عندما تشرب الجداء

 

الصيف، في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، حارّ وجاف؛ وهذا ما جعل السكّان، هنا، ومنذ القديم، يبرعون ببناء الأقنية والقناطر، فيوفّرون لبساتينهم حصصاً من الماء المحيي، يتوزّعونها بالقسطاس.

قريتنا «عين الست»، في شمال لبنان، لم تشذَّ عن هذه القاعدة. فالأهالي جرّوا ماء عينهم التي أعطت القرية اسمها، وبساتينهم رواءها، في قناة ترابيّة طالت وتلّوت وعرّجت وتفرّعت، يختفي ماؤها في مواضع تحت جسور العشب الأخضر، وفي مواضع يعترض «الجرجير» الزاهي الأخضر جريه فيتباطأ، ثمّ تسمعه مسقسقاً تحت الظلال، أو تراه متحدّراً يغنّي بين الصخور في شلاّلات صغيرة، أنيقة مثل ليّات ثوب العروس.

وحديث الزرع والماء، والماشية والعشب، والريح والشجر، والغلال والثمر هو دائماً حديث الليالي، في القرية، وعمل نهاراتها. لكن في أواخر الربيع يسود الحديث في سهرات أهالي العين على الساقية والشاوي (ناظر الماء)، و«المَساكير» والمصاريع، ولا سيما المناقرات التي تكاد تكون يوميّة، أثناء فصل الصيف. فالساقية الترابيّة تُهمَل صيانتها طيلة فصول الخريف والشتاء والربيع، إذ يوجَّه ماء العين، مباشرة، بعد المنبع بأمتار، إلى الوادي، فتنبت الأشواك في أرض المجرى، وتتكاثف الأعشاب وتلتفّ. في أماكن يطمّ التراب والحصى فيه، وفي أخرى، تجرف السيول حفافيه، فيحتاج إلى الاصلاح من جديد، ليعود صالحاً لاستقبال الماء... «والشاوي»، مدير الماء، يقود المجاري، وينظّم الأدوار؛ يفتح لهذا المسكور، ويسكّر لذاك، والكلّ يلحّ ويريد دوره أقرب، وأن يبقى الماء في أرضه أكثر، والشاوي عجلان يريد أن يرضي الجميع، لا سيّما في بعض السنين، إذا كان الخزين ضعيفاً، ومنسوب الماء شحيحاً؛ عندئذ تكثر المناقرات، إذا كانت شخصيّة «الشاوي» ضعيفة.

هذا الصيف الحارّ سبقه شتاء وربيع بخلا بالأمطار والثلوج؛ ومع ذلك استبشر الأهالي خيراً، ففي ظنّهم أنّ المناقرات ستكون نادرة لأنّ ابراهيم الحبيب قرّر أن يكون هو بنفسه، «الشاوي». دار «بالمظبطة» على الملاكين لأخذ التواقيع عليها، بمن فيهم الآغا، كبير الملاكين. وحصل على الإذن الرسميّ بتوقيع رئيس البلديّة، وصارت «المظبطة» الرسميّة في جيبه.

وابراهيم الحبيب، هذا رجل في الستّين. يعمل، منذ شبّ، جزّاراً، يذبح المعزى الجبليّة في دكّانه الملاصق لبيته، أسفل القرية. لم ينجب أولاداً فعاش ميسوراً. هو رجل ربع القامة، مجدول الزند، شعرانيّ. سريع الغضب، إذا استُفِزّ تحدّى، ومضى في تحدّيه حتّى «كسر العضم».

بعد أن حصل ابراهيم الحبيب على وظيفة «الشاوي»، بدأ الأهالي أحاديث سهريّاتهم عن ذكريات الماضي البعيد، يوم ابراهيم في مطلع الشباب، مملؤ بالعنفوان والتيه، كثير النزق! كان إذا تولّى «الشاويّة» يمشّي دور السقاية كالساعة... من بيته الصيفيّ على التلّة المقابلة للقرية، يصرخ:

- «آ ااا... بوعلاء، وَيْن صرت؟»

- «يا لّلللّه... بقي «داكونه» شرب سيكارتين وخلاص»!! ثم:

- «آ ااا...»

«يوسف الحفيان، هيّر حالك، بعد شرب سيكاره، المي معك!...»

ويشرب يوسف الحفيان سيكاره تكلّفه نصف ساعة، ليقوم بعدها فيحمل مجرفة، ويمشي. وليس من قبيل المبالغة أنّ شرب سيكارة يقتضي نصف ساعةٍ من الوقت. الوقت مهمّ فلا يتعاملون معه على وجه التقريب، وإنْ لم يكونوا يمتلكون آلة الساعة. فيومهم مصراعان: ليل ونهار. ونصف نهارهم قلْبة الشمس. ونصف ليلهم ارتفاع «الميزان» قامة عند الأفق. وساعتهم شرب سيكارتين: «التتن» أي التبغ، عربيّ، فلت، «مكبوس» في علبة معدنية، يأخذ منه «المتتّن»، بين أصابعه، ويلفّه بورقة، متأنّياً. يأخذ «البولادة» وحجر الصوّان. يضع على الحجر «صوفانة» ويقدح، فتشتعل الصوفانة بعد جهد، ثمّ يشعل السيكارة ويمجّ دخانها متلذّذاً على شميم عطر، كالبخور، فاح من احتراق الصوفانة ومن التبغ الطبيعي...

هكذا تسير الأمور عندما يكون «الشاوي» ابراهيم الحبيب! لا يتخلّف واحد، ولا يغالط آخر: ابراهيم مستبدّ عادل. شرّه قريب. لا يتردّد في مواجهة أيّ إنسان مهما علا شأنه. يتجنبّه الجميع، ويجتهد كلّ واحد في تفادي الصدام معه؛ إلا عشير صباه وجاره أبو حميد، ابن المختار الذي اصطدم به، ذات مرّة، في حادثة لا يمكن أن ينساها أهل القرية!

نشأ الرجلان تِرْبين، وشبّا صديقين. يتجافيان أحياناً، وسرعان ما يتصافيان. تماثلا في الجرأة والعنفوان، وافترقا في البأس: إبراهيم شابّ كأحد فرسان الحكاية، حكاية بني هلال التي يستمع إليها الأهالي كلّ ليلة من ليالي الشتاء! أبو حميد قصير القامة، رقيق البدن؛ لكن أكثر وجاهة وأكبر عُزوة. حصلت الحادثة أمام باب قلم الاقتراع، في آخر انتخابات عرفتها البلاد قبل أن تُغْرِقها الحرب الأهليّة منذ عشرين سنة تقريباً... تصدّى أبو حميد لصديقه ابراهيم يريد أن يمنعه من الاقتراع للمرشّح الخصم. تجادلا، تصايحا، تشاتما... وناول ابراهيم صديقه ضربة عصا شجّت رأسه. ولم يكد يثنّي بالأخرى حتّى تداولته الأيدي والأرجل صفعاً، لكماً، رفساً... ولو لم يسارع رجال الدرك، المولجون بحفظ النظام، إلى تفريق المتشاجرين، لكان الشرّ كبر، ويعلم اللّه!..

مضى على الحادثة عشرون سنة. نسي الناس الانتخابات وتعاضدوا على مواجهة الأحداث الأهليّة التي عصفت بالوطن. وعادت المياه إلى مجاريها بين الصديقين ابراهيم الحبيب وأبي حميد بفضل سعاة الخير والظروف المستجدّة، لكنّ العداء لم يسقط بتقادم الزمن، تماماً، فبقيت في الصدور حزازات!...

- ما قولكم؟ يقع الشرّ، هذا الصيف، بين الصديقين اللدودين، بسبب الماء؟

ردّد أهل القرية هذا التساؤل، في جلساتهم وسهرياتهم، مراراً. لكن الصيف انتصف، ومال إلى منقلبه الثاني. كلّ المسألة مسألة أيام لا تزيد على عشرة. صعبة! صحيح، لكن، بعدها، يحين قطاف التفّاح فيفطم؛ وبعض مواسم الخضار تخلي مكانها للزراعات الشتويّة، فيخفّ الضغط على طلب الماء... نعم! انتصف الصيف، ولم يقع الشرّ لأن أحداً من البطلين لم يرده... كان «الشاوي»، إذا ما حان دور أبي حميد، يوجّه الماء في ساقيته، ويوصي له: الماء في أرضك... ويسقي أبو حميد أرضه كفايتها، فإذا ما ارتوت، يرفع الماء عنها ويعيده إلى مجراه. نهار الأحد يلتقي «الشاوي» أمام الكنيسة، كعادة أهل القرية، قبل القدّاس أو بعده، فينقده الرسم المعهود، قائلاً: هذا حقّك...

آب اللّهاب يقترب من نهايته. هذه السنة كان لهّاباً بالفعل! اشتدّ العطش بالبساتين، وخفّ منسوب ماء عين الست... ارتفعت الشكوى وعلا صراخ العطاش، وساد التذمّر، ممّا أوقع «الشاوي» في كرب: يَعِد هذا بالفرج القريب. يتوعّد هذاك. يهوّل على ذلك ويتشاجر مع تلك... الحال ماشية، لكن بجهد جهيد!...

إلى أن كان يوم، من أواخر آب، شديد القيظ! نزل ابراهيم الحبيب من بيته، مقرِّ قيادته على التلّة، منذ الفجر، خلافاً لعادته. مِجرفته على كتفه، يشمّر عن ساعديه الأشْعَرَيْن، تخبّ قدماه في جزمة مطّاطيّة؛ يتنقل بين بستان وبستان، يحثّ المالكين على الاسراع، قاصراً السقيا على الملحّ من الزرع العطشان؛ ويشارك في العمل والمساعدة...

الطلب على الماء شديد، والأمور تسير في طريق التأزّم!... ما جاءت الظهيرة، ذلك اليوم، إلا وقد بلغ منه الاجهاد مبلغاً. جلس على حافّة البستان، حيث الماء، مسنداً ذقنه على يديه الممسكتين بطرف المجرفة، وهو يراقب أبا غازي الهاشم يصرّف الماء الشحيح بجهد وصبر بين الذُرة الذابلة!...

- «يلعن!... خيّي ابراهيم، انقطعت المي!»

- «إيش ما تقول؟!»

- «هيك! متل ما سمعت... قوم، شوف! «زرنوقة»!

هبّ ابراهيم الحبيب، على تعبه، واقفاً. تقدّم:

- «صحيح! واللّه! وين راحت؟ مين قطعها؟»

فار غضبه، فتنكّب مجرفته، ولحق الساقية.

مشى ومشى ومشى...

- من يجرؤ؟ هو؟

حدّث نفسه بصوت عالٍ! انتابته الظنون، وتساءل:

- لماذا؟ لم يطلب الماء، وزرعه يحتمل! عجباً!! هل يجرؤ غيره، وفي مثل هذه الأزمة المشتدّة؟! هل يريد تجديد الشرّ من غير سبب؟ كنّا مرتاحين، وكل شيءٍ مضى وانقضى!...

إذاً؟!

وتمنّى، بكلّ إحساسه، لو يكون آخر قطعها. وكأنّه صدّق ما تمنّى، فهزّت يمناه المجرفة، لا شعورياً، هزّة تهديد. ومضى مصمّماً، وقد ارتاح لما تمنّى!...

- أوف ف! أوف ف!... المَيْ مهدورة باتّجاه بستان أبي حميد! هو، لا بدّ، هو...

وقفز فوق الساقية بحدّة ونزق، واتجه ملاحقاً جريان الماء. وقف!... مشى!... وقف!... تردّد:

- سيقع الشرّ؟ قلنا: خلصنا! أُواجه، أم أعود وأقول لأهل القرية: خذوا ماءكم، «ما حدا يستاهل الخدمة»، وأرمي المجرفة في وجوههم؟!... لكن، ماذا سيقولون عني؟ جبان؟... «لَهْ، لَهْ يا ابراهيم!... بِ هالاخرة؟ شو؟ خايف من الحبس، أم من الموت؟» وصمّم... تابع سيره مهمدراً عالياً:

- «ليكن ما يكون!...»

لكنّه ظلّ يتمنّى في قلبه: يا ربّ، أبعد عنّي هذه الكأس!... وصل إلى «مسكور» أبي حميد! الماء لم يدخل المسكور؟! وتنهّد عميقاً.

هذا شادي، حفيد أبي حميد، يقف قريباً من «المسكور»، كوردة في مواجهة الشمس الحادّة. طفل ابن سبع. وجهه متوهّج. يسرح العرق على خدّيه ورقبته ويبلّل أطراف شعره، وهو غير عابئ. بيده حبل صغير يمسك به الجدي القائم على الحائط، يلقم أطراف العلّيقة. إنه جدي هديّة من جدّه لنجاحه في المدرسة. إنّه رفيقه في النهار، وحلم مخدّته في الليل. ولكم تمنّى لو أنّ لِليل شمسه التي لا تغيب ليرافقه ويمنحه ما يحبّ.

سأل «الشاوي» الطفل:

- مين دار المي؟

- أنا...

أجاب شادي، محدّقاً بـ «الشاوي» بأجفان لا ترتعش.

- «ليش؟»

- «بدو يشرب الجدي!»

تفاجأ ابراهيم الحبيب! لكنه ابتسم بسعادة، لأنّه أحسّ وكأن مسماراً حادّاً سحب من قلبه، فاندمل جرحه للتوّ. وتمتم في سرّه: بلى! لتشرب الجداء السوداء الطيّبة! لتشرب الجداء الشقراء والبيضاء والملوّنة! لتشرب، وتشرب حتى ولو جفّت عين الستّ، وكلّ العيون... وتقدّم من شادي. قبّله وأخذه من يده إلى ظلال الجوزة، يلحقه جديه. أجلسه ووعظه:

- «يا جدّو، الشمس قويّة، أنت تمرض، ويمرض الجدي. لا تعد إلى الوقوف في الشمس...»

- «يا جدّو، من اليوم ورايح لا تكسر المي. حرام، ييبس الزرع. جرّ جديك إلى الماء، إسقه ثم عد إلى الفيء».

- «سمعت يا جدّو؟»

فهزّ شادي رأسه موافقاً!...