بين العامّيّة والفصحى
شاء لي حظّي، في صغري، أن أرتاد المدرسة الرسميّة، في القرية، وهي ذات معلّم وحيد، وكانت تسمّى، يومها، مدرسة المعارف، والوزارة التابعة لها كانت «وزارة المعارف». مدرسة المعارف كان يؤمّها أبناء الفقراء، أمثالي، لكنّي لست خجلاً من ذلك! معظم أترابي أمّوها، ولا يزال كثيرون يؤمّونها، ويتخرّجون متفوّقين. أما القلّة التي التحقت بالمدارس الخاصّة، في المدينة، فكانت تتباهى علينا، فتطعّم أحاديثها معنا، وأمام الناس، بكلمات وتعابير باللغة الفرنسية، تمايزاً وترفّعاً!... لكنّ الخطير في أمر مدرسة المعارف، بالنسبة لي، هو أنّ ابن عمّي - رحمه اللّه - كان أستاذها وعميدها وسيّد قضبان الرمّان فيها. وابن عمّي هذا قضيب أسود، يلقّبه كسالى المدرسة «عصا الشحّاد».
هذه «العصا» أي، ابن عمّي، انهزم من الدير، أي هرب، على لغة أهل القرية، عندما وصلت اللقمة إلى «التِمّ» بحسب تعبير امرأة عمي - رحمها اللّه - أي لمّا أوشك أن يُسام راهباً!... أو لم يكن يقال في قرانا: «نيّال من له تينة سوداء»؟ ويقصدون بالتينة السوداء، الراهب، لابس المسح الأسود... ومعلوم أن التين غلّة هامّة عند أهل القرى، فهو ثمر طيّب، مغذٍّ، يؤكل صيفاً شتاءً؛ ويابساً أطيب منه أخضر، وأنفع، لا سيّما مطبوخاً بالسكّر أو الدبس، ومزيّناً بالجوز أو اللوز، فهو عندئذٍ، يغني، عند الضرورة، عن طبخة، فيسدّ الجوع ويستر المحتاج.
هكذا الراهب موسم دائم العطاء، عدا الجاه، وعدا الوعد بالسماء.
لكنّ ابن عمّي كره الديورة وذمّ ساكنيها، وكره فيها، بصورة خاصّة، شيئين: العدس واللباس الأسود. أما العدس فلأنّ الآباء كانوا يطعمون الأخوة شوربا العدس، يومياً، بالسوس المسلوق، السابح على وجه الماء، وذلك «مرتاً» لعنفوان الشباب، وتعويداً للمبتدئين على التقشّف والطاعة، وويل للمتمرّد!... فحرّم ابن عمّي طبخ العدس، على أنواعه، في منزل العائلة، وإلى الأبد.
أما اللباس الأسود فلأنّه، في زعمه، صفيق، يبطن غير ما يعلن؛ فَكَرِهَه، سواءً أكان على جلد راهب أم على جسد أرملة.
مزيّة واحدة، لعلّها مشكورة! حملها ذلك «الشالح»، معه، من الدير، بقي يجلّها ويحافظ عليها، ألا وهي براعته في نحو اللغة العربيّة! لقد كان يحرص هذا الاستاذ أشدّ الحرص على أن يرسّخ فينا ملكة اللغة، ويرهف إحساسنا بتذوّق الفصاحة، فلا يقبل في انشائنا إلا الصِحَاح من الألفاظ، وإلا السليم المتين في التركيب. وكان - رحمه اللّه - من أنصار «التقطير» في الأسلوب؟ يشتغل على النصّ، فيبدي ويعيد، يحذف ويبدل... حتى يخرج ذلك النصّ مسبوكاً قويّاً، ذا ديباجة مشرقة؛ مُعجِباً آسراً؛ فيسمّيه «مثلّثاً»، تشبيهاً له بالعرق المقطّر ثلاث مرّات، والذي كان يعشقه ولا يرتوي منه.
هنا، في النحو، كان مقتلي لديه! كنت ألاقي منه عنتاً شديداً. كان يريد، على قوله، أن يصنع منّي «شيئاً»، مهما كلّف الأمر. كنت ضعيفاً في اللغة، يكثر في إنشائي الحُوْشيّ من كلام العوّام، فكأنّي أحرجه بل أؤذيه. كنت دائماً أقدّم دفتر الفرض، مسوّدة صفحته بريشتي، فيعود، نهاية الأسبوع، محمّرة صفحته بحبر قلمه! وكثيراً ما رمى الدفتر المليء بالأصفار، في وجهي، بقرف واستياء، فيتطاير في سماء الصفّ. وكثيراً ما عُدْت إلى البيت، مساءً، محمرّة أذناي من الفرك «والشمط»، ومزرقّة راحتاي من قضيب الرمّان... أشكو لأمّي، فتشكو لأبي، فيقول على مسمعٍ منّي: «ما قصّر، يحرز دينه!...»
وكان يوم لا أنساه: موضوع الانشاء لفرض هذا الأسبوع كان وصف فقير. وصفته وأطلت. وكالعادة حشوته بألفاظي المأثورة: «شعره مكنفش». «ثيابه المجعلكة كأن لايكها الكلب». «كَعْبش فيني» (أي: أمسكني بقوّة إلحافاً بالسؤال»...
عندما حان موعد توزيع الدفاتر قبعت أنتظر دوري على مضض. كان دفتري أسفل الكدسة، أمامه، على الطاولة. ها هو يأخذه!... يرفعه أمام عينيه. يسحق بأسنانه، فأحسّ كأنّني أنسحق: تجمّع جسدي الصغير، وغاص رأسي بين كتفيّ، وانتفض قلبي يقرع، أخذتني قشعريرة، و... قطرات ساخنة في لِباسي الداخلي... عيناه الصغيرتان تتّسعان، تقدحان... قال:
- «فؤاد، تعال...»
لم يرمِ الدفتر في وجهي، بل وضعه على الطاولة بهدوء! نزع الساعة من معصمه ووضعها على الطاولة... هنا أيقنت أنّ زمن العقاب بالأسلحة التقليديّة قد ولّى، وأنّ هذه ساعة الحسم، ساعة الاقتحام، وقل الالتحام، بالسلاح الأبيض... ويا ويلي! سلاحي لحم طريّ... وحمل القضيب، هزّه، وضرب به الهواء ضربات أسمعت صفيراً حرق الريق في فمي. قال:
- «كعبش فيني»؟ متى سنخلص من ألفاظ «ستّك أم الياس؟» هذا القضيب «يكعبش فيك»، اليوم... دفعت جاري على المقعد ليفسح لي الدرب، وكأنّه العائق يمنعني الخروج!... ومع أنّه أفسح لي، بقيت مسمّراً مكاني، أمسك بالمقعد، أمامي، بكلتا يديّ، وكأنّه هو الذي أمسكني، لا يريد إفلاتي، وعلى لغتي: «كعبش فيني...» ابتعد رفيقي عن المقعد رافعاً بيديه، مفسحاً درباً أوسع، أوسع. نزل الأستاذ عن المنبر، وكرّر بحزم: تعال... وصلت أمامه. أمرني بهدوء: افتح يدك... واحد تنين، واحد تنين... لا يشبع قضيب الرمّان من يديّ، ولا يتعب الاستاذ من الضرب! وبين الستّة قضبان والستّة التالية كنت أسحب يديّ وأضعهما تحت إبطي، وأتعصّر...
ثم:
- إفتح...
وتعود الكرّة... وأعاود التعصّر. وهكذا... حتى لم يعد بامكاني فتح يديّ! فانفجر غضبه، وانهال بالقضيب على جسدي في جميع نواحيه حتى لم يبق، كما صار رفاقي يخبرون، سوى «سقف حلقي» من غير ضرب.. وحتّى تكسّر القضيب، غير مسكته، فرماها وتناولني بشعري، بقبضتيه الاثنتين، «يليحني»، يتلَّني فأقع أرضاً. أقف، «فيلبطني»، فأدور على نفسي. يرفسني فأقع من جديد، ومن غير نهوض، هذه المرّة! فيحملني ويرفعني! فإذا أنا مسترخٍ كخرقةٍ بين يديه... تركني متكوّماً أرضاً، وخرج يمشي بخطوات واسعة، مفسحاً في المجال أمام الرفاق ليتصرّفوا... أطلّ جريء منهم فرآه قد غاب في الزقاق، فتشجّع الآخرون وحملوني إلى البيت...
رأتني الوالدة، من بعيد، محمولاً، فولولت وهرولت إليّ. وسمع الوالد صراخها فهرول بدوره ليسمع رفاقي يقولون:
- ضربه الأستاذ! فصرختْ: ضربة... وتابعت تشتم وتدعو، فزجرها الوالد بعنف، فأطبقت فمها سريعاً، لكنّها ناحت وأجهشت، وفاضت دموعها، وسالت خياشمها... فلمّا رأى والدي ازرقاق يديّ المتورّمتين، والأثلام الكاوية جسدي، رقّ، وماعت عاطفته، وزفر زفرة مخنوقة سمعتها بوضوح، فاستبشرت تغييراً في موقفه المعتاد! ولكن...
كانت أمي تغطّ يديّ بماء «الخبّيزة» الفاتر، وتمسّدهما، برفق، وتدعو على يديّ ابن سلفها بالكسر، وعلى رقبته بالخلع، وعلى جسده بالهريان؛ وتسبّ دينه، وتنعته «بالشالح» مردّدة: «لو فيه خير ما كَرْشوه من الدير»...، كان أبي يسمع، لكنّه لم يتصدَّ لها احتراماً لحرقتها ودموعها، ومع ذلك، مكابرةً، كانت شفتاه تتمتمان، كعادته، وبصوت خافت: «ما قصّر، يحرز دينه»...
إثر الحادثة انقطعت عن المدرسة أياماً ريثما أشفى ممّا نالني، ولعلّ أمّي قد بالغت قليلاً في إلزامي الفراش لتزيد في شعور الأهل بالاساءة التي ألحقها ابن سلفها بابنها، ممّا زاد في البرودة الحاصلة بين العائلتين النسيبتين الجارتين، عدا أبي الذي لم ينقطع عن بيت أخيه متجاهلاً الحادثة، متعالياً على جرحٍ كأنّه خدش بسيط، ولعلّه كان أدرى بما يريد...
أسبوعان، ثلاثة... ومالت الخواطر إلى الهدوء. وبدوري، شذّبت من إنشائي، وإن من غير نجاحٍ كبير. ولم يعد الدفتر يتطاير باتّجاه وجهي، إنّما صار الأستاذ يشير به صوبي من غير تعليق، ومن غير أن ينظر إليّ يناوله أقرب التلامذة إليه ليوصله لي. أفتحه، أقرأ التصحيحات فقط، إذ لم تعد هناك ملاحظات ولا علامات...
حلّ فصل الربيع، فخرج الناس، على عادة أهل القرى، إلى أمام أبوابها، يجلسون على المصاطب، وعلى سطوح الزرائب الواطئة، طلباً للانفراج وهرباً من رطوبة البيوت الترابيّة التي دامت طويلاً، فلا يأوون إليها إلا عند النوم....
ذات مساء، كان أبي يشرب القهوة مع ابن أخيه الأستاذ على المصطبة أمام بيت عمّي. كانا وحدهما، فسأل الوالد ابن أخيه:
- أليس عندك دواء لابن عمّك غير الضرب؟
فدمعت عينا الأستاذ القاسي، واحمرّ وجهه، وهزّ برأسه أن بلى... في اليوم التالي استدعاني إليه عصراً، بعد المدرسة وبدأ يدرّبني على الانشاء السليم بصبرٍ ورقّة أدهشاني كان يعرف ما أُحبّ وما أكره من الأمور ومن الأشياء، فيقول لي: صف كذا، اروِ ِ عن كذا، وما رأيك بكذا وكذا... وكان يركّز خصوصاً على ما هو راهن وحيّ، فيضعني أمامه في موقف محدّد، ويدفعني إلى التعبير عنه بكلام قليل، بسيط، مباشر... يأتي إليّ بنصوص أرغبها، ويقول: أكتب مثلها، على طريقة كاتبها، قلّد، استعر قليلاً، لكن لا تنسخ... ويأتيني بقصص مشوّقة، ويدفعني إلى حفظ ما يعجبني من تعابير ومقاطع فيها، وبحرّية تامّة... كان يأخذ ما أكتب، يلقي نظرة، يشير إلى الهفوات الفاحشة، ويتجاوز البسيطة. ثمّ، شيئاً فشيئاً، صار يشير إلى الصغير من الأخطاء، فالأصغر. وكان يكثر من التشجيع كلّما آنس ما يُعجب!...
وهكذا... حتّى تحسّن انشائي كثيراً فتعلّقت به ولازمته، فَلَكَأنّي تابعه، مما جعل أمّي تعلّق راضية: «خذ لك صاحب بعد قتله»!
وكان يوم آخر لا ينسى:
موضوع الفحص، آخر السنة، كان وصف حادثة صدام بين سيّارتين... لست أدري ما الذي طلع في بالي فجعلني أجعل الطرف الثاني من الصدام، والضحية رئيس الدير. واجتهدت في تنقيّة إنشائي غاية الجهد. كما حرصت على أن يتلقّى ذلك الراهب ضربة قاضية «تضيء دينه»، متجنّباً استعمال تعبير «تحرق دينه» ظنّاً منّي ان لفظة «تحرق» ليست على فصاحة تامّة. بعد التصحيح استدعاني الأستاذ إليه، وأمسك مسابقتي، لكنّه كان يبتسم هذه المرة. وقفت أمامه، بعيداً قليلاً. قال: قرّب. فتردّدت متوجّساً، كأن استفاقت بي الذكرى، ثم تقدّمت خطوة. فأشار برأسه أنِ اقترب أيضاً، فاقتربت حتّى كدْت ألامسه. أمال الصفحة المصحّحة أمامي ووضع اصبعه تحت كلمة «تضيء» المشطوبة، وسألني: ماذا تقصد بهذه؟ وذلك حتّى لا يجعل التلاميذ يشعرون بفحوى التعبير، فأجبت على الفور: تشعل. عاد يسأل: وما مرادف: تشعل؟ قلت: تلهب. فلم يعجبه الجواب وهزّ برأسه رافضاً، وسأل: وماذا غير ذلك؟ فسكتّ خائفاً وقد «عييت عن رد الجواب»!. فابتسم ورفع صوته بزهو المنتصر، قائلاً بمرح: ألا تعرف ان فعل «حرق» هو من صميم الفصحى؟ قله ولا تخف، إنّه في مكانه الصحيح! ومدّ يده بالمسابقة مدّة رِضى. أخذت المسابقة وعدت إلى مكاني، غير مصدّق أنيّ تجاوزت الأزمة بسلام. كشفت المسابقة، فإذا بالكلمة الوحيدة المشطوبة صار مكانها كلمة «تحرق» بحرف سميك، وإذا بالعلامة ثمانٍ من عشرة، وهي علامة لا يطمح إليها، من ابن عمّي الأستاذ، حتّى الأدباء! ونظرت إليه، فرأيته يركّز عينيه عليَّ، فابتسمت له بحبّ، وابتسم لي ابتسامة، شعرت بها ملائكيّة، فتنهّدت عميقاً للسعادة التي غمرتني، لأنّي شعرت أنيّ صرت أديباً.