ليلة قطع الزَفَر 

 

كان ذلك منذ خمسين سنة!.

كانت قريتنا لا تزال غافية في ظلال الوادي، متوارية خلف التلال، حيّية من أن تُفاجأ بزيّها القديم: رجالها ما زالوا يلبسون الشِروال، ويشتملون بالكوفيّة والعقال فوق اللبّادة. نساؤها يلبسن شِروالاً فضفاضاً، مجموعَ طرفي الكمّتين عند بطّة الساق بمطّيطة أو تِكّة صغيرة، يغطّيه جِلباب واسع، طويل الذيل حتّى الكعبين، ويعتمرن على الرأس لفعة وخماراً يغطّيان اللِّمم أو الجدائل. بيوتها كانت لا تزال ترابيّة، فقيرة الأثاث، يتشارك السكنى فيها الانسان ودوابُّه، وسيلتُه في انتزاع الرزق من بين أشواك الحقول وصخورها. أمّا زواريبها المُحْصِبة، الملتوية، فمزروعة بروث الماشية، محفوفة بالقرّيص. إسم قريتنا «غوايا»، أي الداخلة؛ قل المختبئة، فذات زيٍّ عتيق تستتر.

وكان الناموس يسود القرية تماماً. إنه الشريعة المقدّسة التي يحرص أهل القرية على الالتزام بها، فلا يخرج عنها إلا فاجر! سرعان ما يسقط من عيون الجماعة ويُنْبذ، فيضيق به عيشه، فيهاجر. والناموس، أليس هو عادات السلوك الاصليّة، التي سنّها القدماء الحكماء، فكانت سبباً للبركة التي ترتع فيها القرية منذ زمن بعيد؟. بيادرها أغنى البيادر، وسواقيها أغزر السواقي، وحرجها أكثف الأحراج، ومراعيها يشتهيها كل ذي ظلف وحافر... أما شفيع القرية فهو «مار جرجس»، أفرس الفرسان وأهيب القدّيسين، يحميها في أيام القحط، إذا ما طال انحباس المطر، فتُقام مسيرات الاستسقاء، «تزيّح» صورته، فيمشي وراءها الجمهور مرتّلاً، بينما «تصدح» الصنوج، وتعطّر المباخر الأجواء، فلا يلبث المطر أن ينهمر. ويردّ مار جرجس الأوبئة عن القرية؛ أما إذا اجتاح الجدري والهواء الأصفر في بعض غفلات الزمن، فمعنى ذلك أن الناموس قد تعرّض للانتهاك من بعض أصحاب العادات الرديّة.

وتمضي الحياة في «غوايا» هادئة، هانئة، لا يعكّرها إلا حدث جلل، مثل موت شيخ وجيه، أو شابّ نضير، ينقرف عوده في غير أوان، أو يخطف عزرائيل، لا سمح اللّه، وحيد أمّه، على حين غرّة.

أما ما تبقّى من أحداث، كانهدام زاوية بيت، أو نفق بقرة حلوب، أو احتراق كديس حنطة، أو اجتياح الذئاب للزرائب، أو أو... فهي حادثات هيّنات، قد رتّب لها الناموس مأثرة يتباهى بها الآباء والأجداد، هي نظام العونة، إذ، في مثل تلك الحالات، سرعان ما يأتي العون بنخوة الشباب، فيرفعون الزاوية المنهارة، ويطفئون الحريق، ويتصدّون للذئاب، أو يفرقون الفَرقة، برعاية المختار وإشراف الخوري، ويعوّضون «المنكوب»، حتّى تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي، ويسلم الناموس.

لكن الجمرة لا تحرق إلا مطرحها. وكانت الجمرة الحارقة يوم «تنّيحت» جدّتي - رحمات اللّه عليها-. كان والدي، رحمات اللّه عليه، هو أيضاً، يعزّها كثيراً، إلى درجة تجعلني، في سرّي، وكلّما تذكّرت ذلك، أخجل من نفسي، لأنّني لم أكن أعزّ أمّي، أنا، - رحمها اللّه - كما كان أبي يعزّ أمّه. بل، ويا للعجب! كنت أحبّ جدّتي أكثر من أمّي، وربّما كان هذا تخيّلاً، وربّما كان، في ظنّي، إرضاءً لأبي وتقليداً له، فقد كنت شديد الاعجاب بكلّ حركاته أو سكناته.

ماتت جدّتي فشعرت كأن أركان الدنيا قد اهتزّت من حولي، وأطبقت علينا، على العائلة بأجمعها. ولشدّ ما كان ينخلع قلبي، في صدري، ذلك اليوم، عندما كنت أرى والدي «يفحص»، كالملسوع، من على «الدشك» الذي يجلس عليه مع رجال القرية، في بيت الجيران، ويندفع من الباب صارخاً، ملوّحاً بالمنديل (منديل؟ بل قطعة قماش بيضاء قدّوها له على عجل) نادباً، ومتبوعاً بالاهل والمعزّين، فيسرع إليه صديقان، أو نسيبان، يأخذانه من تحت إبطيه، يساندانه كمن انحلّت ركبتاه، فيُخشى سقوطه، فيدخل، وندخل وراءه، إلى بيتنا حيث تُسجّى الراحلة الحبيبة، وحولها النساء النادبات المنتحبات، لتبدأ المساجلة بينه وبينهنّ: منه بيت عتابا يفطر قلب الصخر، ومن كلّ جميلة الصوت بيت، ثم من عمّتي الحنون، الوحيدة، سحبة «أبو الزلف» ومن النادبة المختصّة، المأجورة، ردّة «سكابا يا دموع العين سكابا، غاب «ولف» قلبي ما ردّ الجوابا»، حتّى تروح المناديل تنعصر عصراً من سحّ الدموع. كان هذا المشهد يتكرّر مراراً في النهار، قبل ميعاد الجنّاز. وكان يضطرّني الناموس، ولو صغيراً، أن ألحق بوالدي، وأن أبكي بكاءه! كنت أشهق بالبكاء، مخفياً وجهي بزندي الذي أسنده إلى حائط البيت، حتى لا تقع عيني على وجه الراحلة الحبيبة الذي سكنت في قسماته الحياة... لا أنكر أنّني كنت أبكي صادقاً، لكنّني غير متأكّد إن كنت أبكي حزناً على جدّتي، أم أبكي لبكاء والدي!

غابت الشمس، فوارينا جدّتي، المأسوف عليها، مع غيابها. وعاد الموكب الصامت من المقبرة، خلف الخوري الذي كان يحمل المبخرة أمام النعش، إلى البيت، فأقام، فوراً «صلاة البخور»، وقفنا، بعدها، في الجوّ الضبابيّ العابق برائحة البخور، رائحة الموت، نتقبّل التعازي حتى ساعة السهرة...

وخرج آخر المعزّين والمؤاجرين من جيران وأنسباء، فقبعت عائلتنا متهيّبة، تنتظر ما سوف يتلو من جهاد النهار الحزين، وما سيتفوّه به الوالد المفجوع من كلام خطير، فكنّا ننظر إليه من طرف خفيّ! ولم يطل الأمر حتى سمعناه يتنهّد مرتاحاً، ثمّ يبادر قائلاً: «الحمد للّه، كان العزا حلو، آجرت معنا الضيعة بأجمعها، اللّه يآجرها، كلّها ناموس!... كمان جات ضيع الجيرة تواسينا. أم الياس (يعني جدّتي المرحومة) بتستاهل». لست أدري لماذا، بعد هذا الكلام، وفجأةً، صغرت المصيبة في عينيّ؛ وأحسست بارتياح كبير، فها الدنيا باقية بخير، ولن تنتهي سعادتها بعد موت جدّتي، ولن تفقد العائلة أمانها، كما كنت أتصوّر، وكما أوحى إليّ سلوك أبي، في النهار؛ لكنّي أدركت بعدها، على ما كنت أسمع من الكبار، ومن أبي، بالذات، أنّ «البكي على راس الميّت حلو» أما بعد ذلك، فلا... على كلّ حال، أحسست بعد أن أنهى أبي كلامه ذلك، أنه أسدى إليّ جميلاً لا ينسى، فشكرته، في أعماقي، جميل الشكر.

لكنّ جدّتي، لسوء الحظ ماتت ودفنت في بداية أسبوع «المرفع». تعاليم الناموس واضحة، صارمة: أهل الفقيد، قبل الأربعين، لا يدقّون «الكبة» في الجرن. الرجال لا يحلقون ذقونهم، والنساء لا يغسلن ولا ينشرن غسيلاً أبيض؛ فهذه علامات فرح! ربُّ البيت لا يُميل عقالاً ولا لبّادة إلى جانب رأسه، كما لا يردّ طرف شملته السوداء، بحركة غوى، إلى الخلف... هكذا مضت أيام أسبوع «المرفع» ثقيلة، بطيئة، متجهّمة، قاسية. في اليوم الأول جاءتنا «صينيّة» أكل «قاطع» على الغداء، وثانية، على العشاء، مثلها، من عند الجيران. في اليوم الثاني قامت والدتي، متثاقلة، وبحياء، فطبخت «من قريبو» مقلاة من البرغل الناشف (المحزونون لا يتلذّذون بطعام، ولا يتحلّون بالمربّى أو الدبس قبل الأربعين، يقول الناموس). هكذا بدأ صيامنا، قبل أهل القرية، بأسبوع، وسيفوتنا الاحتفال السعيد باليوم الأخير، أحد ايام «المرفع». حتّى الجيران سيخفون، قدر المستطاع، احتفالاتهم، حتى لا يأسروننا، وأبعد اللّه الشماتة!

مرّت أوّل أيام أسبوع «المرفع» قاسية في النهارات، محتملة في الليالي. عند حضور المؤاسين لا ينبث أهل البيت بكلمة، حتى إنهم يجيبون سائليهم باختصار: نعم، لا؛ أو بهزّة من الرأس سلباً أم إيجاباً. الابتسام ممنوع. الضحك؟ لا سمح اللّه. حتّى الأطفال يحظّر عليهم الضحك، فسرعان ما كان ينتهرنا الوالد: «تأدّب يا ولد!» ... لكنّ تلك القساوة تستلين عندما يخلو البيت من الضيوف، وتختلي العائلة بنفسها، آخر السهرة، فتتراخى أمراس الناموس وتنطلق النفوس على سجيّتها، ولو بحذر، إذ تبقى العيون تترصّد الباب المغلق.

وأشرق صباح «خميس السكارى»، «فاستحقّها» أبي!... دبّت الحركة في أزقّة القرية. الناس يروحون ويجيئون. الذبائح السّمان معلّقة في شناكل الحوانيت. جرار «الشنكليش» الناضج فُضّت أختامها. تحركت «مراطبين» المكبوس من «الخرستانات»*. «ألفيّات» العرق سُحبت من المخابئ، نُفض عنها الغبار، وأجلست في الشبابيك متشوّقة إلى لُقيا الأقداح.

الأجران بدأت تتجاوب صادحة، فرحة بملقى النعنع والبصل مع البرغل واللحم... إلا في بيتنا، نحن «المعتّرين»، فكلّ شيء صامت، ساكن، لا يقطعه بين حين وآخر، إلا تنهيدة عميقة وزفرة من فم والدي الذي تعوّد، على قدر ما يعشق كأس العرق، أن تكون كلّ ليلة من لياليه «خُميِّس» سكارى! فكيف بهذا الخميس الذي ينتظره الناس، هنا، مرّة في السنة؟ وهو، من بين الجميع، منتحٍ عن حلقات الدبكة، وردّات العتابا، وكرع العرق؟! كان من السهل عليّ، ساعتئذ، أن أقرأ في ذهن أبي: أنّه عاتب أشدّ العتب على جدّتي، لأنها لم تؤجّل الرحيل، أقلّه أسبوعاً واحداً! ما ضرّها لو ذهبت اثنين «الرماد»؟ لقد كان نهار خميس السكارى آلم على والدي من نهار الدفن، لكنّه ألم صامت، امتنع فيه عن الأكل ظهراً ومساءً. كذلك نهار الأحد، يوم وداع «المرفع»: عند الظهر وضعت والدتي صحون «المجدّرة» على صينيّة القش، تجرّأت، - كأنّها تجرّأت - فكسرت فحلاً من البصل «السلموني». دعته: تفضّل... لكنّه، كيوم الخميس، لم يتفضّل! بقي صامتاً، جالساً في مكانه على الحصير، ممدّداً رجليه، عاقداً كفيّه خلف رأسه، حارناً في الخواء، كلّما كرّرت الوالدة دعوته إلى الغداء، ينظر إلى صحون «المجدّرة» التي تتصاعد منها «الهبلة»، ويشيح بوجهه عنها، وهو على غيظ كظيم. لم نجرؤ على التقدّم من «المجدّرة» الساخنة، من دونه، فأمر: «كلوا يا ولاد»! فأقدمنا...

لم تكد ترفع والدتي «الصينيّة» عن الأرض، عليها صحن الوالد الذي لم يُخمش، حتّى وقفت متعجّبة، وحدّقت بالباب! هذا زريف (ظريف) كلبنا يدخل بارق العينين، يبصبص بذنبه، وبين فكّيه صرّة سوداء. انصبّت عليه الأعين!... «زريف، إيش معك؟» تعال!... تقدّم ظريف ووضع هديّته بين يدي الوالد، ووقف ينظر وينتظر... «فلش» والدي الصرّة... تمتم: أربعة أقراص من «الكبّة» المشويّة، تلتمع بالزبدة، بين رغيفين من خبز «التنّور»، وبيضات مسلوقات، ورقعة صغيرة ملفوفة على قبضة زيتون، وقطعة كبيرة من التين اليابس المدقوق مع الجوز والسكّر!...

- «شو يا ظريف، زوّادة؟ سرقتها أم لقيتها؟»

(يعلم اللّه)

وافق ظريف على الكلام بهزّة من وسطه «وحنجلة» بمؤخّرته، ثمّ مطّ رقبته ومدّ يديه أمامه على الأرض، وربّت بهما مناوباً بنقرة ونقرتين، كمن يفتتح رقصة الدبكة... قرّب والدي أقراص «الكبّه» من منخريه وشمّها: دافئة، طريّة... رمى بقرص إلى الكلب! لعلّها مسمومة؟ ليذهب ظريف فداءً... وأشار إلى والدتي أن: أنزلي الصينيّة، وضعي هذه - الزوّادة - في «النمليّة». ثم استدار إلى صحن البرغل وأكله برضى كمن اطمأنّ إلى مستقبله، مرتاحاً من قلقٍ كان يأخذ به!...

نزل ظلام ليلة الأحد، ليلة قطع الزفر، بطيئاً... أشعلنا القنديل وسهرنا بعضاً من سهرة. علّق والدي قائلاً كمن يقطع الانتظار: «ما جاءنا أحد الليلة! الناس مشغولة. ساعة خير!» والتفت إليّ آمراً:

- «إغلق الباب ودربزه». ضع القنديل على «الكفتورة» ونوّصه».

وإلى والدتي:

- «جيبي السْكَمْلة».

فهمنا: «السكملة» للاحتفال الذي لا يكون إلا بكأس العرق، فهي طاولة خشبية صغيرة، يجلس عليها الكأس مرتاحاً.

لمّا تردّدت والدتي، وهي تنظر إليه كمن يأتي منكراً، هو بنظرها يكسر الناموس! واجه نظراتها بتصميم وتحدٍّ، وأكّد:

- «إي، إي». ضعي عليها صحن برغل (للتمويه).

جاءته بما طلب، ووقفت تنتظر التعليمات الجديدة، لأنّها عرفت، من السياق العام، أن للأمر صلة... وأشار إلى النمليّة بنظرة، وإلى «الخرستانة» بأخرى؛ ففهمت المعنى، لكنها عادت تستنكر بتقطيب وعبوس، وتقلّب كفّيها، وتنقل نظرها بينه وبين الباب المغلق! فأصرّ:

- «خلّصينا...»

ورفع يده اليمنى، وقد أفرد منها السبّابة، وحيّز على وسطها بإبهامه، بما يعني أنّه يريد نصف كأس من العرق، وقال بصوت يخنقه الدمع:

«بدنا نحرحِر تمّنا»!.

وجاءته بـ «الكبّه» المشويّة والزيتون والبيض و«الشنكليش»، و«بمدقّة» العرق، وبالكأس... وضع الكبّة والعرق تحت «الاسكملة»، والباقي عليها، حول الصحن الشرعي، صحن البرغل. وراح «يمزمز» كأساً وثانية وثالثة و و و...»

تلك الليلة شعرت أنّ لوحة الناموس يمكن أن تنشعر، ولو شعراً مخفيّاً، ويتّسع على الأيام،

وها قد انشعرت!...

ولم أكن مستاءً!