَسمح بأن تُبنى متشابكة فيما بينها، من غير طين. والتطيين الداخلي (الورقة أو التوريق) كان يُعمل به إمّا بسبب فقر المنطقة بالمواد وإمّا، أحيانًا، بهدف الطلاء بالألوان.

IV- الشكل المتشابه للساكف؛ فهو كنايةٌ عن حجر كبير، مقوّرٌ على هيئة قوس سريرية.

V- الطراز الواحد ينسحب على صناعة الآبار: عنقٌ ضيق، بطنٌ بيضاوي منتفخ على شكل البرميل الخشبي (للنبيذ)، بغطاء حجري مربع، مقوّر بفتحة تسمح للحبل والدلو باغتراف الماء. وإجمالاً، لا تُستَصلح الأرض المحيطة بالبئر حتى يمكنَ لماء المطر أن يتسرَّبَ إليه. والأكتافُ الصخرية المحيطة به تُنقَرُ فيها أثلامٌ وتخدّد باتجاه الفوهة ليتسرّب إلى البئر أكبرُ قدر ممكن من ماء المطر.

VI- تقاليد مدفنية واحدة: المدافن تتشابه، خاصّة تلك التي على شكل صناديق متراصفة في حجرات كهفية، بحيث يبلغ طول المدفن مترين بعرض 0.70م-0.80م، وبعمق متر واحد. أما تلك التي من نوع القبر المفرد «في العراء» (sub divo) فيكون مغطًّى ببلاطات مشطوبة الأطراف.

VII- هناك صلبان متشابهة في كل مكان: الصليب السرياني البسيط أو المصوبَع، أو المحفور داخل قرص، وهذا يعود إلى ما قبل المسيحية.

VIII- الحنيةُ تأخذ أشكالاً متعدّدة. وعادةً تجانبها غرفُ السكرستيا، واحدةٌ أو اثنتان، حسب الظروف. وسواء كانت الحنية دائرية أم مضلَّعة، فهي بارزة (تندلق إلى الخارج)، أو يحتضنها مربَّعٌ واقف. وهي أحيانًا بسيطة، وغالبًا مزخرفة. ومؤخّراً، وابتداءً من القرن الثامن، لا سيّما في العهد الصليبي، صارت الحنية تُحَصَّن بمربعٍ قائم لأسباب دفاعية.

IX- ملمح أخير: المراحيض في أبراج المتوحدين، أو العموديين، خلال القرون الوسطى، كانت تُفتح على شكل المرامي([350]) (للمراقبة أو رمي السهام).

 

صلبان

 

سرياني قديم في الدغلة


سرياني قديم في دملصا - جبيل

 

 

الفصل الثاني

البناء

 

 

 

تقليد واحد يسود عمليةَ البناء الديني في ناحية القبيات، إن في الأسلوب أو في اختيار المواد.

 

1- طبيعة المواد:

أ- الحجر: المستعمل في الأبنية، هنا، مأخوذٌ من مقالع متفرقة، تختلف من حيث النوع.

وأغلب الحجارة المستعملة في الأبنية العائدة إلى القرون الوسطى هي من النوع المسمّى «مَلكي» أي الكلسي، القاسي، واللمّاع ذي المسام، وفيه عروق جميلة لكنّها، للأسف، سهلة التآكل على الزمن فينال منها. ولونه أبيض حليبي رائع لذلك يعتمد في الأبنية ذات الأهميّة. أما الأبنية الأقلّ أهميّة فقد أخذت حجارتها من مقالع متوفّرة بكثرة في البلاد ويسمونها «سكّري». ومن هذا النوع أصنافٌ ثلاثة: أسمر وهو قاسٍ، سريع التفتّت تحت ضربات الشاقوف ويتشظّى ولأنه صعب على المعالجة، قَصَّبوه «مشنكر» (بارز الوجه)، ومنه تشاد الأبنية العادية. ورأيناه في كنيسة مار جرجس ودانيال في شويتا التي رمّمت مرارًا. ولونه، فيها، أغبر. ورغم معالجة نخاريبه بالمعجون يبقى مجدورًا. وهو يحتفظ بالرطوبة لذلك تعلوه الطحالب (يحشّش)، ويتعفّن فيصبح بشِعًا. والنوع الثاني هو الكلسي الأمغر، طبقي، ينشرح بسهولة (قاصوفي). ولونه أميلُ إلى الغرانيت، وقد يسمّونه الأشقر، لكنه قليل النضارة. والنوع الثالث هو السكري الصريح. كلسي، طبقي، سهل التكسير، ظهر استعماله في أبنية شويتا، لا سيّما في قصر مريق، ولا تزال مقالعه ظاهرة غربي الضريح.

بالإضافة إلى ذلك، استعملت حجارة من الصنف الذي يسمّى «الرملي»، وهو ذو تكوين رسوبي بلون كستنائي غامق، ومنه فاتح. ومنه صنف من مصدر بحري قسّته الريح؛ لكن نخره الرذاذ فصار سهلاً على التفكّك؛ ويلحق به صنف آخر يسمّونه «كدّان» (schiste)، وهو من استخراج محلّي، مؤلّفٌ من جذور وقواقع متصلبة. أما الرملي فموجودٌ بكثرة على السواحل، وعمّ استعمالُه في الجبل لتشييد أماكن معيّنة في البناء مثل التقويسات والقناطر بصورة خاصة. وكان أكثر استعمالاته في القرن الثالث عشر، إمّا لنقص في الحجارة وإمّا لسهولة معالجته.

أما الحجر الأسود فغلبَ استعماله في حوض النهر الكبير الجنوبي وعلى الساحل السوري بين طرطوس وبانياس. ومنه صنفان: البركاني الفاتح السهل في التقصيب. ثم البازالتي الأسود اللامع، وهو صعب على التقصيب، ويتطلب مهارة خاصة في معالجته. وقديمًا، كانت «المعلّمية» فيه لحجّاري حوران في شمال سوريا، وحجّاري تلكلخ في جوار حصن الفرسان.

أما الرخام فكان استعماله محدودًا؛ فهو إمّا أخذ من الأوابد القديمة، وإما استورد مباشرة من إيطاليا. وأكثر استعمالاته كان في المواضع الأكثر حاجة إلى الترتيب في الأبنية الدينية، وربما انتزع من أماكنه في ما خلّفته الحضارات القديمة من أبنية ليصنع منه الكلس. وأكثر ما رأينا استعماله، على هذا النحو، كان في أبنية من العهد الصليبي، في أبواب كنيسة السيدة في طرطوس وفي مصلّى المرقب([351]).

 

ب- الطين

لم يعتمد بنّاؤو القرون الوسطى البناء بالحجر «اليابس»، بل اعتمدوا على الطين يلصقون به الحجارة فيما بينها. وعلى ما يظهر، كانت تركيبةُ الطين هي نفسُها في كل مكان. العنصر الأساس فيها كان الرمل، إن من مصدر البحر أو الجبل، ويُخلط بالكلس، ثم يعجَنُ مع الرماد الذي يدلّ عليه لون الطين الأغبر وكثرةُ جزيئات الفحم فيه([352]). وهناك تركيبةٌ ثانيةٌ للطين هي خليطٌ يتمّ على قاعدة الكلس مع الجير. ولتقوية هذا الخليط يضاف إليه مسحوق الفخّار. وكان يُعمَلُ بهذين النوعين من الطين على طول الساحل اللبناني السوري، وفي جميع الأبنية، عسكرية او دينية، خلال العصور الوسطى؛ وقد أثبت هذا ن الخليطان صلاحّيتهما على الزمن لصلابتهما التي قد تتفوَّق على صلابة إسمنت هذه الأيام. ويمكن تمييزهما بالنظر إلى لونيهما المفارقين: الأول أصفر، يجعله الرماد باهتًا، والثاني أغبر بسبب الجير الذي يخالطه.

 

تقصيب الحجر

عرفنا طرقاً ثلاثاً في تقصيب الحجر يتماشى بعضُها مع بعض، ظهرت في أبنية القرون الوسطى في القبيات. وقد يشهد البناءُ الواحد هذه الطرق الثلاث في تقصيب الحجارة. ثم قد يَستسهل معلّم «العمار» أن يزجّ بحجر من العصور الغابرة في حائطه أكثر مما يجتهد في قطع الجديد منها. وغالبًا ما كان يلجأ القصّابون إلى تفصيل الحجارة الكبيرة القديمة المهيئة سلفًا إلى حجارة صغيرة، وهنا كانت الطامة الكبرى.

 

ج/1- التقصيب الفينيقي

صفتان هامتان كانتا تميّزان أسلوب التقصيب الفينيقي: التراصّ والضخامة.

في التراص تُعتمَدُ قطعةٌ واحدة من الحجر في البناء، كأن يحفر بيتٌ من صخرة، أو يحفر قبرٌ أو مسلّةٌ في ركن صخري؛ وهذا الأسلوب أذاعَ صيت الفينيقيين. ونذكر على سبيل المثال، «منزل عمريت» المحفور في صخرة واحدة بغرفه وابهائه وفسحاته وأبوابه. وأيضًا، هيكل المدينة نفسها، المشهور، هو مثال ثانٍ على التراصّ. وتثير الإعجاب أسوارُ جزيرة أرواد ومزايتها ومخازنها المحفورة في الصخر. وفي القبيات تُثير الإعجاب، أيضًا، حجارةُ هيكل حلسبان العملاقة. والحجارة الفخمة في هيكل أكروم، كذلك تلك التي في هيكل مقام الرب في منجز. وهذه الضخامة هي نتيجة منطقية للتراصّ، طالما يهدف كلاهما إلى قوة التماسك في البناء، إذًا الجسامة أحق بالاختيار. ويظهر أن هذا الأسلوب في البناء متميّز في العالم، إذ يُبنى يباسًا لا طين فيه. فالجدران الفينيقية تظهر كصفحة واحدة من حجارة عظيمة، مقصوبة بدقة متناهية، وملزوزة بشكل لا تستطيع فيه أن تدخل بين الحجر والحجر شفرة حلاقة.

وأسلوبٌ آخر يميّز الحجر الفينيقي وهو الحجر «المبوّز» أو «المشنكر». وحوافّ الحجر دقيقةُ التقصيب؛ أما الوجهُ فيبقى على طبيعته. وهذا الأسلوب ورثه بنّاؤو القرون الوسطى، فصار قاعدةً في أبنية الفرنجة في القرن الثاني عشر([353]).

 

ج/2- التقصيب السوري

اعتماد التراصّ والضخامة في التقصيب صار أسلوبًا جاريًا في الأبنية السريانية العائدة إلى العصور المسيحية الأولى. لكن هذا التقصيب كان بحجمٍ يقلّ عن مثيله الفينيقي. لكن، قطعًا، لم يكن لتقصيب الحجر، هنا، مثيلٌ في العظمة والأناقة. إنه الحجر في يوم عرسه! إن الكنائس والأبنية القديمة، في سوريا الوسطى: قلعة سمعان، قلب لوزة... وغيرها كثير، توفّر للمشاهد منظرًا مؤثّراً. وما يزيد الإثارة،، في مزّية ذلك التقصيب، أنَّ تلك الأبنية قد صَمَدت خلال ألف سنة على الهزات الأرضية، وبقيت واقفةً تتحدَّى الزمن.

ثلاثة ملامح تميّز التقصيب السرياني: الأول، استعمال الحجر «المبوّز» في أبنية القرى والمدن المسيحية في سوريا القديمة. ونذكر، على سبيل المثال، قسمًا من الحائط الشمالي لكنيسة داحس، وبعض الفيلاّت في براد (شمال سوريا). وفي القبيات نجد الحجر المبوّز السرياني في قاعدة الحائط الغربي في سيدة كماع.

والثاني، حفرُ الحجر الكبير على هيئة قوس، وجعله ساكفًا فوق الأبواب والشبابيك، وهو ما يسمّى «Arcuated lintel». وهذا الأسلوب اعتمِدَ، بشكل عام، ومنذ القرن الخامس، فوق أبواب الكنائس ونوافذها في سوريا. مثلما اعتمد في كوى كنيسة مار سركيس.

والثالث، هو قطع الحجر بطريقة تتداخل بعض أجزاء الحجر بأجزاء من لصيقه، من غير اعتماد الطين.

 

ج/3- التقصيب الصليبي

كان الفرنجة بناةً كبارًا، إذ أعادوا بناء صروح قديمة وكأنهم يبنونها جديدة، واستطاعوا أن يجمعوا في بناء واحد القديم والجديد؛ فمن السهل أن نشاهد في أبنيتهم، جنبًا إلى جنب، حجارةً قديمة وأخرى مقصوبةً من جديد. أما الحجارة التي قصَّبها الصليبيون فقد رصفوها وأعلوا مداميكها بعناية وإتقان شديدين. وهي كانت بحجم متوسط، واختلفت بين مبنى وآخر، لكنها، إجمالاً، كانت بحجم: 0.55م×0.35م×0.75م. وفي مصلّى الفاليسيوم لم يكن أكبرُ حجر يتجاوز 0.75م؛ بينما في المصلّى- البرج، في صافيتا فكان يبلغ 1م×0.75م. وكانت مدهشة، في هذا المبنى، إعادةُ استعمال الحجارة القديمة. أما في مصلّى الفاليسيوم فكانت الحجارة التي أعيد استعمالها نادرة.

وكانت للتقصيب الإفرنجي ميزات:

الأولى منها أنهم كانوا ينحتون الحجر بالمنحت المستقيم والمسنن الحدّ (الشاحوطة)، فجاءت خدشاته، إن عمودية وإن منحنية، تدلّ عليه. وهنا يجدر القول إن النظريات الكثيرة التي تشير إلى هذه الميزة في التقصيب الإفرنجي تنقصها الموضوعية. وذلك أنّ هذه الميزة لا ينفرد بها الفرنجة، وحدهم، بل كانت منتشرةً قبلهم، إن في فرنسا وإن في الشرق. وكمثالٍ على هذا الأسلوب، نشير إلى الحجارة الجميلة النحت في «قصر مريق».

الثانية منها أنه كان للحجارة التي قصّبها الفرنجة شكلان: محدّبة الوجه (مشنكر أو مبوّز)، وصقيلته. فالمشنكر تقليد فينيقي وسرياني استعاروه من المباني القديمة أو صنعوا على منواله. وهذا الأمر يفسّر استعمالهم أسلوبي التقصيب في أبنيتهم. هنا، في الفاليسيوم، كان المشنكر أشبه «بالغشيم»؛ وعلى ما يظهر أنه قصّب في القرن الثاني عشر (حوالى السنة 1115). بينما المحدّب المهندم في المصلّى-البرج، في صافيتا، فيظهر أنه من الحجارة القديمة التي أعيد استعمالها.

والحجارة التي بنيت بها الأبنية في القبيات صغيرةٌ عمومًا (0.55م×0.35م). وأحيانًا أخذت القديمة وصُغّرت، كتلك التي في جدران مار جرجس ودانيال. وهذا يدلّ، ببساطة، على أن كان هناك ترميمٌ متسرِّع، لأنّ الحجارة القديمة المستعملة، والتي بقيت على حالها، كانت أنيقة. والشاهد على ذلك ركيزةُ الحنية التي انكشفت حديثًا (نيسان 1985).

 

حجر نذري: دولاب واسم NEMECIC في هيكل مقام الرب – نبع الجعلوك

 

 

غرفة الكنوز في هيكل مقام الرب – نبع الجعلوك opisthodome

مدماكان من حجارة الهيكل الكبيرة أعيد تقصيبها على الاسلوب الصليبي المبوّز

 

د- الجدران

طريقة بناء الجدران هي نفسها في كلّ الأبنية العائدة إلى القرون الوسطى، إن كانت محليّة البناء أو كانت صليبية: جدار كلّين، وبين الوجه والبطانة حجارةٌ صغيرة (جمش). (المثال: قلعة طيبو). بينما كانت الأبنية القديمة في سوريا مشيّدةً من حجارة كبيرة صقيلة، ملزوزةٍ من غير طين، (يبس) فهذا الأسلوب كان نادرًا في القرنين الثاني والثالث عشر، إن في الكنائس السورية وإن في الأبنية الإفرنجية في أكثر من مكان، وهو غائب تمامًا عن أبنية القبيات.

وطريقة تشييد الجدران كانت متشابهةً في كلّ مكان. فكلّما أعليت المداميك، كان يُحْشى فيما بين الوجهين بحجارة مغموسة بالطين. واستعملت طريقةٌ أخرى لشدّ حائط الواجهة وبطانته، وهي طريقة كانت شائعةً جدًّا في القرنين الثاني والثالث عشر، أي بأن يَجمع بينهما حجرٌ طويل (قاضوب) أو قطعةٌ من عمود يعاد استعمالها بهذا الشكل([354]).

 

2- قباب وسطوح

الكنائس والمصلّيات التي بناها الفرنجة كانت كلُّها مقبَّبة. وقد اعتمدوا القبّة السريرية والمصلّبة والصاجية. وفي القرن الثالث عشر، استعملوا «القنطرة» القوطية. ونجد استعمالهم للقوس السريرية في الوسط، وفي الجناحين المائلين (الشواحط) على كل جانب. وقوس الوسط السريرية تعتمد، أحيانًا، على دعامة (عضادة حيطية)، ذات إفريز بسيط أو بعصابتين كما في كنيستي صافيتا والحصن. وأحيانًا تلعب قنطرةُ الجانح دورَ تقسيم السقف إلى بلاطات (مربعات)، تحملها دعامات كما في كنيسة جبل الحجاج في طرابلس. إذًا، كلُّ الكنائس الصليبية كانت مقبّبة، إما على أقواس سريرية أو على أقواس الأجنحة، أو بكلتيهما كما في كاتدرائية طرطوس. وكنائس القبيات لم تخلّ بهذه القاعدة. لكن هذا النوع لا يمنع وجودَ سقوف أفقية لا سيما في الأبنية الأقل ثراء كما في بيوت الأفراد. وهذه السطوح قد تكون على بلاطات كما في «قلحتا»([355])، القرية البائدة غربي الفاليسيوم، بمسافة خمسة كيلومترات، والتي لا تزال تلك البلاطات مرميّة، هنا وهناك، على أرضها. وقد تكون تلك السطوح على عرقات (جذوع الأشجار)، وفوقها الأخشاب والأشواك المدعوكة ثم التراب والحوّارة. وهذه السقوف ترتكز على أعمدة من حجر أو من خشب، وقد صادفنا بعض تيجان الأعمدة هذه في شويتا وقلحتا. أما القباب فهي على عكس ما اعتمده الفرنجة في قبابهم، إذ لم يكن لها أسنمة (جمع سنام) ظاهرة، بل كانت تُعَبَّأ جوانبُها الفارغة حتى تستويَ مع ظهر القبة ثم يُفرش التراب على كل السطح ثم فوقه الحّوارة المرصوصة جيّدًا، وبانحدارٍ بسيط لينزلق ماء المطر بسهولة فلا يدلف إلى الداخل...

الجدران الجانبية كانت تُشيَّدُ على كثير من المتانة حتى تتحمّلَ ثقلَ الردم. والمحادل يؤتى بها إلى السطوح لترص التراب رصًّا صفيقًا، متماسكًا. نذكر هنا، أن القرويين لا يزالون يعتمدون هذا الأسلوب في الأماكن التي لم يصل إليها الاسمنت، بعد.

وكنائسُ سوريا القديمة، لا سيما سوريا الشمالية، كانت مسقوفةً بالأخشاب وبالقرميد الأحمر. إذًا، لماذا اعتمادُ القباب وفوقها السطوح الترابية، طالما أن تقاليد الأجداد كانت على غير ذلك؟ حتى اليوم، في قرانا التي أنهكهتها الحرب الأهلية، للأسف، لم يأتِ القرميد الأحمر ليتوهَّج فوق سطوح بيوتنا الجبلية! والبيت مرآة المجتمع. فإذا كان سوريّو العصر الوسيط قد استنكفوا عن السطح القرميدي الذي اعتمده الأجداد، إلى القبّة التي يدعوها أهل البلاد «رجمة»، فرغم سلبياتها، لها أسبابها. إن البلاد السورية، في قرونها الأولى، عرفت فترة سلام ورخاء لم تعرفها قط، من بعد. فالقبة والسطح الترابي، بما لهما من طابع دفاعي، يعطيان لأماكن العبادة إحساسًا بالأمان كان يفتقده الشعب المسيحي، خلال القرون الوسطى في سوريا. والكنائس، حسب الأب لامنس([356])، كانت لها جدران سميكة وأبواب واطئة، وكوى على شكل مقاتلات، لأنَّ المؤمنين كانوا يلجأوون إليها عند الخطر الداهم.

 

3- قناطر وأروقة

كانت تشترك مصلّيات القبيات بعناصر موحّدة من الزخرف. فالأبواب والكوى على نمطٍ واحد، إذا لم يَلْحَقها ترميم ما. وعلى أيّة حال، إذا حصل هذا الترميم، كان يجانب الذوق السليم، كما حصل لكنيسة مار جرجس في شويتا. وعلى نمط واحد، صورةُ القوس والحنية النصف كروية، والعقدُ الكامل والحنايا، والقوسُ المنكسرة والزوايا البارزة في كل الأبنية. استثناءٌ وحيد وجدناه في السقف الداخلي المقوّس في باب مار سركيس الذي جاء على صورة قوس وطيئة.

لم تشذَّ الأوابد الصليبية في سوريا عن هذه القاعدة، ما عدا العقد الكامل، النادر الاستعمال؛ فالفرنجة قَبَّبوا كنائسهم بالقبة النصف-كروية، والصحون بالقوس السريرية، أو بأقواس الزوايا. وجمعوا، غالبًا، بين النوعين في بناء واحد. ولم يعد يشكّ أحد في أسبقية اعتماد السوريين للقوس المنكسرة التي استعارها الفرنجة منهم([357]). ويبقى من الأجدى، دائمًا، أن نتحفّظ على المقاييس التي أقامها بعض المستشرقين بالنسبة للقوس الفرنجية. «القفل هو ميزة في القوس العربية المنكسرة([358]). وعمليًا، هي غير ذات فائدة في القوس المؤلّفة من قطاعين دائريين متساندين، ففي هذه الحال يأخذ مكانها فاصل عمودي».

في المباني السورية، أيام الصليبيين، كانت كلّ الأقواس منكسرة، على وجه التحقيق، وهو ما تُثبته الشواهد؛ وليس من الصواب القول إن الصليبيين لم يستعملوا إلا القوس التي بمفصل عمودي؛ بل على العكس، استعملوا النوعين في البناء الواحد.

يبدو أنّ المقاطع، في مار سركيس ودير عنان (المصلّى الشمالي)، شُيّدت بتقويسات كبيرة، لكلّ مقطع قوس واحدة للحمولة، ترتفع حتى نقطة ارتكاز القنطرة. وهذه القناطر المنكسرة مبنيّة على صورة مثلَّث متساوي الأضلاع كالقناطر الصليبية. أما في المصلَّيين الجنوبيين فالقبّة متصالبة، وأما القنيطرة في أدنى الجدار، فلا توجد إلاَّ في المصلّى الشمالي في كنيسة غزراتا؛ وعلى مثالها نجده في الأبنية الإفرنجية في طرطوس. وكنائس العصر الوسيط في سوريا، ومنها الكنائس الصليبية، مقبّبة. وهذه القباب السريرية، في وسط المبنى، تغطّي الصحن والرواق الجانبي، في آن. فهل يمكن الاستناد إلى مثل هذا الطراز أو ذاك لنؤرّخ لهما باعتبارهما مقياسًا؟ إن الفرق في الاختيار بين هذين النوعين لا يعود إلى حقبة تاريخية معيَّنة بل إلى نظرة مختلفة إلى البناء، أو إلى حاجات مختلفة. «قد يكون، على ما يرى كميل أنلار، مجرّدَ أسلوب في التقبيب بين منطقتين، أو بين مشغلين (ورشتين) مختلفَين، أكثر مما هو تقبيب مختصّ بحقبتين مختلفتين([359])».

ذلك أنّ قبابَ المباني القبياتية، إن سريرية وإن مزوّاة، مكسوة بسطوح ترابية، بينما سطوح القباب الصليبية، ذات الأقواس السريرية([360])، فيحميها ملاط (اسمنت)؛ وإذا كانت مزوّاة فهي تكتسي بالتراب المدكوك.

القباب المزوّاة السورية، في العصر الوسيط، جميلةُ الصورة، وهي قائمة على قوسين سريريين منكسرين ومتقاطعين، ذات فضاء وسيع.

 

4- دهان وتجصيص

يبدو أن الجدران الداخلية للأوابد القبياتية كانت مطينة وملوَّنة. وفي حالتها، الآن، لا تزال تحتفظ ببعض بقع، فترى لطخات ملوّنة، مثلاً، على ناحية من الحائط الشمالي قرب مدخل مصلّى مار سركيس. أما في الكنائس الأخرى لم يبقَ أي أثر لذلك، إن بسبب الحرائق في أثناء اجتياح بيبرس للمنطقة سنة 1271، إذ طمس الدخان الأسود كلَّ أثر لطين على الجدران، وهو ما لا يزال ظاهرًا في كنيسة مار دانيال في شويتا، أو بفعل تقادم الزمن الذي أدى بالطين إلى التساقط كلّيًا. وكان يعاد الدهان كما حصل في قبّتي مار جرجس ومار دانيال في شويتا، حيث كنا قد رأينا اللون الأرزق السماوي الباهت الذي يدلّ على ذوق بدائي لدى القرويين، لكن قد أصلحوه فيما بعد.

وكانت المصلّيات القبياتية مزخرفة بالجص الملوّن؛ فالسوريون كانوا مهرةً في فنّ التجصيص، وهذا الطنف المرصوص بالحجر المشطوب في حنايا الكنائس القبياتية، كان بدائي الهندام، وهو الذي يزيّن ركن القبة في الحنية، لأنه على ما نظنّ، كان مهيّأً ليقبل التجصيص الذي يجعله لائقًا في النظر.

لنقل، أخيرًا، إن هذا الطين كان يغطي، عمومًا، كل الجدران الداخلية في المباني، هنا، بينما بعض اجزاء كانت مهيّأةً لتبقى في غير طين، كالعضادات الحيطية في كنيسة مار سركيس وباخوس وفي دير سيدة عنان.

إذًا، لقد لعب الدهان والتجصيص دورًا هامًّا في مباني القبيات، وكذلك لعب التلوين دورًا في الكنائس الصليبية. لكن المصلّيات العائدة إلى المنظمات العسكرية الصليبية كانت، على رأي بعض المستشرقين([361])، على عكس ما قلنا أعلاه، إذ كانت تزيّن بالشعائر العسكرية. كالأتراس والنبال والسرج للخيول والشكائم...

وبالصدفة المحض ثبت أن مثل هذه الصور كانت تزين تلك المصليّات، ففي كنيسة حصن المرقب التي كانت مع منظمة المضيفين، والتي لا تزال محفوظة جيّدًا، كانت الرسوم التي تزيّن الحنية والقباب ذات الأقواس السريرية في السكرستيتين، والتي كشفت منذ وقت قريب، كانت على ذلك المثال. فالسكرستيا المفتوحة، مباشرة، على المحراب، تحتفظ بصورة بهية «للعشاء السرّي»، مرسومة على القنطرة السريريّة الوسطى[362].

 


الفصل الثالث

أصالة مارونية

 

 

تبدو الكنيسة الصغيرة، من حيث مظهرها الخارجي متواضعةً كالبيوت التي تحيط بها؛ ولولا قبيبة الجرس المعهودة التي تعلوها، لربما استحال علينا أن نميّزها عن تجمّع البيوت المزدحمة، قديمًا، في قرى الموارنة؛ تلك القرى العتيقة كانت تغصّ ببيوتها ذات الشكل المستطيل، المنخفضة والرطبة، وتتراصف متلاصقة، وتتفاعل بجدران سميكة تخترقها أبواب تسمح بالتواصل بين العائلات المتجاورة؛ وذلك بسبب حال عدم الاطمئنان الدائمة التي كان يعيشها ذلك الشعب الصغير. وسواء أكانت تلك البيوت معقودةً أو مسقوفة بالأخشاب والبلاّن، فإنها كانت مفروشةَ السطوح بالتراب المرصوص. أما البيوت المعمّمة بالقرميد فكانت نادرة جدًا، وهي تعود، باستثناء بعض الكنائس الكبرى، إلى وجهاء البلد.

ورغم مظهر الكنائس المارونية البسيط، فكانت تلتزم، كلّ الإلتزام، بقوانين الهندسة التقليدية. تلك الهندسة تتميز بخطوط أساس تنتسب إلى التقليد السوري المحلّي. وباختصار يمكن لنا أن نؤكّد على أن الفن السرياني كان خليطًا من التقاليد السورية والخصائص المارونية، كما سبق أن عرضنا.

 

1- أجراس وأبراج

«صوت الله حق»، كان يقول فلاحونا كلما سمعوا صوت جرس الكنيسة. فكيف كان المؤمنون يتلقّون نداء الرب عندما يدعوهم إلى الصلاة ؟ هل كان ذلك النداء يأتيهم، دائمًا، بطنين الأجراس؟

- الأجراس

يبدو أنّ أول ظهور لأجراس كان في أوروبا خلال القرن الخامس الميلادي([363])... وفي سوريا، على ما يؤكّد الأب بطرس ضو، وغيره كثيرون، لم يتحقّق استعمال الأجراس في الكنائس قبل القرن السابع أو الثامن([364]). ويؤكّد كميل أنلار بدوره: «لم تستعمل الأجراس في سوريا قبل مجيء الصليبيين. مع أنها كانت معروفةً في بعض بلدان الإمبراطورية الشرقية منذ القرن التاسع([365]). وكتب، بهذا الخصوص، البطريرك الدويهي، قال: «كانت توضع النواقيس في صحن الكنيسة ليدعى المؤمنون بها إلى الصلاة. كما يدعو الملوك جنودهم إلى القتال بصوت الأبواق، هكذا الآباء يأمرون الشمامسة أن يرنّوا النواقيس لدعوة المؤمنين إلى محاربة الشيطان...» «...وأمر الرب شعبَ اسرائيل أن يستعملوا النواقيس كالأبواق التي يدعو فيها الكهنة الشعب إلى محاربة العدو...»([366]).

قبل ذلك، كيف كان المؤمنون يُدعَوْن إلى الصلاة ؟

قبل إطلاق الإمبراطور قسطنطين يدَ الكنيسة، كانت الدعوة إلى الصلاة تتمّ، منطقيّاً، بتكتّم شديد خوفًا من ملاحقة الدولة للمؤمنين. وكانت الجماعات المسيحية، آنذاك، تتألّف الواحدة منها من عدد قليل من «الإخوة»، كذلك كان الاحتفال ﺑ «كسر الخبز» أو باستقبال مرسل، يتمّان بتستّر شديد. ولما زاد عدد المسيحيين وصار راجحًا، صير إلى اعتماد أساليب أخرى في الدعوة إلى الصلاة؛ فأقيمت أبراج، إما مستقلّة، وإما إلى جانب الكنيسة، ومنها ينطلق الصوت ليدعوَ المؤمنين إلى الصلاة، إذ كان من الواجب أن يصل «صوتُ الرب»، في أثناء النهار، إلى المؤمنين المنتشرين في الحقول، فكان اختراع الناقوس. ويصف باتلر الناقوس قائلاً: هو كناية «عن أخشاب يقرع بعضها بعضًا فترسل صوتًا خفيضًا»([367]). ويؤكّد بتلر، نفسه، على أنّ «الآلة المرفوعة فوق البرج المنفرد عند «قصر البنات» في سوريا، حيث تقضب القاعة رافدتان غليظتان، يمكن أن يعلّق فيهما تلك الآلة (الناقوس)»([368]).

وبقي الناقوس، الديري الأصل، زمانًا طويلاً يشكّل الوسيلة الوحيدة التي يعتمدها الرهبان لاعلان المواقيت الرئيسة في النهار[369]. وبعض الجمعيات الرهبانية، الكرمليون الحفاة، مثلاً، لا يزالون يستعملون، عند دعوة الأخوة إلى الصلاة، نوعًا من الصفائح (صنّاجة)، مشابهًا جدًّا للناقوس، لكنه أصغر بكثير، يدعى Traccola.

بشهادة الدويهي، بقي المسيحيون، في بلادنا، يستعملون الناقوس الخشبي حتى مجيء الصليبيين سنة 1112 تقريبًا([370]). أما الأجراس المعدنية المستوردة أو المصبوبة، محلّياً على أيدي المستعمرين اللاتين، فبقي استعمالها نادرًا لمدّة طويلة، ولم تحصل عليها كنائس كثيرة إلاَّ في زمن متأخر([371]).

- الأبراج

لم يكن في حسبان الهندسة الدينية المارونية وجود أبراج الأجراس كعنصر صميم في مخطّط البناء إلاَّ نادرًا. هذا مبرّر لأنّه، كما سبق أن قلنا، ليس الجرس سوى استعارة من اللاتين طرأت في القرن الثاني عشر([372]).

هل هذا التخلّي عن بناء أبراج للأجراس ناتج عن جهل أم لأن لا سابقة للأبراج كانت معروفة في سوريا؟

استنتج جان لاسّوس أنّ عددًا من كنائس سوريا العائدة إلى ما قبل القرن السابع كانت لها أبراج حقيقية للأجراس([373]). غير أن تلك الأجراس، بشكلٍ عام،كانت منفصلة عن جسم البناء، وإن كان بعضها يتّصل بتناسق تام مع الكنيسة، على مثال برج دير القديس جرجس في قرية سامح (سوريا الشمالية)، والعائد إلى العام 624. لكن فنّ انتظام برج الجرس في مخطّط المبنى لا يعود إلاَّ إلى الحقبات اللاحقة. وعلى ما يقول كميل أنلار فإن الأجراس كانت نادرةً جدّاً في كنائس الطائفة المارونية؛ وأما أجراسها فكانت أكثر ندرة بحيث لم يقع على أيّ أثر لها. وهذا إن كانت قد وجدت. على عكس ذلك، بنى الفرنجة لأجراسهم كثيرًا من الأبراج، وما بقي منها شاهدًا حتى اليوم هو برج دير البلمند جنوب طرابلس، والذي هو كناية عن مكعّب بني لاحقًا فوق قبّة الصحن([374])... وكنائس أخرى احتفظت بالجزء الأدنى من البرج، واحدة منها في طرطوس والأخرى في بيروت. ولا يزال الجامع الكبير في طرابلس يحتفظ بالقبة الجميلة كاملة الطراز اللومباردي، والتي كانت للكاتدرائية الصليبية المعروفة ﺑ «سيدة البرج».

أبراج الكنائس المارونية

يعود أقدم أبراج الكنائس المارونية إلى القرن التاسع عشر. هذه الأبراج لها طابعها الخاص، فهي تتألّف من مربّع، في أعلاه قناطر قائمة على دعائم، وفوق القناطر قبّعة. تلك الأبراج ذات صنعة متقنة.

 

2- حنايا وقباب

أصل القبّة نشأ في بلاد ما بين النهرين وسوريا. عندما دخلت القبّة في العمارة السورية تمثّلت في أبنية اللبن المخروطية الشكل والتي لا يزال الكثير منها منتشرًا على الطريق العام بين حمص وحلب، حتى اليوم. ليست القبّة، إذًا، من ابتكار ماروني، لكنّها أخذت في مبانيهم ملمحًا خاصًا.

«سوريّو ما بين القرن الرابع والسابع لم يستعملوا في أبنيتهم قناطر ولا قبايا. وجميعُها كانت مسقوفةً إمّا بالأخشاب وإمّا بالقرميد الأحمر. استعملوا القب\ّة، أحيانًا، في ضرائح موتاهم كتلك التي في بيزوس ورويحة... وذهبوا إلى بناء القبّة أو الهرم الخشبي بشكله المثمّن، على مثال ما هو في كنيسة مار سمعان العمودي، سابقين بذلك البيزنطيين في فن تشييد القباب»([375]). وكان لعدّة من كنائسهم قباب وطيئة، وعلى قدر من التسطيح على غرار قباب الجوامع العائدة إلى القرون الوسطى في طرابلس. نذكر شبيهًا لذلك كنيسة مار سمعان في جبيل العائدة إلى نهاية القرن الثاني عشر.

وأكثر ما نرى القبة في سقوف الحنايا، فقد بنى السوريون محاريبهم على شكل نصف دائرة، بارزة من الخارج، وإمّا على شكل نصف دائرة مثمّنة الأضلاع من داخلها. كنائس الموارنة العائدة إلى العهد الصليبي اعتمدت الحنية النصف دائرية، المندلقة، أو الحنية المحتضنة ببناء مربع، والمسقوفة بقبة صاجيّة، بشكل ثابت. هذه القبّة الصاجية كانت ترفع دائمًا، فوق المذبح الماروني الذي بدوره كانت ترفع فوقه، في الكنائس الكبرى، قبيبة محمولة على عميدات. وقد اعتبر البطريرك الدويهي أن القباب والحنايا تحتمها قواعد الهندسة المارونية([376]).

كنائس القبيات الأثرية لم تشذّ عن هذه القواعد. فحناياها البارزة أو المحتضنة، رغم الترميمات الشائهة التي لحقت بها، لا تزال تحتفظ بقبابها النصف-صاجية الجميلة. أما بالنسبة إلى المذبح المتوّج بعرش، مع أنه لم يعد موجودًا، اليوم، فمن المفروض أنه كان يزيّن المذبح، قديمًا، إذ قد وجدت بلاطة من الحجر السكري، عائدةً إلى مذبح قديم، كانت مدفونةً في مصطبة قرب كنيسة مار جرجس-شويتا، وفيها الثقوب المربعة التي كانت «مظلّة العرش». كما، لا تزال أخرى مماثلة مسنودة على حائط الواجهة الغربية لكنيسة سيدة غرزاتا.


 

حنيّة من الداخل: مار دانيال

 

حنية من الخارج: مار جرجس

 

قنطرة فوق الباب: مار سركيس


لكن الاقتباس اللاتيني الذي سارت بها، حثيثًا، المدرسة المارونية في روما قد طمست الملامح الخاصة في الهندسة فجنحت كنائس لبنان المارونية إلى انتهاج تقليد معيّن في هندستها، فأخلت الحنايا والقباب مكانها لمحراب مسطّح، غير ذي رونق.


3- طلاء ونحت

ينتمي الموارنة إلى أمة عريقة في مشرقيتها! نعني عمق انتمائها الصوفي الراسخ؛ فهي إذ لجمت رغبة التكالب على المادة، أعلت شأن الحياة الروحانية فوق كل أمر آخر، فكان من نتيجة هذا التوجه أن وُسِم المجتمع الماروني بطابع خاص. قوة هذه الروحانية، في المجتمع السوري الماروني، جعلته يتطوّر انطلاقًا من بؤرة دينية تتميّز بثلاثة مناهج حياتية هي: الحياة الديرية، والزهدية، والعمودية، وهي التي ازدهرت في الأديار المارونية وحولها. وكان من شأن هذه الصوفية أن جمعت بين الموارنة وإخوانهم المسلمين في رفض كل عبادة تمّت إلى الوثنية بصلة. «... أن نتخيل كيف يعيش أمرؤ فوق عمود، في سوريا، كما هي حال القدّيس العظيم سمعان العمودي، فهذا أمر مستغرب في الحياة الديرية في الشرق. فالعموديون رهبان يعيشون فوق أعمدة باقية من بعد تدمير الهياكل الوثنية. هدفهم الإسمي كان الاتحاد الوثيق بالله، فأمضوا حياتهم، كلّها، فوق عمود لا يبدون حراكًا...» «... انفرد العموديون، فوق أعمدتهم، عن الناس، لكنهم بقوا على اتصال وثيق بشجون الحياة اليومية لمعاصريهم. كانوا، والحقّ يقال، رسلاً يقتدى بما كانوا يقولون ويفعلون. أثّرت تجربة هؤلاء الناس، «السكارى بالله»، تأثيرًا هائلاً في أهل الريف الذين كانوا يهرعون إلى كعب العمود. كان هؤلاء العموديون بنظر تلك الجماعات مثالاً متفوقًا في حب الله وفي الثبات في الإيمان...». «... وحتى يبرهنوا للوثنيين على عظمة الدين المسيحي، كان على المسيحيين أن يعيشوا الحياة الديرية والروحانية التي يعيشها المتعبّد العمودي... كانوا يعيشون حياة اشتراكية، محورها بساطة الروح ونكران الذات والعمل اليدوي والرحمة الأخوية...»([377]).

بعض المجتهدين اتهم الفنّانين السريان الأوائل بالعجز الفنّي فقال: «... هم بعيدون عن رهافة الفن الزخرفي... وقلّما يجيدون تصوير الوجه البشري...»([378]). ذلك صحيح، إذ قلما عبّر الفن السوري، في بداياته عن صورة الوجه البشري. «بعد دراسة مختلف التمثيلات الفنية التي وصلت إلينا، حتى اليوم، علينا أن نعترف بأن معظمها تنقصه الرهافة. إنها في أكثرها، طفولية، وأحيانًا تشبيهيّة، يصعب التعرّف إليها»([379]).

- لماذا كانت تلك التمثيلات وكأنها مؤسلبة إلى حدٍّ بعيد؟

- هل كان أولئك الفنّانون يفتقرون إلى الموهبة؟

ويجب ألاّ ننسى «أنّ هذا الأسلوب، في رسم الوجه البشري، يعود إلى عقيدة في النظرة إلى الرسم عمومًا، وهي أنه يجب أن تقتصر الرموز على إبراز الموضوع الديني، فحسب»([380]). وأن المسيحية دخلت سوريا وهي ترتدي طابعًا يهوديًا ظاهرًا. واليهود المسيحيون ظلّوا يحرّمون تمثيل الوجه البشري؛ لذلك هم يفتّشون عن رموز، معقّدة أحيانًا، ليعبّروا عن معتقداتهم([381]). هذه القواعد، في الرمزية، عند المسيحيين الأوائل، استمرت حتى مجيء الصليبيين، فلم تشذ آثار المسيحيين في القبيات، عن تلك القاعدة حيث خلت آثارهم من أيّة منحوتة لها علاقة بالدين. أما التلوين، فعلى العكس من ذلك، لعب دورًا كبيرًا في الفن الماروني خلال الحكم الصليبي، إذ احتوت كنائسهم، في داخلها، على فسيفساءات جميلة. ولم يَحِل جمالُ الحجارة المنحوتة دون طلائها بكاملها وتزيينها بالألوان الجميلة.

موضوعان سيطرا على ألوان الشعائر المارونية:

- الأول: تمثيل «الرب الصباؤوت» على حائط الحنية كان موضوعًا شعائريًا إلزاميًا. «صوّر الآباء القديسون «الرب الصباؤوت» على جدران حنايا الكنائس وهو جالس على عرش عظمته. ومثّلوا، كذلك، وجوه الحيوانات الأربعة، حول العرش مع الملائكة الواقفين، الرافعين بخورًا للرب في قلب أنوار ساطعة، وذلك حتى يتّجه نظر الكاهن إليه عندما يرفع إليه التضرّعات في أثناء الاحتفال بالسرّ الإلهي»([382]).

«وفي الخلاصة، يتمّ تصوير الله الصباؤوت» في الحنية حتى يرتفع الكاهن بروحه وبتقادمه إلى الرب. تحت هذه الصورة وحولها، كانت ترسم صور الملائكة والقديسين الذين على اسمهم أقيم المذبح وشيّدت الكنيسة. وكان يرسم القديس ميخائيل على ستار الحرم القدسي كإشارة لعموم الناس أنّ الدخول ممنوع...»([383]). «كانت صورة الله تتمثل بملامح شيخ جليل...». «لقد أمر الله، في العهد القديم، أن تصوّر الملائكة الشاروبيم في قدس الأقداس وذلك ليتعرّف إليهم الشعب...». وكانوا يمثلون بملامح شبابية، وذوات أجنحة، وتملأ العيون أجسادهم وظهورهم وأيديهم وأجنحتهم»([384]).

- الموضوع الثاني المفضل في التصوير الشعائري الماروني كانت صورة «نياحة العذراء». من بين أقدم الكنائس المارونية، في لبنان، لا تزال كنيسة معاد (من القرن السابع) تحتفظ، وبحرص شديد، على فسيفساء تمثل «رقاد العذراء» وهي ممدّدة على فراش الموت، يحيط بها الحواريّون الحزانى، بينما يقف يسوع بين ملاكين وهو يحمل روح والدته.

في قنوبين، حيث الكرسي البطريركي، ومنذ سنة 1440، فسيفساء تمثّل «سيدتنا مريم العذراء» في السماء يتوّجها الثالوث الأقدس، بينما يصلّي البطاركة الموارنة مجتمعين حول سرير موتها. وفي القبيات، أيضًا، جدارية مشابهة، تقريبًا، لتلك، في كنيسة سيدة الغسّالة، مرسومة على صفحة الحائط الجنوبي. أما الاختلاف فيكمن في أن هذه الصورة مختصرة في أبعادها (55×35)، وتمثّل المسيح النازل عن الصليب مسجّى على فراش الموت بدل العذراء، وبدل البطاركة المصلّين، أو غيرهم، هناك ملاكان ينتظران عند طرف السرير ليرافقا السيد المسيح في صعوده إلى السماء.

هذان الموضوعان يمثّلان، في التصوير الماروني عمق الليتورجية الافخارستيا تمام التمثيل لدى الشعب الماروني[385].

«... كانت الصور ترسم منذ عهد المسيح نفسه، فالقديس يوحنا الدمشقي والبابا أدريان، وغيرهما كثيرون، رووا أنّ السيد المسيح قد أرسل صورته إلى الأبجر، ملك الرها، وهذه الصورة قد شفته من مرضه وأنقذت مدينته من الحريق، وذلك على ما رواه المؤرّخ أوجيريوس...». «...وعندما ضعفت قوّة المسيحيين وتلاشى نفوذهم، وكانت قد انتشرت الديانة المسيحية، أمر يزيد بن عبد الملك، الخليفة الأموي العاشر، بإزالة الصور من كنائس المسيحيين التي في أرجاء الأمبراطورية إبان السنة مائة للهجرة وذلك بناءً على تحريض رجل يهودي أصله من لاذقية طرابلس...»[386].


4- البيما

اللفظة يونانية وتأتي بمعنى قوس المحكمة. استعملت في الإنجيل، مرّات[387]، ثم أخذت، فيما بعد أكثر من معنى في فن العمارة والطقوس الدينية. أولاً، كان لها معنى كرسي الأسقف الذي يوضع في المحراب، ثم معنى المنبر الذي في صحن الكنيسة، ثم الإيوان الذي هو كناية عن مصطبة في صدر الصحن، مدعّمة بقاعدة، وترتفع المصطبة على مستوى المحراب، وتؤدّي إليها فتحة خاصة في الدرابزين...[388] على هذه المصطبة عرش من حجر يحفّ به ست كراسٍ عن يمين وست عن يسار، يجلس عليها، مبدئيًا، المحتفلون بالقداس. وكانت تقضي ليتورجية القربان المقدّس المارونية أن يجري القسم الأول من الاحتفال على هذه المصطبة (البيما)، الموجودة في صحن الكنيسة، وذلك حتى يشارك فيها الشعب رجالاً ونساءً[389].

لدى اليعاقبة، في كنائسهم الأولى، كان الصحن، مقسومًا قسمين، كما في كنيسة كفرزه المكرسة لمار عزازيل (نهاية القرن الخامس وأوائل السادس)، قسم للرجال وآخر للنساء[390]. «... كانت النساء المارونيات يتزيّنَّ بالتهذيب والفضيلة والتقوى. كنَّ يرتدين الثياب البسيطة والطويلة حتى الأرض. وكانت هذه الثياب مخيطة، غالبًا، من قطن أبيض أو بنفسجي أو أزرق...». «... عندما يأتين إلى الكنيسة لم يكنّ يختلطن بالرجال بل كنّ يجتمعن منفصلات عنهم، إلى جانب الباب، حيث لا يراهم الرجال، أو بحيث يخرجن قبلهم، عند انتهاء الصلاة. وكان الرجال يلزمون أماكنهم عندما تخرج النساء من الكنيسة»[391]. ولنذكر، في هذا الشأن أن عادة اعتزال النساء عن الرجال لا تزال قائمة، في شكل من الأشكال، في بعض كنائس القرى. عادةً كان في إمكان النساء أن يجلسن إلى جانب الرجال حول البيما في الكنائس التي توجد فيها بيما، أو خلفهم. ويجب ألا ننسى تلك الخصوصية التي تقضي أن يدخل الرجال من باب لهم وتدخل النساء من آخر لهن[392].

كانت البيما تمثّل جزءًا أساسيًا في الفنّ المعماري الماروني، وقد ذكرها البطريرك الدويهي مرّات عديدة في كتاب «منارة الأقداس» وكانت البيما توضع، لدى البعض في عمق الصحن، ولدى البعض الآخر في وسطه، ولدى البعض الأخير شمال الدرابزين ليقرأ عليه الإنجيل والمزامير، وللتبريك، ولرتبة تقديس الميرون، وللاحتفال بعيد الشهداء ولأمور أخرى[393].

وليست البيما من مبتكرات الموارنة، وإن كانوا اعتمدوها في وقت مبكر، وبشكل متميّز. ولم تكن ليتورجية الافخارستيا هي التي دفعتهم لاعتماد البيما الكبير في وسط الكنيسة، مع أننا نشاهد في بعضها مائدة مذبح[394] لكن الدافع الحقيقي كان نظام الجوقتين في الصلاة الطقسية[395].

- ما كان نظام الجوقتين؟

حسب سقراطيس، يعود نظام الجوقتين الذي يمثل المناوبة بينهما في الإنشاد وفي ترتيل المزامير، إلى القديس إغناطيوس المستنير (107م). «... وإغناطيوس، أسقف انطاكيا في سوريا، الثالث بعد بطرس الرسول، مع أنه عاش مع الرسل، فهو قد رأى، ذات يوم، الملائكة يمجّدون الثالوث الأقدس بتراتيل، يتناوب في إنشادها جوقتان. هذا الأسلوب في ترتيل المزامير والتي جاءت من خلال رؤيا ائتمن عليها اغناطيوس في كنيسة انطاكية، انتشرت منها وصارت تقليدًا في جميع الكنائس...»[396]. «كان الشعب الماروني الحاضر، كلّه، في الكنيسة يرتّل بواسطة جوقتين متناوبتين، في صحن الكنيسة واحدة عن اليمين وأخرى عن الشمال، يفصل بينهما البيما، وعلى البيما كان يجلس الإكليروس ليقودوا الصلاة الليتورجية والتراتيل من خلال الجوقتين[397].

5- درابزين وحجاب

إن اعتماد الفصل بين قدس الأقداس والصحن يعود إلى زمن قديم. «منذ البدء، فصل الآباء بين القدس وقدس الأقداس بحائط، وحجبوا بين القدس والصحن بدرابزين، نادرًا ما يفتح إلى الصحن...». لكن في العهد الجديد «رسم الآباء ألا يمنع الشعب عن مشاهدة الأسرار المقدسة لأنّ يسوع قد حرّرهم بآلامه...». «... وكان الدرابزين يوضع في الوسط لأن معرفتنا بالله ليست كاملة...». والدرابزين يوضع بين الصحن والقدس...»[398].

في الحقيقة، ليس المقصود هنا، الإيكونوبلاست اليوناني، أو حائط فصل. «رسم آباؤنا القديسون أن تكون أبواب الدرابزين مفتوحة، وألا يكون صفيقًا بل مخرّمًا على هيئة شبكة بحيث يستطيع جميع الشعب أن يرى الأسرار المقدّسة. لكنّهم أمروا الشمامسة أن يسحبوا الستائر عليه في أوقات محدّدة، وذلك احترامًا للقربان المقدس[399]. هذا الدرابزين يشبه تخاريم كرسي الاعتراف لكنّه كان متبوعًا بستارة.

«أمر الله أن يكون في المحراب ستارتان، واحدة تحجب القدس عن الصحن وأخرى تحجب قدس الأقداس عن القدس...». وأبواب الدرابزين يجب أن تبقى مفتوحة، وجدرانه لا تكون صفيقة بل «امر آباؤنا القديسون أن تسحب الستائر احترامًا للأسرار المقدّسة في بعض أوقات الصلاة:

- عند تلاوة قانون الإيمان

- عند التناول

- عند تقديس الأسرار

- عند كسر الخبز"[400].

إذًا لم تكن وظيفة البيما لتقديس الأسرار، أي لم تكن مهيأة ليوضع فوقها مذبح، وإن حصل، أحيانًا، وكان عليها مذبح. بل كانت مخصّصة لقيادة الشعب في التراتيل بالتناوب، وكذلك للسير بالجزء الأول من العرض أي القداس الخاص بالموعوظين.

وقد بدأ استعمال البيما منذ أيام القديس مارون، (القرن الرابع)، في كنائس سوريا المارونية، ثم انتشر في لبنان بعدئذ، وحيث لا يزال موجودًا، إلى اليوم، في مقر الكرسي البطريركي في يانوح (العائد إلى القرن الخامس) وفي سيدة إيليج جبيل منذ سنة 1120. وبقي جزء منه في كنيسة حرب عاره (وادي خالد)، كما بقي جزء من الدرابزين في كنيسة السيدة في حدتون-جبيل.

أما في القبيات فإن كنائسها قد احتفظت ببعض أنقاض الدرابزين، نذكر على سبيل المثال المصلّى الشمالي في كنيسة سيدة كماع حيث انكشف، مؤخرًا عند مستوى قوس النصر، قوائم كانت مهيّأة في الأصل لتحمل الستارة الطقسية.


الفصل الرابع

مؤثرات لاتينية



خسرت المعمارية السريانية التي أصيبت بالشلل، تقريبًا، على يد الفتح الاسلامي، في القرن السابع، كثيرًا من أصالتها عندما راحت تقترب من العالم اللاتيني، وذلك من ناحية الطقوس والتطبيقات الهندسية.

ويميل المؤرّخون الموارنة إلى التقليل من شأن هذا التحوّل، لكن الأمر أعمق بكثير مما يزعمون. وقد حذّر الأب لامنس من تخريب الشواهد الغابرة على الفن الديني الماروني القديم، عند نهاية القرن التاسع عشر، متأسّفًا على تقليد الموارنة المُفقِر للغرب[401].


أولاً- مراحل

عرف التبادل الفني بين الغرب والشرق الأوسط، على الصعيد الديني، مرحلتين، قطعت بينهما أحداث تاريخية هامّة.

الأولى، والتي امتدّت من القرن الرابع حتى السابع، والمطبوعة بتأثير الفن المشرقي على الفنون الغربية، وقد عرفت ازدهارًا رائعًا على يد مسيحيي سوريا في إنجازهم تخطيطات كنائسهم البازيليكة[402]. كنّا قد أشرنا، أعلاه، إلى هجرات الشعب السرياني نحو أوروبا، وكذلك إلى قيام الوكالات التجارية الأوروبية على الساحل الشرقي للمتوسط. وهكذا كان من شأن التبادل الاقتصادي، بين جناحي العالم المسيحي، أن عزَّزَ تبادل التأثيرات بشكل يصعب معه، على الصعيد المعماري الديني، أن نحدّد حصة كل واحد منها، ما عدا بعض التفاصيل في الليتورجية الخاصّة بالكنائس. هذه التفاصيل لا تعدو كونها علامات فارقة أكثر منها فوارق تميّز، لأن من شأن إهمال عوامل المناخ وطبيعة المواد المستعملة والمتوفرة في المكان، وطبائع الديموغرافيا الاجتماعية في تأثيراتها على الفن، أن يرمينا في خطأ تاريخي كبير.

المرحلة الأولى، هذه، عرفت إنتاجًا فنيًا رائعًا. إنّ أبدع الآثار الدينية في سوريا القديمة يعود، فعلاً، إلى العصور الأولى التي سبقت الفتح الإسلامي. وهذا الفتح الذي حصل في منتصف القرن السابع قطع انطلاقة الفن المسيحي السوري عندما أرغم الشعوب المحليّة على الخضوع لشروطه المذلّة، وكذلك عندما أقفل الثغور البحرية قاطعًا طرق التجارة في الشرق الأوسط مما حوّل انطلاقة الثقافة، والفن منها، في اتجاه أوروبا التي هاجر إليها معلمو الفنّ السوريون. وكان من نتيجته أن عانى الفن المسيحي في سوريا فترة خمول مديدة. وحتى سياسة الاسلام الرسمي أخمدت كل إمكانية تتيح نهوضًا، ذا بال، لفنّ العمارة الديني المسيحي، فكانت نادرة تلك الكنائس، حتى لا نقول معدومة، التي تمكّنت من استعادة نهضتها، فالمباني العائدة إلى ذلك التاريخ تشهد بألم على بقاء كنيسة لبنان في حالة كمونها.

المرحلة الثانية، الفرنجية

تتميّز هذه المرحلة باحتكاك مباشر بين شرق وغرب. فلما كان التبادل يتمّ، قديمًا، بالواسطة، كان بالتالي جزئيًا، متفرّقًا. أما في هذه المرحلة فصار مباشرًا كثيفًا وعميقًا.

في المرحلة الغابرة كانت التأثيرات الفنيّة والاقتباسات الثقافية تتمّ عبر التجار والحجاج والفنانين الرحالة، فكان من أمر استقرار اللاتين في سوريا أن أعادوا خلط الأوراق، فصارت الشعوب والحضارات متقابلة وجهًا لوجه. هذا الاحتكاك المباشر والمكثّف كان في أساس خصوبة الإبداع الفني. وعلى هذا الأساس صار المعلّمون السوريون، إن بفعل الوجود المشترك، أو بالصدفة، معلّمين منتمين إلى الوضع المستجد، فقدَّموا كلَّ ما لديهم من خبرة ميدانية، ومن معرفة بالمناخ، أو المواد، كما قدَّموا كلَّ المخطَّطات والمناهج التي يملكون إلى حكام البلاد الجدد. ثم عادوا وأخذوا يستعيرون من أساليب القادمين. لكن لكثرة ما استعاروا كادوا يفقدون طابعهم الخاص.

«بين الموارنة والفرنجة كانت تسود، دائمًا، مودّة كبيرة[403]. هذا يسهل فهمه كثيرًا، إذا كنّا لا ننسى أن الموارنة اعتبروا أنفسهم أخوة في الإيمان، مع الفرنجة، من خلال كنيسة روما. وتوما، أسقف كفرطاب[404] الماروني، في سوريا الشمالية، أكّد ذلك عشية الحملات الصليبية. وثبتت هذه القناعة إذا أخذنا، بعين الإعتبار، السهولة التي تبنّى بها الموارنة بعض عادات الفرنجة، مثل لبس الخاتم والتاج، ومثل حمل العكاز من قبل الأساقفة، بينما استنكف باقي مسيحيي الشرق عن ذلك[405].

وبعض الوقائع التي أكّد عليها جاك دي فيتري ظهرت في بعض الرسوم التي كانت تزيّن حنيتي كنيستي معاد وبحديدات. هذه الرسوم السابقة للقرن الثالث عشر، تمثل يوحنا مارون والقديس سييريان يرتديان الباليوم (درع التثبيت) ويحمل كل منهما عكّازًا. هاتان الصورتان كانتا لا تزالان موجودتين في عهد البطريرك الدويهي (+1704). وكان عهد الكاردينال بيار أمالفي، مندوب قداسة البابا إنوسانت الثالث، بداية الليتنة. هذا البابا وجّه إلى الموارنة رسالة قال فيها: «بما أنه ينقصكم بعض الأمور فإن الكاردينال المذكور سيهتمّ بتأمينها لكم من فيض السلطة الرسولية. وكأبناء مطيعين قبلتم ذلك بخضوع وانكسار. نحن نؤكّد على هذه المراسيم، ونأمر بالالتزام بها بثبات. ونأمر بأن يلتزم الأساقفة الموارنة، في مراكزهم، طريقة اللاتين، في اللباس والشعائر الأسقفية المناسبة لكلّ منهم، بحسب طريقة الكنيسة الرومانية.

وكانت السلطة البابوية، والمرسلون، وأغلب الموارنة الذين تعلّموا في روما، من العاملين المجتهدين في سبيل هذه الليتنة[406].

2- ليتنة المعمارية الدينية المارونية

ينطبع فنّ البناء الديني الماروني بطابع مرحلتين: الأولى: مرحلة ما قبل الليتنية، وتمتدّ على النصف الأول من القرن الثاني عشر. هذه المرحلة سجّلت التزامًا بالتقاليد فطبّقت القواعد المعمارية التي تتطلبها الممارسة الطقسية. مثل هذه القواعد نجدها في كنيستي مار جرجس في إهدن، ومار سابا في بشري، وهما قد بنيتا بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر على قاعدة فصل النساء عن الرجال بواسطة مدخل خاص بكل من الجنسين. والتزمتا، أيضًا، في بناء الحنية والمذبح، قواعد الهندسة المارونية الدينية، مع احتفاظ البيما بموقعها في وسط الكنيسة[407]. أما قباب الأجراس فظاهرة إضافتها في فترة لاحقة تعود إلى ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

المرحلة الثانية هي المرحلة اللاتينية التي بدأت فعلاً، في الكنيسة المارونية، منذ منتصف القرن الثاني عشر، فترتبت على هذه الليتنية نتائج كثيرة، إذ ضاعت تقاليد ونشأت تقاليد جديدة مكتسبة. ولم يقتصر التأثير اللاتيني على اللباس الإكليريكي أو على الليتورجية، بل تعدّى ذلك إلى فن العمارة الدينية الذي تنكّر بشكل فاقع للقواعد التي رسمها القدامى.

أ- الحنية

شكل الحنية في الليتورجية المارونية رمزي بالدرجة الأولى، فهو يمثل مبدئيًا، «حضن الآب»[408]. فبحسب التقليد وبحسب ما رسم الآباء القدامى، كان على الحنية أن تتصل بالكنيسة من ناحية الشرق، وأن تكون مندلقة (ظاهرة ونافرة)، ونصف دائرية أو مضلّعة. بعدئذٍ صارت مُحتضنة ضمن بناء مربع، ثم فقدت شيئًا فشيئًا هيئتها الظاهرة لتصبح مجرّد حائط واقف تزينه من الداخل قويسات متراكبة، تشكل، في مجموعها، قوسًا منكسرة، قائمة على ركيزتين. «لقد أهمل الموارنة بناء الحنايا، بالتأكيد منذ بدأوا يتقرّبون من اللاتين في طقوسهم وشعائرهم"[409]. ثم جاءت أغلب الترميمات غير قائمة على أساس العلم، ودائمًا بهدف إفساح مكان لوضع لوحة غير ذات قيمة فنية حملها معه من روما أحد الحجاج، أو أحد المهاجرين، فكان أن هدمت الحنايا وتحوّل شكلها.

ب- المذبح

منذ استقر الفرنجة في لبنان، واعتاد الموارنة أن يمارسوا طقوسهم في كنائس الفرنجة، سارعوا إلى تقليد اللاتين في بناء المذابح. بدل أن كانت هذه مائدة للذبيحة، تعلوها مظلة مقببة بجمال، صارت مدرّجات عديمة الذوق، تشكّل درجتها الأولى هيئة طاولة من رخام مستورد من إيطاليا، أو خشبة عريضة حلت مكان البلاطة التي كانت تقطع من حجر البلاد الجميل الصلب. وصار المذبح ملصقًا بالحائط الشرقي، وفي أعلاه علبة عادية قد تكون مزخرفة ببعض الزخرف البعيد عن الذوق السليم.

«...وضعوا المذبح في «بيت القدس»، أمام العرش إلى اليمين...» «وجعل آباؤنا القدامي مذابحهم من خشب خوفًا من غير المؤمنين الذين كانوا ينغصون عليهم هدوء إقامتهم...» «... وكانوا يبنون المذابح عاليًا لأن التقادم كانت تقرب فقط للآب الذي في السماء... ولم يسمحوا بأن يلصق المذبح في الحائط، بل كان يجب أن يكون بعيدًا على مثال الحجر الذي أقامه يعقوب... من أجل التبريكات التي كانت تتم بالطواف حوله عند التكريس... وأمر الآباء من أجل أن يُفسح في المجال داخل الكنيسة، أن يكون الحائط الشرقي نصف دائري، على جاري العادة في كنائس الشرق... في العهد الجديد أمرت الكنيسة أن يبنى درج أمام المذبح إلى جهة الغرب، وآخر فوقه إلى جهة الشرق...»[410].

وصار بيت القربان الذي يحوي على خبز الافخارستيا والذي كان قديمًا خبزًا حقيقيًا محفوظًا في «خزانة الرازات» مع الحاجيات الأخرى المكرّسة، صار تحت تأثير اللاتين برشانة صغيرة رقيقة محفوظة في حقّ منقول فوق مائدة المذبح.

«... قبل قراءة الكتب المقدسة، لم تكن الأسرار لتوضع على المذبح الكبير، بل على المذبح الصغير المحجوب عن أعين غير المعمّدين حتى لا يظن هؤلاء أن المسيحيين يمارسون عادات اليهود أو الوثنيين في تقديمهم الأضاحي...». «... أمرت الكنيسة أن يتمّ نقل الأسرار في بداية القداس (خدمة الكلمة) وقبل تلاوة قانون الإيمان، إلى المذبح. وبعد التقديس تعاد إلى مكانها في الخزانة». وكان القدماء يعطون رمزية ليتورجية لنقل الأسرار. «فكان المذبح الصغير يرمز إلى الصليب، بينما يرمز المذبح الكبير إلى القبر... بعد هذا النقل تبدأ رتبة التقديس»[411].

ج- قبة الجرس

كان الموارنة يدعون إلى الصلاة يقرع ناقوس خشبي. «في السنة 1112، بدأوا، في الجبل، يقرعون ناقوسًا معدنيًا بدل الخشبي، عند الدعوة إلى الصلاة»[412]. لذلك لم يكن لقبّة الجرس مكان في مخطَّط بناء الكنيسة، كما هي الحال اليوم، لأنّ الحال هذه طرأت في فترة متأخرة، وهذا ما قصده الأب لامنس، على ما يبدو، عندما قال: «إن قبّة الجرس هي من العناصر الأجنبية التي أضيفت إلى الكنيسة بعد بنائها[413].

عندما جيء بالأجراس الأولى لم يكن لها في المباني الكنسية مكان ليستضيفها، فكانت تعلّق على محور فوق ركيزتين من خشب أو حجر. هذه العادة لا تزال جارية حتى أيامنا، في الكنائس التي ليس فوقها قبّة جرس. نذكر هنا، على سبيل المثال، جرس كنيسة سيدة الانتصار في مكانه الجميل بين غصني شجرة صنوبر أمام الكنيسة إلى جهتها الشمال[414].

د- بيما- درابزين وحجاب

هذه الأجزاء المميزة للكنائس المارونية، صارت تخلي مكانها شيئًا فشيئًا. وبدل البيما قامت اليوم، مقرأةٌ خشبية، منقولة، عليها شمعتان كهربائيتان ، وتحوّلت البيما مجرّد ذكرى موقّرة في الكنائس البدائية. وأُهمل استعمال الدرابزين على مرّ الأيام. ثم إن الموارنة وحدهم، بين الطوائف الشرقية التي احتفظت بالأيكونوستاز، ألغوا الدرابزين والباب الملوكي» فيه وأبدلوه بمجرد كنبة مستعارة، وحلّ محل الحجاب قطعة قماش تستر باب بيت القربان، على مثال ما يمكن أن نرى مثيلاً له في بعض كنائس الغرب.

ه- الصحن

تعود شهرة صحون الكنائس المارونية القديمة إلى ثلاثة عناصر أساسيّة تميّزها: نظام إضاءة وتهوئة متطوّر بالنسبة إلى الكنائس المعاصرة. وسقف ذات طرافة قائم على صفين من القناطر، باتجاه شرق-غرب، وباتجاه شمال جنوب وحيث يتقاطع الاتجاه يرتكز السطح على أعمدة، ثم البيما؛ وفيما بعد، زالت كل هذه العناصر، أو على الأقل تحوّل شكلها. فحلّت مكان القناطر والقرميد، القبة الثقيلة المؤلفة من رجمة حجارة-على لغة أهل البلاد. وفضّل اللبنانيون، على البازيليكيات الفخمة، الكنائس ذات الصحن الوحيد، الذي هو، في الحقيقة أبسط لكنّه أبشع. كما جعلوا في كثير من كنائسهم مصليين متلاصقين. وكانت البيما، في القديم، تشكّل المفرش الوحيد في الصحن، فأزيلت ليصير، مكانها، فارغًا، لأنّ «الآباء البطاركة أهملوا استعمال المقاعد والتزموا أن يصلوا وهم وقوف، حسب كلام الرب: إذا وقفتم للصلاة، قولوا: أبانا الذي في السموات»[415].

وعمد الكهنة الذين تعلموا في المدرسة المارونية في روما، إلى تقليد الكنائس اللاتينية، في الغرب، فجعلوا مكان البيما مقاعد أو كراسيَ.

وأحواض العماد، بعد أن أزيحت عن أماكنها وعند مداخل الكنائس، صارت مختصرة في إحدى زوايا الكنيسة، كشاهد على الماضي، أو صار مكانها مخصصًا لأمور غير لائقة... وصار الموارنة اليوم، يستعملون، من أجل المعمودية، مجرّد مجمع عادي لماء العماد.


الفصل الخامس

الكنائس المزدوجة

كتب الأب لامنس: «... ومما قد أذهلنا، في قرى عديدة من لبنان، أننا وجدنا في جانب كنائسها، كنيسةً أخرى لاصقة بها أو قريبة منها، بحيث تضحي الكنيستان بناءً واحدًا. ومثال ذلك كنيسة مار يوحنا وكنيسة مار تادرس في إدّه-جبيل, ومثلهما كنيستا شامات وتولا، الخ...»[416]. ويضيف الأب لامنس: «إن أكثر هذه البيع شيّدت قبل القرن الثالث عشر»[417]. لكن هذا الاركيولوجي الشهير اكتفى بأن أعلن عن ذهوله أمام هذه الظاهرة، ولم يحاول أن يشرحها.

قد يفيدنا أن نقيم مقابلة بسيطة، في هذا الشأن، للإضاءة على هذه الظاهرة في كنائسنا القبياتية.

1- ورع ديني

رأى البعض أن التفسير يكمن في التجدّد الروحي، وفي الحرارة الدينية التي نتجت عن الفتح الإفرنجي وإقامة المملكة اللاتينية في القدس.

ولا يمكن، بالتأكيد، نكران الدم الجديد الذي ضخّه اللاتين في شرايين المسيحيين الأصليين المنهكة؛ فالأمن، وبعض الحريات الدينية المستعادة أذكيا شعلةَ الإيمان.

كتب بيار ديب: «أحدثت الحقبة الإفرنجية نهضةً حقيقية في الكنيسة المارونية، والرهان الفعلي، على ذلك، موجودٌ في الآثار الفنية الدينية، إذا استثنينا الحقبة الرومانية، فإن الفن المعماري لم يشهد نشاطًا مماثلاً له، في سوريا... وإلى هذه الحقبة تعود الكنائس الكثيرة التي تملأ البلاد»[418].

لم يبقَ الموارنة غرباء عن النشاط الفني الحاصل في الحقبة الإفرنجية، إذ انبعثت نهضةٌ بنائية كبيرة الأهمية بفعل الاحتكاك مع الصليبيين. لكن، يمكننا القول: إذا كان الاتصال بالفرنجة قد دفع الموارنة إلى أن يرمّموا كنائسهم وأن يبنوا أخرى جديدة، وهو ما تشهد عليه كنائس كثيرة تعود إلى تلك الحقبة، وإذا كان التنافس التقوي قد دفع بالمسيحيين الذين توفّرت لديهم الإمكانات الضرورية لبناء كنائس على أسماء شفعائهم القديسين: «في سنة 1112 بدأ أشخاص أتقياء ببناء كنائس... وكان للخوري باسيل البشرّاوي ثلاث بنات: تقلا وسالومة وماريّا اللواتي نذرن العفّة فخصّصن ما يمكن لبناء الكنائس»[419]، فكيف نشرح أن تكون تلك الكنائس، كلَّها، مزدوجة ؟ من المؤكّد أنّ وجود بعض هذه الكنائس المزدوجة قد يوكّد نظرية الورع. ولنقرأ مباشرة ما كتب الدويهي: «سنة 1510 بنى الخوري لوقا بن بطرس، من ترتج-جبيل، كنيسة مقدّسة في «قليتين» (قبرس)، على اسم لوقا الإنجيلي. وبنى الخوري زكريا كنيسة مار ماما في مطوشي (قبرص)... والحاجّ ميخائيل، أخو المطران جبرائيل بن القلاعي، انتقل من قرية لحفد إلى قرية طالا وزاد على كنيسة السيدة جناحًا على اسم مار عبدا»[420]. لكن تعميم ما ينطبق على واحدة، يبدو غريبًا فلا يصح التسرّع.

2- كنيستان: وظيفتان

يقول رأي آخر في مثل هذه الأبنية الأثرية، إنها كنائس مزدوجة، صحيح؛ لكن لا يجب أن يفسّر السبب على أنه مجرّد تنافس في التقوى بين المؤمنين، بل يجب أن ندرس الظاهرة على ضوء برنامج طقسي، اختص به شعبٌ معيّن، في زمن معين. وبتعبير آخر يجب النظر إليه على أنّه مجمع ديني متناغم، بمعنى أن الغرفتين تؤلّفان كنيسة واحدة، مؤلّفة من


 

كنائس مزدوجة

من الخارج: مار جرجس ودانيال

 

من الداخل: مار سركيس وباخوس

مصلَّيَين، لكل واحد منهما وظيفته الخاصة، والمستقلّة عن الآخرى، رغم وجود معبر يصل بينهما[421].

وهذه الكنائس المزدوجة ليست قليلة! نذكر منها كنيسة «أم الجمال» في قرية «عارة» المجاورة ليبرود في سوريا الوسطى. والسؤال هو: هل التشابه فيما بين تلك الكنائس يعني أن الوظائف فيها كانت متشابهة أيضًا؟

في عرضنا لوجهة نظرنا نعرض بعض عناصر وجهة النظر التي ترتكز، أساسًا، على تقاليد العمارة السورية؛ فنجد افتراقًا في الرؤية عند تحليل الوظائف الدينية التي يمكن أن يضطلعَ بها كلٌّ من المصلَّيين في مثل هذه الكنائس. وكل هندسة تمثّل منهاجًا قبل أن تكون وظيفةً أو إطارًا زخرفيًا. ولننظر، هنا، إلى المجال المشرقي علّنا نرى إن كان فيه ما يشبه هذه الكنائس، أو إن كان فيه تقاليد بنائيّة هدفت إلى وظائف مماثلة لتلك التي كانت تمارس هنا. فهل نبحث عما هو مواز، في التخطيط لما عندنا من أبنية الكنائس المزدوجة أم، بالأحرى، في مخططات الكنائس ذات الصَحنين؟

كنائسنا تتشابه، في نقاط عدّة، مع كنيسة «أم الجمال» المزدوجة، لا سيما من حيث تقدّم واجهة إحداها، وتراجع الأخرى، وكذلك الحائط المشترك وأبواب الاتصال. ومع أن الموارنة يقرّون بنسب هذه الكنيسة إليهم[422]، فلا يبدو لنا منطقيًا أن نسلك كنائسنا القبياتية في نمط الكنائس المزدوجة لمجرّد أن يكون لها مدخل خاص، إلى جانب المواصفات الأخرى. لقد ثبت أن عددًا كبيرًا من كنائسنا، كما سبق أن عرضنا، مثل كنيسة أنفه الموصوفة على أنها إفرنجية، ومثلها كنيسة القديس يوحنا في جبل الحجاج (طرابلس)، تفتقر إلى مداخل مستقلة، وبعضها يعتمد على مدخل واحد مشترك. بالتأكيد، ليس من الضروري أن تكون هذه الكنائس من نوع البازيليك ذات الصَحنين، من غير أن ننفي، في الوقت نفسه، هذا الاحتمال عنها؛ لكنّ الذي لا شك فيه أن لكلّ من هذين المصلّيين وظيفته الخاصة به، في إطار تعبدي يشملهما معًا، فيكون تخطيطهما الهندسي تلبيةً لحاجة هذا البرنامج التعبدي، وبالتالي يكون المصلَّيان متكاملين وليس مجرّد إضافة بسيطة لأحدهما على الآخر.

3- الوظيفتان: طقسية وجنائزية

عندما درس الدكتور حسّان سركيس كنيسة القديس يوحنا في جبل الحجاج (طرابلس)، أدلى برأي شديد الأهمية، لكنه متميزٌ كل التمايز. لهذا نورد النص الأصلي لاستاذنا المحترم؛ وإذا طبَّقنا رأيه على كنيسة مار يوحنا، فهل يمكنه أن يشرح كلَّ الباقي؟

«... في الخلاصة يتمظهرَ مخطّطها بالمظهر السوري بمعنى الكلمة الواسع، فيجمع بمبنى واحد مصليين يبدوان وكأن لكلٍّ منهما وظيفته الخاصة به والمستقلّة عن الآخر، بالرغم من وجود ممرّ يوصل بينهما. ومن جهة أخرى، إذا أقفل باب الممر يصبح كل اتصال بينهما مستحيلاً، فلا يعقل في هذه الحال، أن تكون الكنيسة من نمط ذوات الصحنين اللذين يجب أن يكمل أحدهما الآخر. وقد يكون علينا أن نسأل عمّا إذا كان هذا الممر يتيح للمصلّين، معًا، أن يستفيدوا من درج يؤدّي إلى السطح، مبنى في سماكة الحائط المشترك بينهما، إلاَّ إذا كانت وظيفة هذا الممرّ شعائرية بحتة فتقام الشعائر الليتورجية في مصلّى على حدة، ويبقى الآخر معدًا للشعائر، ويكون الممرّ بينهما معدًّا لانتقال الإكليروس بينهما. فإذا أخذنا باستقلالية كل من المصلّيين في مجمّع جبل الحجاج التعبّدي فيجب أن نفتّش عن مواز لهما، ليس، على الأكثر في الكنائس البازليكية ذات الصحنين أو الثلاثة، لكن في تلك التي ذات صحن وحيد، متّصل بحنية نصف دائرية أو مستطيلة، أكانت بارزة من خارج أو يحتويها حائط من جهة الشرق. وبالأحرى يجدر بنا أن نأخذ وضعيّة الكنائس المزدوجة بعين الاعتبار لأن صيغة الكنائس، على ما يبدو، تنطبق على وضعيّة كنيستنا هذه. في هذه الحال تعتبر كنيسة «أم الجمال» في سوريا، من أقدم الكنائس المزدوجة والعائدة إلى القرن السادس. هذه الكنيسة تتألّف من مصلَّيَين، الشمالي يتكّون صحنه من ثلاثة أجنحة، أما الجنوبي فمن صحن وحيد بثلاث بلاطات مفصولة بعضادات حيطية وأقواس مساندة. وللمصلَّيين حَنيتان نصف دائريتين.

على كل حال، ومع أن المصلَّيين يشكِّلان جزءًا من برنامج هندسي، ويتّصلان فيما بينهما ببابين في الحائط المشترك، فإن المصلّى الجنوبي يتراجع في واجهته عن واجهة المصلَّى الشمالي، وهذه هي، على الأرجح، الوضعية التي يجب أن تكون عليها الحال في كنيسة القديس يوحنا في جبل الحجاج؛ فالمصلّى الشمالي يجب أن يكون مخصَّصًا لإقامة الشعائر التعبدية العادية، لكن ليست الحال تلك في المصلَّى الجنوبي.

في تلك الخرائب شواهد على وجود مقاعد تمتد على طول الجوانب، وكذلك حوض ماء بقطر ثلاثين سنتمترًا، من داخل، وماؤه معدّ ليسيل إلى الخارج بواسطة قناة مفتوحة في سماكة الحائط الجنوبي.

يبدو لنا، بعد أن نأخذ في الاعتبار تلك العناصر، بالإضافة إلى وجود مقبرة صليبية إلى جانب كنيسة القديس يوحنا، والتي ورد ذكرهما معًا في النصوص، يبدو لنا أنه من الممكن إعطاء المصلّى الجنوبي دورًا جنائزيًا. وهذه الممارسة يمكن أن تذكرنا بما كان يجري مما يماثله في كنائس العهود المسيحية الأولى، وفي الكنائس البيزنطية[423].

 

4- وظيفتان: مذبحان

السيد فؤاد سلوم، الأكثر موضوعية والأفضل توثيقًا بين الذين عكفوا على معالجة هذه المسألة الاجتماعية-التاريخية، في منطقة القبيات، حاول بدوره أن يجد تفسيرًا للإشكالية التي تطرحها مثل هذه الكنائس المزدوجة. وبعد سنوات طويلة من البحث الميداني والدراسات المقارنة بين الكنائس القديمة في القبيات والجبّة والبترون وجبيل، في لبنان، والكنائس البائدة في القلمون، في سوريا، خرج بالنظرية التالية[424]:

مصلّيان يعني مذبحين. أي إن المصلّيين يمثّلان في المبدأ والضرورة، كنيسةً واحدة بصحنين، والصحنان موصولان بحنيتين، في كل واحدة منهما مذبح. وعلى المذبح الصغير توضع التقادم، وعلى الكبير يتمّ الاحتفال الطقسي بتقديسها بعد أن تنقل إليه احتفاليًا.

فنعتبر أن نظرية السيد سلّوم، إذا نظرنا إليها ككل، صحيحة، فهو يعتمد منطقًا موضوعيًّا جدًّا، لا سيما وأنه استند إلى النصوص الليتورجية لدى البطريرك الدويهي[425]. ومع ذلك لا تزال قراءة صديقنا للموضوع تترك بعضًا من ظلّ يخيّم فوق هذه المعضلة اللغز.

5- خزانة الرازات (السكرستيا)

حلّ آخر توفره نصوص الدويهي يمكن أن يلقي ضوءًا جديدًا على هذه المسألة.

كتب البطريرك المكرّم: «في قدس الأقداس يوجد «بيت القربان» الذي يحتوي على الأسرار المقدّسة وعلى الميرون وزيت العماد وماء التغطيس... كانوا، قديمًا يضعون أغراض العماد خارج الكنيسة أو في الرواق، لأن الدخول إلى الكنيسة كان مسموحًا به، فقط، لأبناء النور». ومن بعدُ، يتابع البطريرك، كانوا ينقلون الأغراض إلى الخزانة، لأن «بيت القربان» هناك (تابوت الرازات)، ونرى مثالاً لذلك في كنيسة مار سابا في بشري[426].

فما هي هذه «الخزانة» التي ذكرها البطريرك المكرّم كمثال؟

ذكر الأب لامنس كنيسة أسقفية في بشري، لم تعد موجودة اليوم[427]، كانت تتألّف من صحن رئيس موصول بحنية يتضمّنها بناء مربع ينفتح، عند تقاطع العقدين، على حجرة مشابهة للتي لا تزال موجودة في كنيسة القديس فوكاس في أميون، خصّص الجناح الجنوبي منها لسفينة العهد (بيت القربان)، ولأغراض العماد التي وضعت في الزاوية الجنوبية الغربية.

وكانت الخزانة، قديمًا، في قدس الأقداس، إذ «بعد المناولة، يجب أن تبقى ابواب قدس الأقداس مفتوحة أمام النساء والأولاد...» حسبما يشير البطريرك الدويهي مستشهدًا بمجمع تروا (Troyes)[428]. لذلك كانت المراسم الطقسية تجري في الصحن الرئيس، بينما تقتصر وظيفة الجناح الجنوبي على باقي الأغراض الطقسية.

نتابع باختصار، ما يقوله السيد سلوم: كانت التقادم توضع على مذبح صغير جانبي، يعني خزانة الرازات، حيث يُحتفظ، أيضًا، بأعمال طقسية أخرى. في هذا الصحن، كانت النساء اللواتي لم يكنّ يختلطن بالرجال، في أثناء القداس، يستمعن إلى مراسم التقديس مع الأولاد عند صلاة التقدمة، وتمامًا قبل قانون الإيمان، كانت التقادم تنقل احتفاليًا إلى المذبح الكبير. وبعد مناولة الرجال، كانت الأسرار تنقل إلى المذبح الصغير بيد الكاهن أو شماس لمناولة النساء والأولاد، وكان يحفظ بعض منها من أجل «الزاد الأخير». «في القديم، عندما كان الأسقف يتابع التبريك، كان يوكِل الأسرار إلى كاهن أو رئيس الشمامسة لينقل الأسرار عبر باب اليمين إلى المذبح الصغير حيث يناول النساء والأولاد، ويأكل ما بقي»[429].

هل يمكن أن نجد مثل هذه الخزانة التي كانت مخصَّصة لحفظ الأسرار مقابل الأخرى التي كانت مخصَّصة لتقديسها، في بعض كنائس القبيات؟ ذاك ما نعتقد ، لأنِّ كثيرًا من مجامع العبادة هنا، لم يكن لها إلاَّ مدخل واحد خارجي، يمكن أن يقفل حسب الرغبة. ولأنّ القداديس لم تكن لتجري في الكنائس الشرقية إلا أيام الآحاد والأعياد، كما أنّ المؤمنين لم يكونوا يشاركون في تناول الأسرار إلاّ في مثل هذه المناسبات. وهذا سبب إضافي يدعو إلى الاحتفاظ بالقربان لظروف «الزاد الأخير»، في مكان مستقل، وهو ما وفّر فكرة إقامة كنيسة ثانية ملاصقة.

ونذكر، دائمًا في هذا الصدد، أن الفكرة لم تكن غائبة عن بال مسيحيي الشرق، فموضوع كنيسة إضافية تشكّل نوعًا من سكرستيا، يسمّيها الموارنة «خزانة الرازات» تأخذ مكان «بيت الشهداء» في الكنائس السورية القديمة، هو فكرةٌ تأتي في مكانها الصحيح.


=====


خلاصة


====

 

1- الفن الصليبي فن محلّي

بعدما أكد المركيز دي فوغيه على تأثير العمارة، في سوريا الوسطى، على فنون التزيين والتنميق والنحت في أوروبا، كتب متابعًا: «قلّما اقتبس معماريو القرن الثاني عشر، على صعيد البناء، من معماريي سوريا الوسطى، إذ، عندما قلّدوهم تصرّفوا بحرية، فاقتبسوا الأفكار وليس الأشكال»[430].

ففي بداية القرن الثاني عشر، وبعد أن ركّز الصليبيّون مؤسّساتهم الدينية والعسكرية والاجتماعية، ومعها العمارة، استخدموا فيها، حصريًا، القوس المنكسرة التي كانت نادرة الاستعمال في أوروبا. هذا دليل على أنّ استعمال هذه القوس كان من عادات أهل سوريا، ومثلها كان استعمال القباب والسطوح الترابية.

ثم يؤكّد دي فوغيه: «هذا الاقتباس لم يكن ليغيّر في أصالة فنهم الخاص الذي ذوّب وهضم تلك الاقتباسات في مفاهيمهم الخاصة»[431].

بالمقابل، وعلى ما يؤكّد كميل أنلار، فإن المعلمين الصليبيين اعتمدوا النماذج التي كانت سائدة في البلاد، وهذا عائد، أحيانًا، إلى أنهم شيّدوا فوق أساسات أبنية كانت موجودة سابقًا. ومعظم الكنائس التي كانت مقصودة بالزيارة، شُيِّدت فوق أقبية دينية كانت مخصوصة بالتكريم؛ ونعطي مثلا كاتدرائية طرطوس: فقد رمّم الصليبيون، في بداية دولتهم المشرقية، أكثر مما شيدوا. لكنهم، منذ الربع الثاني للقرن الثاني عشر، اعتمدوا فرصة أتاحها لهم الاستقرار العسكري والاجتماعي، فراحوا يزهّرون فنًا معماريًا متميزًا، «تحت وطأة التقليد السوري والبيزنطي الذي لعب دورًا هامًّا في تظهير عمارة قروسطية خاصة بالأرض المقدّسة»[432].

تلك كانت مدرسة «عبر البحر» التي تميّزت بعناصر عدّة يلخّصها هذا المقطع لكميل أنلار: «غياب القرميد، والارتفاع الكبير في الأجنحة الجانبية، وبساطة التخطيط، وكثرة الحنايا المحتضنة ببناء مربع، والاقتصاد في الزينة، والاقتصار، تقريبًا، على اعتماد القوس المنكسرة، وعلى الجدائل الواصلة فيما بين رفارف الأعمدة، تلك هي المزايا الأبرز في ذلك الفنّ»[433].

وبدلاً من أن ننعت الفن الصليبي بالسوري أو بالغربي، بودّنا أن نتكلّم على حوار بين الثقافات؛ فليس من الصحّة أن نفصّل ما كانت عليه العناصر الشرقية، وما كانت عليه العناصر الغربية في الفنّ الصليبي في سوريا، وذلك لأنّ الفنّ، بما أنّه كلٌّ متلاحم، يبقى تمثيلاً للعناصر، وإبداعًا. ويؤكّد كميل أنلار، في غير مكان، أنّ أفكارًا عديدة، وأنّ حياة مشتركة كانت تسم المسيحية في القرون الوسطى[434].

ولقد برز على صعيد الكنائس اللاتينية في سوريا، تطوّران متوازيان، إن لم يكونا توافقيين دائمًا، يحملان الميزات نفسها، ويعتمدان توجّهاً واحدًا إذ طبّقت الكنيستان العقائد نفسها، والتقاليد نفسها، العائدة إلى مناهج واحدة. لكنّنا، بالتأكيد، نستطيع أن نتكلّم على سابق وعلى لاحق، بالنسبة إلى بعض التفاصيل، مثل القوس المنكسرة مثلاً. ويمكن أن نشير إلى بعض اقتباسات أخرى. لكن هذه الاقتباسات، حسب سبيرز، لا تلغي شيئًا من أصالة الفن الصليبي لأنّ العناصر المستعارة ذابت وتلاحمت في مفاهيمهم الفنيّة[435].

كذلك، نحن نستطيع أن نؤكّد، من غير أن ننكر الاقتباسات المتبادلة بين الفنون الإفرنجية والفنون السورية، أن هناك تمازجًا كان بين شعبين وعبقريتين فوق أرض واحدة، أبدع انجازات مشتركة، معجِبة، هي الفنّ الافرنجي في سوريا.

2- الكنائس القبياتية: شقيقات صغيرات

في فصل سابق، من كتابنا هذا، والمعنون: المورانة، تكلّمنا على وجود هؤلاء في القبيات وعلى ترحّلهم بين سوريا الوسطى وأواسط لبنان عبر القبيات، وفي دواخل عكار. وتتبعنا تنقّلهم عبر البلاد، وأَكبرنا عظمة بازيليكياتهم السورية وجمالها. كما أُعجبنا بعنفوانهم وتفانيهم رغم بؤس أماكن عبادتهم التي نزلوا فيها، ومهانتها. وتتّبعنا أيضًا، حركة جماعاتهم المتوجّهة صوب جبل لبنان، كما تحسّسنا آلام من لم تتح له فرصة مغادرة المكان وفقره.

وقد شهد النصف الثاني للقرن الثاني عشر عودة زُمر منهم إلى أراضٍ مهجورة ليعيدوا إحياءها بعرقهم المتلألئ، كما شهد قيام كنائسهم المتواضعة، العارية إلاَّ من إيمان وتقوى متوهّجين. وتركوا خلفهم، جبلهم وأهلهم حاملين قلوبهم المفعمة بالحب، وعيونهم تتموّج فيها آفاق جديدة مؤمِّلة، وخواطرُهم تزدحم فيها الذكريات؛ لكن القبيات التي نزلوا فيها لم تستقبلهم كدخلاء، بل وجدوا فيها أهلاً.

وكعهدهم، ما أن وضع الموارنة العائدون أحمالهم اليسيرة، واستعادوا أنفاسهم، حتى شمّروا عن سواعد العمل ليبنوا أكواخهم المتواضعة، وليعمروا «بيت الله»، بعد أن مهّدوا أرضه وأزالوا الدنس منها. لم يكونوا بحاجة إلى مهندس أو معلم عمار! جميعهم يحفظ عن ظهر قلب، تخطيط الكنيسة التي لطالما مارسوا فيها طقوس عبادتهم. وكان من بينهم كثيرون يعرفون كيف يشيّدون الأبنية، إن بإعادة استعمال الحجارة القديمة وإن بقطع أخرى جديدة. فكانت العائلة بأجمعها، تتشارك العمل، نساءً وأولادًا. إذا، كان مخطّط الكنيسة معهودًا لديهم، فالكنائس تتشابه كلّها. والسطوح أكانت مسنّمة أم مقبَّبة بالأقواس السريرية، فذلك أسلوب بنّائين وليس طرازًا بعينه. وليست الفروق بين كنيسة وأخرى نتيجة لاختلاف الانتماء، أكانت جزءًا من مبنى أم منفردة، إنما تعود الفروق إلى طبيعة الأرض، وحسب، لأنّ هذه الكنائس تنتمي إلى شعب واحد، وإلى نهج واحد في ممارسة الطقوس.

من كان هذا الشعب؟

ما كانت تلك الطقوس؟

نحن، بدورنا، قمنا بتجوال كالذي قام به الأب لامنس، فزرنا الكنائس عينَها التي زارها، لا بل زرنا ما يزيد عليها. وبعد مرور قرن من الزمان على مرور الأب لامنس إمّحى كثير من التفاصيل، وطرأت تفاصيل جديدة على تلك الأبنية القديمة البالية. فأعيد ترميمُ بعضها، لا سيّما في العقدين الأخيرين، ولم يكن ذلك الترميم على أساس علمي. ومع ذلك بقي المخطّط على ما كان عليه، فلم يطرأ ما يعيق الممارسة الطقسية؛ لأن طقس العبادة، على ما يبدو، كان هو نفسه الذي يجري في كنائس الجبل وفي كنائس القبيات، في آن واحد، سواء أكانت تلك الكنائس جزءًا من بناء أم كانت مزدوجة، يتقدّم فيها مصلّى ويتأخّر ثان، على ما هو موجود في كنائس مزدوجة في الجبة والزاوية والبترون وجبيل، فكأنها نسخ طبق الأصل عن كنائس القبيات.

وفي القبيات لا تتوفر لنا، وثائق تاريخية عن الكنائس، بينما يعود إزدهار كنائس الجبل إلى الحقبة الإفرنجية في القرن الثاني عشر. ورغم المسافة الشاسعة بين كنائس الجبل وكنائسنا في القبيات، فإن الهندسة المعمارية، من داخل الكنيسة أم من خارجها، هي نفسها.

ونشير إلى تشابه مخطّطات كنائسنا القبياتية التي نقلناها في كتابنا: تلك المزدوجة التي تتقدّم إحداها على رصيفتها مثل التي في إده-جبيل أو التي يتضمّنها بناء كتلك التي في شامات وتنورين. فالزخرفة من الخارج تتماثل: مظهر فقير، وحجارة بعضها مهندم وآخر أقل هندمة، وكلّها مشقوعة في جدران تخترقها أبواب متشابهة. والنوافذ التي على هيئة مرامي النبال هي هي، هنا وهناك. الحنايا البارزة أو التي تتضمنها جدران واقفة، وفيها أدراج تفضي إلى السطوح هي هي، هنا وهناك. وتلك التي تجهّزت بآبار الماء، وهي الغالبة، أم التي تسقيها الينابيع مباشرة كما في تنورين، تتشابه.

ومن الداخل تتكرّر الصورةُ نفسها: مُصلَّيان مسقوفان بقوسين سريريين منكسرتين، وبباب داخلي يصل بينهما، على مثال ما في تنورين، أو يتّصلان بواسطة قنطرة كما في دملصا. والسقوف أكانت مقوّسة فوق أعمدة أو مسنّمة كما في شامات؛ والقباب الصاجيّة التي تظلّل الحنايا تتماثل أيضًا، كما تتشابه الأطناف المشطوبة التي تطوّق أعناق القباب. وأخيرًا، الصلبان، وليست هي بالعلامات اليسيرة، تسم، هي نفسها، تلك الآثار هنا وهناك.

ولأنّ منطق التاريخ يؤكّد أنّ كنائس الجبل هن أماكن عبادة على الطقس الماروني، بدلالة ما أسلفنا من المقاييس، أفلا يمكننا أن نؤكّد على أنّ طقس العبادة، ذلك هو نفسه الذي يمارس في كنائسنا القبياتية اللواتي هن الأخوات الصغيرات؟


3- كنائس القبيات: شهادات على الماضي

من المؤكّد أنّه لا يمكن أن تشكّل كنائس القبيات القديمة، وهي في معظمها رجوم حجارة، مدرسةً في فن العمارة. كذلك ليس لها من الفخامة والرونق ما لأخواتها البواكير في سوريا، وهو ما تشهد عليه الآثار هناك. لكن كنائسنا هنا، تشكّل شهاداتٍ ناطقة عن ماضٍ عبر، وصارت جزءًا من تراث ماروني وطني، ليس هو فضلها الوحيد، بل أكثر، فهي شهادات على ماضٍ تاريخي، لأكثر من سبب:

أولاً إنّها تشهد على حياة مجتمع، بقدر ما كان فقيرًا بالموارد المالية، كان عاجزًا عن تحقيق انجازات فنيّة. وهؤلاء الفلاّحون، سواء من كان باقيًا في أرضه أو من عاد إليها خلال احتلال الفرنجة لها، لم يكن ليحصّل ثروات وذلك، أيضًا، له أسبابه. فعلى سبيل المثال، وعلى ما أسلفنا من كلام، كان هؤلاء الفلاّحون يرزحون تحت وطأة التزامات، على كل الصعد. فماذا كان يمكن أن تغلّ لهم تلك القطع الصغيرة من الأراضي التي وضعها الأسياد تحت تصرّفهم؟ أو تلك التي كسروها واكتسبوها على حساب الغابة والجبل؟

أمّا من ناحية الفنّ، فإن لم يعدم الموارنة، بالإجمال، فنانين من طراز رفيع أثبتوا قدراتهم الفنية في عدة أنحاء من كونتية طرابلس، مثل كنيسة القديس يوحنا –جبيل، ومار سابا-بشري، فهل كان مثل أولئك في القبيات؟ وحتى لو كانوا موجودين، فإنهم في مثل مجتمعاتهم الصغيرة المبعثرة، لا يمكن أن تتوفّر لهم قدرة مادية تسمح بتحقيق إنجازات فنيّة ذات اعتبار. نعم كانت الامكانات المادية تعوزهم[436]. ومن النافل أن نعود إلى الكلام على الضربة القاصمة التي لقيها فنّ العمارة الدينية، في سوريا، على يد الفتح الإسلامي، في القرن السابع، والتي قطعت بين هذا الفنّ وبين ماضيه الزاهر، فترة مديدة لن يعود إلى استدراكها ردحًا طويلاً من الزمان. كذلك لم يسمح استتباب الأمر للفرنجة المسيحيين، في هذه البلاد، باستعادة زمنهم السعيد الذي كان.

ثانيًا: ظلّ موارنة القرون الوسطى يشكون من عدم الاطمئنان، رغم «السلام اللاتيني» الذي أرساه الفرنجة في البلاد. إن عدم الاطمئنان، ذلك، كان يأتي من الداخل، فحرب الأسياد فيما بينهم، قلّما كان يخمد أوراها، إلاَّ نادرًا. أما من الخارج، فالمملكة اللاتينية في الشرق كانت تعاني من تهديد دائم يأتيها من الجوار، فكان ينعكس عدم الاستقرار، أكان من الداخل، أم من الخارج، على المجتمع الماروني. لتلك الأسباب جاءت كنائسهم على قياس أوضاعهم، فارتدت طابعًا دفاعيًا. «كانت كنائسنا، في الدرجة الأولى، أشبه باستحكامات: جدرانها جدران حصون، أبوابها منخفضة جدًّا، نوافذها القليلة مفتوحة عل شكل مقاتلات...»[437]. ولقد أسلفنا الكلام على أهمية الماء مثل الينابيع والصهاريج عند الكنائس. لم تكن الحاجة إلى الماء بهدف إقامة الشعائر فحسب، بل كانت ضرورة للمؤمنين الذين كانوا يلجأون إلى الكنائس للصلاة والدفاع.

لم تكد تنتهي السنوات السمان، بين القرنين الرابع والسابع، حتى افتقدت الكنيسة المارونية سلامها، فلم تعرفه إلاَّ نادرًا، وبالتالي افتقدت النموّ الاقتصادي. لقد عانت من الحروب والاضطهاد، ومن الضغوط تأتيها من كل صوب، مما جعلها ترزح في عتمة ليل طويل، لم تخرج منه إلاَّ في عصرها الحديث.

صحيح عرف المجتمع الماروني، مع زوال الفرنجة عن البلاد، فترة سلام، لكنّها لم تكن طويلة تسمح بترسيخ نهضته. ظلّ يعاني من الفقر وعدم الاطمئنان والبؤس، وهو ما تشهد عليه كنائس القبيات القديمة. لنسمع الأب غودار يقول: «كان البطريرك يعمل أكثر يومه في حجرته التي كانت تنفتح فيها نافذة على لوحة فسيفساء تتجه إليها عيناه. هذه اللوحة لا تزال إلى اليوم، في مكانها وقد عراها البِلى والتفتّت، وهي تمثل تسعة من البطاركة واقفين حول قبر، تيجانهم على رؤوسهم، وعصيّهم في أيديهم، يتأمّلون العذراء تتوجّها الكائنات السماوية الثلاثة: هذه الوقفة المصمّمة، وتلك الأيدي المرفوعة إلى السماء التي تتضرّع في رجاء مشترك، هو ما نفهمه منها، تقول: «قنّوبين» تتألّم. هنا، في المكان نفسه، كان يجتمع البطاركة، وشعبهم من حولهم، ضارعين إلى السماء، مستغيثين بالعذراء، رافعين إليها كلّ الآلام التي يعاني منها «الجبل»[438].

وصحيح، أنّ الكنيسة كانت حتى الحرب العالمية الأولى، بناءً بسيطًا، مجرد كعبة من حجارة يصعب تمييزها عمّا حولها من بيوت، تقلّ فيها النوافذ، وجرسها لا يكاد يُرى فوق زاوية منها؛ لكنّ هذه البساطة، نفسها، هي التي ميّزت الشعب الماروني بصلابته وعنفوانه.

«إنها صلابة تدعو إلى الإعجاب، لا لأنّه استمر محافظًا على الإيمان وحسب، بل لأنّه حافظ في الوقت نفسه على عناصر عباداته الطقسيّة وأشكالها»[439].


 

فــهــرس

 

كلمة شكر سيزار موراني

مقدمة اولى للأب مخول فرحا الرئيس الاقليمي

مقدمة ثانية للدكتور فؤاد سلّوم

تمهيد

 

مدخل

‌أ.       ناحية

‌ب.   الأسم

‌ج.     جغرافية القبيات

1)     الاطار العام

2)     سبعة أحياء

‌د.      القبيات طريق الفتوحات

‌ه.    القبيات همزة وصل بين المدن – الممالك في فينيقيا والحضارات المجاورة

‌و.      القبيات أرض مسيحية

 


 

القسم الأول: لمحة تاريخية

الفصل الأول: سوريا عند نهاية القرن الحادي عشر

الفصل الثاني: الموارنة

‌أ.       الموارنة في سوريا

‌ب.   خلقيدونيون ويعاقبة

‌ج.     الموارنة والروم

‌د.      الموارنة في لبنان

‌ه.    الموارنة في القبيات

‌و.      أصداء في الغرب

الفصل الثالث: الحملة الصليبية الأولى – ملحمة أسطورية

‌أ.       محطة في عرقة

‌ب.   كونتية طرابلس

1)     موقعها الجغرافي

2)     التنظيم القانوني والعسكري

3)     عرقة

4)     جبل عكار

5)     الحصين

6)     القبيات: إقطاع ام ملكية

‌ج.     الصليبيون والموارنة: علاقات مميّزة

‌د.      عودة الموارنة الى القبيات

1)     الاقطاعية المارونية

2)     الفلوحية المارونية في القبيات

3)     موارد البلاد

4)     الزراعة في القبيات

5)     تربية الحيوان

6)     موجبات زراعية وعسكرية

‌ه.    الكنيسة اللاتينية والكنيسة المارونية

‌و.      بيبرس يجتاح: دم ونار

 


 

القسم الثاني: قِشَل وقلاع الفرنجة في ناحية القبيات

الفصل الأول: أسماء ومواقع

Charte de 1127

Charte de 1143

Charte de 1142

13 …….. -1

الفصل الأول: حصون الفرنجة في القبيات

ثلاثة خطوط في التحصينات

‌أ.       خط الدفاع الأول

1)     قلعة البرج – حصن مالاشان

2)     حرب عاره – حصن الوادي

‌ب.   خط الدفاع الثاني

1)     حصن عكار

2)     برج طيبو

3)     حصن ألب

‌ج.     خط الدفاع الثالث

 


 

القسم الثالث: دراسة مفصّلة للكنائس

 

الفصل الأول: الكنائس البسيطة

 

ضفة النهر الكبير

أولاً: منجز

1)     الفاليسيوم

‌أ.       الأسم

‌ب.   الموقع

‌ج.     مصلّى الحصن

                                                    i.     الأساسات

                                                  ii.     الجدران

                                                 iii.     دراسة مخطّط المصلّى

1.      الصحن

2.      الباب الشمالي

3.      الباب الشرقي

4.      الحنية

5.      السكرستيّا

2)     مقام الرب: هيكل – كنيسة

3)     كنيسة سيدة المعين

 

ثانياً: كفرنون (قرية السمك)

1)     الكنائس

2)     جبل أكروم

 

 

ثالثاً: قنية: دير قديم وكنيسة قروسطية

1)     الموقع

2)     الإسم

3)     الآبار

4)     مُنشأة الزيت

5)     الكنيسة

6)     الدير

7)     البرج

 

 

رابعاً: حوض نهر الأسطوان – فساقين

‌أ.       الأسم

‌ب.   مبانٍ وبقايا أخرى  1-2-3

‌ج.     مار نوهرا  -  الخورس – الصحن  -  الملحقات

 


 

الفصل الثاني: الكنائس المزدوجة

 

أولاً: هضبة شويتا

‌أ.       قصر مريق

‌ب.   قصر كليب

‌ج.     القديسان جرجس ودانيال

1.      الموقع

2.      الخزف القروسطي

3.      منشآت زراعية

                                                                        i.     معصرة العنب

                                                                      ii.     معصرة الزيت

                                                                     iii.     الماء

‌د.      أبنية قديمة

‌ه.    المدافن

‌و.      القبر البيضاوي

‌ز.      الكنيسة

1.      المعبد الشمالي

2.      المصلّى الجنوبي – مار جرجس

 

ثانياً: غزراتا

1.      الموقع

2.      المقبرة

3.      اللحود الفردية

4.      المغاور المدفنيّة

5.      كنيسة سيدة غزراتا

‌أ.       التخطيط

‌ب.   المصلّى الشمالي

                                                                        i.     البناء

                                                                      ii.     الزخرفة

‌ج.     المصلّى الجنوبي

 

ثالثاً: وادي حلسبان

1.     عين الست

1.      الإسم

2.      المعبد

3.      أصل الإسم

2.     مار شليطا

1.      الكنيسة

2.      مخطّطها

3.      الزخرفة

4.      القبر الأخرس

3.     مار سركيس وباخوس

1.      الموقع

2.      المخطّط

3.      المصلّى الشمالي

4.      المصلّى الجنوبي

5.      الملحقات

6.      الغرفة المستطيلة

 

رابعاً: الشنبوق

1.     سيدة كمّاع

‌أ.       الموقع

‌ب.   المخطّط

‌ج.     إشكالية الكنيسة

‌د.      ماضي كمّاع

2.     دير عنان

‌أ.       الإسم

‌ب.   الموقع

‌ج.     مخطط الكنيسة

‌د.      الصحن الشمالي

‌ه.    الصحن الجنوبي

‌و.      الزخرفة

‌ز.      القصر

 

 

خامساً: وادي عودين

1.      مار سابا - الكنيسة

2.      مار الياس

3.      مار اليان – المعبد


 

القسم الرابع: عموميات

 

 

الفصل الأول: تقاليد سوريّة

1.      نسبٌ في المنشأ وطرافة في المصلّيات

2.      إختيار الموقع

‌أ.       الجبل

‌ب.   الماء

‌ج.     الممتلكات

3.      لكل شعب طقوسه

‌أ.       قواعد فن البناء الماروني

‌ب.   قدس الأقداس

‌ج.     المذبح

‌د.      الصحن  I – II – III – VI – V

‌ه.    المحراب

‌و.      الحنية

‌ز.      الأدراج

‌ح.     ملامحVII – VIII – IX  – IV     I – II – III – IV – V

 

الفصل الثاني: البناء

1.      طبيعة الموارد

‌أ.       الحجر

‌ب.   الطين

‌ج.     تقصيب الحجر

                                                              i.     التقصيب الفينيقي

                                                            ii.     التقصيب السوري

                                                           iii.     التقصيب الصليبي

‌د.      الجدران

2.      قباب وسطوح

3.      قناطر وأروقة

4.      دهان وتجصيص

 

الفصل الثالث: أصالة مارونية

1.      أجراس وأبراج

‌أ.       الإجراس

‌ب.   الأبراج: أبراج الكنائس المارونية

2.      حنايا وقباب

3.      طلاء ونحت

4.      البيما

5.      درابزين وحجاب

 

 

الفصل الرابع: مؤثرات لاتينية

1.      مراحل- المرحلة الثانية، الفرنجة

2.      ليتنة المعمارية الدينية المارونية

‌أ.       الحنية

‌ب.   المذبح

‌ج.     قبّة الجرس

‌د.      بيما – درابزين وحجاب

‌ه.    الصحن

 

الفصل الخامس: الكنائس المزدوجة

1.      ورع ديني

2.      كنيستان: وظيفتان

3.      الوظيفتان: طقسية وجنائزية

4.      وظيفتان: مذبحان

5.      خزانة الرازات (السكرستيا)

 

 

خـلاصـة

 

1.      الفن الصليبي فن محلّي

2.      الكنائس القبياتية: شقيقات صغيرات

3.      كنائس القبيات: شهادات على الماضي

 

 



[1] - القبيات ناحية من عكار، واقعة في طرف لبنان الشمالي، متاخمة للحدود مع سوريا.

[2] - RICHARD Jean: Le Comté de Tripoli sous la dynastie toulousaine. Geuthner. Paris, 1945. p. 51

[3] - ذكره بول دوشان. أنظر: DESCHAMPS Paul: La défense du Comté de Tripoli et de la principauté d’Antioche. III, Paris 1973. p. 13, note au bas de la page.

[4] - DUSSAUD René: Topographie historique de la Syrie Antique et Médievale. Paris. Geuthner. 1927 P. 111.

[5] - كتابة هذا اللفظ (Cobiath) لا تتطابق مع لفظ الأهالي له، وقد اعتمدناه لأسباب نشرحها، في السياق كما سيجيء.

[6] - الرقم مبالغ فيه. (المترجم)

[7] - رسم تزييني على شكل قرن مقلوب، قاعدته ملأى بالثمار المنوّعة. (المترجم)

[8] - من المفيد جدًا أن نقرأ، في هذا الخصوص، مذكّرات الأب ستنسلاس أنتريشيالالي المرسَل الروماني الكرملي، في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

[9] - ذكر البطريرك اسطفان الدويهي اسم هذا الشاعر، سمعان ابن شمعة القبياتي في كتابه «أصل الموارنة» الصادر في «منشورات مؤسسة التراث الاهدني سنة 1973، ص 185. الميمر أو القصيدة مؤلفة سنة 1557. (المترجم)

[10] - فريحة، أنيس: أسماء المدن والقرى اللبنانية. بيروت 1982، ص 182.

[11] - DUSSAUD R. : Topographie historique… op. cit. p. 81

[12] - المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها.

[13] -  يراجع فيما خصّ هذه المدينة ملحق الكتاب.

[14] - الزوق لفظة من أصل تركي تعني مركز الجندرمة العثمانية. ويمكن أن تكون من أصل سرياني فتعني عندها امتدادًا من الأرض (دوكا).

[15] - بولس، جواد: لبنان والبلدان المجاورة. بيروت 1972، ص 34.

[16] - LAMMENS Henri: La Syrie, précis historique, imprimerie Catholique. 1921. v.I. p. 61

[17] - TALLON Maurice: Monuments romains en bordure du Djébel Akroum. M.U.S.J. Tome XLIV. Fascicule V. p. 62

[18] - TALLON M.: Ibid. p. 63

[19] - TALLON M. Ibid… p. 61-62

[20] - بخصوص القبيات نستعمل إسمين يدلان على واقعين. قبيّات هو المدينة الصغيرة نفسها. أما القبيّات فهو الناحية كلها.

[21] - TALLON M.: Monuments mégalitiques de Syrie et du Liban, Beyrouth 1958, p.60

[22] - أنظر المواقع الماقبتاريخية في لبنان الشمالي. «دفاتر العاصي»؟

[23] - TALLON M.: Monuments mégalitiques… op. cit. p. 60

[24] - TALLON M.: Monuments mégalitiques… op. cit. p. 229.

[25] -. VINCENT p. Hugues (des frères précheurs): Canaan, Paris 1914, p. 408

[26] - - GEUEC, cité par M. Tallon. M.U.S.J. 1925. P. 234 Note

[27] - PERROT J.M.: Syria, tome XXIX 1952 p. 405.

[28] - DUNAND Maurice: Byblos, fouilles archéologiques, Bayrouth, 1951, p. 238

[29] - DUNAND M.: Ibid, Ibidem

[30] - DE LAPORTE L.: Les peuples de l’Orient asiatique? VI p. 127 .

[31] - LAMMENS H.: La Syrie… op. cit. tome II p. 33

[32] - LAMMENS H.: Ibid. Ibidem… cfr. Etiam col. P. Jacquot: L’Etat des Alaouites, Beyrouth, 1931. P. 229. Cfr Etiam. Dussaud: Topographie… op. cit. p. 105-106

[33] - DUSSAUD R. : Topographie… op. cit. p. 87.

[34] - فراس السواح : آرام ودمشق واسرائيل في التاريخ والتاريخ التوراتي. منشورات دار علاء الدين، سوريا، دمشق، ص 191: "آرام صوبة الذين أسسوا قوذة عظمى في الشرق الأوسط... هي ممالك مشكوك جدذًا في وجودها".

[35] - DELAPORTE L.: Les peuples de l’Orient asiatique. Tome 1, p. 130 passim

[36] - TALLON M.: Nouvelles stèles… article publié dans M.U.S.J. 1968 pp.3-6

[37] - TALLON M.: Ibid. Ibidem

[38] - TALLON M.: Monuments romains… op. cit. p. 62

[39] - الكتاب المقدس، سفر الملوك الثاني، 821: 25

[40] - LAMMENS H.: La Syrie… op. cit. p. 4

[41] - بولس، جواد: لبنان والبلدان المجاورة... مذكور. ص 116.

[42] - LAMMENS H.: La Syrie… op. cit. ibidem

[43] - بولس، جواد: المرجع نفسه. المكان نفسه.

[44] - بولس، جواد: نفسه... يقول في الصفحة 231: زعماء قطّاع الطرق أكثرهم أيطوريّون وعرب. كانوا أقوياء لدرجة أن أقاموا قلاعًا في أعالي لبنان ومنها كانوا يمارسون نفوذهم.

[45] - حتّي، فيليب: تاريخ لبنان منذ أقدم العصور حتى عصرنا الحاضر. ترجمة د.أنيس فريحه، مراجعة د. نقولا زيادة، تنقيح وتحرير د. جبرائيل جبور، دار الثقافة بيروت. ص 231.

[46] - وحدة نقد رومانية تساوي ثمن 20 إلى 22 كلغ من الذهب.

[47] - في مقال له في مجلة المنبر/ عدد؟ تاريخ؟ كتب الأ حنا صادر في هذا الموضوع، قال: كان لبنان لا يزال يعيش في محيط وثني، فهو قد أعاد بناء هيكل أدونيس وعشتروت.

[48] - بولس، جواد: لبنان والبلاد... مرجع مذكور، ص 208.

[49] - بولس، جواد: المرجع نفسه. ص 212.

[50] - RENAN Ernest: Mission de Phénicie. Paris, 1864, p. 86.

[51] - طرزي، الفيكونت فيليب: أصدق ما كان في تاريخ لبنان وصفحة من أخبار السريان. بيروت 1948، ص 265.

[52] - LAMMENS Henri: Notes épigraphiques et topographiques sur l’Emésène. Louvain. 1902. P. 33

[53] - MUSÉE belge, 1902, p 52-53, cité par M. Talon, in Monuments Romains... p. 55-56.

[54] - TALLON M.: Monuments Romains… op. cit. p. 52

[55] - «رفع»، باصطلاح الأركيولوجيا يعني نسخ النقش بواسطة الشمع المذاب (المترجم)

[56] - حرب عاره كناية عن خرائب قرية في شرق وادي خالد. حجارة البازيليك التي زرناها في صيف 1967 استعملت في رصف طريق شقّت حديثًا. بيوت قرية حرب عاره وبيوت قرى الوعر القائمة على امتداد النهر الكبير هناك، تتشابه مع بيوت موجودة في حوران سطوحها مرصوفة بالبلاط الأسود بدلاً من الأخشاب. عدد من تلك البلاطات الطويلة الرقيقة (30 × 30 × 200 سم)، والمزينة على أطرافها بصلبان نافرة قد نقلت إلى معبد مار شليطا في «حلسبان»-القبيات ليعاد استعمالها في إنشاءات جرت هناك مؤخرًا.

[57] - TALLON M.: Monuments Romains op. cit. p. 3

[58] - بولس، جواد: التحوّلات الكبرى في التاريخ. بيروت 1968. (دار النشر؟؟؟؟؟)، ص 171.

[59] - بولس، جواد: التحولات... مرجع مذكور ص 180، نقلاً عن: RAPPORT-Histoire de la Palestine, p. 40

[60] - LAMMENS H.: La Syrie, Précis historique, 2 vol. Beyrouth, 1902, t.2, p. 132

[61] - حسين، طه: مستقبل الثقافة في مصر. القاهرة 1948، ص 20.

[62] - أبو زيد، سركيس: المورانة ليسوا صليبي الشرق. مجلة المنبر، عدد 9، 1966. ص 70.

[63] - جواد، بولس – رئيس الأكاديمية اللبنانية : لبنان والبلدان المجاورة. طبعة ثانية منقّحة ومصحّحة من قبل المؤلّف. رئيس التحرير سيمون عواد. مؤسّسة بدران، بيروت، لبنان، ص 276.

[64] - بولس، جواد: لبنان والبلدان... نفسه. ص 278 نقلاً عن ديمومبين، Desmonbynes.

[65] - بولس، جواد: لبنان والبلدان... نفسه. ص 276.

[66] - نفسه. ص 276. نقلاً عن ديمومبين.

[67] - لامنس: سوريا... مرجع مذكور. ج 2 ص 118.

[68] - ISMAIL Adel: Le Liban. Beyrouth 1972 p. 45

[69] - LAMMENS: La Syrie… op. cit. p. 47

[70] - المرجع المذكور نفسه ص 42: LAMMENS H.

[71] - ابن عساكر: تاريخ دمشق. ص 251. ذكره جواد بولس في المرجع المذكور نفسه ص 228.

[72] - LAMMENS H.: La Syrie… op.cit. tome 1. P. 132

[73] - VAN MAYERS Philip: General History. Beyrouth. 1945. P. 245

[74] - VAN MAYERS Ph.: Ibidem

[75] - يتصف الأب لامنس بكونه ناقدًا لاذعًا، لا يمالئ. نشير، في هذا الصدد إلى مناقشاته الحامية مع المطران الدبس على صفحات مجلة «المشرق» في بدايات القرن العشرين.

[76] - الصليبي، كمال: الموارنة وجه تاريخي. محاضرة ألقيت في شهر أيلول 1969.

[77] - RISTELHUEBER René: Traditions françaises au Liban. Paris. Librairie Felix Alcan. 1918. P. 12

[78] - خوري، رفيق: جريدة الأنوار اللبنانية. سنة 2001. (عدد؟؟؟؟؟؟) نقلاً عن سياس بريان.

[79] - تيودور القورشي: تاريخ النساك في سوريا... أنظر مجلة المنبر، عدد 3279، 9 ت2، 1986، مقالاً بعنوان «أزهر كنخلة».

[80] - الجميّل، الأب ناصر: نبذة... مرجع مذكور، ص 6-7.

[81] - دبس، المطران يوسف: الجامع المفصل في تاريخ الموارنة المؤصل. منشورات لحد خاطر. بيروت 1978. ص 127-128.

... وقد سمعنا، منذ فترة، أن قد اكتشف على ضفة بحيرة الرستن الشمالية خرائب دير.

[82] - أنظر: بولس، جواد: لبنان والبلدان المجاورة... مذكور. ص 251.

أيضًا، الأب بطرس ضو لا يتفق مع الأب لامنس في موضوع بناء الدير، فيقول: «يتضح من كلام أبو الفدا أن الامبراطور البيزنطي لم يوسّع الدير بل بناه في السنة الثانية لملكه». والسبب الثاني لبناء الدير في هذا المكان، على حدود الصحراء، هو تبشير البدو الذي كانوا، بمعظمهم وثنيين. ضو، بطرس: تاريخ الموارنة. دار النهار. بيروت. 1972. جزء 1 ص 145. 160-161. ويضيف الأب ضو «المؤرخون الذين أخذوا عن الدويهي التبس عليهم الأمر. فالدويهي الذي اعتمد على أبو الفدا خلط بين جند حمص ومدينة حمص.

دير مرّان أو مار مارون هو المكان المسمّى، اليوم، تلّ مرّان الواقع جنوب شرق معرّة النعمان، قريبًا من قرية جرجناز. أما الأب ضو فإنه قد بنى رأيه على أبحاث أجراها فرنسوا جنين ودومينيك سورديل (تاريخ جزء 7، ص 145).

أما بالنسبة للبناء الأول للدير فيرى الأب ضو، نقلاً عن أبو الفدا (حاكم حماه ومؤرخ مشهور عاش بين 1273 و1331) أن الامبراطور قد بنى الدير للأسباب المذكورة أعلاه. ثم يضيف الأب ضو: «هذا جعل الامبراطور يكسب رهبان القديس مارون إلى جانبه في مجمع خلقيدونية... السبب الثاني الذي دفع الملك ليبني الدير على حدود الصحراء كان بقصد أن يعمل الدير على تنصير البدو الذين كانوا بمعظمهم وثنيين» (نفسه ص 161).

[83] - أنظر الأب بريسيوس (O.F.M) في ملخصه عن تاريخ بارونيوس. هامش يختص بالسنة 407م.

[84] - بولس، جواد: لبنان والبلدان... مذكور. ص 197.

[85] -LUQUIEN M.: Oriens Christianus Patriarchatus digestus. Pari 1740. V. III. Annexe.

[86] - Le Syrien Michel: Chronique Syriaque… op. cit. p. 193

[87] - ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة. جزء 1. دار النهار، بيروت، 1972، ص 248.

[88] - ضو، الأب بطرس: تاريخ... مرجع مذكور. جزء 1 ص 235.

[89] - ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة... مرجع مذكور. جزء 6، ص 242. نقلاً عن Bathebreus chronicon

[90] - ضو، الأب بطرس: تاريخ... مرجع مذكور. جزء 1 ص 242.

[91] - ذكره الأب ضو في تاريخه المذكور آنفًا ص 231.

[92] - الدبس، المطران يوسف: الجامع المفصل في تاريخ الموارنة المفصّل. منشورات لحد خاطر. بيروت، 1987. ص 37-38.

[93] - يراجع في هذا الموضوع الأب بطرس ضو في الجزء 2 من تاريخه.

[94] - أنظر الجميل، ناصر: نبذة تاريخة... مرجع مذكور.الصفحة نفسها.

[95] - لامنس، الأب هنري، تسريح الأبصار في ما يحتوي لبنان من الآثار. بيروت، دار الرائد اللبناني، لبنان، ط 2،  1982. ص 52.

[96] - حتّي، د. فيليب: تاريخ لبنان منذ أقدم العصور حتى عصرنا الحاضر. ترجمة د. أنيس فريحة. مراجعة د. نقولا زياده. تنقيح وتحرير د. جبرائيل جبور. دار الثقافة. بيروت. ص 300.

[97] - LAMMEMS H.: La Syrie… op. cit. p. 199

[98] - ضو، بطرس: تاريخ المورانة... مذكور. ج 2. ص 34 عن: Historia anteislamic

[99] - ضو، بطرس: تاريخ المورانة... نفسه ج. 3. ص 25.

[100] - ضو، بطرس: تاريخ المورانة... مرجع مذكور ج. 3. ص 47.

[101] - لامنس: تسريح الأبصار... مرجع مذكور. ص 51.

[102] - الجميل، ناصر: نبذة...، مرجع مذكور، ص 7.

[103] -TALLON M.: Monuments Romains… op. cit. p. 51

[104] - الشدياق، طنوس: أخبار الأعيان في جبل لبنان. منشورات الجامعة اللبنانية. 1970 ص 9.

[105] - LAMMENS H.: La Syrie… op. cit. p. 39

[106] - د. حتّي، فيليب: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين. ترجمة د. جورج حداد وعبد الكريم رافعي. مراجعة وتحرير د. جبرائيل جبور. دار الثقافة. بيروت. ط. 3. د.ت. ص 317. وانظر الأب لامنس: تسريح الأبصار... مذكور. ج 2. ص 38.

[107] - الجميل، ناصر: نبذة... مذكور. ص 6.

[108] - LASSUS J.: Sanctuaires Chrétiens de Syrie. Paris 1944. P. 245-246.

[109] - حتّي، فيليب: تاريخ سوريا ولبنان... مرجع مذكور. ص 403.

[110] - يحيلنا المؤلف هنا إلى أبو الفدى والمسعودي بذكر اسميهما فقط من غير أن يتمّ الاحالة حسب الأصول. كذلك يفعل في كثير من الأماكن. المترجم.

[111] - المطران دبس: الجامع المفصل... مرجع مذكور. ص 8.

[112] - ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة... مرجع مذكور. ج 3. ص 199.

[113] - ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة... جزء 2 ص 26.

[114] - محمد كرد علي: خطط الشام. ستة أجزاء. دار القلم. بيروت. 1970. الجزء 6. ص 230...

[115] - النص مكتوب بيد المونسنيور الزريبي على هامش الصفحة 169 من كتاب تاريخ الكنيسة السريانية-المارونية الانطاكية تأليف الأب ميخائيل الشبابي – بعبدا 1900.

[116] - الشدياق، طنوس: تاريخ الأعيان... مرجع مذكور ص 9.

[117] - في ملاحظة للمونسنيور الزريبي مكتوبة على هامش الكتاب نفسه المذكور أعلاه جاء ما يلي: « البطريرك الحالاتي أصله من حلات الشعرا. هو البطريرك غريغوريوس الثالث من بطاركة القرن الثاني عشر». وفي قائمة البطريرك الدويهي كان في سنة 1130. أرسل بعثة إلى البابا إينوسّنت الثاني تعلن طاعته وطاعة شعبه الماروني لمقام الكرسي الرسولي عن يد القاصد الرسولي في مدينة طرابلس الكاردينال غليوم. (عن الدبس في تاريخ سوريا جزء 2 رقم 85 ص 168. يظهر أن القرية الحالية كانت مهمة بدلالة بقايا كنائسها السبع. وحديثًا وجد قالب للقربان من طراز لاتيني، يظهر أنه يعود إلى زمن الفرنجة.

[118] - بخصوص هذا المطران ننقل ملاحظة للمونسنيور الزريبي نفسه كتبها على هامش الكتاب المذكور نفسه «في كتاب مخطوط بالحرف الكرشوني يخص الراهب دانيال القاطن ديره في دير جنين (عكار) أن المطران داود كان من قرية القبيات (عكار) بالإضافة إلى لائحة بكامل مؤلفات هذا المطران».

[119] - الدبس، المطران يوسف: تاريخ سورية، مرجع مذكور، رقم 812.

[120] - CAHEN CLAUDE: La Syrie du Nord à l’époque des Croisades et la principauté d’Antioche. Paris. 1940. P. 199

وانظر أيضًا: حتي، فيليب: تاريخ سورية... مرجع مذكور. ص 221.

[121] - الدبس، المطران يوسف: تاريخ سوريا... مرجع مذكور، رقم 812.

[122] - CAHEN Claude: La Syrie du Nord à l’époque des Croisades et la principauté… op. cit. p. 378

[123] - LAMMENS H.: La Syrie… op. cit. v.I. p. 208-209, 242.

[124] - حبشي، حسّان: الحملة الصليبية الأولى. القاهرة 1958. ص 126.

[125] - GUILLAUME de Tyr: Historia Hierosolymitana Hist. occ. Crois. Liber VII. Cap. XIII, p. 297.

[126] - أنظر: الدبس، تاريخ سوريه، مذكور، ج 6 رقم 816-817. وفيليب حتي: تاريخ سوريا...، مذكور ص 346-347. وديب، بيار (بالفرنسية) تاريخ الطائفة المارونية...، مذكور جزء 6. ص 76.

[127] - GUILLAUME de Tyr: op. cit. ch. XXI p. 310 note.

[128] - GUILLAUME de Tyr: Historia… op. cit. ch XXI p. 310 note

[129] - حتي، فيليب: تاريخ سورية...، مذكور. ص 347.

[130] - RISTELHUEBER: Traditions… op. cit. p. 42

[131] - GUILLAUME de Tyr (traduction): ibid caput. XXI p. 310

[132] - RISTELHUEBER: Ibid. ibidem.

[133] - LAMMENS H.: La Syrie… op. cit. t.I. p. 146.

[134] - MONTROND Maxime: Histoire des Croisades. Paris 1840. P. 154.

[135] - DESCHAMPS Paul: La Défense du Comté de Tripoli et de la principauté d’Antioche. Paris 1973. P. 7

[136] - CAHEN Claude: La Syrie du nord… op. cit. p. 327

[137] - RAY E.G.: Les Colonies franques de Syrie aux XII et XIII s. Picard. Paris 1883.

[138] - RICHARD Jean: Le Comte de Tripoli sous la dynastie toulousaine. Geuthner., Paris 1945. P. 76

[139] - ابن الفرات: مرآة الزمان (هكذا فقط عند المؤلف)

ابن العلالي. طبعة جيب. ص 99 (هكذا فقط)

[140] - CARTULAIRE du Saint Sépulere I N.82

[141] - CARTULAIRE du… Ibid. N° 144

[142] - أنظر RICHARD Jean: Comté op. cit. p. 63

[143] - CAHEN, CLAUDE: La Syrie du Nord… op. cit. p. 562.

[144] - CAHEN C.: Ibid. p. 191

[145] - CAHEN C.: Ibid. p. 679

[146] - «لم يشمل اسم «سريان» «المتحدين» أي الكاثوليك وحسب، بل كان الاسم يدل على وحدة إتنوغرافية تشمل جميع سكان سوريا. لامنس: سوريا... ص 168» بينمت يؤكد المؤرخون الموارنة أن المقصود بالسريان هم موارنة جبل لبنان، يؤكّد مؤرخون غيرهم على ذلك مثل ريستلهوبر في كتابه «التقاليد...»، (بالفرنسية)، مذكور، ص 49. ورأي في كتابه «المستعمرات...» (بالفرنسية)، مذكور، ص 67. وميشو في تاريخه، ج. 2

[147] - CAHEN C.: La Syrie… op. cit. note: p. 439.

[148] - CAHEN C.: Ibid. p. 441

[149] - الدويهي، الأب يوسف مارون: أصل الموارنة، الفصل التاسع...

أ- ملاحظة: نص هذه الرسالة التي نقلها الأب بطرس ديب في كتابه «تاريخ الكنيسة المارونية» مرجع مذكور، ص 110 كانت لا تزال موجودة في أ{شيف البطريركية المارونية عند نهاية القرن السابع عشر حسب ما يؤكذ الدويهي نفسه.

[150] - رحمه، فرنسي: تاريخ بشري. بالعربية، بتاريخ 1935 (لم يذكر رقم الصفحة)

ملاحظة المترجم: كتاب تاريخ بشري للأب فرنسيس رحمه طبع في البرازيل سنة 1956.

[151] - ذكر هذه الرسالة البابا بنوا الرابع عشر في رسالته إلى المجمع في 13 تموز 1744. وانظر بيار ديب في تاريخ الكنيسة المارونية، خليط ووثائق. منشورات الحكمة، بيروت، 1962 (بالفرنسية) ص 85-86.

[152] - CAHEN C.: La Syrie du Nord… op. cit. p. 716

[153] - CAHEN Claude: La Syrie du Nord… op. cit. p 562

[154] - CAHEN Claude: La Syrie du Nord… op. cit. p 220

[155] - CAHEN Claude: Ibid… p. 561 passim

[156] - بولس، جواد: التحولات الكبرى، مرجع مذكور. ص 257.

[157] - من كلام لابن جبير في رحلته، أورده الأب لامنس في: La Syrie, précis historique. O.p. cit. p. 249-251

[158] - الدبس، المطران يوسف: الجامع المفصل... مرجع مذكور، ص 148.

[159] - RISTELHUEBER: Traditions françaises… op. cit. p. 12

[160] - RISTELHUEBER: Ibid. p. 14

[161] - بموجب قانون الفتح تكون الأراضي المفتوحة ملك السلطان... والناس العاملون عليها عبيده (قول). السلطان يملك رقبة الأرض والإقطاعيون يملكون حق التصرّف. هذا في المبدأ حتى سنة 1856، تاريخ ظهور الطابو. – المترجم –

[162] - حتّي، فيليب: تاريخ سوريا... مرجع مذكور. ج 2 – ص 262.

[163] - كرد علي، محمد: خطط... مذكور. ج 2. ص 13-15.

[164] - TCHALENKO G.: Villages antiques de la Syrie du Nord. Geutner. Paris 1953. V.1., p. 417

[165] - RISTELHUEBER: Traditions… op. cit. p. 14

[166] - RISTELHUEBER: Ibid. p. 15

[167] - الدويهي البطريرك اسطفان: منارة الأقداس. بيروت، طبعة الشرتوني. 1895. ص 103. هذه الكنيسة هي الأولى التي أرّخت لكنها ليست أول كنيسة مارونية بل هناك كثير أقدم منها.

[168] - RISTELHUEBER: Traditions françaises… op. cit. p. 15

      * درج المؤرخون اللبنانيون على تسمية العلاقة بين الأسياد المالكين، في الجبل، وفلاحيهم باسم «مقاطعجية» للأسياد، تميّيزًا عن اقطاعيين، خارج الجبل.

[169] - RISTELHUEBER: Ibid. idem.

ولربما هناك بعض استثناءات. راجع : RICHARD J. Comté… op. cit. p. 77

[170] - هي قطع أرض يتركها الملاّكون في ايدي الفلاحين ليستغلها هؤلاء لحسابهم الخاص شرط أن يدفعوا ضرائبها. وقد ترجمنا لفظة alleus بكلمة «شكارة» العامية المعروفة لأن المعنى المقصود ينطبق عليها

[171] - CAHEN C.: La Syrie du Nord… op. cit. p. 516

[172] - CAHEN C.: Ibid. p. 547

[173] - ملاحظة: «تحتاج الأرض لفلاحتها إلى الثيران والسماد. إذا كانت الثيران ملكًا لصاحب الأرض، كان هذا يمنح نصفها للفلاح مقابل علفها والعناية بها. بالمقابل يحصل المالك على نصف الغلال. الحليب يعود إلىالفلاح لكنه غالبًا ما يُهدي بعضًا منه إلى المالك. أما البذار فيُرفع قبل قسمة المحصول. وإذا كان الفلاح هو الذي قدّم البذار فيأخذ التبن كعلاوة...» «وكان الفلاح يلبّي نداء السيد إذا دعت الحاجة، مثل واجب العونة أ وأي ثمن آخر من غير ما تردّد...» «كان الفلاحون يشكلون عنصر الاحتياط العسكري للسيد. كانوا يسارعون لتلبية ندائه حاملين السلاح والمؤن سواء لدحر خصم جامحُ أو للدفاع عن البلاد...» أنظر لحد خاطر: العادات والتقاليد اللبنانية. بيروت. 1982. جزءان.

[174] - DESCHAMPS P.: Le Crac… op. cit. p. 117

[175] - حذفنا المعلومة التالية لأننا رأينا أنها خارجة على السياق، وللأمانة نثبتها في الهامش: «كانت صناعة النبيذ قد تقلّصت زمن العباسيين الذين حرمواها إلا على الجماعات الدينية» المترجم.

[176] - MONTROND Matime: Histoire des Croisades. Op. cit. p. 14

[177] - DESCHAMPS Paul: Le Crac des Chevaliers. Op. cit. p. 89

[178] - CAHEN Claude: La Syrie du Nord. Op. cit. p. 260

[179] - CAHEN Claude: La Syrie... Op. cit. p. 474

[180] - KAMAL Eddine: Histoire d’Alep. (?). 598-599

[181] - نقترح أن تعرّب لفظة كازاليا بلفظة «قشلة» المعروفة في بلادنا، وهي مكان نزول العسكر، والتي أصلها إيطالي (راجع: المنجد في اللغة والإعلام. مادة قشل) وذلك لأنه كان لا بدّ من وجود مركز للعسكر في الكازاليا يشرف على الاستثمار الزراعي فيها وفي ما يتبعها من مزارع. المترجم.

[182] - مثل هذه الأسماء كثيرة في عكار تحملها القرى: بيت ملاّت، بيت يونس، بيت جعلوك...

[183] - CAHEN C.: La Syrie du Nord op. cit. p. 560

[184] - بعض التقاليد تتجذر في نفوس الناس. ولما كانت الذات المارونية تتصف بالورع لأن نشأتها، في الأصل، دينيّة، كانت العائلة المارونية التي يخرج من بين أعضائها كاهن أو راهب، تعتبر ذلك بركة من السماء. ولم يكن من الأمور المستهجنة أن توجّه العائلة أحد ابنائها إلى الحياة الديرية أو الكهنوتية. كذلك كانت وراثة الكهنوت، كابرًا على كابر، كوراثة أية مهنة، أمرًا معهودًا في العائلة المارونية. تجدر الإشارة، هنا، إلى ان العزوبية لم تكن تفرض على الكهنة العاديين، لذا كان معظم الكهنة الموارنة يتزوجون قبل سيامتهم؛ وهذا يفسّر كثرة اسماء الشهرة بنعت الخوري، في لبنان. وأن يكون لبعض العائلات المارونية الكبرى، في لبنان، كنيسة خاصة بها، يخدمها كاهن منها، فهو أمر معروف. على سبيل المثال: بلدة بشرّي تضم أربع عائلات كبرى، لكل منها كنيستها مع كاهنها أو عدة كهنة منها. وقد يكون الكاهن هو السبب في بناء الكنيسة وقد يكون وجود الكنيسة سببًا في سيامة الكاهن المختص بخدمتها. وفي حال ندرة الكهنة، وهو أمر مألوف في أرياف سوريا، فإن كاهنًا واحدًا قد يخدم عدة رعايا. هنا، يجب ألا نفهم كلمة رعية بالمعنى العصري، فإن مجموعة مؤمنين تشكل رعية. وقد يرحل الكاهن مع رعية من مكان إلى مكان، كما قد يكون لعائلة معينة كاهن أو لكنيسة معينة كاهن.

[185] - كانت العشور التي تجبى في الشرق لصالح الكنيسة اللاتينية لا تجبى، بشكل عام، إلا من اللاتين أو اليونان. أنظر CAHEN C. Ibid. p. 318

[186] - RICHARD J.: Le Comté… op. cit. p. 52-53

[187] - CAHEN C.: Ibid. p. 562

[188] - CAHEN C.: Ibid. p. 308

وانظر: الدبس، يوسف: تاريخ سوريا، مذكور، ص 852.

[189] - النسبة إلى روح روحاني، لكننا فضلنا الاستعمال الشائع «روحي». المترجم.

[190] - CAHEN C.: La Syrie… op. cit. p. 562

[191] - DIB P.: Histoire de l’Eglise… op. cit. p. 76

[192] - GUILLAUME De Tyr: Historia… op. cit. cap. VII. P.

[193] - REYE G.: Colonies franques… op. cit. p. 76

[194] - إحدى نتائج الحملات الصليبية كانت تعبيد الطريق إلى روما أمام الموارنة. فعندما كانت الطرق بأجمعها مقطوعة باتجاه روما نشات البطريركية المارونية، فبقي الاتصال بينهما مقطوعًا حتى مجيء الصليبيين. DIB P.: Ibid. p. 77

[195] - الشرتوني: سلسلة البطاركة الموارنة. بيروت، 1904، ص 21.

[196] - RISTELHUEBER R.: Traditions… op. cit. p. 58

[197] - ANAISSI Tobie: Bullarium Maronitarum. Rome 1911. P. 3-4

[198] - Lettre de Fr. Gryfon. Rome 1426, cite par LAMMENS H. Dans: Orient Chrétien t. IV 1899, p. 94-95

[199] - JACQUES DE VITRY cap. LXXVII cite par Bongars J. p. 1094

[200] - REYE G.: Colonnies franques. Op. cit. chap. XIII

[201] - COUPEL, Pierre: Trois petites églises du Comté de Tripoli. Article publiée dans la revue: Cahiers de l’orante.

[202] - DIB Pierre: Histoire de L’Eglise maronite. Op. cit. V.I. p. 80

[203] - بولس، جواد: تاريخ لبنان... مرجع مذكور. ص 283. نقلاً عن كونتامين.

[204] - الدويهي، اسطفان: تاريخ الكنيسة المارونية... مذكور ص. 111.

[205] - EYDOUX H.P.: Les chateaux du Soleil. Forteresses et guerres des croisés. Paris. Perrin, 1982, p. 131

أورد هذه الرسالة بنصها الأصلي د. عمر تدمري في كتابه: تاريخ طرابلس السياسي والحضاري عبر العصور. طرابلس 1978. ج.1 ملحق رقم «8» ص 446. وهذا ما يناسب موضوعنا منها «... نزولنا حصن الأكراد على حصن عكار، وكيف نقلنا المنجنيقات إليه في جبال تستصعبها الطيور لاختيار أوكارها، وكيف صبرنا في حملها في مناكدة الأوحال ومكابدة الأمطار، وكيف نصبنا على أمكنة يزلق عليها النمل إذا مشى،... وكتابنا هذا يبشرك بأن علمنا الأصفر نصب مكان علمك الأحمر، وأن صوت الناقوس صار عوضه «الله أكبر» ومن بقي من رجالك (أطلقناهم) ليتحدثوا القومص (الكونت)... فتعرف كنائسك وأسوارك أن المنجنيقات تسلّم عليها إلى حين الاجتماع عن قريب وتعلم أجساد فرسانك أن السيوف تقول إنها عن الضيافة لا تغيب لأن أهل عكار ما سدّوا لها جوعًا ولا قضت من ريّها بدمائهم الوطر...» المترجم.

[206] - الناقوس كناية عن صفيحة من نحاس مطوية على شكل سبعة (7)، ويستطيع رجل واحد أن يحمله. يضرب بمطرقة ولا يصل صوته إلى بعيد. المترجم.

[207] - DIB Pierre: Histoire de l’Eglise Maronite. Op. cit. V.I p. 115

[208] - الدويهي، اسطفان: تاريخ الأزمنة... مرجع مذكور. ص 337.

[209] - أنظر: الدبس، يوسف: تاريخ سورية. مرجع مذكور، رقم 922. يقول: (الأسقف) الثاني يعقوب من قنية، أسقف على لحفد سنة 1400... كان يسكن لحفد في دير السيدة الملقب بدير المرج».

[210] - الدبس، يوسف: نفسه، رقم 812.

[211] - DESCHAMPS P.: Le Crac des chevaliers… op. cit. p. 117

[212] - Cart. I op. cit. p. 130 N° 160

[213] - رأينا أن نترجم لفظة Casal ب «قشلة». والقشلة: مكان نزول العسكر. إيطالية (المنجد في اللغة والأعلام – مادة قشل). هذه اللفظة شاعت في بلادنا وتعرّبت. يفضّل بعض الباحثين أن يترجمها بلفظة «قصبة»، التي هي، أصلاً، بمعنى عاصمة الناحية. في المغرب العربي أطلقت لفظة «قصبة» على القصر أو القلعة التي يقيم فيها الأمير أو الزعيم. في الأندلس استعملت اللفظة لتدل على أعظم مدن البلاد التي تضم قصر الحاكم. (أنظر: محمد عبدالله عنان، الآثار الأندلسية الباقية في إسبانيا والبرتغال. دراسة تاريخية أثرية. مؤسسة الخانجي. ط.2 1961. صفحات: 10- 90 – 114 – 242 – 243 – 244...). أما القشل الصليبيّة في بلادنا، لا سيّما ما ورد منها في هذا الكتاب، فهي كناية عن مراكز عسكرية صغيرة تدير استثمار الأرض الزراعية، وهو ما كان عليه الوضع زمن الاحتلال الصليبي للبلاد. لهذا السبب اعتمدوا لفظة قشلة التي هي من أصل لاتيني وبالتالي إيطالي. مثلا، لا يمكن أن تكون قلعة المجدل، المعروفة في المصادر العربية بحصن طيب (عين طيبو)، قصبه، لأن البقايا الأثرية فيها تدل على حصن صغير، وما حول هذا الحصن من بقايا لا يدل على أنه كان هناك تجمّع سكني يشكل قرية. حتى البارحة، (سنة 1970) كانت المجدل مزرعة يملكها أحد بكوات البيرة المراعبة، ويعمل على أرضها مزارعون لا يملكون شيئًا.

[214] - Charte de 1143: privilegium Raimundi Comtis. (dans assises de Jerusalem II) p. 509-511.

[215] - فريحة، أنيس: أسماء المدن والقرى... مرجع مذكور. ص 161.

[216] - DE ROSIERE E.: Cartulaire de l’Eglise du saint Sépulcre de Jérusalem. Paris, 1849. N.97. Roricht: Regesta N° 218.

[217] - DUSSAUD R.: Topographie… op. cit. p. 87

[218] - DESCHAMPS P.: La défence… op. cit. p. 187. Note

[219] - REY E. G.: Colonies… R369

[220] - Charte de 1143: privilegium Ramondi Comitis… op. cit. Ibid.

[221] - Ibn Furat: The history. Vol. XI part I. American press, Beyrouth.

[222] - في هامش رسالة إلى رئيسه في روما كتب الأب بارنيه اليسوعي، مؤسس مدرسة سيدة القلعة، ومدارس غيرها، ما يلي (نملك صورة مطبوعة عن الرسالة) «أثناء زيارة لي مع السيد رينيه ديسّو، في تشرين الأول سنة سنة 1896، إلى هذه الخرائب، وكنت أشك في نسبتها، انتهى بنا الأمر، بفضل ملاحظات رفيقي، وبفضل تقاليد هذه البلاد، إلى أنها لم تكن إلا قشلة الفاليسيوم التي كان أول ساكنيها فرسان الهيكل. ولما كان هؤلاء الفرسان، يملكون قبل شرائها أملاكًا في الفاليسيوم استنتجت أن هذا الدير الصغير وكنيسة السيدة كانا بداية لهم على هذه الهضبة. المترجم.

[223] - LAMMENS H.: Musée Belge IV, p. 279

[224] - DESCHAMPS: La defense… op. cit. p. 186

[225] - اسمها الرسمي وعلى الخريطة «سنديانة ريدان» وهو رجل شيعي جاء من البقاع ليخدم عند البكوات المراعبة، فتحوّل إلى السنّة وسكن هذه القرية القديمة التي كان أهلها من السريان، في عهد الصليبيين، كما أشارت البراءة نفسها المشار إليها في المتن. هجّر الرهبان الموارنة منها سنة 1710. لم يعد «حاليًا» بقايا للكنيسة، جرفت وبني مكانها. موقعها على وجه الدقة بين القبيات وقلعة طيب الصليبية وهي متواصلة معهما بأراضيها- المترجم.

[226] - RICHARD J.: Le Comté de Tripoli… op. cit. p. 85

[227] - DESCHAMPS: La defense du Royaume… op. cit. p. 186

[228] - فريحة، أنيس: معجم أسماء المدن والقرى... م. مذكور ص 121.

[229] - لم يفطن أحد من المستشرقين إلى أن حصن أروات (Aroat) يمكن أن يكون موقعه في «العريضة» الحالية عند مصب النهر الكبير الجنوبي على الحدود اللبنانية-السورية، حيث أشار بعض المراجع إلى أن صاحب الحصن كان اسمه «ابن العريض» وأنه استطاع أن يأسر فارسًا صليبيًا من إحدى طلائع الجيش قبل سقوط الحصن سنة 1103. المترجم.

[230] - RICHARD Chartier: p. 605

[231] - يذهب ديسّو بعيدًا، فيعتقد أنه سيجد هذا الموقع في «بيت سعادة» شرقي صافيتا. يقول: «أبعد إلى الشمال، بين حب نمره والمشتى وجدنا اسم بيت سعاده الذي ينطبق مع بيت ساديون، إذا لم يكن من الأفضل أن نفتش عنه في جوار طرابلس» (Topographie p. 96)

[232] - نحتفظ بين أوراقنا بوثيقة بهذا المعنى، تعود إلى بداية القرن العشرين. وفي أرشيف مطرانية طرابلوس المارونية تسجيل لسيامة كاهن هوابراهيم طنوس فهد على مذبح مرتمورة في مزرعة بيت سعادة القبيات. وقد وفّر لنا هذه المعلومة الدكتور فؤاد سلّوم مشكورًا.

[233] - يحيل المؤلف في هوامشه ذات الأرقام 20- 22- 23 – 25 إلى van Berchem دون أن يسمّي الكتاب ودار النشر ومكانه وتاريخه ورقم الطبعة مما يتنافى مع الأصول البحثية والأكاديمية ولا تفيد القارئ، بل تربكه، لذلك استعضنا عنها بهذه الملاحظة.

[234] - أنظر صك البراءة المنوّه عنها.

[235] - RENAN E.: Mission… op. cit. p. 103

[236] - أنظر الدويهي، البطرك اسطفان: تاريخ الأزمنة، مرجع مذكور ص 423، ورد اسم شمعون ابن القس موسى القبياتي في كتاب الدويهي نفسه: أصل الموارنة، طبعة الأب أنطوان ضو، ورد ص 185 اسم «سمعان ابن شمعة القبياتي».

[237] - يمكن العودة، لمزيد من التفصيل، إلى المدخل في هذا الكتاب.

[238] - DESCHAMPS P.: Le Crac des chevaliers… op. cit. p. 16

[239] - DESCHAMPS P.: Ibid. p. 16

[240] - DESCHAMPS P.: Ibid. p. 17

[241] - LAMMENS H.: Revue de L’Orient chrétien 1899, p. ???

DUSSAUD R.: Revue Archéologique 1897. I ps 208; 309. Rohricht R.: Rege6sta Add. N. 118

[242] - DESCHAMPS P.: Ibid. p.16

[243] - TALLON M.: Vestiges Romains en bordure de Djébel Akkroum M.U.S.J.T. XLIV fa.v, p. 15

[244] - DESCHAMPS P.: Le Crac… op. cit. p. 43

[245] - Cartulaire du saint Sépulere 1. N° 596. Rohricth R. Regesta N° 602

[246] - RECHARD J.: Questions de Topographie tripolitaine dans Journal Asiatique, 1948, p. 54

[247] - هي قرية المؤلف في سوريا. المترجم.

[248] - DUSSAUD R.: Topographie… op. cit. p. 100

[249] - DUSSAUD R.: Ibid. p. 91

[250] - البطريرك اسطفان الدويهي: تاريخ الأزمنة، مذكور، ص 513.

[251] - روحي، جميل: الدليل الأخضر. بيروت. 1948. ص 220

[252] - DUSSAUD R.: Topographie… op. cit. p. 84

[253] - REY: Colonies… op. cit. p. 131

[254] - REY: Ibid. p. 132

[255] - الأب أتيان طعمة وهو راهب كرملي.

[256] - DESCHAMPS P.: Le Crac. Op. cit. p. 116

[257] - البيزان: دينار ذهبي بيزنطي. المترجم.

[258] - ملاحظة المترجم: أي ما هو بين الهلالين.

[259] - ياقوت الحموي: معجم البلدان. دار صادر. بيروت 1968. ج. 4. ص 273

[260] - في فناء معبد منجز المسمّى «مقام الرب» يوجد نصبان أحدهما فُقد، وكان يحمل نص تقدمة إلى الإلهة أتينا، والآخر لا يزال موجودًا يحمل نقشًا لدولاب بثمانية أشعة، تحته اسم نمسيس باليونانية، على قفاه نص يحمل تقدمة إلى «كاروس كالوس» أي الزمن الطيب، طبعًا النذر موجه إلى آلهتين، وكأنه ينتسب إلى الحظ-السعيد، أو الفاليسيوم وهو صدى لهاتين الآلهتين.

- [261]  CORNER Herman. Cite par Rey dans: Colonies franques… op. cit. p. 54

[262] - REY E.G.: op. cit. L.C.

[263] - الحقيقة أن اليسوعيين قد بدأوا بناء الكنيسة آخر القرن التاسع عشر ودشنوها سنة 1900. أما فن البناء فقد نسبه الأبوان اليسوعيان غودار وجالامبير في كتابهما «العذراء في لبنان» إلى الفن الرومني المشوّه (Faux-Roman). المترجم.

[264] - في هذه المدة يعاد ترميم الكنيسة بشكل أزال رونق الواجهة كما طليت الجدران الداخلية بالدهان مما ذهب بزخارفها الجميلة.

[265] - آلهة الحظ السعيد: Tycheros.

[266] - TCHALENKO G.: Villages Antiques de la Syrie nord. Geuthner. Paris 1953. p. 30 ss.

[267] - DESCHAMPS P. : Le Crac… op. cit. p. 87

[268] - باب المهرب يؤدي مباشرة إلى الخندق في القلاع. المترجم.

[269] - DUSSAUD R.: Topographie historique… op. cit. p. 86

[270] - DESCHAMPS P.: Le Crac des chevaliers. Op. cit. p. 95

[271] - على سبيل المقابلة: في البرج الرئيسي في الحصن الأبيض – صافيتا سكرستيتان. أنظر بهذا الخصوص:

ENLART Camille: Les monuments des Croisades dans le Royaume de Jérusalem. Architecture religieuse et civile. Paris, Geuthner, 1925. P. 110

[272] - R.O.L. (Recueil des historiens des croisades). Publ. Académie des inscriptions et belles-lettres. Tr. Blochet. Paris, 1895. T. III. P. 453

المترجم: ترجمنا النص عن الفرنسية كما جاء في الكتاب. لكن تعميمًا للفائدة ننقل النص الأصلي عن ابن جبير الذي كان يصف عرسًا في مدينة صور: «... حتى خرجت تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال، كأنهما من ذوي أرحامها، وهي في ابهى زيّ، وأفخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب سحبًا على الهيئة المعروفة من لباسهم، وعلى رأسها عصابة ذهب قد حفّت بشبكة ذهب منسوجة، وعلى لبّتها مثل ذلك منظم بالجوهر، وهي رافلة بالحلي الرائعة، تمشي مترًا في متر مشي اليمامة أو سير الحمامة، نعوذ بالله من فتنة المناظر. وأمامها جلّة رجالها من النصارى، في أفخر ملابسهم البهية، تسحب أذيالها خلفهم. ووراءها أكفاؤها ونظراؤها من النصرانيّات، يتهادين في أنفس الملابس، ويرفلن في أرقع الحليّ. والالات اللهوية قد تقدّمتهم، والمسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في سماطين...». أنظر: رحلة ابن جبير... دار المدى للثقافة. بيروت 2004. ص 263.

[273] - DEVOGUE cite par le père GOUDARD dans la sainte Vierge au Liban. Op. cit. p. 276.

[274] - أملاك النهر الكبير، لا سيما في ناحية الدريب والفاليسيوم وتلكلخ مؤلفه من صفائح حجر البازالت الأسود الصافي. ويشهد المحليّون على أن قطاع هذا الحجر هم أهم من عمل فيه، كذلك يشهد دي شان.

[275] - يؤكد الأركيولوجي هنري سيريغ، الذي كان نائب مدير المتحف اللبناني، عهد الانتداب، أن هيكل «مقام الرب» قد تحوّل في العهد المسيحي إلى كنيسة... وكانت تحت الكنيسة (crypte)، كنيسة للذخائر، وهذا ما كشفته مديرية الآثار اللبنانية بإدارة الأثري اللبناني كالايان المعروف. أنظر: Mélanges de l’université Saint-Joseph. Némésis et le temple de Magam Er Ra 66. Beyrouth. Imprimerie Catholique. 1961. Fasc. 15. P. 257 et 262 . المترجم.

[276] - أنفه. (Néphin) مدينة صغيرة على الساحل اللبناني تقع على بعد 15 كيلومترًا جنوب طرابلس.

[277] - الصحن، حاليًا، مؤلف من قنطرة مع زوايا وحنية مسطّحة مضافة. مجمل البناء أقيم منذ ما يقرب من خمس عشرة سنة على ما أفادنا شاهد محلي.

[278] - رأينا هذه المطحنة التي أشار إليها المؤلف مرارًا. وقد أطلعنا، مؤخرًا على وجهة استعمالها، فعرفنا أنها لطحن القمح، وهي رومانية، من القرن الأول الميلادي. النوع الصغير منها، كالمشار إليها، هنا، كانت تخصّص لعشرة جنود، مع حصتهم من القمح، وتدار باليد. والأكبر منها، وعلى الشكل نفسه كانت تدار بواسطة حمار. أنظر:

Comment vivaient les Romains, Jean Forman. Adaptation française: Nicole Vallée. Lib.

وانظر كذلك: Fernand Nathan et cie. 1977. p.29

Au temps des Romains. Col. En savoir plus. Gilles Feyel. Hachette. Paris. 1979. Ps.28-29. المترجم.

[279] - تبدّلت الأمور كثيرًا منذ زيارتنا الأولى إليها. اليوم، وسّعت الطريق وزفتت، وصارت مساراً جديرًا بالسياحة عليه. الماء والكهرباء ووسائل الاتصال، وكل ما له علاقة بالمدينة بدأ يأخذ طريقه إلى أكروم.

[280] - أضفنا هذا العنوان لداعي الترتيب. المترجم.

[281] - شاحوطة، في لغة الحجّارين المحليين حاليًا. المترجم.

[282] - زرت المكان مؤخرًا: سويت الأرض والعين والحوض والدلبة بالجرافة وقامت في المكان فيلا حديثة. وحده «الولي» بقي يسهر على المكان.

[283] - «اسم مفعول من جذر «فساق». فصل وشقّ وقطع فيكون المعنى: المفصولين، المعزولين، والمنقطعين». أنظر فريحة أنيس: معجم أسماء... مذكور ص 132. في هذه الحال يكون الإسم قد جاء في مكانه الصحيح بالنسبة ل «أروات»، اي عين تنتا. فيكون المعنى أهل القاطع.

[284] - هناك قبالة الفاليسيوم اسم فارسي آخر. «الفريديس» أي الجنائن وهي أراضٍ مخصصة للصيد لأعيان الفرس- المترجم.

[285] - كنيسة مار ماما في إدّه-البترون (نهاية القرن الثاني عشر) تتبعها عدّة قاعات مشابهة لكنيسة فساقين، وهي معدّة لتكون صفوف مدرسة ومساكن كهنة.

[286] - TCHENKO G.: Villages antiques… op. cit. ch.VI