لَوْلا النقش

آواه من تشرّد

علّمه صنعة

عوّده خصلة

و... أورثه امرأته الجميلة...

قليل حظ بران يسرى؟! هل اكتفى؟!

ذات ربيع جاء من المشرق. هذا ما كان يشير إليه بقفا يده وبحركة من رأسه، معاً، إذا سأله واحد: «من وين أنت يا ابراهيم؟»

منذ البداية عرف باسمه الأول: ابراهيم. ابراهيم فقط. لم يعرف اسماً ثلاثيّاً قطّ! استقرّ في البلدة، فتعدّدت أسماؤه: ابراهيم الغريب. الصبي برهوم. المشرقي. «اللافي»... تزوّج يسرى، فصار له اسم وكنية: بران يسرى!

عرفته أزقّة القرية وأبواب بيوتها متشرّداً في سروالٍ بـ «طبّيلة» مختصرة، وكمّين قصيرين حتّى ما دون الركبة بقليل. شعره الكثيف الأهدل، وجهه  المستدير، ثيابه، أطرافه... كلّه، بلون التراب، إلا العينين فسوداوان متوهّجتان في بحرتين حوّاريتين واسعتين!...

استعطى في يومه الأول. دهمه المساء فنام على تنّور مسقوف بالتنك. ثمّ استعطى يومين، ثلاثة... عرض عليه بعض ذوي الحاجات استخدامه. لماذا يستعطي وهو فتى سليم قويّ؟!... خدم في الحقول والزرائب والبيوت... ثمّ، استقرّ «جلّيساً» في مطحنة، فكانت ضربة حظّه التي فلقت الصخر، وأكثر من الصخر...

رشد ابراهيم. اشتدّ ساعده. جاء لأحدهم بحملٍ من القمح إلى المطحنة. جلس أمام الباب، تحت ظلال الجوزة، ينتظر دوره. جاءه الخازن، صاحب المطحنة، جلس إلى جانبه، جاذبه أطراف الحديث ريثما ينتهي «التُمّ». قال الخازن وهو يقحقح:

ما رأيك، يا برهوم، تبقى معي، تسلّيني، نترافق، تقضيني غرضاً، ويستقضيك الزبائن حاجات. معي تأكل وتشرب، وتنام في المطحنة، فيها مأواك، وأنت آمن؟...

قطع كلام الخازن نوبة من سعال. ابراهيم بقي ساكتاً، يحدّق في الخازن ببرودة!... هدأت نوبة السعال، فأردف الخازن: «ولك خرجيتك» تتفكّه بها كما تشتهي... ولك ثياب!...

لم يجب ابراهيم. ليس سكوتَ من رضي، بل كان يلوك العرض بفكره متردّداً. خاف أن يستنقِع، وهو ما لا يركب مع مزاجه المغامر!

وإلا، لماذا هجر الأهل والبلد؟

في التشرّدِ شبعة وجوعات. نومة وسهرات!... لكنّ فيه صدمة غير المتوقّع، فيه لذّة المفاجآت... فيه لوعة التورّط ونشوة النجاة... فيه الحرّيّة.

حزره الخازن متردّداً. رغب في ترغيبه:

- أعلّمك الصنعة. تبقى كنزك الذي لا يفنى،

- صنعة الطحن؟!

قاطعه مستخفّاً!

- وصنعة النقش أيضاً.

- وما النقش؟

- «أوووهوهووو...» النقش، يا ابني، يجعل طيّباً ما لم يعد طيّباً. نافعاً ما لم يعد نافعاً... ويذلّل كلّ صعب عصيّ!

- يعني؟

 

قالها ابراهيم وقد لان بعضاً من لين عندما ناداه الخازن: يا ابني! عندها قام الخازن، دخل إلى المطحنة، وخرج يحمل بيده فأساً فولاذيّة. رفعها أمام عيني برهوم، وهزّها:

- هذه!...

- مَهْ؟

- «دردبيك!»

- «دردبيك؟»

- نعم دردبيك. تنقر «وتنتش». هكذا: ضربات من فوق لتحت بالطرف المروّس، تنقر. وضربات من أمام إلى وراء، صوب صدرك، «تنتش». تضرب، أنت، بها وتضرب صدر الرحى الأسود القاسي حتى يقشعرّ بدنه ويصير مجدوراً، وبحيث لا تعود الحبوب «تدلس» تحته عند الدوران بل تنطحن وتتحوّل إلى دقيق جيّد.

- هذه صنعة هيّنة، لا تحتاج إلى تعلّم!

- تظنّ. بل هي صعبة، وصعبة جدّاً. لا تَنْقاد، ولا تُجاد إلا بتمرين طويل!...

- أنا، ما حاجتي بها؟ غير أنّي أعالج بها رحاك غير مأجور، غير مشكور؟

- أنت لا تزال فتيَّ الزند، مجدول العضل. النقّاشون الماهرون، في هذه الناحية، نادرون. الطواحين، في هذا الوادي، تزيد على العشر... أنا، كما تراني، شيخ مريض، لم يعد بي نفع. أصحاب الطواحين يصيرون من زبائنك. ولا تنس الجواريش! الجواريش تَحْفى أيضاً. في كل بيت جاروشة تحتاج، بين الحين والحين، إلى نقش يجدّد شبابها! كلّهم يدفعون... على أنّنا، عادةً، لا نطمع بفلس الأرملة.

يكفيها ما هي فيه...

تنهّد الخازن، وعاد يقحقح... ابراهيم كان يحدّق فيه، لكن هذه المرّة بإشفاق، فلربّما وجد فيه بعضاً من أبوّة مفقودة، وخشي أن يخسرها مرّة أخرى!

- ماذا قلت؟

- أبقى معك.

فقام الخازن يعيد «الدردبيك» إلى مكانها، ثمّ يستأنف أعماله...

لازم ابراهيم الخازن فكان له ذا نفع كبير. لقد أظهر ذكاءً وهمّة. لَقِن مهنة النقش سريعاً، وحمل عن الخازن مسؤوليّات كثيرة...

والخازن أحبّ ابراهيم كولد من صلبه، هو الذي لم يرزق أولاداً!... زمن الحصائد غنّى قصائد! كان شابّاً وسيماً، «عيّيشاً». ورث المطحنة عن والده الشيخ خطّار الخازن، وانفرد بها لأنّ بقيّة إخوانه هاجروا...

كانت المطاحن هاتيك الأيام، ضروع ذهب، تدرّه ليل نهار، عدّاً ونقداً. لا ينتظر الطحّان موسم قطاف ولا تصفية بيدر. لا يخشى نوبات الطبيعة، إذا جنّت، تنزل في أرزاقه الكوارث. مطحنته عند رأس الوادي. الماء في جبّها أبديّ الخرير، جادت به السنون أم ضنّت، فلا ينافسه زرّاع على ريّ. كيسه دائماً ملآن، ينفق منه، على رفاق التنعّم، عن سعة، غير عجلان، غير حاسب لقابل الأيام حساباً. تأخّر بالزواج، تقدّم به العمر، وتناوشته الأسقام، فدفعوه إليه دفعاً. دبّروا له يسرى. كانت في العشرين، وكان في الأربعين. هي ابنة عائلة مرموقة. زينة ذات رواء وتهذيب. جميلة بين الجميلات. رغّبوها فيه، فرغبت. لماذا لا؟ العمر؟ رغم الأربعين لا يزال على وسامة وبعض شباب. فكيف بالمال والجاه إذا اجتمعا في مثل هذا الرجل؟

تزوّجا.

مرّت سنون...

ما تأخذه الحياة منك تعطيه لسواك. لعلّها العدالة! لعلّه القدر ساخراً! يسرى عاقر! يسرى لم تنجب للخازن وريثاً، رغم جهود الأطباء، رغم النذورات للقدّيسين!

الخازن اشتهى ولداً فلم يعطَ...

ورضيت يسرى بحظّها، ورضي الخازن، فعاشا قانعين، يمنحها ما شاءت من مال ودلال، وتمنحه ما احتاج من عناية وراحة.

من زمنه الخالي، بقي الخازن يحب «مَزْك» الكأس وصحون «المازه» التي تعدّ له منها يسرى فنوناً. العرق البلديّ مشروبه المفضّل، يعدّه بنفسه من أجود الأعناب. إذا شرب ظهراً امتنع مساءً. ويمتنع ظهراً، أحياناً، ليشرب مساءً. حكمته طلب الارتواء! كانت يسرى تأتيه «بالزوّاده» إلى المطحنة في أيام معلومات، أو إذا ألحّ الزبائن وكثروا. تجلس إليه، تتغدّى معه، وتغسل ثياباً في السكر، ثمّ تعود عند العصر... لمّا صار ابراهيم معه، شاركه الكأس «والمازه». فالكأس، بالشراكة، تطيب أكثر. أحبّ ابراهيم العرق كثيراً، فصاروا ثلاثة على الغداء.

كان يوم قائظ. ترجرجت الرحى، تقطّعت جعجعتها، وتباطأ الدوران!

صرخ الخازن:

- «العالول»، يا ابراهيم، «العالول»! عجّل!

خرج ابراهيم مسرعاً. دار حول المطحنة نصف دورة، قفز الجلّ متجهاً إلى القبوة، فرأى!

انبهر!

لكن «العالول» لا ينتظر. اقتحم القبوة نبش عيداناً يابسات تسلّلت عبر «الصيّاد» «وسطمت» «العالول»... أعاد ابراهيم كل شيءٍ إلى طبيعته، ما عدا الرغبة التي تفجّرت، فجأة، في قلبه...

لم يَرَ ابراهيم، في حياته، قدمين أنثويّتين عاريتين. لم يرَ، في حياته، ساقين بضّتين لامعتين. (ابراهيم من نسل المجاهدين القدامى الذين يعشقون السيوف اللامعة المجرّدة).

لم يرَ، في حياته، صدراً مكشوفاً، صقيلاً كمرآة، مضيئاً كفجر صيفيّ، تنفرج مرآته عن مجرى ناعم ما بين النهدين المتكوّرين.

ربما رأى شعوراً محلولات في رؤوس النساء النادبات، في قريته التي هجرها من زمان. لكنّ شعراً صفيفاً سارحاً شلالات كستنائية، تتهدّل خصلاته على الكتفين، وحول العنق الناصع، وعلى الخدّين التفاحيّين، فهو ما لم يره في حياته!...

فاجأ ابراهيم معلّمته يسرى تجلس على حجر، تضع رجليها في ماء الساقية وقد شمّرت عنهما حتّى الركبتين، وفكّت أعلى أزرار فستانها، فتفاجأ... لم يعد من حيث أتى، حياءً، بل أكمل دورته حول الطاحون، وعاد ليجد كلّ شيء، عند الخازن، على ما يرام... خرج، مبتعداً عن الجعجعة، إلى ظلال الدلبة الوارفة، يستريح كعدّاء عاد لتوّه من سباق، يلهث، يعلو صدره ويهبط... في الظلال جلس ابراهيم ذاهلاً يعيد، في مخيّلته، تركيب الصورة التي رآها فزلزلت كيانه، ولم يعد الابراهيم الذي كان...

الأيام تدور

الرحى تدور

والصورة، في بال ابراهيم، تلحّ وتدور!...

كلما جاءت يسرى إلى المطحنة، في الأيّام القائظة، كان ابراهيم يختفي في أدغال الدفلى، قبالة قبوة الطاحون، يسترق النظر إلى معلّمته التي تجلس على حجر، جنب الساقية، مشمّرة، تضع قدميها في الماء، تحرّر شعرها، تتمشّط متمهّلة، تكشط ما يعلق على أسنان المشط من شعرها، تلفّه على أصبعها، تضعه في الجُمّ، خلفها... تنحني على الساقية، تحفن وترشق الماء البارد على وجهها وعنقها وساقيها البضّتين الناعمتين اللامعتين اللتين تحرقان الريق في حلق ابراهيم المختبئ... وشدّ ما كان يشتعل دم ابراهيم عندما تنحني يسرى فوق الساقية، فيكاد نهداها المطلاّن كحمامتين أخفتا منقاريهما البنّيين في حضن صدريّة زهرية غاوية، يتدحرجان في الماء، لولا أن تمسك بهما الصدريّة الزهراء!...

وتعود يسرى إلى البيت.

في الأيام التي تلي كان ابراهيم ينزل إلى القبوة، يستطلع المكان الذي صار محرابه، يسائل الأطلال: الحجارة النديّة. التراب الرطب الذي تلقّى رشاش الماء عن بشرتها. الحصى في الساقية أمام المقعد الحجريّ حيث داست قدماها... ويستنبش لفائف الشعر المرميّة في أدغال الدفلى، يشمّ رائحته متنسّماً عبق الأنوثة المسكر، يتألّم من رغبة وحرمان، يتلذّذ، يعاقر معاناته ويحلم...

مرّات، مرّات... تحجّج ابراهيم بتفقّد العالول، فينزل إلى القبوة ليرى معلّمته في الوضع، إيّاه! يبتسم لها، يلقي نظرة على «العالول» و«الفراش»، للحظة، ويعود كما أتى. لم يعد يبدو على يسرى تفاجؤ، إنوهال! بهدوء، تجمع ساقيها، تشدّ من طرف الفستان، قليلاً، فوق الركبتين المشعّتين. تضع يدها على صدرها كمن تزرّر الصديري، ولا تزرّر! تردّ الابتسامة لابراهيم ببعض حياء، فيعود ابراهيم إلى عمله وقد تزوّد أحلاماً جديدة للياليه، وإحساساً مكبوتاً بأن ألفة ما، خفيّة، كامنة، وحظّاً لها بالنموّ، تجمع بينه وبين معلّمته.

مرّت أعوام أخرى.

اشتدّ الداء على الخازن. «شرّش» في رئتيه، اغتذى منهما... ثم سكنت نسمة الحياة فيهما، وفي قلبه سكن الخفقان!...

انتحبت يسرى، ندبت، ولولت، ولبست الحداد... وحزن ابراهيم على معلّمه الذي أحبه، كثيراً، كثيراً.

يسرى بدت في ثياب الحداد أبهى. بشرتها صارت أنصع بياضاً!

مات الخازن!... لكنّ الرحى يجب أن تبقى تدور. الطحين يجب أن يخرج من المطحنة، دائماً، خبزاً للعالمين... ابراهيم بقي في المطحنة، وبقيت الرحى تدور، وبقي الطحين يخرج ليصير خبزاً. ويسرى، الوارثة الحزينة، تدير العمل.

بعد سنة، أكثر بقليل...

عادت يسرى تتردّد إلى مطحنتها، تتفقد العمل الذي يقوم به ابراهيم بكفاءة وأمانة... والحياة تمضي، والرحى تدور، والطحين يخرج خبزاً للعالمين، وكأنّ لم يكن، هناك، الخازن. الناس تريد طحيناً، طحيناً، سواءً أكان الطحّان خازناً أم ابراهيم!...

الجوزة الوارفة، عند باب الطاحون، عادت تورق وتثمر. الرمّان، خلفها، يزدحم بالجُلَّنار. أزهار الدفلى تنافس الجلّنار. والربيع يعلن القيامة، فيمشي الأخضر في الطبيعة، يحيي الأرض الموات... ويسرى عادت إلى عادتها، تغتسل وتبترد على الساقية. الآن صارت مفاتنها تطلّ بجرأة أكبر. إبراهيم، أيضاً، صار ينظر بجرأةٍ أكبر وأكبر! صار يقف أمامها، يجاذبها أطراف الحديث ودمه يغلي حتّى يتبخّر! هي، لم تعد تقرّب ما بين ساقيها، ولا تشدّ من أطراف فستانها الذي صار أقصر، ولا ترفع يدها إلى صدرها...

فاجأته:

- تتزوّجني يا ابراهيم؟

- آ آ آ آ آ....

- تـ تـ زَ وْ وَ جُ ني؟!

- لا توآخذيني، سيّدتي، أنا؟ أنا؟!...

نظر حواليه كأنّه يريد شيئاً أضاعه، يطلب مهرباً، عندما لم يسعفه الفهم، عندما لم يسعفه الجواب!

ضحكت يسرى، سارعت تقول:

- أنت أنت يا ابراهيم، تزوّجْني!

بقي مبهوتاً، على عينيه غشاوة، في فمه جمرة يفتّش عن الريق ليطفئها. في تفكيره شلل لا يسعف لسانه على الكلام!...

- ماذا قلت؟

- نـَ نـَ نَعم! لكن كيف؟

- «تتمورن». تذهب معي إلى الكنيسة، يكلّلنا الكاهن زوجاً وزوجة، وتعود معي إلى البيت.

هكذا!... استحقها ابراهيم. خرج من دهشته، عاد عقله يعمل... مع ذلك بقي ينظر إليها، واسع العينين، مفتوح الفمّ!...

تابعت يسرى بعذوبة فائقة:

- هل «تتمورن»، يا ابراهيم،... «كرمالي؟»

- «إذا أمرت، يا معلمتي، أتمورن، أتكوتل، أتذركس.... ما تشائين، ما تشائين. قولي. قولي».

ضحكت يسرى حتّى كادت تستلقي:

- فقط تتمورن. ولا أعود معلّمتك.

- بل تبقين. وأبقى برهوم، عبدك المطيع، رهين خدمتك، طوع إشارتك، تدوسين رقبتي ساعة تشائين!...

- لا. تصير حبيبي. أصير حبيبتك!..

جنّ ابراهيم! إِنفتل وصعد إلى المطحنة. صفق الباب وراءه، يستعيد المشهد.

حلم ما كان؟!...

ما كان لم يكن حلماً. كانت تعني يسرى كلّ كلمة قالتها... وبقي ابراهيم مذهولاً، بين مصدّق ما سمع، ومكذّب!

«يتمورن؟ أيش يعني؟...»

مرحباً مارون!... أن يحصل على يسرى، ولو لليلةٍ واحدة، يطيب الموت عنده. ألمورنة أصعب أم الموت؟

- «متى أتمورن يا معلّمتي؟»

بادرها ابراهيم في أوّل لقاء بعد ذلك اللقاء!

- حقٌّا؟!... (وبغنج)...: أعن إيمان، يا ابراهيم، أم عن طمع؟

وابتسمت...

رفع ابراهيم بيديه، متوازيتين أمام صدره. دفعهما باتّجاهها، بكلّ حماسة، وكأنّه يقذف بنفسه في أحضانها:

- «كلّني إيمان، يا معلّمتي، كلّني إيمان!»

إبتسم واستضحكت...

مورنة ابراهيم تمّت بسهولة: وضعت يسرى كاهن الرعيّة في أجواء الموضوع. أكرمته بسخاء، فتجاوب، بل اندفع آخذاً على عاتقه مفاتحة أهلها بالموضوع، وإقناعهم بأنّ في مشروع الزواج، هذا، مصلحة للجميع. أهلها الأقربون هم عائلة أخيها المتوفّي، والمرجع ابن أخيها الضابط في البوليس.

دهش الضابط! صدم!

- «ولو، يا بونا؟ كيف؟»

- «هي حال الدنيا، يا ابني. ناس تنولد. ناس تتجوّز. ناس تموت...»

- «إي. لكن عمّتي. عمّتي أنا! ثمّ هي أرملة الشيخ الخازن... وبرهون! برهون؟! لا أصل ولا فصل، ولا نعرف قرعة أبوه وين، ولا... ...»

بلغ الاستياء بالضابط حدّاً جعل لسانه يتلجلج، ولا يجد عقله الوصف المناسب...

- أنت قلت: أرملة. نعم أرملة! صبيّة وحلوة. والأرملة مثلها، لا حماية لها بغير الزواج... وفهمك كفاية...

بعد صمت قصير تابع الخوري: باللّه! قلّي: أيّاه أفضل؟ زواج كنسي من شخص غريب، لا وراه ولا قدّامه... الإرث يبقى مكانه، أم...؟

- أَمهلني يومين ثلاثة...

- على مهلك... ولو أنّ في المهلة شيطان!...

الضابط يعمل في الأمن، في مطبخ الاستقصاء، العين الخفيّة الساهرة على أمن البلاد والعباد! لن يخفاه ما يطبخ الخوري وما تبهّر وتملّح العمّة، الأرملة المتصابية... مع ذلك وجد في كلام الخوري بعض المنطق. المرأة، أيّة مرأة، حصنها رجل. فكيف إذا كانت أرملة، صبيّة، جميلة، من غير أولاد، صاحبة مطحنة؟!... قال في نفسه: الباب الذي تأتيك منه الريح، أوصده...

عاد الخوري بعد يومين. كان موضع ترحاب، فاستبشر:

- «قمحة ولا شعيرة؟»

- «أنت موضع ثقتنا، يا بونا... تريد قمحاً، ليكن قمحاً! تريد شعيراً، أجلّك اللّه، ليكن قمحاً!...»

تضاحكا، وقلبا الموضوع إلى السياسة...

تزوّج ابراهيم يسرى!... صارت عائلته وكنيته، بيته وموطنه. وصار اسمه، على الألسنة، بران يسرى...

في السنوات الأولى، ترهّب ابراهيم لعشتروته، يضيء على مذبحها الشموع، يحرق البخور، يسجد أمام جسدها الوضّاء متعبّداً. ذلك الجسد الغنيّ بالمفاتن الأنثويّة، الذي كان يشتهيه عبر ذيل فستان شمّر قليلاً، أو زرّ وزرّين مفكوكين عند النحر! ذلك الجسد لم يعد مجرّد حلم مشتهى. صار الآن، بعريه كلّه، بحقيقته الناصعة، بين يديه. تحت تصرّفه... وأغدقت يسرى على أدونيسها الحبّ باندفاع عاشقة متلهّفة إلى الحبّ، وبثأر مراهقة تحرّقت الرغبة المكبوتة في دمها سنين، كانت فيها تقرب اللّذة في فراش الرجل، تلامس الريّ، وينقطع المجرى... وقطف ابراهيم الجمال المشتهى، وعاش النعيم المرتجى.

الجوع، مهما كان عتيقاً، يلقى شبعاً على الموائد العامرة... عشر سنين أشبعت يسرى من جوعها إلى الفحولة، وشفت ابراهيم من حرمانه إلى الجسد الأنثويّ... لكنّ يسرى ما صارت تتذمّر من زوجها الثاني لِتعبٍ في رجولته التي كانت ما زالت في عزّ زخمها. ولكنها صارت تتذمّر من استبداد عادته الرديئة التي أورثه إيّاها الخازن!... العرق، أيضاً، صار تحت تصرّفه، رهن إشارته. أيضاً الموائد الشهيّة، السخيّة. صار ابراهيم يسكر!... بدأ متذوّقاً، هاوياً. استمرّ معتدلاً، ثم صار «يتقّلها»، وانتهى سكّيراً، عربيداً... كلّ ليلة يفرض ابراهيم على يسرى أنواعاً من المازه تشتهيها نفسه. «مدقّة» العرق يجب أن تأتي إلى «الطبليّة» ملأى...

يشرب ابراهيم ويشرب حتى يمتلئ بطنه ويثقل رأسه، وتنطلق حنجرته، فيرفع عقيرته بالغناء، كأنه لا يزال في الطاحون، وبكلّ ما في صوته من خشيش وفحيح وتجشّؤ وقيء... بينما رائحة الحمض تملأ المجلس.

يقطع غناءه ليسأل يسرى:

- «كيف شفتيلي هالصوت؟»

تنتفض يسرى:

- «كمان بدّك طيّبلك؟! صار بدّك جمهور معجبين؟ إي يقطع ألك ولها الصوت...»

يهبّ ابراهيم، مترنّحاً، لينتقم لصوته المطعون. يصفعها هنا وهنا من رأسها. يصيبها مرّة ويخطئها مرّات، وهي تزوغ بين يديه، تدرأ عنها صفعاته، وتشتمه... تكبر القتلة وتصغر حسب نشوة ابراهيم، وعدد كؤوس ليلته، «فتطبّ» يسرى على وجهها، وتنام «مبهدلة».

و... «ملا» آخره معك، يا ابراهيم!

ليلة عيد ارتفاع الصليب. 14 أيلول. ليلة لا تنسى! سكرة لا تعادلها سكرة... شرب ابراهيم وأكل ورقص وغنىّ وقاء، وسأل يسرى:

- «كيف شفتيلي هالصوت؟»

- «الجحش البايت بالمطحنة من دون عليق بيشهنق أحلى من غنانيك!...»

وكان غضب ابراهيم الساطع صفعاً، لكماً، ركلاً، شحطاً بشعرها على الأرض... قتلة لا قبلها ولا بعدها!

استطاعت يسرى الإفلات. تدحرجت على درج السطيحة وهربت إلى بيت أخيها... وصلت بحال لم تسمح لها بتبيّن الشعور الذي لاقتها به أرملة أخيها. أهو شعور الشماتة أم الإشفاق؟... كلاهما مرّ!

- «إيش صابك؟»

- «الضربان، يبعتلو هريان. مين غيرو؟»

- «الحكاية ذاتها؟» يقطع إلك ولها الصوت»؟ ما هيك؟»

- «يقطع إلو، ولصوتو، ولساعتو، وللهوا الشرقي اللي قردفو علينا!...»

- «هلّق؟ قديش نصحناك ووعَّيناك!»

- «قلت: فرخ ديب، ويمكن يجوّي!...»

- «إي، ما جوّا... صار هوي جوّا وانتِ برّا!»

على إيقاع هذا الحوار راحت امرأة أخيها تغسل لها جروحها وتعالج كدماتها... ثم استحمّت يسرى ودخلت تنام مع أوجاعها ودموعها.

عاد ابن الأخ في عطلة نهاية الأسبوع. عرضت عليه عمّته آثار العدوان الأخير، العدوان النكبة! فاستفظع واستنكر وهدّد وتوعّد!... فانفجرت يسرى:

- هيدا آخر حدّ بيني وبينو. خلّصوني منو!»

- «أف أف! وصلت معك لهون؟ بعلمي كنتو أسعد من عصافير الجنّة؟!»

- «رجع لأصلو. وسخ. ما عاد اغتسل. ريحتو بتنفّر... كلّ ليلة بيسكر، بيشرشر ع تيابو، حواليه، ع حرجو، ع الطرّاحة، وين ما كان... وغسّلي يا يسرى، ونضّفي، وقحّطي وراه، وقرفي...»

«اللّه يرضى عليك، يا عمتي، لاقيلي حل!»

- «مورنتيه، يا عمتي، مورنتيه. انتِ والخوري بدكن تكتّرو زلم الطايفة!... حدا بِيقلّك: زواج ماروني؟ نسيتِ: «لا يفرّق بينكما إلا الموت؟»

- «ما بقى فيني عيش معو! لاقيلي حل!»

- «الحلّ بالتعايش يا عمتي. بالتعايش مع اللي ما منو بد!»

- «كل ليلة قتله وبهدله؟!»

- «حَلّي لسانك معو!»

- «كل الحلا يللي «لطّو» ما بيّن معو! حلا اللسان رح يبيّن؟»

- «يعني ساوسيه بتربحيه. ونحنا مِنوصِّيه ومنشدّد عليه».

 

- «أيّ سياسة مع القهر ومن دون كرامة؟»

- «يا عمتي ما بقا فينا نقوّم العوجه. الواقعة وقعت! هي كلمة، قوليلو: حلو، لما بيسألك كيف شفتِ هالصوت؟»

- «مَاوْ حلو!»

- «صحيح... لكنْ كلمة بس. بترتاحي. قوليها، قوليها... وين المصيبة؟»

إستضحك وتابع:

- «شو بدّك تصلّحي الحكم وتحرّري الوطن؟ هيهات... أهل الوطنية عَ الضغط لانو وغيّرو لهجتن... صحف المعارضة قطعت لساناتها...»

- «يقطع إيدو ولسانو...»

وتمّت المفاوضات... أعطى ابراهيم كل ما طلب منه من تطمينات، فعادت يسرى إلى بيتها على أساس أن قد تمّ سلام الشجعان بينها وبين ابراهيمها... وفي الليلة نفسها شرب ابراهيم كؤوساً مترعة احتفاءً بعودة زوجته الحبيبة، وغنّى، وسألها:

- «كيف شفتيلي هالصوت؟»

- «يا عيني. يا عيني، شو حلو! اللّه يسلّمك ويسلّمو».

ابتسم ابراهيم وهزّ رأسه مسروراً، مشيراً بيده في حركة «الدّردبيك». قال:

- «شفتِ النقش؟!»