الرجل رأس المرأة 

 

«إبن الستّين للسكّين! إبن الستّين للسكّين!»

كنت أسمع، في طفولتي، امرأة عمّي «غالية» تردّد هذه اللازمة مراراً، بمناسبة وبدون مناسبة. هي تعني عمّي يوسف بقولها «إبن الستّين»، وتخصّه «بالسكّين» لأنّه شاخ ولم يعد به نفع، قياساً على فدّان تقاعد فأقيل من الفلاحة، أو دجاجة لم تعد تبيض... وجلّ قصدها التعريض به، وإعلان الشكوى، بل اليأس.

لهذا السبب كنت أكرهها، في سرّي، وسجّلت اسمها مع أعدائي الكثر الذين كنت أقيّدهم على اللائحة السوداء لأهون سبب؛ وكانت كلّ أسبابي هيّنة، أبنيها على ما ظهر من الأمور. أفما كنت طفلاً؟

صحيح، كانت امرأة عمّي تحبّني، وكنت أشعر بصدق حبّها لي دون أدنى ريب؛ لكن تجرّؤها على عمّي، كنت أعتبره وقاحة وتجنّياً. عمّي يوسف كبير أعمامي، ومحطّ احترام العائلة بأجمعها. الكلّ يسمع كلامه، يستشيره، ويقف على خاطره في كلّ أمرٍ غير اعتيادي؛ لا سيما أبي، صغيرُ إخوته، الذي كان يجلّه كثيراً، ويفرض علينا أن نحترمه، وأن نقبّل يده في الأعياد والمناسبات.

ولم أكن أرى عمّي سيّئاً، بل ودوداً، عطوفاً، نصوحاً، يحمينا، في ذلاّتنا، من غضب أبي؛ وكنت الأكثر حظوة بحمايته لأنّي كنت نزقاً، والأكثر مشاغبة بين أطفال العائلة. وكذلك كان عمّي من وجهاء الضيعة الأوائل، يستشار في كلّ كبيرة وصغيرة: يدعى إلى الإجتماعات، ويستقبل المؤتمرين من أهل الضيعة، في بيته، ويزوره كبار الضيوف والغرباء.

إذاً، لماذا السكّين، يا امرأة عمّي «الغالية»؟...

كان بيتانا، بل كوخانا، متجاورين، نعيش فيهما كعائلة واحدة، تختلط نهاراً، وتفترق ليلاً، ليأوي كلّ إلى كوخه.

وككلّ بيوت القرية، في ذلك الزمان، تألّف البيت من غرفة واحدة، كبيرة، مبنيّة بالحجر الغشيم، لها باب واحد للبشر والدوابّ والطيور. سقفها من أخشاب، وسطحها من تراب، عليه «مِحْدَلة» ترصّ ترابه في مواسم المطر، فلا يَدْلِف. يتشارك السكنى فيها الإنسان والحيوان، فإن أيسر الأوّل، وكثرت دوابّه، فصل بينه وبينها بقاطع من قضبان الدفلى المطيّنة بالوحل والقشّ، وفي أحسن حال بحجر صغير مطيّن، فسمّيت هذه الزريبة بـِ «الخمّون»...

أبي كان إسكافيّاً، فاقتصر اقتناؤنا الحيوان على أتان لجلب الحطب، وعلى بقرةٍ حلوب، فاعتبرت أنّنا الأفقر حالاً، أما الأغنى فبيت عمّي، لهذا كنت أكثر احتفاءً بهم، وأكثر تردّداً إلى بيتهم.

أما عمّي فكان مُكاريّاً، يتجر بالأخشاب والقطران، ينقلهما من غابات جبالنا الكثيفة إلى بادية الشام، على بغلٍ أحمرَ، صغير الجثّة، نشيط. ومن تلك السوق المترامية الأطراف، التي لا ترتوي جلود إبلها الجرباء من القّطران، ولا تكتفي خيمها وسطوحها من الأخشاب، كان يعود بالحكايات... ويا لها حكايات! تحكي عن المسافات بعد المسافات، وعن الغبار تثيره الريح. عن الجفاف والعطش، وعن الظلام وعواء الذئب. عن الجوع وكرم الضيافة، وعن قطّاع الطرق تطاردهم الحكومة. عن الخيام والمضافات، وعن القطعان تتلوها قطعان. عن شيوخ البدو وخيولهم، وعن حنين الربابة الكئيب. عن العيون السوداء الواسعة، وعن قصص العشق الملوّنة بالدمّ...

هكذا عزّ البغل الأحمر، فأوى مع العائلة، وأوَت البقرات والعجول والدجاج إلى «الخَمّون»، بجانب البيت. والحكايات المدهشة عزّزت عمّي في نفوسنا، نحن الأطفال، لا سيّما في قلبي، فكنت لا أميّز بينه وبين أبطالها، في أكثر الأحيان... لكن، رغم تحيّزي الفاضح إلى عمّي، وإعجابي به، ورغم رفضي لمقولة امرأته: «إبن الستّين للسكّين»، كنت أشعر أنّ في شكواها وتذمّرها بعض الحقّ، فهو، وعلى حدّ قولها، لم يكن «نَتّيجاً». والخلايا الطينيّة، القّمعية الشكل، في الزاوية، لم تكن تمتلئ بالقمح والذرة إلا مرّتين في العام، بين بداية الصيف ونهايته، لا سيّما في السنين الأخيرة. وما كان فرح الحكايا الجميلة يدوم إلا] لليلة، فما أن يطلع الصباح حتّى تدهم الحاجات الملحّة، والتي لا نهاية لها... العائلة كبيرة ببناتها وصبيانها: خمس بنات زائد ثلاثة صبيان، زائد أب وأم يساوي عشرة أفواه. زائد كسوة وحدوة وصابون وأدوات... يكون الحاصل، لولا الإيمان الراسخ بالعناية الإلهيّة، يأساً.

وإذا لم يجن ربّ البيت، فمن يجني؟ المرأة؟ نعم. ذلك كان واقع الأمر في بيت عمّي! وإن كان المثل المأثور: «الرجل جنّا والمرأة بنّا» دائم الاحترام، في بلادنا، يردّده الناس، كلّ الناس، بلا كلال سواء انطبق على الواقع أو لم ينطبق. هكذا تعوّد الناس، بمرور الزمن، على أن يقولوا وعلى أن يتصرّفوا. فكم تستطيع الوقائع الراهنة أن تغيّر ما تعوّد عليه الناس، زمناً طويلاً؟

كانت امرأة عمّي «غالية» متوسّطة القامة، بيضاء اللون، عسليّة العينين، صغيرتهما، معقوفة الأنف، محنيّة الكتفين، قليلاً، وكأنّ الطبيعة قد أعدّتهما لحمل مسؤوليّات ثقيلة؛ كما كانت عالية الهمّة، رشيقة الحركة إلى حدّ النزق، حرّة الطبع لا تنام على ضيم...

مع ملامح الفجر الأولى كانت تستيقظ امرأة عمّي، تشعل الموقد، وتضع عليه إبريق الزُوفى، يغلي ريثما يستيقظ عمّي يوسف. وتخرج إلى «الخمّون»، تضع التبن في معالف البقر، وتحلب البقرات، تجمع حليب الصباح إلى ما كانت حلبته مساءً، وتحمله إلى صاحبة الدور من الشريكات، تكيله لها، وتعود سريعاً لتحرّر البقرات، فتسلمها إلى الراعي الذي يسوقها، مع أبقار الضيعة، إلى المراعي؛ حتّى إذا ما خلا «الخمّون» من سكّانه، عمدت إلى كنسه، ونقل القمامة إلى المزبلة خلف البيت. ثم تلتفت إلى معجنها، تحضّر العجين، فإلى التنّور أو الصاج، فتخبز حاجتها. وإذا أعوزها الحطب لتحميّة التنّور، تصعّد في الجبل المقابل، مع زميلات لها، يجمعن «السيكون»، يشقعنه حملات، حملات، «يُدَرْكِبْنَهُ» على السفح الأحلط، فتتدحرج إلى الوادي، فيحملنها إلى البيوت بانتظار ما يحتاجه التنّور عند كلّ خبزة. أما إذا كانت الحاجة إلى السيكون غير ماسّة، فالحاجة إلى الحشيش دائماً ماسّة، لأنّه طعام البقر يأكله طريّاً ويأكله جافّاً، وكلّما كثر جفيفه، كلّما ساعد المتبن في الصمود حتى آخر الشتاء. لذلك تحمل امرأة عمّي أعدالها إلى الحقول البعيدة، تجمع أكداس الحشيش، تكدّسه في الأعدال، تاركة منه حملاً لكتفيها، تعود به، بينما تنتظر الأعدال، في الحقل، عمّي، ريثما يوافي في موعد محدّد، ينقل الأعدال على بغله.

في الربيع تتضاعف الأشغال التي كانت تنهض بها امرأة عمّي، لا سيما في شهري نيسان وأيّار، في موسم تربية دود الحرير. فمن إعداد أطباق الزبل المخلوط بالقشّ، وتجفيفها، إلى تفقيس البذور، ونقل اليرقات إلى الأطباق لإطعامها بهشيم أوراق التوت الطريّة، ثمّ ملاحقتها بالطعام، صبحاً ومساءً، حتّى تبلغ مرحلة صيامها، فانتشارها على الشيح، وحياكة الشرانق، فقطافها ونقلها إلى المخانق...

وللصيف، أيضاً، أشغاله الكثيرة، وهي مخصوصة بالنساء فلا تليق بالرجال الذين هم، حقاً، رجال، وإلا أشارت إليهم الأصابع، لأن جلّ هذه الأشغال تتعلّق بإعداد مؤونة الشتاء: قطاف التين، «وسطحه» ليجفّف، ثمّ طبخه وحفظه. غربلة القمح وسلقه وتنقِيَته وجرشه ليصير «برغلاً». فرك الكشك وتشميسه. مخض اللبن، وفصل الزبدة، واستخلاص القريش، ثمّ «دعكرته» شنكليشاً. إعداد القديد والدبس والمربّى والمكبوسات على أنواعها... وغير ذلك كثير مما تقوم به النساء. أما إذا كانت إحداهنّ قويّة، طيّبة الارادة، ذات عزم، كامرأة عمّي «غالية»؛ وإذا كان رجلها خاملاً، ابن ستّين، كعمّي يوسف، فإن أشغالاً رجّالية كثيرة تضاف إلى تبعات النساء: كجمع الزيتون ونقله إلى المعاصر، وكقطف الدخان، وشكّه في الخيوط، واصطفاء أجوده «وكتّه» مؤونة لربّ البيت. وكنقل الزبل إلى البستان القريب لتخصيبه، وكجلب الماء من الساقية لشرب العائلة وحيوانها، وكنقل القمح إلى الطاحون، على النهر، ثم ردّه طحيناً زكي الرائحة...

كان عمّي يوسف يستيقظ عندما يبدأ إبريق الزوفى بنشر شذاه المنعش في أنحاء المنزل. ينفض عنه اللحاف، يزحل على قاعدته متحرّكاً قليلاً ذات اليمين، وذات اليسار، صوب الموقد، يمدّ قدميه إلى النار فارشاً يديه فوق ركبتيه، آخذاً «دَفْوَةً» منشّطة. ثم يمدّ يداً إلى الإبريق، يسكب من الزوفى كؤوساً مترعات، مشبعات بالسكر، يكرعها متلذّذاً بطعمها، حتى إذا ما ارتوى ونشط، يقف متثائباً، ويطلّ من الباب، فإذا السماء صحو، عمد إلى البغل، يشدّ عليه ويمضي إلى الغابة، تاركاً وراءه كلّ شيء على ما كان، إذ ليس الترتيب من شيم الرجال، ليعود، عند الظهيرة، غانماً، بحملٍ من الحطب، وكأنه قد وفى قسطه للعلى. ويرتاح قليلاً، قبل أن يتناول غداءه، صحناً مما طبخت ربّة البيت، يقوم بعده ليلبس ثياب الخروج، ويمضي، يقصد مريضاً، يزور نسيباً، يلتقي صديقاً أو يجتمع بأصحاب، يتبادل معهم الأحاديث التي لا تتعدّى حدود المشاع والبيادر والساقية، ثم يرجع إلى البيت وقد هبط الظلام.

ولا يقتصر دأب عمّي على هذا النشاط وحسب، بل هو يساعد امرأة عمّي في كثير من الأعمال: يأتي بالتبن من على البيدر، بعد موسم الحصاد، يحصره في المتبن ويرصّه. يجلب الماء بالسريجة على ظهر البغل في موسم سلق البرغل، ويقوم على إيقاد النار، ويعطي التعليمات الصائبة في تدبير السليق. يفرش السماد في كرم الزيتون، ويفلح أرضه على البغل إن لم يتبرّع له جار فلاح بيوم فلاحة، كما ينقّي شجرات الزيتون ويقشّر الحفافي. «يحدل» السطح في أحايين كثيرة. يحمل الأحذية إلى الإسكافيّ لإصلاحها، ويأتي بالأغراض من السوق. ينجّر عصاً للمعول، ويسنّ الفأس والمنجل، يصلح بردعة البغل، ويدقّ مسامير في باب أو شبّاك.

ولم يكن عمّي، في مهنته الأصليّة، أي الاتّجار بالأخشاب والقطران، تاجراً لامعاً، لاسيّما في آخر أيام هذه التجارة التي كان لها شأنها عندما كان في عزّ شبابه، وضعفت بضعف ازدهار القطعان في البادية. أمّا سبب خمول عمّي المهني فضعف الهمّة في نفسه وجسده، فهو كان ضئيل القامة، بطيء الحركة، هادئ الطبع، خامد الحماسة، ميّالاً إلى التعاطي الاجتماعيّ وإلى التمتّع بالجلسات الممتدّة حول الموقد أو في الظلال، مع الأصحاب والأنسباء، يتسامرون ويدخّنون التبغ البلدي، أو يتندّرون ضاحكين، أو يتبادلون التشكّي من ظلم الزمان...

وهو لو اجتهد في مهنته لأيسر كما زملائه. كان إذا تواعد معهم على سفرة صوب البادية، يمرّون به فجراً، فيلفونه نائماً! يوقظونه، فيفتح الباب، ويقرّب سراجاً ضعيفاً خارجه، فإذا انطفأ، يعلن أنّ اليوم عاصف، وأنّ مزاجه لا يحتمل سفرة مهولة. وقد يتعلّل أيام الصحو بانشغالٍ مفاجئ، قائلاً: اسمحوا لي، «ماني رايح اليوم...»

هكذا ثقلت التبعات على كتفيّ امرأة عمّي، واشتدّت النأمة في فمها، وكثر التذمّر على لسانها، لكن من غير أن تقلّل من احترام زوجها، مباشرة، وبقيت، دائماً، تطمع في كسب رضاه...

وذات آذار، أسبوع منه لا ينسى!...

في بعض السنين يأتي ذلك الآذار أشدَّ كفراً ولؤماً، يصبّ أذاه على ساكني الجبال صبّاً، وتسحق أذيّته، تكاد، أهل الطروش منهم، لاسيّما في «المستقرضات».

في أواخر شباط، عادةً، تشحّ المؤونة، ويشرف خزين الطروش على النفاذ، لاسيّما إذا اهتاج الكانونان و«لبط» شباط، إذ تنحبس الماشية، فيقلّ خروجها إلى المراعي، فيهلك الخزين مهما اكتنز!...

آذارنا ذلك واحد منها! أسبوعه الأخير استمرّ مدلهمّا، عاصفاً، مثلجاً، ممطراً، تتحدّر سيوله هادرةً، وتغمر ثلوجه السفوح ساطعة، وتقصف رعوده مهدّدة، وتصفر رياحه منذرة... إِنحبست الأبقار والأطيار والناس، ونفد التبن، بصورة خاصّة، وقلّت حيلة الإنسان... إلى أن حلّ اليوم الأخير من الأسبوع، فحصل بعض انفراج، لعلّه خادع، ولعلّه استراحة المحارب ريثما يدخل نيسان بربيع سخيّ. فاستبشرت الجارات، المنكوبات بنفاد الخزين، خيراً، وتنادين ليخرجن إلى الغابة لجلب «القصيلة»، تعويضاً عن التبن.

بعضهنّ استنفرن أزواجاً ذوي همّة، وبعضٌ استنهضن أصهاراً شبّاناً ليرافقوهنّ، فالغابات غادرات، لا يؤمن جانبهنّ!... إمرأة عمّي خرجت معهم مصحوبة بحبلها وهمّتها الجبّارة، وأوصت، قبل أن تخرج، بلهجة حازمة: «لا تنسوا حدالة السطح»؛ من غير أن توجّه أمراً إلى شخص معيّن؛ لكن من له أذنان سامعتان فليسمع... سمع الكلام عمّي الجالس، كعادته، فارشاً يديه فوق ركبتيه، أمام لهب الموقد، إذ كانت له، هذه الأيام، أذنان تصغيان، وجبين متّضع، ووجنتان تخجلان، وفم مطبق!... لكنّه بقي كأنّه يكابر، بعض مكابرة، وليس لأكثر من مقدار مسيرة ميلين، ريثما ابتعدت زوجته، بحيث لا تعود تسمع صرير القوس في ثقبي «المِحْدلة»، ولئلا يبدو وكأنه صدع للأمر...

وابتعد موكب المجاهدين، فقام عمّي، «تجزّم»، وحمل القوس، وصعد إلى السطح؛ يروح ويجيء بالمِحدلة، بعزم الشباب، يرصّ التراب، يدلّكه بقوّة، فيرتجّ السطح تحته، غير عابئ بما يتساقط من تراب السقف على رؤوس الجالسين؛ ثم نزل إلى قواعده، قرب الموقد، يترقب، قلقاً، عودة الزوجة المناضلة في وجه أزمة حملتها عاصفة لا ترحم.

وعصفت الريح، وثقلت السماء بغيومها السوداء، وأبرقت وأرعدت، وانهمر المطر سيلاً لا ينقطع. وعلا الوجوم وجوه العائلة المتحلّقة حول الموقد، لا سيّما عمّي، فما كان يُسمع إلا همهمة اللهب وتنهّدات الصدور المثقلة بالتوجّس، وتمتمات الشفاه بكلمة واحدة تتردّد ساخنة: يا ربّ!...

ومرّت الظهر، وساعة أخرى بعدها، والعاصفة لا تزال على أشدّها، فصار عمّي يزيح بجسمه ذات اليمين وذات اليسار، مراوحاً مكانه كأسير مقيّد بأصفاده، يتشدّق مرطّباً فمه الذي تحرقه جمرة الترقّب.

وسمع حسّ حركة في الخارج، وصوت سقطة حمل من الغصون على حائط البستان، فهبّت العائلة إلى الباب، ما عدا عمّي الذي نزلت عليه الطمأنينة المرتقبة، فتنهّد عميقاً، مرتاحاً؛ تراجع قليلاً عن النار بعد أن عزّزها بحطبات يابسات، هيأهنّ خصّيصاً، ثم تنحّى موسّعاً...

وصرخ من في الباب: رجعوا، رجعوا...

تراكضت البنات ينبشنَ قفّة الثياب والصرر، يأخذنّ منها السميك النظيف، والمناشف، بينما حملت اثنتان منهنّ حرام الصوف، كلّ واحدةٍ بطرف، جاعلتين منه حجاباً يدرأ الأعين.

ورأيت امرأة عمّي «غالية»، بهيئة بطل عائد من المعركة مثخناً بالجراح، لكن منتصراً، تدخل حافية، وقد خلعت نعليها الموحلين في الباب، رافعة ذراعيها قليلاً أمامها، حانية كفّيها بأصابع كمّشها نقيع المطر المتقطّر. ثيابها «ميّة عين»، يتحلّب على قدميها، من ذيل فستانها «داير مندار»، خيوط الماء، ومن شعرها المبلول خيوط أخرى تسيل على كتفين مُقطِّبَيْن، وعلى صدر مقوّس.

تقدّمت خطوة، خطوة، إلى ما وراء الحجاب المنصوب، مستسلمة بين أيدي البنات اللواتي رُحنَ ينزعْنَ الثياب المنقوعة، يفركنَ، يدلّكنَ، يجفّفنَ ويبعثنَ الدم في الجسد المنهك ويكسينه ناشف الثياب.

وعمّي، دائماً على صمته المطمئنّ، ينظر ساهماً إلى النار المزغردة، حتى إذا ما تجهّزت امرأة عمّي على أحسن ما يمكن، واتّجهت إلى مكانها، أمام النار، تحرّك بإيماءة من يدعو صديقاً ليجلس قربه، فجلست محتبية، فارشة يديها أمام اللهب، ومن منخاريها تتحدّر قطرات صافيات، حول فمها، تمسحها بكفّيها.

مرّت دقائق، حسبتها طويلة، قبل أن ينظر عمّي إلى زوجته بعينين رطّبهما عرفان الجميل، وقال بصوت مخنوق: «اللّه يعطيك العافية»... أمام دهشتي، رفعت امرأة عمّي يدها مفتوحة، ضمّتها إلى صدرها، أحنت رأسها قليلاً، وأجابت بصوت وديع: «اللّه يعافيك!...»

ساعتئذٍ أدركت موقناً، أنا الطفل، أنّه إذا كان الرجل رأس المرأة، حقّاً، وكما يقول الكلام المأثور، وباعتراف امرأة عمّي الضمني، كما شاهدت، فإن المرأة هي باقي الكيان الإنسانيّ، وفيه القلب، فيبقى الرجل من دونها رأساً مقطوعاً.