الراعي المدلّل

 

كلّ ذي عاهة جبّار...

أمّا عيسى الراعي فأكثر جبروتاً لأنّه كثير العاهات. لذلك هو بطل قرية وادي السيحان! وعيسى الراعي، في هذه الأيام، لا يقلّ غنىً عن المختار، ويتفوّق على الكاهن ومعلّم المدرسة في الشهرة وذيوع الاسم؛ فلا ينقضي سمر إلا ونوادر عيسى مسك ختامه، ولا يدور حديث بين نساءٍ على تنّور إلا ولعيسى فيه نصيب.

قرية وادي السيحان واقعة على كتف متطاول من الأرض، يحاذي الوادي الذي سُمّيت به. والوادي غنيّ بالعيون التي يتلاحق ماؤها ويتجمّع مشكّلاً مجرًى منتشراً، يتغنّى على الحصباء، أو يتغلغل بين الحشائش، بينما يحفّ به نبات الشيح العطر، الذي، بدوره، أعطى الوادي اسمه. وعلى هذا الكتف «تتشرشر» بيوت القرية، متباعد بعضها عن بعض، تحيط بها مقاصل وَدِمن، وتروح وتجيء إليها دواجن من كلّ نوع، قلّما يخلو منها بيت؛ فأهل الوادي فلاحون ورعاة ومكارون... أمّا الكتف المقابل للوادي فحيزوم صخري كثير النخاريب، يأوي إليه طير البوم، وتختبئ به بنات آوى، ولا تطال أعشابه الشوكيّة إلا معزاة جريئة.

في هذا الإطار نشأ عيسى، منذ درج، معّازاً ابن معّاز. «أحبّ المعزى وعشق البراري؛ وتحمّل من أجل عنزاته البرد والصقيع، لم يعبأ بمطر أو بريح، وكابد الحرّ وتنعّم بالظلال، عانى السهر والخوف والتشرّد؛ يسرح مع قطيعه على الهضاب المتناهدة فوق هضاب، ويتوغّل في أعماق الغابات الموحوحة الدكناء، وينحدر إلى الوهاد السحيقة، النديّة الظلال. لا تثنيه صعاب، ولا تمنعه ذئاب؛ سلاحه عصاه، ورفاقه كلاب، وفي صدره قلب من صوّان.

وكان لا بدّ أن يحصل ما حصل ليكتمل فصل البطولة في حياة عيسى! لكن لا يمكن القطع فيما إذا كان الحظّ قد ابتسم له أم خانه، بعد تلك الحادثة... لقد التوى ظهره، وانعطب جنبه، وانكسر فكّه، عندما سقط عن ظهر بغلته العرجاء، كما زعم، يوم انجرد الذئب، فجأة، كسيف البرق وقبل أن تستروحه الكلاب، على تيسٍ كان يرعى تحت أنف البغلة التي نفرت فرمته مضرّجاً لا يعي... «لولا ستر اللّه (يتابع الرواية بلذّة خفيّة لا تكاد تحذرها) ولولا شجاعة الكلاب التي سارعت على صرخته، لكان الذئب فتك بعشر من المعزى، قل أكثر! ولكُنت، الآن، في رحمة اللّه»...

شفي عيسى بعد بضعة شهور أمضاها سطيحاً بين المستشفى والبيت؛ عاد بعدها إلى قطيعه، لكنّ شكله تغيّر وطباعه تحوّلت: كان منتصباً كرمح، فصار نصف مطويّ كزاوية البنّاء. كان يحمل عصاه، يلاعبها من يدٍ إلى يد، فإذا تحمله عصاه. صار يمشي فيمطّ عنقه إلى الأمام كمن يتطاول لمدّ رأسه من كوّة. يجلس فيبدو كفرعٍ من حطب يابس، تتلاقى فروعه، مرميّ، فلا تعرف أين مبتداه... ولانت طباع عيسى: كانت عيناه الصغيرتان، الجامدتان، العاريتان من الأجفان، تقاومان المخرز، فإذا هما صارتا ناعستين، نديّتين، كأنّهما تغرورقان بالدموع، وتنظران من أسفل إلى أعلى. كان يكشّر في وجه أصحاب الأملاك التي يعتدي عليها، زامّاً شفّتين قاسيتين تتطاير فوقهما شتائم وتهديدات، فإذا تكشيره يتحوّل ابتسامة شاحبة، متملّقة، مستجدية. أمّا طلّته، بمجملها، فيزيّنها الخضوع والاستكانة.

عندما عاد عيسى إلى قطيعه بدا مصمّماً، غير متهيّب. هذا ما لاحظه عارف، جاره وزميله الراعي الذي بادر، أثناء محنة عيسى، فضمّ القطيعين وسرح بهما كقطيع واحد. ولم يقصّر أهل وادي السيحان، الطيّبون الأنجاد: بعضهم تكفّل بحدالة سطح المراح في الليالي الممطرة. بعضهنّ تبرّعن بحلب العنزات، يساعدهنّ الأبناء والأزواج في حراسة الجداء وتسهيل الحلب. منهنّ من أعددنَ الحريرة عشاء أو فطوراً للكلاب. رئيس الدير وهب التبن مجّاناً لعلف القطيع في الايام المثلجة التي لا تخرج القطعان خلالها من الزرائب. وتبرّع المكارون بنقله إلى الزريبة. حتّى الشيوخ، وحتّى العائدون التعبون من الحقول، مساءً، كانوا يميلون إلى الزرائب، فيقرفصون على «شاش» السطح يتفقّدون سيرورة العمل، بالحضور، بالمشورة، بالنصيحة. إِنّها روح العونة التي كانت تنفخ الحياة بالعطاء والرحمة في أرجاء القرى!

ولم يقصّر عيسى بعدما غادر الفراش... شدّ مفاصله على قدر ما أسعفته الصحّة، فحمل بعضه بعضاً، ودار على الجميع شاكراً لهم جمايلهم، مستكثراً خيرهم، من غير أن ينسى رئيس الدير، فقبّل يده مرّات ورفعها إلى رأسه ممتنّاً.

عاد عيسى إلى قطيعه عودة العاشق الولهان! لكن لم يعد يسلك به دروب المراعي البعيدة، المعهودة. صار يسوق معزاه حول الحقول القريبة، ويدخل بها البساتين المهملة المعطّلة؛ وإن ابتعد، فعلى الهضبة القريبة مقابل القرية. في البداية كان يرتكب هفوات وتجاوزات صغيرة، يتجاوزها الأهالي ويغضّون الطرف؛ فذكرى بلواه قريبة، وشكله، بعدها، صورة تخرس المتضرّرين. مع الايام، اعتادوا تلك التجاوزات، فلا يتذمّر من لحق به الأذى خجلاً ممّن سبق إليه الأذى، كأنّهم يتنافسون في احتمال الأذى، فلا يكون أحد أقلّ مروءة من أحد... بعد حين، صار قطيع عيسى صاحب امتيازات، يحقّ له الدخول في الحرج المحميّ لأيام الشدّة، وساعة يهوى عيسى، فلا تطبّق عليه الأصول والأعراف. يرعى البورات حول البيوت، وحتّى في المقاصل أمام الأبواب، فلا ينتهره مخلوق. تطيش بعض عنزات فتدخل الجنائن، «تقرقش» الأغراس، فلا يلام بأكثر من كلمة: «ولوْ يا عيسى!» فيردّ عليها بعينين وادعتين وابتسامة شاحبة ذليلة. وقد يطيش القطيع بمجمله، فيدخل بستاناً مزروعاً في طريق عودته، أو يغزو، عن طيش طبعاً، الأكداس على البيادر، في ليلةٍ مقمرة، فيحيل عيسى لوم اللائمين وسخط الساخطين إلى الكراز المتمرّد، الخبيث الذي انسلّ، فتبعه القطيع. ألا! سوّد اللّه وجه ذلك التيس القائد الذي يسوّد وجه صاحبه الشاحب الابتسامة، المغرورق العينين!

وتطوّر الأمر مع عيسى، فصار لا يحلّل ولا يحرّم. إمّحت الحدود بين حلال وحرام! كلّ شيء جائز: ينقل قطيعه في البساتين القريبة، وبين البيوت حتّى ارتعى أحواض الزهر أمام الأبواب، بل كادت آنية الزينة الخضراء في الردهات لا تنجو من هتك وقضم، كما علّق أحد «دشمان» عيسى من الرعاة الحسّاد! ووافقه المختار معلّقاً بين مازح وشامت ومحرّض، ذات ليلة سمر، في ديوانه، قال: لم يبق لعيسى إلا أن يجعل من عنزاته عصافير تتنقل وتثغو فوق أغصان أشجاركم المثمرة!...

وكثر تمرّد القطيع في نهاية السنة الثالثة لحادثة الذئب. أين العجب؟ تناسل القطيع وكبر وسمن وفاض درّه! باع عيسى الحليب واللبن والجبن والقريش والذبائح المكتنزة والشعر والبعر. واكتسى بيته بالأثاث والرياش. واستحلت زوجته التلفزيون الملوّن عند المختار، فأتاها بمثله، وبالفيديو زيادة، وهو ما لا يملك مثله المختار، مع أنّ عيسى لا يعرف وجهة استعماله. لكن طالما المال موجود، ليكن... أمّا البرّاد والغسّالة و«الهوفر» وآلة التسجيل ومطحنة اللحم... فسبقت في الدخول إلى البيت، لأنّها موضة دارجة في بيوت وجهاء وادي السيحان، ذلك أنّ نساء الوجهاء، عادة، يسارع إليهنّ «الأرتروز» فلا يعدن يتحمّلن التعب، وزوجة عيسى مثلهنّ...

صار عيسى وجيهاً... أجر صبيّين يسرحان مع القطيع منذ الصباح الباكر. ويتأخّر عيسى في النهوض، ليلحق بالقطيع، بعد الضحى، يراقب العمل ويوجّه المسيرة. وبعد، يحين موعد القيلولة، فيلعب بمنجيرته، تحت الظلال، حتّى يشبع عزفاً... ويسبق القطيع في طريق العودة إلى بيته، يجري اتصالات مريبة - كما وصف المختار علاقات عيسى - من غير أن يهمل شؤون العائلة، لا سيّما بعد أن أدخل أطفاله مدرسة الرهبان... لقد بدا على عيسى أنّه سائر على طريق الوجاهة سيراً متقدّماً، فهل يهجس بمركز ما؟ رآه المختار يتمرّن على قيادة السيّارة مع أبي حبيب، السائق العمومي الوحيد الذي يعمل على طريق قرى الناحية ومدينة طرابلس. المختار نفسه لا يقود سيّارة، ولا يقتنيها!

وظلّت الأمور تتفاقم. فصبيّا عيسى، الراعيان، غالباً ما كانا يعودان، مساءً، مع القطيع وقد أكلا قتلة، من غير أن تدخل «البهدلات» في الحساب! والنتيجة: يضاحكهما عيسى؛ يسترضيهما بالوعظ حيناً، وبالوعود أحياناً، وبالرشوة في كلّ حين: يشتري للواحد سكّيناً، وللآخر مزماراً. يعلّم الأوّل النفخ في المنجيرة، ويعلّم الثاني شرب «التتن»، ويهدي إليه علبة معدنيّة محشوّة «بالتتن» العربي مع دفتر «ورق الشام»... بمثل هذه الأساليب يستعيد رضاهما والولاء.

ولمّا كان من دعوات أهل وادي السيحان المأثورة: «اللّه لا يعلّقنا بحكيم ولا بحكومة»، جاء ذلك في حظ عيسى، واحدهم لا يقصد مخفر «الجندرمة»، في مركز الناحية، شاكياً، إلا إذا عجز الأوادم والوجهاء... لكن هؤلاء، مع عيسى. عجزوا بل لاموا أنفسهم على تدليله، وندموا على صبر لم يحمل فرجاً. لقد أصبح الصبر شيمة يَندم عليها حتى الأوادم! لأجل ذلك، ومع عهد عيسى الجديد، بدأ «الجندرمة» يزورون قرية وادي السيحان: تبليغات وإنذارات وأخذ إفادات. ضبوطات بالحطب وبالاعتداء على المشاعات وحتّى بالمزابل...» ولحّق يا مختار إن كان فيك تلحّق!» شكاوى ضد عيسى بالاعتداء على الزرع. شكاوى من عيسى ضد الأهالي بإهانته، وبضرب الراعيين، وبحجز العنزات... وشايات كثيرة متضادّة بإمضاءات «مخبر صادق». ما أكثر ما صار «المخبرون الصادقون» في تلك القرية! فهذا التعبير لم تكن تسمع به قرية وادي السيحان من قبل، ممّا جعل المختار يضيق ذرعاً بضيوفه من «الجندرمة»، فيواجههم بمقولة اخترعها: «كذب المخبرون الصادقون وإن صدقوا»... وزاد في الطين بلّة، وفي المدهش دهشة أنّ الأهالي لاحظوا انحيازاً عجيباً من جانب «الجندرمة» إلى جانب عيسى الراعي الذي كان يخرج من كلّ تلك المشاكل «شرد مرد»، ضاحكاً في عبّه!

ذات يوم وقع عيسى وقعة ظنّها أهل القرية سوداء! بعد «التبشير» فاجأ شمّاس الدير قطيع عيسى يرعى في الجنينة الجديدة، على منقلب التلّة المواجهة للدير! لا يُسمع للقطيع حسّ سوى دبدبة الأظلاف وهسهسة القضم. كان الصبيّان قد سحبا الجرس من رقبة الكرّاز، حتى لا يسمع طنين، وأشارا إلى الكلبين بالعودة إلى الزريبة للعشاء، فلا نباح...

كان غضب الشمّاس هادراً... قرص أُذن أحد الصبيّين قرصاً مؤلماً، وسحب من القطيع عنزة كنزاء، وجرّها إلى الدير... غضب الرئيس كان أشدّ وأقسى! أقسم، في نفسه، بشفيع الدير ليلقننّ هذا الراعي العاقّ درساً لن ينساه...

وجاء عيسى في اليوم التالي. دخل على الرئيس، متكوّماً على ذاته، مغرورق العينين، شاحب الابتسامة، كسيراً، يقرع صدره أمام الرئيس معلناً: خطيئتي عظيمة، خطيئتي عظيمة جدّاً. التوبة، التوبة... وجلس مطأطئ الرأس يستمع بسكون وخضوع إلى عظة عنيفة، وتقريع مرّ، طالما سمعت منهما أذناه أعنف وأمرّ. لكن ما أدهش وما أعنف ما سمع في نهاية العظة: ألف ليرة هذه المرّة، قال الريّس. أمّا في المرّة الثانية، فالويل...

لم يكمل الريّس تهديده، لكن عيسى فهم من هزّ السبّابة أمام عينيه أنّ الأمر سيكون خطيراً... فانصرف بعد أن أشار الريّس أن المقابلة انتهت. بينما هو خارج سمع من ورائه تأكيداً: تأتي بالألف وتأخذ العنزة...

خرج عيسى كالمصعوق! لم يكن ينتظر أن يجد في ثوب الراهب قلباً لا يلين وعزماً لا يلتوي. كلمة الريّس عند «الشاويش» لا تصير اثنتين. العنزة شاهد حيّ على الجريمة. ألف ليرة تشتري خمس عنزات. لكن ما هو أدهى، بالنسبة إليه أن الهزيمة مرّة واحدة تكون فاتحة هزائم مدى العمر.

ما العمل؟

ذكاء عيسى لا يخيب. إهتدى إلى الحلّ قبل حلول الظلام.

في صباح اليوم الثالث، على أسر العنزة، عاد عيسى إلى الدير، انحنى أمام الريّس، يريد تقبيل يده، فسحبها الريّس مشيراً بأصابعه: إدفع... وقائلاً: لا تضحك على لحيتي! لكنّ عيسى لم يأت ليضحك على اللحى هذه المرّة، بل... ودفع عيسى عشر مئات زرقاء جديدة، قبضها الريّس وراح يصفّق بها، بيمناه على كفّ يسراه، مبتسماً ابتسامة الظفر، بينما خرج الشمّاس ليعود بالعنزة الأسيرة، بقي عيسى جالساً ينتظر وينظر إلى الريّس المزهوّ نظرة اتّضاع ومهابة. لكنّ الشمّاس ما لبث أن عاد مبهوتاً: لاذت الأسيرة بالفرار! انقلبت سحنة الرئيس، وغامت الابتسامة الظافرة على شفتين مزمومتين:

- كيف؟

وقلب الشمّاس شفتيه وهو يركّز نظره على عيسى الذي بدا أكثر دهشة من الشمّاس ومن رئيسه الذي عاد ليصرخ:

- إقلب الأرض، ابحث عنها في كل مكان وعد بها حيّة أو ميتة...

لكن لا أثر لها في أرزاق الدير! كأنْ حملها الذئب وطار فوق الأسوار!...

وعاد الرئيس يمدّ يده بالألف، يردّها إلى عيسى، كما تسلّمها، وقبل أن يطويها ليضعها في جيبه. لكنّ عيسى جمع يديه خلف ظهره، ممتنعاً عن القبض:

- أريد عنزتي يا بونا الريّس. هذا حقّي، وذا حقّك بيدك!

- سأجدها. سأجدها حتماً... تعود إليك عنزتك ونسترجع الألف.

- أريد عنزتي يا بونا الريّس. أنتم حكمتم وأنا نفّذت. أريد عنزتي. أريدها!

- لكن يا عيسى...

- أريدها الآن، يا بونا. هذه أحسن عنزة، عندي. تحلب رطلين، لها توأمان رضيعان يثغوان منذ أمس الأوّل. إذا لم أعد بها إليهما يموتان جوعاً!...

وراح عيسى يثغو كجدي جائع، يُلِحّ في طلب عنزته إلى أن أسكته صوت الريّس الحانق الذي عيل صبره:

- خذ ألفك وانصرف. وخذ عنزتك متى لقيناها، و...

وخطف عيسى الألف وخرج مهرولاً، حتّى إذا ما غاب عن عيني الريّس ابتسم متنهّداً الصعداء، واضعاً الألف في جيب عبّه.

لم يطل انتظار عيسى أكثر من شهرين ثلاثة، لأن بكره مرض وأخذته حمّى عاصية، لم تنفع معها تعويذات ورُقى راقيات الضيعة، فوجّهت إليه زوجته نظرات الاتهام. وثقلت الحمّى على الطفل، فرفعت الزوجة صوتها مشيرة إلى فعلته الشنعاء مع الريّس ومع القدّيس شفيع الدير الغاضب! فخشي عيسى العاقبة، هذه المرّة، خشية المؤمن، استفاق فيه الإيمان، فسارع إلى غسل ذمّته بالاعتراف بذنبه، إذ ظهر له أنّ عين الوقف ضيّقة، وكانت، هذه المرّة، أضيق من المعتاد... في صباح اليوم التالي تقدّم من كرسي الاعتراف واعترف للريّس أنّه هو الذي هرّب العنزة مع صبيّه الشقيّ. رفع صبيّه الأسيرة، ورفع عيسى الاثنين معاً، معتمداً على عصاه، إلى أعلى السور، فتلقاها الصبيّ الآخر وراح بها... ثمّ طلب عيسى الغفران لنفسه، وشحد الصلاة لشفاء بكره. وعاد بعد القدّاس، إلى بيته، مرتاحاً ضميره، مضموناً شفاء ولده. وكان يمشي خفيفاً، ممسكاً عصاه من وسطها، شاعراً أنّ قامته قد انتصبت من جديد.

أما ريّس الدير الذي ظلّ قابعاً في كرسيّ الاعتراف فشعر بارتخاء مفاصله، وبرعشة برد في جسده، كأن صبّ عليه دلو ماء مثلج!.