Email :  elie@kobayat.org

back to Books

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

 

عـــــاد...

لــم يـعـد.

 

 

تدفر الأرض بنيها.

يضيق الأبناء صدراً بأمّهم الأرض؛

يحبّونها. يعبدونها... ويكفرون!

ألمعهم يكفر...

أصلبهم يكفر...

أضعفهم يكفر...

الأسباب كثيرة، أمّا الكفر فواحد، وأمّا الهجرة فمن شيم الكافرين. ودائماً كان بين الكفر والعبادة حاجز رقيق كحدّ السّيف، ذابح.

أمّا العودة، فمن شيم من؟

وبأيِّ ثمن؟

 

خليل نادر، الّذي من بلدتي، وأحد الكافرين بأرض الآباء والأجداد، نقد "سمسار"[1] السفر، "القبضاي"[2] البيروتي "حسن خريرو"، عثملّية ذهبيّة ثانية، وسأله مؤكّداً على ما اتّفقا عليه، منذ أسبوع، في "خان البرج" مقابل عثملّيّتين، عدا "النّاولون"[3]، واحدة مقدّمة وثانية مؤخّرة:

-       عَ "الساو" متل ما اتّفقنا؟

أجاب حسن بلهجته البيروتيّة الواثقة:

-       شو ألنا (قلنا) مبارِحْ؟ عَ السَّاوْ يعني عَ السَّاوْ. لو كان عَ غير السَّاو ما كنّا نطرنا "جمعو"[4] كلاهما يقصد سَوْ باولو في البرازيل.

 

كانت الباخرة الرّاسية في ميناء بيروت تشفط المسافرين المجتمعين على الرّصيف كعـرمة الرمل... صعد خليل مع الصّاعدين، يحمل على كتفه بقجة ثيابه المصرورة بملحفة كبيرة من الخام "الزريقة"[5]. لم يلتفت إلى الوراء. لم  يزرف دمعاً. لم يلوّح مودّعاً... من يودّع؟ أصرّ على أهله بقوّة على أن يأتي إلى بيروت وحيداً مع المكاري بو حنّا على بغلته السّحماء، سيّارة ذلك الزّمن على الخطّ...

 

الآن، وحيداً بين وُحَاد، غريباً بين غرباء، يترك بيروت معه صرّة ثيابه على الكتف، وصُريْرة نقود، من كلّ الفئات، يتزنّر بها على لحم بطنه، تحت ثيابه. لكنْ في صدره، كان يحمل عزماً على النّجاح، ينشده في بلاد أخرى، في البرازيل!

 

وضع خليل صرّته في عنبر الحوائج و صعد إلى السّطح، ينتظر إقلاع الباخرة. وقف إلى الحاجز الحديديّ متّكئاً بمرفقيه وصدره. نظر إلى أسفل، إلى الأمواج المندفعة، سباقاً، إلى خاصرة السفينة، المرتدّة حطاماً متعانقاً إلى البحر. من البحر والى البحر... وتنشر الأمواج رغوةً على أذيال السفينة، وترفع رذاذها حتّى وجه خليل، علّ الرّذاذ يلطّف سخونة الهواء الرّاكد على السّطح، وفي رئتي خليل ...

 

الشّمس تميل إلى الغروب وتصبغ الأفق الغربيّ بالأحمر الأرجوانيّ، وتفرش، على الأفق الشّرقيّ، أشعّة ذائبة على جبال لبنان، تضيء القمم العالية بنورها الشّاحب، وتترك غبشاً رطباً يمسح المنحدرات الحَرَجيّة  الدّاكنة...

 

رفع خليل المسافر عن حاجز السّفينة صدره الّذي ضاق بأمواج نفسه المضطربة، وأدار ظهره إلى الحاجز. نظر إلى الأفق الغربيّ الّذي راح يغرق في العتمة رويداً، رويداً. من صدره المثقل اندفعت موجتان من الدّموع، فخنقهما:

-       تبكي يا خليل؟ الرّجال لا يبكون.

خليل، يُحكى عنه، كان شابّاً جسوراً، ذا مزاج قياديّ. كان يسارع في العونات:

إذا سقط الثّلج غامراً، إذا طاف السّيل جارفاً، إذا اندلعت النيران حارقة؛ يكون خليل أوّل المنجدين، لا يترك السّاحة إلاّ وقد هدأ جيشان النّفوس!

في الهوشات! خليل صعب، ممانع، يعصى أهل الحلِّ والرّبط، حتّى يعتدلوا؛ فكرهه وجوه البلدة...

كان أبوه، الشّيخ يوسف، تاجر القطران، ينتسب إلى طرف من أطراف العائلة الوجيهة، المتجبّرة، والتّي لم يكن خليل يهضم سلوكها المستعلي. وكان خليل يساعد أباه في المكاراة على البغلة الزّرقاء. ينقل عليها الحنطة والتّبن من الجرد إلى البلدة، والخشب والقطران من الجبل إلى البادية.

عندما كان يرافق خليل القافلة كانت ترتاح إليه، وكان يرأسها، مع كونه أصغر أعضائها.

كان، حينئذ في مطلع شبابه؛ أبيض الوجه، ضيِّق العينين، نافذ النّظرات، رقيق البدن على قامة مرتفعة، عصبيّ المزاج.

 

**********

 

عندما وصل القرن التّاسع عشر إلى ربعه الأخير بدأ البحر يغوي أهل المتصرّفية، في جبل لبنان، وأهل الولايات الشّاميّة العثمانيّة. صارت المراكب، في الموانئ، تسرق الأبناء وترميهم بعيداً على كلّ شاطئ في المغرب والشّمال. وكانت المكاتيب تتوالى إلى الدّيار، تحمل الأخبار عن كسب وفير، وتحمل "البوالص"[6] السّخيّة إلى الأهل، فتثير الحسد والتّشهّي في الأحياء والقرى... من جملة الشّبّان، أهل الطّموح، خليل الّذي رأى في السّفر إلى بلاد غنيّة، ولو بعيدة، فكرة تستهوي مزاجه المغامر، وتدغدغ أحلامه. فاتح والديه برغبته... فوجئ الشّيخ يوسف، فقطّب حاجبيه. "شفتر"[7]  واهتزّ شارباه! الأمُّ انفجرت صائحة:

-       لأ ما بتطلع "فشخة"[8] برّا الضّيعة. أنا ما خلّفت ولاد لبلاد "الهفى"[9] !

تماسك الأب الشّيخ. قال:

 -      ليش يا ابني؟ شو صاير عليك؟ نحنا وّياك بألف خير. الشّغل عال. عايشين. الله كافينا.

-       إي. دايماً كترّ خير ربنا. لكن: "يا واقف مطرحك". لازم نعمل شي لقدّام.

-       الدّنيا هيك مليحة علينا. أنا مفتّح عيني فيك. لا تخاطر. بتخسر وتخسّرنا.

-       ما عليك منّي. خلّيني جرّب حظّي غير مطرح. ما بطوّل. بعمل قرشين وبرجع.

-       بتكفلني عيش حتّى ترجع و تشوفك عيني؟!

و خنق الدّمع بقيّة الكلام في حنجرة الشّيخ...

وخليل اختنق بالغصّة، فخرج من فمه نصف كلام:

-       انشا لله عمرك طويل.

انقطع الكلام. هيمن صمت مبحوح! غير أخت خليل الوحيدة مالت إلى مسند مقعدها تغمر وجهها بزنديها، وتنشج. الأمّ رائحة جائية في قلق، تشهق وتزفر. كأنّ السّفر حاصل الآن...

 

خليل مال بعينيه عن وجه والده الحزين الّذي زادته الدّموع الصّامتة، الّتي بلّلت شاربيه، مهابة كسيرة. كاد  يضعف، ويلغي فكرة السّفر. آه! كم يصعب عليه أن يكسر خاطر أبيه. بل كم أدهشه أن يكتشف فجأة أنّه يحبُّه إلى درجة تقرب من العبادة. يا لها لحظات ضعفنا، كيف تجلو لنا حقيقتنا الدّاخليّة، فنغتني بمعرفة ذواتنا! لكنّ خليلاً تغلّب على ضعفه وخرج إلى السّطيحة أمام البيت يفرّج ضيق صدره. ولحق به أخوه الصّغير، سليم، يشدّد من عزمه:

-       إطمئنَّ يا أخي. سأبقى معهم. أنا مطرحك. ثق بي.

فغمره خليل. قبّل رأسه، مشيا خطوات، وقال له:

-       أنت مطرحي. أهتمَّ بهم. أعتمد عليك. أثق بك.

-       نعم. لا يكن لك بال.

هذا المشهد كان يوم إعلان النّيّة على السّفر، وقد تلته مشاهد مؤثّرة، نشرت على المنزل العائلي، وعلى منازل الأهل والجيران، سحباً من الحزن، تحمّلها خليل بجلده المعهود...

 

الآن، ها هو، على ظهر الباخرة، تحت وطأة الإنسلاخ المؤلم، ينوء وحيداً ، فيحاول أن يصرف ذهنه إلى الآفاق السّعيدة في الماضي، وإلى الآمال الواعدة في المستقبل، لعلّه يرتاح قليلاً!

لكن، هيهات!...

 

صفّرت الباخرة، حوالي منتصف اللّيل، صفّارة الإقلاع. انفصلت عن رصيف الميناء، فانكسر الموج على الرّصيف متأوّهاً... كزّ خليل على أسنانه، وضغط بقبضتيه المتوتّرتين على حاجز السّفينة مرّة أخيرة. رفع يمناه، فتح كفه، قبالة لبنان، يريد أن يحيّيه تحيّة الوداع، لكنّ يده لم تكد تبلغ كتفه حتّى سقطت خائرة على جنبه. أحسّ برعشة برد تأخذ جسده، فانفتل ينزل إلى العنبر ليتمدّد على الأرض سانداً رأسه على صرّة ثيابه، مستسلماً لكوابيسه، بين نائم ومستيقظ...

 

بقي خليل معلّقاً بين ماء وسماء طيلة شهرين! ترسو الباخرة به في ميناء وتقلع إلى آخر، فينسيه الجديد الّذي يواجهه، بين الحين والحين، ما كان من وداع الأهل والبلد؛ لكن، إذا ما ركن إلى النوم، كانت رؤى الأهل والبلد تراوده في أحلامه، فكان يرى نفسه سائراً في أزقّة البلدة، يصادف أبقاراً تغدو صوب المشاعات المعشبة، ودجاجاً يقيل على جدران "المقاصل"[10] تحت أفياء أغصان البطم الكثيفة، وديكة تتهارش على المزابل أمام أبواب الأخمام، وكلاباً تتعاضض حول البيوت. وكان يطرب لأصوات البلابل المعندلة أزواجاً في أغصان العفص والسّنديان، ولِلَغط الصّبايا يحملن الجرار، رائحات على درب العين، ولهمس المطر الخفيف على أوراق الدّلب عند شاطئ النّهر، فيشعر بالقطرات تسرح، من شعره، على جبينه ورقبته، فيستيقظ، فإذا بجسمه يتعرّق. وإذا ما أحسّ بخدر في ذراعه الّتي ينام عليها، يفيق على إرنان جرس الكنيسة "تربّعه"[11] زند قويّة، فيسوّي من نومته، ليعود و يرتاح، في منامه، إلى نفحات الحبق في أنفه، وقد هزّه النسيم في عشايا الصّيف، أو يشمّ رائحة روث الدوابّ عند باب المطحنة.

وما كان يزعجه هذا الشّميم، فكلّ رائحة من بلاده ينتشي بها...

 

وكثيراً ما كان يحلم "بدلفٍ"[12] يتقطرّ على لحافه، وهو نائم تحت سقف منزله الوالديّ، في ليالٍ ماطره، فيحسّ بوجع الضّمير لأنّه قصّر في حدالة السّطح عند بداية الهطول، أو كان يقلق ممّا يسمع من صوت أخيه الصّارخ من رضوض جسمه الّذي لبطته البغلة، أو قحيح أبيه من صدرٍ أثقله الرّشح، أو بكاء أخته من ألم أسنانها، وكم كان يعزّ عليه سماع تنهيدات أمّه المتعبة، وهي جالسة على "الطرّاحة"[13]، تنقل من "لكن"[14] مليءٍ بأرغفةٍ مهلولة أو ملكومة، طازجة، تشقعها في القشويّة...

رؤًى كان يرتاح إلى بعضها أو يهبّ مذعوراً من كوابيس بعضها الآخر، فيستنجد بمسبحته، يصلّي، راجياً أن يبعد الله المكاره عنه وعن الأهل والبلد.

 

**********

 

كانت الجمهوريّة الاتّحاديّة، في البرازيل، تحتفل بذكرى عامها الأوّل عندما نزل خليل على شاطئ السّاو باولو. كان النّاس في الشّوارع المزيّنة يشربون وينشدون ويرقصون بحماسة لم يرَ لها مثيلاً. كانت الشّوارع الواسعة، كأنّها ساحات، تضيق بالمحتفلين، رجالاً ونساءً، أحراراً وعبيداً محرّرين، خرجوا من منازلهم في المدينة، أو توافدوا من مزارع البنّ في ريفها.

كلّهم سعداء، يتوسّمون في الجمهوريّة الوليدة عهد حرّية ورخاء... تفرّج خليل، خلال أيّام، حتّى شبع فضوله. وانتقلت إليه عدوى الحماسة من المواطنين، وانتشت مشاعره بالرّوح الّتي تجمع هذه الكثرة الكاثرة من البشر حول شأن عام، إذ يعتبره كلّ فردٍ شأناً يخصّه، فأعجبه ذلك، وتأثّر كثيراً، وأحبّ هذه البلاد وناسها، واكتشف، سعيداً، أنّه جاء إلى المكان الّذي يناسبه.

 

لم تكن اللّغة، في تلك البلاد، عائقاً أمام خليل ليهجم على الشّغل، بعد أن انتهت الاحتفالات؛ ولا حتّى الغربة! عندما سافر، شابّاً، كان قد مضى على نزول الرّسالة الكرمليّة الإيطاليّة في البلدة ما يُنَّيف على نصف قرن. كان خليل يرتاد مدرستها مع أترابه، يتعلّم فيها القراءة والكتابة، بالعربيّة، ومبادئ اللّغة الفرنسيّة. أما اللّغة الإيطاليّة فكادت تكون اللّغة الأمّ، يتشافه بها التّلاميذ خلال الدّوام المدرسيّ، وبها يدرسون التّاريخ والجغرافيا والحساب، ممّا جعل خليلاً يشعر بشيءٍ من الألفة مع اللّغة البرتغاليّة، توأم الإيطاليّة. أمّا الغربة، فاستعان عليها بحفنةٍ من اللّيرات الذهبيّة، يتزنّر بها على لحمه تحت الثّياب. وأمّا جرأة خليل المعهودة ومزاجه الاقتحاميّ، وطموحه فكانت أعواناً على اقتحام ساحات العمل النّشيط.

 

ولم يكن خليل أوّل الواصلين، من المشرق، إلى أرض البرازيل؛ إذ كان قد سبقه إليها كثيرون من "التوركو"[15] على حدّ تعبير أهل تلك البلاد، يتاجرون "بالكشة"[16]، يملأها لهم تاجر من المدينة بأنواع البضاعة، فيجولون بها في البراري الشّاسعة، خارج المدينة، حاملين كشّاتهم على ظهورهم يبيعون، من أهل المزارع ما فيها من أغراض، ويعودون يتقاسمون الأرباح مع أصحاب المخازن الّذين يملأونها لهم من جديد... حمل خليل الكشّة. تجوّل وباع. قاسى المشقّات وصمد بإيمان قوي، واثقاً بالمشيئة الإلهيّة، مستشفعاً العذراء حاملاً ثوبها، ثوب سيّدة الكرمل، بخيط في عنقه، مسبحته لا تفارق جيبه... في الدّروب الطّويلة، الموحشة، كان يحلم بالوطن، يتذكّر الأهل والأصحاب وملاعب الصّبا، فتنطلق مجاري الدّمع تبلّل الخدّين، وتتجمّع عند طرف ذقنه، وتتحلّب على صدره المطبّق المشدود تحت ثقل الصندوق فوق ظهره، فتترطّب الحمّالتان المتصالبتان اللّتان تشدّان الصّندوق من فوق الكتفين، من عرق ودمع... وكان خليل، إذا ما بلبلت الأفكار السّوداء رأسه، وإذا ما ضاق بالأسى صدره، يسحب المسبحة من جيبه، يستعين بالصّلاة على طرد شياطين الفكر الأسود من رأسه... وكان، إذا ما استبدّ بقلبه أكثر، يميل إلى حافة الطّريق، ينزل صندوقه، يرتاح متّكئاّ عليه وبصوت خافتٍ أحياناً، أو منطلقٍ على مداه، في المدى الوسيع، يدندن "فراقيّات" أو يزفر مواويل يستلّها من أعماق الذّاكرة، أو يغنّي أبياتاّ من "عتابا" حاول تركيبها وهو يسير في الفلوات المعزولة، وعلى امتداد الدروب، وتنائي الآفاق.

 

كانت ظروف التّجارة، ذلك الزّمن، في تلك الفيافي الشّاسعة، مؤاتية. كان الزّنوج الّذين استقدمهم البرتغاليّون كعبيد ليعملوا في مزارع البنّ قد تحرّروا منذ سنوات قليلة؛ لكنّهم بقوا يعملون في مزارع الأسياد لقاء أجر. والزّنجيّ، حينذاك، لم يكن قد تعلّم على ادّخار المال، وتوفيره لوقت الحاجة، فكان ينفق ما يحصّل منه، فور وصوله إلى يده، على سلعٍ يتعلّق أكثرها بالزّينة الرّخيصة والملذّات العابرة يجتنيها في عطلة نهاية الأسبوع...

 

أمّا خليل فلم يكن، أيّام العطل، يعبأ، وهو يقطن المدينة، بالملذّات المتوفّرات، بل كانت لذّته في معاقرة كسلٍ هنيء، يقطعه قدّاس صباح الأحد، يسقي به إيماناً منزرعاً في قلبه منذ الطّفولة!... ويعود فجر الإثنين إلى تجارته الرّابحة، يزاولها بعشق، يغني أنواعها مضيفاً إلى سلع التّجار سلعاً يشتريها لحسابه، ممّا يزيد في أرباحه. فلمّا جمع ربحاً كافياً استغنى عن بضاعة التجار واشترى "كديشاً" قويّاً يريحه من حمل البضاعة المرغوبة في أطراف البراري التي ألف أن يغيب فيها أياماً يبيع ويشتري ويبيع حتى جمع ثروة صغيرة مكّنته من فتح متجرٍ واسعٍ في المدينة، فاستغنى عن ريادة البراري وصار يرسل إليها حاملي كشّة جدداً من أبناء بلدته يزوّدهم ببضاعة متجره، وبخبرته، ويتقاسم معهم الأرباح.

 

عندما وصل خليل إلى أرض الوطن، كان القرن الجديد، العشرون قد دخل في سنواته الأولى. كانت البلاد "قايمة قاعدة". "الرّجل المريض"، دولة بني عثمان، يحتضر. ذئاب أوروبا تتحّفز للانقضاض على الجثّة. أهل البلاد كانوا، كذلك، في حراك: منهم من يتآمر على "الرّجل المريض"، أملاً في تغيير الأوضاع وتحسين الموقع، ومنهم من يتآمر على المتآمرين، يريد أن يمدّ الجثـّة بنفس جديد ليمدّ بعمر ينقذ مصالحه... أبو خليل، أيضاً كان على فراش الشّيخوخة. كان يغالب وهن جسمه، يريد أن ينتظر ولده خليلاً ليراه ويضمّه، مرّةً أخيرة، فيذهب إلى ملاقاة ربّه بسلام، مطمئنّاًً. كان يعرف أنَّ خليلاً نزل البحر في طريق العودة. كان الأمل بلقاء خليل يذهب بألم الجسد والنفس معاً. كان ينتظر طلوع شمس، ويودّع شمساً تغيب، مستعجلاً الأيّام، أنْ، اخلصي، فيصل ولدي. وخليل يستعجل الباخرة، يهزّها بهزّ جسده وكأنّه يدفعها لتسرع، فيفي بوعده لوالده، قبل أن يأخذ الله وديعته، وليقول له: أرأيت؟ لقد عدت!... لكنّ الشّيخ توفّي، آخذاً معه إلى قبره حسرتين: حسرة وداع وحسرة من خسارة اللقاء.

وصل خليل قبل عشرة أيّام من حلول موعد الجناز بذكرى الأربعين لوفاة الوالد. بكى بكاء مرّاً وهو يعانق الأهل والأصحاب إلاّ الأعزّ فيهم.

بعد الأربعين، بقليل، اختار خليل إحدى قريباته وتزوجها من غير احتفال.

 

**********

 

طابت أيّام خليل في الوطن. صار على الحلم أن يتحقـّق. الأحلام الكبيرة تتحقـّق بالجرأة والعمل. خليل لا يعدمهما. ويمتلك فوقهما سيولة نقديّة وقطعة أرضٍ قريبة من سوق البلدة، التى ابتنى فيها محلاً كبيراً ملأه بالبضائع. وبفضل مهارة تجاريّة مكتسبة في البرازيل، وسمعة طيّبة في الوطن، ازدهرت تجارته؛ وصار ينفق بسعة على الشّباب، يسهّل أمور حياتهم بما يمتلك من يسارٍ وأريحيّة، حتّى صار دكّانه محجّاً للرجال يقصدونه بعد الفراغ من العمل، بل في مختلف أوقات النّهار، يشربون "الجاربه"[17] أمام الباب أو يلعبون الزّهر، ويتبادلون الأحاديث في كلّ شأن.

 

ولمّا كان خليل قد عاد من البرازيل يحمل أفكاراً مثيرة عن الحرّيّة ومبادئ الديمقراطيّة، شكّل مع بعض أبناء عمومته الشّبّان المنفتحين محوراً ناشطاً للمعترضين على السّياسة العثمانيّة، والمتعاطفين مع السّياسة الفرنسيّة التي كان يرعاها du cousso  قنصل فرنسا في طرابلس، والّذي كان يزور البلدة بين الحين والحين. في المقابل، كان كبار المشايخ، من جماعة الموالين للحكم العثمانيّ، يتحالفون مع بكوات الجوار الّذين يعضدهم "السنجقدار"[18] في مركز القضاء. وكان البكوات، أولئك، يروحون ويجيئون إلى البلدة باستمرار، متآلفين، متآخين مع مشايخها، بينما كان كبيرهم يصطاف فيها، ويبقى عزيزاً مكرّماً، ما طاب له النّسيم ومواسم الصّيد، وما اتّسع له بساط الصّيف من سخاء ثمار. ولم يكن هذا البيك الكبير مرتاحاً إلى نشاط هذا القادم الجديد، بزيّ الأوروبيّين، بقبعته المستديرة فوق رأسه، وبالسّلسال الذّهبي يحمل السّاعة المزخرفة، يتدلى بين عروة "السّاكو"[19] وجيبها الأعلى، ممّا زاد من احمرار عينه منه، فوق ما كان يكنّ له من استياء من معرفته بدعمه للعمال في معمل الحرير ومشاكسته للأفندي، صاحب المعمل، القادم من بيروت، والّذي كانوا يطلقون عليه "فرنجي الماء العذب"، والّذي يؤمّن للبيك وللمشائخ الكبار جعالة نقديّة يقتطعها من أجور العاملات. وخليل بدوره لم يكن مهاوداً للبيك، خلافاً لكلّ النّاس... فلمّا كان هذا قد اعتاد أن يمرَّ، في روحاته وجيئاته، أمام دكّان خليل، على حصانه الأصهب، المزيّن "بالدنادش"[20] و"السلبند"[21] المفضض، يرافقه فارسان عن يمين وعن شمال، وبضعة رجال يروحون ويجيئون بين يديه خادمين. كان الموكب يلقي الرهبة في قلوب القرويّين، حيث يسير، فيقوم له الرجال، أمام الدّكّان، ينحنون له مرّة ومرّتين، وأيديهم على صدورهم، حتّى إذا ما عبر البيك قريباً، يومئ، يكاد، بنهزة صغيرة من يده الممسكة باللجام. لم يكن خليل راضياً عن المشهد. كان يعبّر عن عدم رضاه بطريقته الخاصّة، فيبقى جالساً يبتسم، ساخراً، بصمت، من رجال يكادون يسجدون للرجال، في بلاد لا تزال تستعبدها الألقاب.

 

**********

 

-       عقلو أجنبي! ما بيعرف أدب بلادنا.

كان يردّد البيك أمام جماعته مبرّراً قلّة الهيبة عند خليل.

... وكانت ليلة فاصلة!

 

لمّا جاء خليل، في مناسبة اجتماعيّة، يزور نسيبه الشّيخ، كان البيك الكبير متّكاً فوق بضعة من الفرش الوثيرة، المشقوعة  في صدر الدّار. ألقى خليل تحيّة المساء فنهض الرّجال، ماعدا البيك، مرّ خليل يصافح الواقفين حتّى إذا ما مرّ أمام البيك، المتكئ، سلّم بمدّ يده إلى طرف قبعّته بإيماءة من يريد أن يرفعها. وعبر ليجلس على كرسي في جانب من القاعة. استشاط البيك غضباً، ومدّ يده إلى عصاه، يهمّ بسحبها، فنظر إليه صاحب الدّار مستنكراً، ومسح بيده على ذقنه مترجّياً، فكظم البيك غيظه...

وكان خليل في مجلسه واثقاً، يبتسم وهو يستعرض السّامرين، يقبلون مسلّمين على البيك، منحنين على يده الّتي يمدّها ليقبلوها، فيفعلون ويمضون الى كراسيهم.

ليلتئذٍ "شالها"[22] البيك لخليل.

 

بعد ليالٍ من تلك اللّيلة، أصبح خليل، فإذا على عتبة بابه "فشكة"[23] "طبنجة"[24]. لمّها. قلّبها بين يديه. مطّ شفتيه. قطّب جبينه. هزّ برأسه: لقد وصلت الرسالة! ثم وضع الفشكة في جيبه ونزل إلى الدّكّان.

ارتفعت شمس ذاك النّهار، وما إنْ وصلت إلى الظّهيرة حتّى أخذت تتزايد أعداد شبّان البلدة المسرعين إلى دكان خليل، مستطلعين، يسأل واحدهم بلهفة:

-       شو سمعنا ؟ الخبريّة مظبوطة؟

فيخرج خليل الفشكة من جيبه، يمسك بطرفيها بين الإبهام والسّبّابة، يعرضها أمام عيني السّائل، يقول:</