بطّيخة آدم

 

في ذلك الزمان!... لم نكن لنذوقَ البطّيخ إلا مرّة واحدة في العام، وفي أواسط آب، تماماً...

في الخامس عشر من هذا الشهر، عيد انتقال السيّدة العذراء، والذي كان عيداً عامّاً في منطقتنا، يحتفل به الناس من كلّ الطوائف، كانت أكوام البطّيخ تعرض في باحات الكنيسة الواسعة. وكان المؤمنون يتوافدون من جميع أنحاء المنطقة؛ بعضهم يسمعون القداديس، وبعضهم يتماسكون في حلقات الدبكة، وبعض يتبضّعون... بينما، الاطفال المزدهون بثيابهم الجديدة، الملوّنه؛ كانوا يركبون المرجوحة، ويأكلون «القرمشلية» و«النمّوره»، ويزمّرون بزماميرهم البرّاقة...

وينتهي المهرجان، فيعود المحتفلون وهم يحملون، غانمين، كلّ منهم، بين يديه، بطّيخة هي عنوان العيد وعلامته. ومن لم يعد ببطيخة، فإنْ صلّى ورقص وتفرّج، فلا يعتبر أن قد عيّد!

رؤوس كبيرة وأخرى صغيرة. بطّيخ أحمر وبطّيخ أصفر. بطّيخ أملس، أزرق القشر، أحمر القلب. وبطّيخ خشن الملمس، أصفر كالعنبر، ولا يشبه بطّيخ هذه الايام: إنه مضلّع، مخدّد، كبير مستدير، تعلن رائحته الزكيّة حضوره عن بعد، لكنّه، اليوم، اختفى من الأسواق، وحلّ مكانه كلّ هجين جديد، لا أصل له ولا فصل.

والبطّيخ، على أنواعه، طيّب، مشتهى. كان يأتينا من نواحي الشام: من حمص وحماه وسراقب... وأشهره بطّيخ الرَسْتن. كانت تنقله قوافل الجمال وعربات الخيل قبل أن نقلته صناديق السيّارات. وعلى رنين جلاجل الجمال الحزين، كان يتوافد الأولاد إلى ساحة البلدة، حيث تنوخ القوافل، وتنزل «الأخياش»، ويكوّم البطّيخ. أما رنين الجلاجل، فلا أزال، إلى اليوم، أسمع صداه في موّالٍ يتردّد في أعماق ذاكرتي، ولطالما فاجأت جدّتي تغنّيه بصوتها المخنوق، مرسلة دمعها تحناناً إلى أبنائها الغائبين في المهاجر البعيدة:

إجمالْ مْحمَّلي وجراسْهَا بِتعْنّ

أيامْ الماضي عَ البال بِتعنّ

لَ هْشلْ عَ بلادِهُنْ ادّرَوَشْ وْبْعِنّ

وَسأل عَ مْطارح ألأحبابْ

وفي الساحة، حول المبرك، يتفرّق الاطفال زمراً:

الصغار، برهبة وإعجاب، يتأمّلون الحيوانات الضخمة التي تشمخ برؤوسها، وهي راكعة، تحرّكها بأبّهة، تعلك بأفكاكها، وتنظر بعيونها الشفّافة بالغباء. والصبيان يجوسون حول أكوام البطّيخ، ينتظرون غفلة من بائع، علّ أجسرهم يهرب ببطّيخة! أمّا الغُلْمان فيحتكّون بالباعة، يساومونهم، ثم ينتشرون في أنحاء البلدة، في المقاصل وخلف البيوت، ثم يعودون حاملين الصفّ يسرقونه، أينما طالته أيديهم، حتى من بيوتهم، ويقايضونه بالبطّيخ، مع هؤلاء الجمّالة، من أهل البادية، حيث تحتاجه الخيم بكثرة.

والبطّيخ مشتهى لأنه لم يكن يزرع عندنا. وإذا زرع فقلّما يجود. وحتى لو جاد يتأخّر نضجه حتّى التشارين، فيتشقّق قشره ويفلع. وعلى كلّ حال، البطّيخ رفاهية وليس حاجة، فلا يخزّن ليغني عن مؤونه، ولا يصلح طعاماً لدابّة، فعلام يهتمّون لزراعته؟... وشدّ ما كان يشتهيه الرعاة وفلاحو الجُرد: أولئك إذا احرورى الصيف، يرودون بقطعانهم الهضاب والجبال وأطراف الغابات، وقلّما يؤمّون العيد. والفلاحون في حقولهم البعيدة، أشغالهم لا تسمح لهم باستقبال أعياد الصيف، والاحتفال بها. وكلاهما إذا أكل البطّيخ، في بعض السنين، فيذوقه ولا يرتوي.

من المعّازين المشهورين، في بلادنا، حتّي الزيتون. رجل مَهيب، في منتصف العمر. ربعة، تتشبّث قامته بالأرض. مجدول العضل، موفور الصحة، إذا نقرت وجنته الورديّة نفر منها الدمّ. ذو عزم وجسارة، يُحكى عن «زلاقته» وجرأته حكايات كالأساطير. إذا نزل في مرعى تفاداه الرعيان، فلا ينافسونه. إذا ضاعت له عنزة تعاد. يَسرق ولا يُسرق. في الليالي المقمرة أو السوداء، لا فرق عنده، يغزو زرائب «الدشمان»، ويسحب أفضل التيوس في القطيع، متجاوزاً الرجال والكلاب ببراعة غريبة. حتّى العشائر، في أعالي الجبال، تخشاه كجنّيّ وتستعيذُ باللّه منه. جميع الناس، هنا، يعرفون ما فعل ذات ليلة: كان كامنا يراقب ويسمع ما يدور في حظيرة إحدى العشائر. عاندت عنزة صاحبتها عند الحلب، فدعت عليها قائلة: «يبعتلك حتّي!...» فصمّم حتّي ألا يسرق إلا العنيدة تلك!... وكان أن وجدت الراعية، صباح اليوم التالي، أنّ دعوتها قد استجيبت!.

وحتّي لا يمشي إلا مسلّحاً بغدّارة، يخفيها تحت مدْرعة، يرتديها صيفاً شتاء، متحسّباً غدر «الجندرمة» واللصوص والذئاب، وما قد تخبّئ الغابات من مفاجآت!.

هذا العام، نصب حتّي بلاسه في «جورة الخيمة»، متوسّطاً بين أطراف الحقول المزروعة والغابة؛ يطرق قطيعه هذه وتلك، حسب الرغبة. يشاركه السُكْنَى، في مصيفه، زوجه، ملوك، وولداه اليافعان. أمّا الصغار، فعند جدّتهم، في الضيعة.

ملوك، زوج حتّي، من أهل اللّه، كما يقولون، أي ساذجة، وعلى الفطرة. إنّها نقيّة، تربّت في بيت أهلها على مخافة اللّه وحفظ الوصايا، فنشأت مستقيمة، وعلى خلق متين. تختلف عن حتّي، في الأخلاق والطباع، كلّ الاختلاف؛ ولا تقربه إلا في صلابة البدن، واحتمال المشقّة والخشونة. انهما، في هذا، من معدن واحد، بل، ربّما بزّهته في قوّة الاحتمال. ولم تكن ملوك لترضى عن سيرورة زوجها، وعن زوغانه عن طريق الحقّ! وأكثر ما كانت تكره فيه استهتاره بأرزاق الناس. لكنها زوج خضوع، حفظت ما قرأ الكاهن في الكتاب، عندما كلّلها:

«أيّتها النساء اخضعن لأزواجكنّ... وكما تخضع الكنيسة للمسيح، فلتخضع النساء لأزواجهنّ في كلّ شيء». لكن ملوك، عارفة حدود واجبها، لم تكن تخضع لحتّي إلاّ في ما يرضي الربّ... فوق ذلك، كانت تعترض بقوّة على أفعاله الشنيعة، تحاول ثنيه عن غِيِّه، فإذا لم تفلح ، سكتت على مضض. تكتم همّها، فما باليد حيلة! حتّي متهوّر عنيد، إذا همّ فعل، وغالباً ما ينوي ويفعل من غير أن يفصح... إذا عيّروها به، وغالباً ما يعيّرونها، تجيب بالأمثال: لا تدينوا لئلا تدانوا... هكذا تنفي عن نفسها المسؤوليّة.

وتمضي الحياة... وتمضي ملوك تعمل واجباتها اليوميّة بهمّة ونشاط: تحلب العنزات، وتمشي مسافة ساعة وأكثر، حاملة على رأسها طنجرة الحليب الكبيرة، وباليد سطل، لتكيل مع زميلاتها في الجوار... ثمّ، إذ تعود، تكنس البعر وتجمعه في زاوية الصيرة. ثمّ، إلى الغابة، تجمع أغصاناً طريئة من السنديان طعاماً للجداء والمقصّر من المعزى. ثمّ إلى الكوخ لإعداد طعام العائلة وزوّادة حتّي، ثم صنع الجبن والسمن... وفوق كلّ هذا، من مسؤوليّتها أن تنزل إلى البلدة، مرّة في الأسبوع، لتحضّر ما نقص من حاجيات العيش في المصيف...، هكذا تمضي الحياة، في الجرد، هانئة سعيدة، رغم شظف العيش وقساوة العمل، لا يعكّر صفاءها إلا تمرّد حتّي، بين الحين والحين، على مبادئ الشرف والأخلاق...

آخر مرّة نزلت ملوك إلى البلدة، كان قبل عيد السيّدة بيوم واحد. القادمون للاحتفال كثيرون كثيرون يركبون المطيّ ويرفلون بأحلى الزينة. ومنهم راجلون، زرافات زرافات. وطبل وزمر. وباعة حلويات وألعاب وحاجيّات من كلّ شكل ولون. أطفال ترقص البهجة في عيونهم، وترفّ فوق رؤوسهم «البالونات» الملوّنة... لكنّ ملوك ما على بالها كلّ ذلك. همّها أن تبيع حمل الجبن الذي نزلت به من الجرد، وببعض الثمن تتبضّع حاجاتها: لوح صابون، قرص نيل، بكرة خيطان، قنّينة كاز، رطل ملح، حبل... وأهمّ من كل ذلك علبة «راحة الحلقوم»، أوصاها حتّي ألا تعود بدونها، وللأولاد «نمّورة» وحلوى أخرى.

تبضّعت ملوك كلّ ذلك، وهمّت بالعودة فكانت المصادفة: ماجد طربين شريك جيرانهم على الأرض في جورة الخيمة.

- «اللّه بعتك، يا ملوك. أمانة. خذي معك بطيخة لشريكي أبو خالد. هالخدمة بألف...»

امتثلت ملوك بمحبّة وسرور. وحملت مع البطيخة الكثير من سلامات الشريك الطيّب الآدمي.

وصلت المصيف قبيل الغروب. أنزلت الحمولة، ووضعت البطّيخة خلف البلاس. «صابح القوم ولا تماسيهم، بكره نوصّل الأمانة»، قالت في نفسها، وانصرفت إلى تدبير الأمور، ريثما يعود حتّي بالقطيع. لما وصل أخبرته بكلّ ما حصل معها، ما عدا حكاية البطّيخة، أجّلتها ريثما توصّل الأمانة إلى أصحابها، وذلك لأن حتّي لا يحلّل ولا يحرّم! وفي الفجر، قامت ملوك، حلبت العنزات، وحملت الحليب كالعادة. ولم يلبث حتّي، حتّى خرج، بالقطيع، بعدها، واتّجه به إلى الهضاب... ما صعّد قليلاً في بطن التلّة، حتى حانت منه التفاتة إلى الخلف، إلى الكوخ، فإذا كرة زرقاء، ملساء، كبيرة، متلألئة بندى السحر، تخطف بصره! فرك عينيه، وعاد يحدّق: بطّيخة، بطّيخة!... ترك القطيع، وعاد إلى البطّيخة. حملها بين يديه بشغف واحترام، ومال إلى الصخرة القريبة. جلس، والبطّيخة بين رجليه، يد تثبتها، وأخرى تمتدّ إلى الجيب لتسحب «الطبّاقية» (المطواة)... لكن، ما كاد يسحب، حتى خرق أذنيه صوت من «تم السكّين»: حتّي، أوعا، حتّي، أوعا، أوعا...

تمهّل ونظر! إنها ملوك، في طريق عودتها، واقفة، مذعورة، تنظر ما يهمّ أن يفعل حتّي، وتعود تصرخ به:

- «جوّهت عليك اللّه. يرحم أمّك. يرحم بيّك. لا تكسر البطّيخة. دبحني قبل ما تكسرها!...»

لكن حتّي لا يريد ذبائح بشرية، ولن يرضى، بغير البطّيخة، ذبيحة! أسْرع بسحب الطّبّاقة، أمّ «الستّ طقّات»، فتحها بطقّة واحدة، وخزق البطّيخة.

- «البطيخة أمانة، يا حتّي. باعتها ماجد طربين لشريكو. بحياة السيّدة اللّي عيدها اليوم، لا تجرّصنا. عيب علينا، يا رجّال، نخون الامانة!...»

لكنّ حتّي، - ومرحباً أمانة، ومرحباً ماجد طربين، وسلاماً أيّتها العيوب - مضى يعمل سكّينه في البطّيخة... يقطع، ويمشق فصيل البطيخ بفمه مشقاً، ويرمي بالقشر إلى الوراء، من خلف رأسه، بينما «زوم» البطيخ يسيل على ذقنه وصدره كالدم... ملوك تصرخ وتستحلف، وحتّي لا يعفّ عن المغنم.

يئست ملوك، وسكتت، وحرنت في الأرض، يتأكّلها الغضب. جمعت يديها، الواحدة فوق الأخرى، إلى بطنها، تكظم غيظها وتفكّر: ماذا ستقول؟ بماذا تعتذر عن الخطيئة العظيمة، خطيئة إساءة الأمانة؟!

لكن، ماذا ينفع بعد؟

وقع المحظور! ولن يردّ أسف أو اعتذار بطّيخة تذوب شيئاً فشيئاً في بطن حتّي. هي تتألّم أسفاً، وتحترق غيظاً، وشمس الصباح بدأت تسكب على رأسها ناراً، وحلقها جفّفه المسير الطويل! حتّي غير عابئ إلا لِلحْظته، يتنعّم بطعم البطّيخ وسكّره السائل!

فكّرت، وفكّرت، وفكّرت... ثم، رفعت رأسها وصرخت بصوت عظيم، مجلجل:

- آ آ آ حتّي!

فرفع رأسه قليلاً كمن أمن سوء عاقبة الأمر المفعول! فهو كان قد ذهب بثلاثة أرباع البطّيخة!

فلما آنست منه سمعاً، عادت وصاحت:

- «يرحم أمّك بقبرها! قلبي لهبان! خلّيلي فصل بطّيخ».