القسم الأول

 في جغرافيا عكار (والقبيات) وأهميتها

Back

الفصل الأول

طبوغرافيا سورية الطبيعية 

 

بين التاريخ والجغرافيا علاقة رحم وانتساب. فمما لا ريب فيه أن تاريخ الشعوب إنما يجري في الأقاليم الجغرافية التي تسكنها وتعمرها. بل لعل هناك من يرى أن تاريخ الشعوب يوجد مكتوباً في خطوطه الأساسية في جغرافيا بلادهم. فكثيراً ما تحدد الجغرافيا التاريخ. يعني ذلك باختصار شديد عمق الصلة والارتباط الشديد بين كتابة التاريخ والبحث في جغرافيا الشعوب التي نكتب تاريخها. ولهذا فإنه "من أحسن ما جرى عليه المؤرخون وأنفعه أنهم إذا شاءوا كتابة تاريخ بلاد قدموا عليها كلاماً موجزاً في تخومها وجبالها وسهولها وأبحرها وبحيراتها وأنهرها وأشهر مدنها، توسلاً لإدراك تاريخها حق إدراكه، وكلفاً بزيادة رسوخه؛ وكذا رأى المؤرخون أن يشفعوا كلامهم بشيٍْ من تاريخ البلاد التي يتصدون لكتابة جغرافيتها فالتاريخ والجغرافيا علمان متقاربان متعاونان"([1]).

يرى المؤرخ جواد بولس، بصواب أنه "لا يمكننا أن ندرس تكوين بلد صغير كلبنان بمعزل عن وضع أرض البلدان المجاورة له. فلبنان وسوريا وفلسطين، المتلاصقة، الواقعة على مفترق طرق عالمية… يؤلف مجموعها نوعاً من ممر أو برزخ"([2]).

انطلاقاً من اعتبار ملاحظة جواد بولس هذه ضرورة منهجية للنظر في تاريخ لبنان، وانطلاقاً من مسلمتنا المنهجية القائلة بأن قراءة تاريخ القبيات يجب، بالمنطق والضرورة، أن تتم من خلال قراءة تاريخ عكار، فإننا نسعى لوضع هذا القضاء عكار، في إطاره الجغرافي الفعلي: سورية الطبيعية. وعليه يضطرنا منهج البحث السليم إلى استعراض الطبوغرافيا السورية بإيجاز دون الغوص في تفاصيل لا ضرورة لها في عملنا، إلاّ ما كان له علاقة مباشرة بعكار والقبيات.

     "إن الصفة البارزة للطبوغرافيا السورية هي تناوب الأراضي المنخفضة والأراضي المرتفعة بحيث تحاذي بعضها بعضاً وتـتجه من الشـمال إلـى الجـنـوب"([3]).ويمكن تمييز سلسلة من خمس مناطق طولانية من هذا القبيل بين البحر والبادية([4]).يعبر المطران يوسف الدبس عن نفس الصورة الطبوغرافية بقوله: "والحاصل أن في سوريا سلسلتي جبال؛ إحداهما ساحلية تمتد من الشمال إلى الجنوب الغربي على قرب متباين من البحر… والثانية داخلية تمتد من نواحي حمص شمالاً إلى آخر سوريا جنوباً. وبين السلستين وحولهما السهول الخصبة الفسيحة"([5]). يشكل السهل الساحلي، الممتد على ساحل البحر المتوسط الشرقي من شبه جزيرة سيناء إلى خليج الإسكندرونة، أول واحدة من هذه المناطـق الطـولانـيـة([6]). بينما تتشكل المنطقة الثانية من سلسلة من الجبال والهضاب تبدأ بالأمانوس([7]) في الشمال وتمتد حتى جبل سيناء المرتفع في الجنوب([8]).

وفي هذه السلسلة الجبلية يقول ابن حوقل: "وجبل اللكام داخل في بلاد الروم ومتصل بجميع جبال بلاد الروم. ويقال أنه ينتهي إلى حد مائتي فرسخ ويظهر في الإسلام ما ظهر منه بين مرعش والهارونية وعين زربة، فيسمى اللكام إلى أن يجاور اللاذقية ثم يسمى جبل بهراء وتنوخ إلى حمص، ثم يسمى جبل لبنان ثم يمتد على الشام حتى ينتهي إلى بحر القلزم من جهة ويتصل بالمقطم من أخرى"([9]). أما المنطقة الثانية فهي "عبارة عن حوض طويل ضيق يحتل مكاناً متوسطاً في البلاد([10])؛ وهو يبدأ بسهل العمق، ويستمر، بعد شيء من التقطع بالارتفاع عند حماة، في سهل البقاع بين سلسلتي لبنان، ويؤدي إلى وادي الأردن حتى البحر الميت، ومن هناك ينتهي بطريق وادي العربة حتى خليج العقبة([11]). وتتكون المنطقة الرابعة من السلسلة الشرقية التي تبدأ جنوبي حمص، حتى تصل إلى حوران مروراً بجبل الشيخ، إلى أن تبلغ الجولان، ومن هناك تستمر في شرقي الأردن حتى جبل سعير([12]). أما المنطقة الخامسة فهي ما يعرف ببادية الشام الواقعة في ما يعتبر بأنه "القسم السوري من المستطيل العربي وتفصل سوريا عن العراق. وتشكل الخليج الصحراوي الذي يقع بين الطرفين الشرقي والغربي للهلال الخصيب"([13]).

     وخلاصة الأمر في الطبوغرافيا السورية الطبيعية هي أن المستطيل المكوَّن من سوريا ولبنان وفلسطين، يشكل صلة الوصل المركزية والوحيدة بين أقدم مركزين للحضارة: "وادي النيل ووادي دجلة والفرات"، جنوباً وشمالاً؛ فضلاًُ عن انحباس هذا المستطيل بين الصحراء والبحر، شرقاً وغرباً. كما أن المميزات المناخية والزراعية جعلت هذا المستطيل السوري-اللبناني-الفلسطيني، محط الأطماع والغزوات من أقدم مركزين للاستعمار في التاريخ: الاستعمار البابلي والاستعمار الفرعوني([14]). لقد أجاد جواد بولس في توصيف هذه المنطقة بوصفها "الممر السوري-اللبناني-الفلسطيني"([15]).

يشكل هذا التوصيف، بطريقة غير مباشرة، رفضاً لتفسير التأثير الحتمي والمتبادل بين هذا الممر السوري ـ اللبناني ـ الفلسطيني ومحيطه بعبارة أو بمفهوم الاستعمار، وبشكل خاص متى كان الأمر يتناول الوضع البابلي أو المصري مع هذا الممر.

 

     موقع لبنان من الطبوغرافيا السورية

     يحتل لبنان موقع القلب من هذه الطبوغرافيا السورية([16]). فهو يشترك في أربع مناطق طولانية، وفي مواقعها الأكثر أهمية، لاسيما من الناحية الاستراتيجية للممر السوري-اللبناني-الفلسطيني. ففي لبنان قسم أساسي من السهل الساحلي([17])، هو قسمه الضيق، وبالتالي هو الأصعب عبوراً على الفاتحين والأكثر أماناً للمقيمين من الوجهة الدفاعية. يساعده في ذلك كون جباله الموازية للساحل عن قرب، هي من أكثر جبال المنطقة الطولانية السورية ارتفاعاً ووعورة. "يعتبر جبل لبنان أعلى جبل في الشرق المتوسطي، وهو يحتل أكبر مساحة من أرض لبنان"([18]). ومن أعالي جبال السلسلة الغربية يشرف لبنان على وادي البقاع، ويتحكم من طرف هذه السلسلة، جنوباً وشمالاً، بالمعبرين الأساسيين من الساحل إلى الداخل. إن لبنان حاجز "وهذا الحاجز لا ينفتح باتجاه بلاد ما بين النهرين والخليج القاري إلاّ بممرين معترضين هما فرجة حمص من جهة والطريق التي تؤدي من عكا وحيفا وصور وصيدا إلى دمشق والصحراء من جهة أخرى"([19]). هذا فضلاً عن أن السلسلة الشرقية تحكم أيضاً الوصول إلى الداخل السوري وما عداه، عبر ممر مجدل عنجر-وادي بردى، أو عبر طريق حمص دمشق.

 

     موقع قضاء عكار في طبوغرافيا المنطقة

     1- حدود القضاء

          تم رسم الحدود النهائية لقضاء عكار، لجهتي الشمال والشرق، إثر إعلان دولة لبنان الكبير، بضم بعض المناطق ومنها عكار إلى جبل لبنان في العام 1920([20]). وبموجب ذلك تعينت الحدود الشمالية والشرقية لقضاء عكار. وهذه الحدود هي في نفس الآن الحدود النهائية لشمالي وقسم من شرقي دولة لبنان الكبير. فقضاء عكار يحتل الطرف الشمالي من الجمهورية اللبنانية. وجاءت هذه الحدود كما يلي: "  …من الشمال والشرق، الحدود مع سوريا: خط يمتد من شمالي مصب النهر الكبير الجنوبي([21]) ويتبع مجراه إلى نقطة اجتماعية برافد وادي خالد قرب جسر القمر([22]). ومن الشرق، خط يغرق بين وادي خالد ووادي نهر العاصي المار بالقرى التالية: المزرعة، جربعانة،  هيث،  أبش،  فيعان،  وقرب بريفة ومطربة، ثم يتبع الحد الشمالي من قضاء بعلبك…"([23]).

واستناداً على التقسيم الإداري الذي تم لاحقاً في دولة لبنان الكبير([24])، صار قضاء عكار الحالي يمتد غرباً من مصب النهر الكبير الجنوبي، عند بلدة العريضة في الشمال، ويسير على رصيف ساحلي مع البحر الأبيض المتوسط، وبشكل قوس منفرج ينتهي جنوباً بمصب النهر البارد على ساحل المتوسط أيضاً. ومن هناك تتجه الحدود الغربية للقضاء، مع مجرى النهر البارد صعوداً، لتفصل قضاء عكار عن قضاء المنيه-الضنية، وفق تعرجات مجرى النهر المذكور، حتى تبلغ ضهر الحسين وتتجاوز جرود  الحسنية، وتبدأ بالانعطاف جنوباً وشرقاً.

 وهنا تبدأ الحدود الجنوبية للقضاء وهي عبارة عن خط وهمي يلتف، بعد تجاوزه لجرود الحسنية المذكورة قبل قليل، خلف الحمرة، ويستمر إلى الشرق بين جرود عكار وجرود الضنية حتى يتجاوز تلال قبعيت، وقبل بلوغه جرود حرار ينعطف جنوباً على تلال شير الصيادي، ليعود فينحرف شرقاً على مقربة من قمامين (الضنية) وفق مجرى "نهر كتاف التين" "فوادي حقل الخربة" ويبلغ "وادي النقر"، ومن هناك يتجه شمال شرق ليتوسط "قلعة عروبة" تقريباً، ويمر في "قرنة القموعة"، ومنها يزداد انحرافه إلى الشرق مع دخوله "جورة المعبور" على طرف "قبع الملفوف"، وفي وسط "قرنة الحريق"، "فوادي الطواحين"، ومنها إلى سهلات "حقل القرنة"، "فمراح أبو أحمد" على الطرف الشمالي "لجور الحشيش" قبل أن يدخل "شعاب بسانو"، ليلتقي بعدها بالحدود اللبنانية-السورية، في جبل "حرف الهوا".

لقد وضعنا هذه الحدود استناداً إلى الخريطة الصادرة عن وزارة الأشغال العامة لعام 1974، وهي بمقياس 1/100000، واستناداً إلى الخريطة التي تعتمدها وزارة الدفاع، مديرية الشؤون الجغرافية، بمقياس 1/20000. ولكن أبناء المنطقة من سكان قرية البستان والرويمة وغيرها، يعتبرون الحدود بين عكار والهرمل، تتبع، انطلاقاً من منطقة "المعبور مجرى "وادي العريشة" ثم تنعطف شرقاً عند ملتقى "وادي العريشة" مع "وادي الشقيف" لتمر ما بين جور أم سليمان ووادي الحصين، لتعبر "وادي أكوم" حتى الحدود اللبنانية-السورية. وهذا ما يجعل قرية البستان وما حولها خارج قضاء عكار. يشكل هذا الخط الوهمي الممتد من تلال الحسنية وزقزوق والحمرة في أقصى الغرب الجنوبي لقضاء عكار، حتى الحدود السورية في الشرق، الحدود الفاصلة بين عكار وقضاء الضنية-المنية (في الغرب والجنوب الغربي) وقضاء الهرمل (في الجنوب).

أما حدود القضاء في الشمال، فإنها تبدأ من بلدة العريضة الساحلية، وفق خط يتعرج تعرج مجرى النهر الكبير الجنوبي، حتى التقاء منفرج وادي خالد بالسهوب المؤدية إلى حمص.

 وتبلغ الحدود شرقي وادي خالد وشمالها، خطاً وهمياً يفصل ما بين الأراضي اللبنانية والسورية، على مسافة من قرية قرحة، شمالاً وشرقاً، ثم ينعطف هذا الخط جنوباً على مسافة من قرية الكنيسة، ليعود فيتجه غرباً مع ميلان واضح نحو الشمال، بحيث تضيق جداً رقعة الأرض اللبنانية جنوب غربي الكنيسة، لا سيما حنيدر، قبل أن يعود للإتجاه إلى الجنوب الغربي، ليدخل هضاب جبل أكروم، بعد أن يتجاوز "رجوم" وادي خالد، فيمر بموازاة منطقة النبي برّي وهيت (السورية) حتى يفصل أراضي أكروم اللبنانية عن أكوم السورية.

ويجدر بنا هنا أن نورد الملاحظة التي أدلى بها عالم الآثار، الأب تالون، الذي اعتبر أنه يتعذر على المتجول غير الخبير جداً في المنطقة معرفة ما إذا كان يسير داخل الأراضي اللبنانية أو السورية، إذ لا يوجد في هذه البقعة معلم طبيعي (أو اصطناعي) ليتميز المرء به الحدود بين لبنان وسوريا([25]).

     إن اعتماد الحدود الراهنة لقضاء عكار لا يعني أبداً وجود وحدة جغرافية-إدارية عرفت باسم عكار على مرِّ العصور. فهذه المنطقة التي رسمنا حدودها استناداً إلى نشوء دولة لبنان الكبير، والتقسيمات الإدارية التي ظهرت في ظل الإنتداب، وترسخت في مرحلة الإستقلال، لا تعكس حقيقة الجغرافيا العكارية، إدارياً، على مرِّ العصور. فقد شهدت هذه المنطقة تقليصاً لجغرافيتها، وتوسعاً لها، تبعاً للمراحل التاريخية. ولا بد أنه كانت هناك مرحلة لم يكن فيها لهذا الإمتداد الجغرافي المعروف بإسم عكار اليوم أي وجود. كما كانت هناك مراحل تجاوزت فيها رقعة عكار حدودها الراهنة.

 

     2- طبوغرافيا عكار

     في عكار ثلاث مناطق جغرافية متباينة. هناك أولاً، في الجرود، الجبال التي تتجاوز أحياناً في ارتفاعها ألفي م. ولكن هذه الجرود العالية تمتاز بمجموعة من البطائح المستوية([26])، كسهلة القموعة، والسهل العالي، ومرج الطويل، وكرم سباط وسواها. وإذا كانت هذه الجبال تهبط نحو الغرب بشيء من الحدّة([27])، فإن عبورها نحو سهل البقاع أسهل مما هي عليه الحال ما بين جبل المكمل وصنين. كما أن جبال عكار تنتهي لجهة أكروم ومشارف حمص والطرف الشرقي لوادي خالد بجملة من المعابر سهلة الإجتياز([28])، بعكس الإنحدار الشديد والمفاجئ لجبل أكروم باتجاه الغرب (صوب وادي عودين في عندقت الذي ينتهي في وادي شدرة والمشاتي وصولاً إلى البقيعة).

تلي هذه المنطقة سلسلة من الهضاب التي يتراوح ارتفاعها ما بين 800 و300 متراً. وإذا كانت المنطقة الجردية على شيء من وعورة الدروب، فإن الثانية تمتاز بسهولة الإتصال، لذلك يكثر فيها العمران، وتقوم بين منحدراتها وأرباضها البلدات والقرى. وتتدرج هذه المنطقة بالهبوط لتبلغ المنطقة السهلية المزدوجة، في سهل عكار الساحلي وسهل البقيعة اللذين يفصل بينهما عنق الوادي المتكون حول مجرى نهر الكبير الجنوبي لدى انعطافه من البقيعة باتجاه الجنوب الغربي عند الوادي المتكون تحت قرية العوينات، حيث يتجه النهر إلى الغرب محصوراً بين الأراضي السورية واللبنانية حتى يتجاوز قرية الدبابية والنورا، فينفتح أمامه سهل عكار الفسيح.

لقد وصف هذه الطبوغرافيا العكارية مؤلفا "ولاية بيروت" بقولهما: "يمكن تقسيم القضاء إلى ثلاثة أقسام حسب طبيعة التكون. فالقسم الأول عبارة عن السهول، وطوله ست ساعات ونصف وعرضه ثلاث ساعات فقط، وأراضيه عبارة عن الأتربة اللحفية كما هو الحال في سهول طرابلس وهو على غاية في الإنبات، ولا سيما الأنحاء الريانة منه. ويوجد على الساحل سلسلة من الهضاب تبعد عن بعضها مقدار ساعة… أما القسم الثاني فيسمونه " الوسط"، والثالث "الجرد". وارتفاع الأول عن سطح البحر يتراوح بين (300) و (600) متراً. أما ارتفاع الجــرد فـهـو يـتـداور بـيـن (1000-1500) متراً على التخمين"([29]).

تعتبر جبال عكار امتداداً جيولوجياً وطبوغرافياً للسلسلة الغربية من لبنان، فهي تستكمل جبل المكمل وتتجه إلى الشمال الشرقي حتى تنتهي انطلاقاً من جبل أكروم بتدرج مريح في هبوطه، نسبياً، نحو الهرمل ووادي العاصي، وصولاً إلى ملتقى سهوب حمص بوادي خالد، حيث يتشكل هناك مع سهل البقيعة ما يعرف، عبر التاريخ، باسم "فرجة حمص" (Trouée de Homs)  المشهورة.

وتعرف عكار منطقتين جيولوجيتين مميزتين، فيها انقصاف وتمعج أرضي يبدأ من نهر البارد ويصل إلى القبيات وفق اتجاه جنوب غرب/شمال شرق([30]). كما أن قسماً من عكار يتصف بتكوينه البركاني أو الناري([31]). ولا تقتصر هذه الحالة البركانية على قضاء عكار، بل هي تبدأ بالقرب من حلبا، وتستمر في عكار على ارتفاع يصل إلى حوالي 700 متراً في تلّة "برزق" حيث تنقسم القبيات قسمين، ثم تتابع هذه الوضعية البركانية تمددها حتى تتجاوز حمص وحماة وتبلغ جبال النصيرية والمناطق السهلية. ولعل هذه الحالة الجيولوجية تأكد على التواصل التكويني بين لبنان وجواره.

ويجمع الجغرافيون على أن جبال عكار تستكمل بسلسلة جبلية أخرى، أقل منها ارتفاعاً، هي جبال العلويين أو البهراء. يقول راي (Rey): "يستمر جبل عكار في جبال النصيرية وكأنها موصولة به"([32]).

ويذهب الأب مرتين اليسوعي إلى أبعد من ذلك بكثير إذ يعتبر جبال العلويين قسماً عضوياً من جبل لبنان، ولكنه يشخص التكوين الطبوغرافي بشكل معقول نسبياً، بقوله: "ولمعرفة حدود لبنان معرفة مكتنفة بالتدقيق نبدأ بذكر الجبل برجل([33]) الذي يرتفع شرقي سهل أرواد فهذا الجبل القليل الإرتفاع يمتد على طول وادي العاصي وساحل البحر ويسمى هناك بجبل النصيرية والكلبية والإسماعلية نسبة إلى القبائل الساكنة فيه وينتهي عند وادي الحسن([34]) بازاء لبنان ومن قعر هذا الوادي الضيق([35])  تأخذ في البروز أسناد لبنان الشمالي ثم تشخص شخوصاً سريعاً في بلاد عكار"([36]).

 

أهمية الطبوغرافيا العكارية

     امتاز قضاء عكار، بحكم موقعه الجغرافي في المنطقة وبحكم طبيعة تضاريسه ومجاريه المائية، بقيمة استراتيجية عسكرية، واقتصادية معاً، وذلك منذ أقدم الأزمنة. ولهذا فقد ذكرته، أو ذكرت بعض مناطقه ومواقعه، شتى أعمال التأريخ، كما وردت الأخبار عنه في شتى المدونات الأثرية العائدة للعصور القديمة.

تكمن هذه الأهمية في ما يسمى ممر وادي النهر الكبير، من جهة، وفي جبال عكار، من جهة أخرى.

    

1 - أهمية ممر وادي النهر الكبير:

     يقول رينيه دوسو (R.Dussau): "لقد هددت قوات الغزو، عبر كل الأزمنة، طرابلس، من وادي إلوتيروس أو النهر الكبير الذي يشكل، بمجراه وبروافده، فرجة بين لبنان وجبال النصيرية. ولهذا تكاثرت في هذه المنطقة المواقع المحصنة…"([37]). ويضيف في مكان آخر، تحت عنوان وادي إلوتيروس: "حدد بوكوك([38]) إلوتيروس بأنه ذلك النهر الذي يجري، وهو باسم النهر الكبير، أولاً، من الشمال إلى الجنوب، مثل معظم الأنهار السورية، عبر سهل البقيعة، ثم يتجه بحدة نحوى الغرب ليصب في البحر في منتصف جون عرقة. وهكذا فإن الوادي العريض، الذي سماه سترابون (Strabon) ([39]) ماكرا أو ماكروبيديون  Macropedion)(Macra ou، مروي بغزارة، وهو على درجة كبيرة من الخصوبة"([40]).

ولقد ذكر هذا الوادي الفاصل بين جبل لبنان وجبل العلويين بلين(Pline) بقوله: "ينتهي جبل لبنان بعد مرحلة سهلية بجبل برجل"، كما ذكر نهر إلوتيروس([41]). ولم يفت المؤرخون اللبنانيون ذكر هذا الممر الإستراتيجي في تاريخ وجغرافيا المنطقة ولبنان، وأهميته. يقول فيليب حتى: "ولبنان هو الهيكل الذي ترتبط به السهول والمنخفضات المجاورة ارتباط اللحم بالعظم. هذه السلسلة الجبلية هي ثاني المناطق الطولانية وتشكل أول حاجز للمواصلات بين البحر وما يقع وراءه في الشرق ولا يمكن اختراق هذا الحاجز بصورة حقيقية إلا في الطرفين الشمالي والجنوبي وذلك عند خليج الإسكندرون حيث يجري الإتصال بطريق الجسر السوري مع سهول ما بين النهرين، وعند برزخ السويس… وبين هذين الطرفين يمكن اختراق الحاجز الجبلي فقط في وادي النهر الكبير (وهو Eleutherus القديم) شمالي طرابلس وعند تصدع مرج ابن عامر شرقي عكا وحيفا"([42]).

وفي هذا يقول جواد بولس: "يعتبر جبل لبنان أعلى جبل في الشرق المتوسطي… انه حاجز… وهذا الحاجز لا ينفتح باتجاه بلاد ما بين النهرين والخليج القاري إلا بممرين معترضين هما فرجة حمص من جهة والطريق التي تؤدي من عكا وحيفا وصور وصيدا إلى دمشق والصحراءمن جهة أخرى"([43]).

ولقد أفاض المؤرخون والجغرافيون والرحالة في توصيف الأهمية الإقتصادية (في التجارة والإنتاج الزراعي) والعسكرية لممر النهر الكبير الجنوبي([44]). ويلخص عمر عبد السلام تدمري الأهمية الإستراتيجية لهذا الممر بقوله: "تتميز (طرابلس) بموقعها الجغرافي، حيث يوجد في إقليمها منخفض أرضي بين جبال لبنان وجبال النصرية إلى الشمال منها. ويعتبر هذا المنخفض المنفذ الرئيسي إلى منعطف نهر الفرات وإلى ما بين النهرين، وإلى بلاد الكلدانيين التي تربط أوروبا بآسيا، وهذا هو الطريق الكبير للهجرات، كما أنه في الوقت نفسه طريق الغزوات. فقد عبرت جيوش تحوتمس هذا الممر في النصف الأول من القرن الخامس عشر قبل الميلاد أثناء حملته على سورية (1482-1450ق.م.) واحتل مدينة عرقة الواقعة على مسافة 25كلم تقريباً شمالي شرق طرابلس في طريقه إلى حمص. وكذلك سار "رعمسيس الثاني" في السنة الخامسة من حكمه في هذه الطريق المؤدية إلى حمص قاصداً بلاد ما بين النهرين، وذلك سنة 1296ق.م.وعبرت هذا الممر أيضاً الجيوش الأشورية والفارسية واليونانية والرومانية قبل الميلاد. ثم عبرته الحملات البيزنطية والعربية والصليبية في العصور الوسطى"([45]).

  وأشار الرحالة والجغرافيون والمؤرخون إلى الأهمية الزراعية لهذا الوادي الخصيب فعدد الرحالة هنري موندريل، في القرن السابع عشر، أنهاره مشيراً إلى الإهتمام بها من خلال وصفه لبناء الجسور عليها([46]). وقد اعتبر جان ريشار "أن المناطق الخصبة الوحيدة في الكونتية (طرابلس) هي سهل النهر الكبير، لا سيما السهل المرتفع في البقيعة"([47]). ولهذا رأى دوسو أن المزارع انتشرت بكثرة في هذا المرر في العصور الوسطى([48]). ويؤكد ذلك ما ذكره المؤرخ و عالم العاديات بول ديشان عن السائح بورشار دي مون سيون (Burchard De Mont Sion) (القرن الثالث عشر الذي وصف سهل عكار، وخاصة سهل البقيعة، وما في ذلك من زراعات التين والزيتون، في الأراضي المروية بالعديد من الأنهار والسواقي، وأسهب ذلك السائح في وصف الخيم التي تزدحم في السهل لتأوي الرجال الذين يرعون قطعانهم، وأكثر ما أذهله الحجم الكبير لقطعان الجمال في المنطقة، فقدَّر "عددها بعدة آلاف"، ولعله لهذا سمى ألبير ديكس (Albert d'Aix) البقيعة، في مطلع القرن الثاني عشر، باسم "وادي الجمال"([49]).

     بناءً على ما تقدم يشكل "ممر النهر الكبير" أو "وادي النهر الكبير" موقعاً له أهميته الإستراتيجية والإقتصادية معاً. وهذا ما جعله مصدراً لإعمار منطقة عكار ببناء التحصينات العسكرية، القلاع والحصون والأبراج، لأسباب عسكرية، دفاعية أوهجومية، باتجاه طرابلس والساحل، أو باتجاه حمص والداخل السوري الشمالي. كما أن أراضيه الزراعية الخصبة، بما فيها من إمكانيات الري، شجعت إعمار عكار والإقامة فيه، منذ أقدم العصور. ولقد تضافرت الأهمية الإستراتيجية (العسكرية) للمنطقة بأهميتها الإقتصادية (الزراعية والتجارية)، حتى صارت الدواعي الإقتصادية والعسكرية مندمجة في سياق نمو وازدهار السكن في عكار.

إن وجود الثروات ومصادرها يستلزم حمايتها، كما أن وجود الحاميات والمواقع العسكرية يستلزم المزيد من إعمار المنطقة. وهذا ما أشار إليه ديشان في أبحاثه حول القلاع الصليبية حيث كان يعيش في تلك القلاع الأسياد الصليبيون وعائلاتهم، وكذلك المقاتلون وعائلاتهم([50]). وهو يؤكد "أن الأمن الذي يوفره بناء قلعة كبيرة ينعكس على منطقة واسعة. وهكذا فإن أحد مؤرخي الحوليات لاحظ، وهو يتحدث عن بناء قلعة صفد في الجليل عام 1240، أنه توجد تحت القلعة مدينة لها سوقها، وأنه كنا نشهد، حول القلعة، وفي ظل حمايتها، نمو 260 مزرعة بلغ عدد سكانها أكثر من عشرة آلاف نسمة"([51]).

ولقد انعكس هذا الواقع في أدب الرحالة الذين إنما يذكرون دوماً ازدهار المواقع المحصنة ويعددون ما يحيط بها من مواقع دفاعية. فالأدريسي، مثلاً عندما وصف في رحلته البلدان التي مر بها، أنما اعتمد الربط بين المواقع المحصنة والإزدهار المحيط بها. فهو يقول: "ومدينة طرابلس الشام مدينة عظيمة عليها سور من حجر منيع ولها رساتيق وأدوار وضياع جليلة وبها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلاة الشيء الكثير والوارد والصادر إليها كثير"([52]). وعندما انتقل إلى وصف سهل عكار([53]) قال: "ومن مدينة أطرابلس على الساحل إلى رأس الحصن وهو مدينة صغيرة عامرة آهلة وهي على طرف جون… ويسمى جون عرقة وفي وسط هذا الجون ثلاثة حصون تتقارب بعضها من بعض إسم أحدهما مما يلي أطرابلس لوتورس والآخر بابية وهو على نهر جار يسمى نهر بابية والحصن الثالث يسمى حصن الحمام وهي تتقارب بعضها من بعض ومنه إلى عرقة وهي مدينة عامرة حسنة في سفح جبل قليل العلو ولها في وسطها حصن على قلعة عالية ولها ربض كبير وهي عامرة بالخلق كثيرة التجارات وأهلها مياسير وشربهم من ماء يأتيهم في قناة مجلوبة من نهرها…"([54]).

لم يختلف كثيراً كلام الأدريسي في حمص وأنطرطوس (طرطوس) وأرواد…([55]).

أما رينيه دوسو فقد أكدَّ على هذا الموقع الاستراتيجي لوادي النهر الكبير بقوله : "لقد هددت قوات الغزو، عبر كل الأزمنة، طرابلس، من وادي إلوتيروس أو النهر الكبير الذي يشكل، بمجراه وبروافده، فرجة بين لبنان وجبال النصيرية. ولهذا تكاثرت في هذه المنطقة المواقع المحصنة. نذكر منها خاصة حلبا وعرقة، في الشمال الشرقي، ثم في الشمال مجموعة من الحصون…"([56]).

ولقد أفاض في عرض هذه الأهمية الإستراتيجية، خاصة في زمن الحروب الصليبية، بول دي شان، في مؤلفه "دفاعات كونتية طرابلس"([57]). وسبق لنا أن أشرنا إلى كون هذا الوادي هو الممر الرئيسي من الساحل اللبناني إلى الداخل السوري عبر حمص وجوارها.

 

     2 - أهمية جبال عكار:

تلعب جبال عكار دوراً مهماً يترافق مع الأهمية الإستراتيجية لوادي النهر الكبير. فهي تشكل حصناً طبيعياً في الدفاع عن الممر المذكور. هذا بالإضافة إلى دفاعها عن الساحل الذي يؤدي إليه، شأنها في ذلك شأن السلسلة الغربية من لبنان. ولكن جبال عكار تمتاز بأهمية مضاعفة كونها تشرف على طريق حمص-بعلبك، هذا فضلاً عن كون عبورها باتجاه الغرب والجنوب، من جهات الوعر في وادي خالد وأكروم ومن نواحي الهرمل سهل نسبياً، مما جعلها ممراً عسكرياً، إن لم يكن بسهولة وأهمية ممر وادي النهر الكبير، فهو أيسر من الممرات الجبلية في السلسلة الغربية.

ومن المعلوم أن جبال عكار إنما تنحدر باتجاه الهرمل التي قال فيها الأب لامنس: "الواقعة على منعطف لبنان الشرقي. ولا غرو فإن موقعها في بطحاء مخصبة غزيرة المياه مما يستدعي إلى استعمارها وبقربـها وجدت صفيحتان فيهما كتابات أشورية قديمة"([58]). وتشكل المنطقة الممتدة ما بين الهرمل والعين واللبوة في البقاع ما يسمى في العهد القديم "بمدخل حماة" أو حدود الأرض المقدسة الشمالية. وفي هذا يشير ألوف: "يُظن أن اللبوة هي ليبو القديمة الرومانية." وقد جاء في كتاب موري ([59]) "الدليل في سوريا وفلسطين" ما يأتي: "إن كلمة اللبوة تقترب من الكلمة العبرانية "لبوا" التي ترجمت في الكتاب المقدس "بالمدخل إلى" عند ذكر حماة في سفر العدد، ص24 عد80 مع أنه يجب ضبط قراءة السورة هكذا "وهذا يكون لكم التخم الشمالي من البحر الكبير تخطون لكم إلى هور…، ومن جبل هور تخطون إلى لبوة حماة"([60]). ويضيف: وفي أرض العين ومقابلها في سفح الجبل الغربي "قرية جبولة" الصغيرة وهي قريبة من نهر الفرفور، هناك وجدت في خرابات "تلة الدير" كتابة لاتينية على الحجر الميلي السابع عشر تدل على وجود طريق رومانية بين بعلبك وحمص وطرابلس"([61]).

وليس هناك أدنى شك بأن لجبال عكار أهمية استراتيجية في التحكم "بمدخل حماة" وفي الطريق بين بعلبك-حمص-طرابلس. ويجب أن لا يغيب عن بالنا أن جبال عكار تشرف مباشرة على قرية ربلة "المذكورة في التوراة (سفر العدد ص34 عد11) كحد من حدود أرض الميعاد. ودعاها اليونان تريرباراديوس أي القرية ذات الثلاث جنان وفيها اجتمع قواد الإسكندر بعد موته لإقتسام ممالكه بينهم"([62]). وفيها وضع نبوخذنصر مقر قيادته في حملته على فلسطين. وقبلها كانت مدينة قادش أو "قدس التي يظن العلماء أن موقعها كان في المحل المعروف اليوم باسم تل النبي مند عند بحيرة قطينة قريباً من حمص"([63])، وكانت عاصمة الحثيين في سوريا([64])، وحولها دارت المعارك الكبيرة بين المصريين والحثيين([65]).

أن جبال عكار تشرف على هذه المواقع الإستراتيجية، من خلال بعض الحصون في جبالها، لا سيما في جبل أكروم، حيث اهتم الأب لامنس بموقع يدعى الحصين الذي "يشرف إلى الشرق على سهل البقاع وضفاف العاصي وبحيرة حمص، وآخر أطراف السلسلة الشرقية التي تذوب في هضاب حمص بين شمسين وحسيا"([66]). ولعل أفضل من لاحظ الأهمية الإستراتيجية لجبال عكار، هو الأب تالون عندما قال: "يبدو أن أكروم قد كانت منذ العصور القديمة نقطة انطلاق لطريق عبرت سلسلة جبال لبنان… اكتشفها البابليون قبل أن يسلكها الرومان والعرب والصليبيون. ففي هذه المنطقة من الجبل (قرية أكروم) وحيث يبدو أن تضاريس السلسلة تجعل المرور صعباً، فإن طبيعة ومواقع الوديان الغربية والمناطق الشرقية المحجوبة بين التلال تجعل منها موقعاً فريداً لا يمكن من غيره، الإنتقال بأسرع منه، من منحدر لبنان الغربي إلى منحدره الشرقي، أو العكس… ولا يبرر وجود حصن عكار القائم على خط مستقيم، وعلى نفس ارتفاع أكروم، غير مراقبة هذا الموقع الذي يتمتع بإمكانيات تكتيكية فريدة… ومع أنه لا يوجد في جبل القموعة ممر شبيه بممر ضهر البيدر، بيد أن هضبة كرم سباط… تسمح باجتياز سهل، أو بالإلتفاف حول جبل القموعة، على علو 1200م، وهو ارتفاع يسمح بعبور الطريق طيلة العام. وفي العصور الوسطى اعتمد العرب والصليبيون هذه الطريق لمراقبة طريق البقاع، كما كانوا ينقضون، من خلال مناطق أكروم المحجوبة، على القوافل بين حمص وبعلبك، سواء للإستيلاء على قافلة أو لضرب جيش منتشر على طول هذا السهل. وبالمقابل، كان يمكن للآتي من سوريا، في الأزمنة القديمة، أن يمر خفية، بحكم كثافة الغابات، وأن ينقض على عرقة، أو يقطع فجأة طريق الساحل. ولا يمكننا أن نجد شمالي طرابلس طريقاً اقصر، تسمح بالإختباء عن العدو أو بمفاجأته"([67]).

لا تقتصر أهمية جبال عكار على الناحية الإستراتيجية. فهي تمتاز بقيمة اقتصادية، سواء لوفرة الماء فيها أو لطبيعة تضاريسها، ولغناها بالثروة الحرجية والحيوانية. وعلى الرغم من تجاوز ارتفاع جبال عكار 2150م ([68]) ففيها مناطق صالحة للزراعة، سبق أن ذكرنا بعضها عندما بينَّا تميز جبال عكار عن غيرها، من جبال لبنان، بالبطائح القابلة للزراعة. وإذا كنا اقتصرنا على ذكر سهلة القموعة وكرم سباط ومرج الطويل والسهل العالي([69])، فإن ذلك كان للإشارة فقط إلى أشهرها.

ففي جبال عكار العالية العشرات من القطع الزراعية التي تعرف بإسم سهلة، أو سهل، أو مرج، أو كرم، أو مزرعة، أو شعب، أو سهم، أو جورة… هذا فضلاً عن الوديان التي اشتهرت باسم الأشجار المثمرة أو الحبوب التي تزرع فيها. منها على سبيل المثال لا الحصر: خربة الجوزة،  الجوزات، وادي الجوز-مراح التين، كتاف التين-عين التفاحة، جورة التفاح-النجاص، وادي النجاص، جورة النجاص-وادي العريشة، كرم الدهبي-عين الخيار-جورة الشعير. ومن الجدير بالذكر أن بعض هذه المناطق يتجاوز في ارتفاعه 1800م، مثل عين الخيار، جنوب-غرب عروبة، وكرم الدهبي على ارتفاع أكثر من 1800م أيضاً، فوق سفوح الهرمل.

     بالطبع لم تكن هذه المناطق الزراعية لتشتهر لولا توفر المياه بكثرة، وذلك على مرتفعات عالية للغاية نسبياً. نذكر من هذه العيون بعض النماذج في أعالي جبال عكار المحيطة بقلعة عروبة وحبل القموعة: هناك عين الدلب وعين الخيار (حوالي 1800م)، عين الشلش 1700م، عين البحصة 1740م، عين الميدان وعين الحية وعين الوادي في منطقة المعبور، على ارتفاع 1600م… ويجدر بنا أن نشير إلى أن قرية الرويمة مثلاً تقع على 1280 (ولعلها أعلى قرى عكار) وتشرب من مياه تصلها عبر شبكة تعمل بالجاذبية انطلاقاً من تجمع عيون ينطلق على ارتفاع 1600م (منطقة المعبور) وعلى مسافة تتجاوز 8كلم. بينما تشرب بلدة فنيدق (وهي على ارتفاع ما بين (1100و1200م) من نبع فنيدق، على علو 1200م.

ولقد امتازت جبال عكار بثروة حرجية ضخمة فيها أنواع شتى من الأشجار البرية المتنوعة. ولعل ما يصح في وصف أحراج لبنان ينطبق على عكار. ففي جبال عكار اليوم ( ولا بد أن تكون الحال أفضل في ما مضى) شجر الأرز والشربين والتنوب([70]) واللذاب والشوح والسنديان والصنوبر، وبالقرب من فنيدق غابة شجر العرعر، فضلاً عن أشجار أخرى متنوعة ونباتات وأزهار برية متعددة. وكثيراً ما تعرف الجغرافيا العكارية بطبيعة أشجارها، إذ نجد جبل الصنوبر ومعقل السنديان، جورة اللزاب، عين الدلب، نبع الصفصافة…

لم يذكر جغرافي أو مؤرخ، منذ اقدم العصور، لبنان إلا وتحدث على ثرواته الحرجية. ولا بد من ان تكون بلاد عكار، مشمولة بالكلام على غابات لبنان. وقد سبق لنا أن عرضنا كلام المؤرخ الجغرافي بلين (Pline) عن لبنان، وكيف جعل حدوده تتجاوز عكار إلى جبال العلويين. وكذلك فعل اسطرابون الذي "لم يشذ عن الصواب إذ دلَّ على حدود لبنان الشمالية وهو يجعلها تقريباً عند حدود طرابلس لأن جبل عكار يعد أيضاً من لبنان فيتصل به ويمتد بعض أميال إلى النهر الكبير الذي يحجز لبنان عن جبال النصيرية"([71]). ويصف إبن بطوطة، في النصف الأول من القرن الرابع عشر، جبل لبنان، وهو يريد به "الجبل الممتدّ بين اللاذقية وطرابلس"([72]).

 ويقول فيه: "جبل لبنان، وهو من أخصب جبال  الدنيا، فيه أصناف الفواكه وعيون الماء والظلال الوارفة…"([73]). وأغلب الظن أن إبن بطوطة يكرر هنا ما قاله إبن جبير في رحلته، في الربع الأخير من القرن الثاني عشر: "وهذا الجبل من أخصب جبال الدنيا، فيه أنواع الفواكه، وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة…"([74]).

ويقدم لنا المحاسني صورة كشاهد عيان عن غنى الثروة الحرجية في عكار، أثناء رحلته التي قام بها في أواسط القرن السابع عشر مجتازاً الجبال من الهرمل إلى أكروم فعكار العتيقة…: "ومن أعجب ما رأيت أن هذه الجبال والأودية والتلال كلها حرش وهيش وتشتمل على أشجار كثيرة من الشلبوط وأشجار كثيرة من السنوبر البري وأشجار كثيرة لونها كأنه مصبوغ أحمر في غاية الحمرة وعليه حمل كالزعبوب الصغار طري وهو وردي اللون، والورق في غاية الخضرة…"([75]).

هذا فضلاً عما تركه الرومان من نقوش لتحديد المقاطعات ولتعيين الأشجار التي تركتها السلطات لاحتكار التصرف بها وحدها دون غيرها، وخاصة في زمن هادريان، كما سنرى لاحقاً. 

وكانت جبال عكار غنية بحيواناتها البرية منذ أقدم العصور، وما زالت بعض المواقع فيها تنسب إلى أسماء هذه الحيونات منها: جورة النمري ووادي النمري وعين النمر، وضهر الدب، وسهم الضباع، وجبل مسرح الدياب، وعين الحجل ووادي الحجل… ولعل وادي السبع الذي اتخذ إسمه من النصب التذكاري الذي خلفه نبوخذنصر في أكروم،  يدل على أن هذا الفاتح كان يصطاد السباع في تلك الجبال.وما يزال في جبال عكار إلى اليوم بعض الحيوانات البرية، كالضبع، والثعلب والأرنب، والقنفذ (النيص)، وبعض أنواع الطيور المستوطنة كالحجل…

إن هذه الخصائص الإستراتيجبة والطبيعية، والثروات الحرجية البرية أو الزراعية أو الحيوانية، جعلت جبل عكار عامراً بالسكن منذ قديم الأزمنة، حتى في الجبال العالية. نستدل على ذلك من خلال بعض الآثار التي تم العثور عليها، سواء الآثار الأشورية في وادي السبع (أكروم) أو وادي بريسا (جرود الهرمل على ارتفاع 1300) أو عند "شير الصنم" الذي اكتشفه الأب تالون، أو في جرود فنيدق، حيث تم العثور على أثر يمثل الثالوث البعلبكي، ويعود لأيام الرومان([76]).

هذا بالإضافة إلى أسماء بعض المواقع في الجبال التي تشير إلى عصور اليهودية والمسيحية والإسلام. نذكر منها: حرف شيت(1300م)، مقل بعال(1200م)، حرف اليهود (1400م-1550م)، قبع الكنيسة(1950م) وحرف الكنيسة(2100م)، مقام النـبـي أيـوب(1200م)، مقام النبي خالد(1550). هذا فضلاً عن أن أعلى قمة في جبال عكار، على ارتفاع 2158م، إعتبرها مؤلفا كتاب ولاية بيروت، واحدة من "ثلاثة خرب تسمى "عروبة" و"قليعات" وهي من بقية آثار الفينيقيين والرومانيين"([77]).


[1] -  الدبس، المطران يوسف: تاريخ سورية الدنيوي والديني، راجعه ودققه د.مارون رعد، إشراف نظير عبود، دار نظير عبود، 1994، الجزء الأول، ص24. ثمة مبحث، جديد نسبياً، يجمع، جمعاً عضوياً، ما بين التاريخ والجغرافية، هو الطبوغرافيا التاريخية.

 [2] -  بولس، جواد: لبنان والبلدان المجاورة، مؤسسة بدران للطباعة والنشر، بيروت، طبعة ثانية، 1973، ص22-23.

[3] -  يؤكد كثير من الجغرافيين على أن هذا الإتجاه شمال-جنوب، يداخله إنحراف من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، خاصة في جبال لبنان. راجع بهذا العدد: SANLAVILLE, Paul: Etude Géomorphologique de la Région Littorale du Liban, Publications de l’Université Libanaise, Tome 1, Beyrouth, 1977, p.3.

[4] -  حتي، فيليب: تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، ترجمة د.جورج حداد وعبد الكريم رافق، مراجعة وتحرير د. جبرائيل جبور، دار الثقافة، بيروت، 1958، ص31. وفي مكان آخر يوكد حتي نفس النظرة: "إن الطابع المميز لطبوغرافيا لبنان هو أنه أرض‏ منخفضة تتلوها أرض عالية تمتد على خط يسير من الشمال إلى الجنوب". ولكنه يجعل هذه المناطق الطولانية أربع فقط: "إنك تستطيع أن تميز بين سوريا والبحر الأبيض المتوسط أربع مناطق مستطيلة من هذا التناوب الطبوغرافي". راجع: حتى، فيليب: تاريخ لبنان، منذ أقدم العصور التاريخية إلى تاريخنا الحاضر، ترجمة د.أنيس فريحة، مراجعة د.نقولا صليبا، إشراف د.جبرائيل جبور، دار الثقافة-بيروت، الطبعة الثانية، 1972، ص13.

 [5] -  الدبس، المطران يوسف: المرجع السابق، ج1، ص26.

[6] -  حتى، فيليب: تاريخ سوريا…، مرجع سابق، ص31. "تاريخ لبنان"، مرجع سابق، ص13.

[7] -  حتى، فيليب: المرجع السابق، ص32، حاشية رقم1، فيها شرح لجبال الأمانوس: "جبل اللكام بالعربية (من السريانية "أوكاما" UKKĀMA أي أسود) وبـالـتـركـيـة كـاورداغ (Giaour Dagh أي جبل الكفار أي المسيحيين) لأنه كان لمدة طويلة حصن الامبراطورية البيزنطية ضد الإسلام". وفي هذا يقول مؤلفا "ولاية بيروت": "لا يفوتنا أن البلاد السورية الممتدة من (الماداغ-Amanus) إلى سيناء على طول يقرب من ألف كيلومتر وعرض مائة وخمسين، تنقسم إلى بضع مناطق من حيث العوارض الطبيعية والإقليم والتكامل التاريخي". راجع: التميمي، رفيق، وبهجت، محمد: ولاية بيروت، مطبعة الولاية، 1333/1917م، الطبعة الصادرة من منشورات لحد خاطر، بيروت 22نيسان 1979، القسم الشمالي (الثاني)، ص4.

[8] -  حتي، فيليب، تاريخ سوريا…، مرجع سابق، ص32.

[9] -  إبن حوقل، (أبي القاسم بن حوقل النصيبي): كتاب صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، بدون تاريخ، وبدون محقق، ص154-155.

[10] -  حتي، فيليب، تاريخ سوريا…، مرجع سابق،ص40.

[11] -  حتي، فيليب، المرجع السابق، ص40-41.

[12] -  حتي، فيليب، المرجع السابق، ص43-44.

[13] -  حتي، فيليب، المرجع السابق، ص 46.

[14] -  راجع: PALANQUE, Jean-Rémy: Les Impérialismes Antiques, Troisième éditions, Puf, Paris, 1967, p.p.7-23. . حتي، فيليب: خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى، الجزء الأول، الدار المتحدة للنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1982، الفصل الأول والثاني من الجزء الأول، من الصفحة13 حتى الصفحة31. أيضاً: LAMMENS, Henri (P.J.): La syrie, Précis historique, Édition Dar Lahd Khater, Beyrouth, p.1.

[15] -  بولس، جواد: لبنان و… مرجع سابق، كثيراً ما استخدم بولس عبارة "الممر السوري-اللبناني-الفلسطيني" لاسيما في الصفحات 24 و26 و51 و52 و65 و88 و102 و103 و119 و148 و156 وغيرها. يقول الأب هنري لامنس: "شكلت سوريا على الدوام، استناداً لموقعها المميز، نوعاً من صلة وصل بين الشرق والغرب… إنها الطريق الرائعة التي ربطت قارات العالم القديم الثلاث…" راجع: LAMMENS, Henri (S.J.): La Syrie et son Importance Géographique, Extrait de la Revue des Questions Scientifiques, avril 1904, Louvain-Imprimerie Pollenis et Centerick, 1904, p.12-13.

[16] -  حتي، فيليب: تاريح لبنان، منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصرنا الحاضر، ترحمة أنيس فريحة، مراجعة د.نقولا زيادة، دار الثقافة بيروت، 1958. يقول حتي حول الطبوغرافيا اللبنانية، ما يشبه كلامه حول الطبوغرافيا السورية: " إن الطابع المميز لطبوغرافيا لبنان هو أنه أرض‏ منخفضة تتلوها أرض عالية تمتد على خط يسير من الشمال إلى الجنوب. فإنك تستطيع أن تميز بين سوريا والبحر الأبيض المتوسط أربع مناطق مستطيلة من هذا التناوب الطبوغرافي: انخفاض فعلو. هذه المناطق هي الشاطئ ثم سلسلة جبال لبنان الغربية، فالسهل الداخلي (البقاع)، وآخرها سلسلة جبال لبنان التي تعرف بلبنان الشرقي…"، ص13.

[17] -  حتي، فيليب: تاريخ لبنان…، المرجع السابق، ص13.

[18] -  بولس، جواد: لبنان والبلدان… مرجع سابق، ص26. حتي، فيليب: تاريخ لبنان… "وفي الواقع أن لبنان جزء متوسط من سلسلة جبال ونجاد مرتفعة تبدأ في جبل اللكام في شمال سورية وتنتهي بجبال سيناء المرتفعة جنوباً"، ص14.

[19] -  بولس، جواد: المرجع السابق، ص26. حتي، فيليب: المرجع السابق، ص16.

[20] -  أعلن الضم وتكبير لبنان لأول مرة في سراي بعلبك بواسطة الكولونيل نيجر حاكم المنطقة الغربية في اليوم الأول من شهر آب 1920، ودعي لبنان الكبير في ذلك اليوم وثبت الجنرال غورو المفوض السامي إنشاء الدولة اللبنانية بحفلة رسمية أُقيمت في زحلة في اليوم الثالث من شهر آب…". راجع: ألوف، ميخائيل: تاريخ بعلبك، المطبعة الأدبية، بيروت، 1926، ص11؛ وكذلك: الحداد، حكمت ألبير: لبنان الكبير، دار نظير عبود، الطبعة الثانية، 1994، ص166-167 وص170.

[21] -  يسمى هذا النهر باسم النهر الكبير الجنوبي تمييزاً له عن نهرٍ آخر بنفس الإسم (النهر الكبير) هو النهر الكبير الشمالي الذي ينبع من جبال النصيرية ويجري لجهة الجنوب الغربي فيصب في البحر الأبيض المتوسط جنوب اللاذقية. "يوجد أيضاً نهراً آخر يسمى "النهر الكبير" يصب في البحر على مسافة 44كيلومتراً ونصف كيلومتر فوق ذلك تقريباً من اللاذقية. قال بلين: "إن مياهه تكثر فيها السلاحف". الأب مرتين اليسوعي: تاريخ لبنان، نقله إلى العربية، رشيد الخوري الشرتوني، دار نظير عبود، 1994، ص41. راجع أيضاً المطران يوسف الدبس، مرجع سابق، ص27. اشتهر النهر الكبير الجنوبي باسم (Eleuthérus)  إلوتيروس، أو إلوطار، (إلوطارس). ويرى الأب مرتين اليسوعي أن استرابون خلط بين هذا النهر والنهر البارد، وفي إسم هذا النهر الكبير الجنوبي يقول: "ولعل الوطار مشتقة من اللفظ الفينيقي "العطر" ومعناه متاخم ومحبط ومحام خلافاً لما قيل من أنها مشتقة من إسم الإله "ألوطارس أو ألفطارس بحسب اللفظ اليوناني" ومعناه الحر وهو الإله بكخس وملاحو اليونان يسمونه إلى اليوم "ألفلاتس" وهو تصحيف "الفطارس". (الأب مرتين اليسوعي، المرجع السابق، ص41، حاشية 2).

[22] -  الصحيح هو جسر قمار أو الأقمار.

[23] -  الحداد، حكمت ألبير: مرجع سابق، ص170. يبدو أن ترسيم الحدود وتعيين المناطق والقرى تم بواسطة أشخاص يجهلون كيفية لفظ أسماء القرى والمناطق الحدودية، ولعله تم الإعتماد على الخرائط الفرنسية فجاءت التسميات مترجمة بدل اعتماد التسميات المحلية من أصحابها بالذات: سكان هذه المناطق. وهذا ما أدى إلى وجود فوارق في كتابة هذه الأسماء حتى في النصوص "المقدسة" وطنياً. جاء في المادة الأولة من الفصل الأول من الدستور اللبناني: "… شرقاً: خط القمة الفاصل بين وادي خالد ووادي نهر العاصي (أورنت) ماراً بقرى معيصرة-جربعاتة-هيت-أبش-فيصان على علو قريتي بريتا ومطربا، وهذا الخط تابع حدود قضاء بعلبك الشمالية…" (الدستور اللبناني الصادر في 32أيار  1926، مع جميع التعديلات التي أقرت في مجلس النواب اللبناني، وفقاً لوثيقة الإتفاق الوطني اللبناني (إتفاق الطائف)، 1991-بدون ناشر أو تاريخ،ص9). قارن مع نص آخر من نفس الدستور أيضاً: "…شرقاً: خط القمة الفاصل بين "وادي خالد" ووادي "نهر العاصي" (أورنت) ماراً بقرى معصرة مربعانة-هيط-أبيج-فيضان على علو قريتي بريفا ومتربة. وهذا الخط تابع حدود قضاء بعلبك الشمالية…" (الدستور اللبناني، تاريخه، تعديلاته، نصه الحالي 1926-1991)، إعداد شفيق جحا، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، تشرين/أكتوبر 1991، ص35.

[24] -  ألوف، مخائيل: تاريخ بعلبك، مرجع سابق، ص11.

[25] -  راجع: TALLON, Maurice (S.J.): “Monuments Romains et Vestiges Antiques en bordure du Djebel Akroum” Mélanges de l’Universitée Saint-Joseph, TomeXLIV, fase 5, Imprimerie Catholique, Beyrouth, 1968, p.53.. يقول الأب تالون: "طالما أن المتجول يسير بموازاة النهر، فهو بأمان، ولكن ما أن يتجاوز النبع ويدخل السهب الكائنة بين أسفل السلسلة اللبنانية وبحيرة حمص حتى يصبح بحاجة إلى مرشد، كيلا يتجاوز دون أن يدري الأرض اللبنانية إلى الأرض السورية. ويبدو أن الحدود قد رسمت هناك، بين قرى لا يفصلها عن بعضها أبداً عامل جغرافي هام، تبعاً للإنتماء الأتني للسكان. ولا يوجد معلم ما لتعيين هذه الحدود الاصطناعية." ص5.

[26] -  راجع: SANLAVILLE, Paul: op. cit, p. 5 et 6.

[27] -  المرجع السابق، ص6.

[28] -  راجع: TALLON, Maurice (S.J.): “Une Nouvelle Stèle Babylonienne au Akkar (Liban-Nord)”, Mélanges de l'Univesité Saint-Joseph, TomeXLIV, fase 1, Imprimerie Catolique, Beyrouth, 1968, p.1-8.

[29] -  التميمي، وبهجت: مرجع سابق، ص235.

[30] -  راجع: SANLAVILLR, P. op. cit., p. 30

[31] -  الأب مرتين اليسوعي: تاريخ لبنان، مرجع سابق،  ص19. راجع أيضاً الفصل الأول من SANLAVILLE, op. cit.. ولقد وصف حسن سيد أبو العينين، بكثير من الدقة، هذه المنطقة البركانية بقوله: "أما بالقسم الشمالي من لبنان فإن أعظم اتساع للطفوح البازلتية البلايوسينية Basalt Pliocène تغطي القسم الأوسط من وادي نهر الكبير الجنوبي والتي تعرف هنا باسم هضاب عكار. وتنتشر الهضاب البازلتية على شكل نطاق واسع ويتألف من تلال قبابية صغيرة الحجم حمراء اللون وتظهر أحياناً بالون البني والأسود الداكن ويمتد هذا النطاق من بلدة حلبا في الغرب حتى بلدة العوينات في أقصى شمال شرق إقليم عكار عند الحدود اللبنانية-السورية. "وأجمل التلال البازلتية القبابية الشكل الداكنة اللون تشاهد في الحقل عند قرى عندقت وعيدمون وعودين وبيرة وعامرية وكذلك عند قرى التليل وصيدنايا وكويخات وتل عباس وبيت الحج والسوسة شمال شرق مدينة حلبا". حسن سيد أحمد أبو العينين: لبنان، دراسة في الجغرافيا الطبيعية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1980،ص139-140.

[32] -  راجع: G.REY: Étude sur les Moments de l’Architecture Militaire des Croicés en Syrie et dans l’Ile de chypre. Imprimerie Nationale,  Paris, 1871, p.5.

[33] -  "كذا سماه الأقدمون “Bargylus” (بلين 5: 17: 4) وبرجل أصلها برزل ومعناها بالفينيقية الحديد". هذا ماجاء في الحاشية رقم 3، من ص14، من الأب مرتين اليسوعي، مرجع سابق. راجع أيضاً حتي، فيليب: تاريخ سوريا و…، ص33.

[34] -  المقصود وادي خالد والبقيعة.

[35] -  من المستغرب وصف هذا الوادي بأنه ضيق. وهذا ما يرفضه جميع من تناول بحثاً جغرافياَ أو تاريخياً في المنطقة. ويزداد استغرابنا لأن الأب مرتين السوعي استشهد بالمؤرخ الجغرافي بلين الذي يقول في هذه المسألة: "ينتهي جبل لبنان بعد مرحلة سهلية بجبل برجل (برجيلوس) Bargylus" (التشديد لنا). راجع: PLINE (Caïus Plinius Secundus): Histoire Naturelle, avec la traduction en français par M.É. LITTRÉ, chez Firmin Didot frères, Paris, 1860, Tome I, Livre 5, p.222.

[36] -  الأب مرتين اليسوعي، مرجع سابق، ص14-15.

[37] -  "يخرج هذا النهر من أواخر ربى لبنان ومن أوائل أودية جبال النصيرية ويجري في مضيق عميق فاصل بين هذين الجبلين ويجتاز سهلاً منبسطاً". راجع الأب مرتين اليسوعي، مرجع سابق، ص41. أما حتي فإنه يرى أن هذا النهر "ينبع من جبال النصيرية"، حتي: تاريخ سورية…، مرجع سابق، ص33. راجع أيضاً: DUSSAUD, René: Topographie Historique de la Syrie antique et Medievale, Librairie Orientaliste Paul Geuthner, Paris, 1927, p.80.

[38] -  مرجع دوسو هنا هو: A Description of the East, II, Part I, p.204 et suiv. حاشية رقم 3، ص91.

[39] -  مرجع دوسو هنا هو: Strabon, Géographie, XVI, 2,17. حاشية رقم 4، ص91.

[40] -  DUSSAUD, op. cit., p.91.

[41] -  PLINE, op. cit., p.222.

[42] -  حتي، فيليب: تاريخ سورية…، مرجع سابق، ص32.

[43] -  بولس، جواد: لبنان…، مرجع سابق، ص26.

[44] -  "يشكل هذا الوادي الجميل، وادي النهر الكبير، طريقاً واسعة استخدمتها على الدوام القوافل وكذلك جيوش الإجتياح. وهو الممر الوحيد في جبال سوريا الذي يمكن اجتيازه بسهولة. وإليه تدين أرواد وطرابلس في ازدهارها المذهل في الأزمنة القديمة والعصور الوسطة". راجع: LAMMENS, Henri (S.J.): Au pays des Nosarïs, Extrait de la Revue de l'Orient Chrétien, 1899 et 1900. P.5. يرد نفس الكلام تقريباً للأب لامنس، في مكان آخر: "أما السيل التجارية اللاحبة التي كنت القوافل تسلكها فإنها كانت تمر شمالي لبنان وجنوبيّه فتعطف في وادي النهر الكبير أو تجاري سير نهر الليطاني والطريق الأولى هي التي أغنت طرابلس في الزمن القديم…" راجع: لامنس، الأب هنري: تسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار، دار نظير عبود، 1995، ص196. "من بين جميع الطرقات التي تؤدي من المتوسط إلى الهضبة السورية، الأسهل هي الطريق التي تسلك وادي النهر الكبير وتصل أمام حمص مباشرة". راجع: SEYRIG, Henri: Syria, XXXVI, 1959, in Antiquités Syriennes, VI, 1966,p.64. "إن العامل الأساسي الذي حدد تكوين كونتية طرابلس، من وجهة نظر الجغرافية، هو وجود ذلك المنفرج بين جبال لبنان وجبال النصيرية… يتجه ذلك المنفرج من الغرب إلى الشرق: إنه مدخل حمص. لعب ذلك المنفرج دوراً كبيراً في الأزمنة القديمة… إن هذا المنفرج هو الذي يصل، من خلال سهل العاصي، مناطق ما بعد سورية بالمنطقة الساحلية…" راحع: RICHARD , Jean: Le Conté de Tripoli sous la dynastie toulousaine (1102-1187), Librairie Orientaliste Paul Geuthner, Paris, 1945, p.1. . ينسب الأب موراني كل هذه الخصائص التي يمتاز بها وادي النهر الكبير (بما فيه من موقع لبناني – سوري) ويختصرها بما يسميه "الممر القبياتي".

[45] -  تدمري، عمر عبد السلام: تاريخ طرابلس السياسي والحضاري عبر العصور، الجزء الأول، مطابع دار البلاد، طرابلس ـ لبنان، 1978، ص 36.

[46] -  الحوراني، يوسف: لبنان في قيم تاريخه، العهد الفينيقي، دار المشرق، بيروت 1972، حيث يقول في ص 32: "وهنا ندعو رحالة بريطانيا ليحدثنا عن مسالك لبنان… أواخر القرن السابع عشر للميلاد. وهذا الرحالة هو هنري موندريل، وقد اجتاز لبنان من شماله في شهر آذار 1696 قاصداً القدس. فذكر أنه… اجتاز النهر الكبير الغزير المياه، والطريق فوقه جسر تحمله ثلاث قناطر واسعة. ثم بعد مسير نصف ساعة اجتاز نهراً آخر هو نـهر الأبرص. وبعد ثلاثة أرباع الساعة من ذلك اجتاز نـهر عكار فوق جسر حجري وصفه بأنه فوق قنطرة واسعة جداً. ثم بعد مسير ساعتين وصل إلى نـهر رابع، هو النهر البارد، فاجتازه على جسر فوق ثلاث قناطر…"

[47] RICHARD J., op. cit., p.2.

[48] -  DUSSAUD, Topographie. . . , op. cit., p.91.

[49] -  راجع: DESCHAMPS, Paul, Les Chateaux des Croisés en Terre Sainte – Le Crac des Chevaliers, Texte, Librairie Orientaliste Paul Geuthner, Paris, 1934, p.110.

[50] -  المرجع السابق: ص 87-88، حيث يقول: "كان الأسياد، في قلاع القرن الثاني عشر، يعيشون مع نسائهم وأولادهم (في القلاع)، كما أن مسلحيهم كانوا هناك أيضاً بمعية عائلاتهم. كانت هذه العائلات تسكن بالطبع في الطابق السفلي. كما كانت تقوم بجوار القلعة قرية ريفية. وكان سكانها العاملون في الزراعة يستثمرون أرض السيد أو الرهبنة التي يتبعون لها".

[51] -  المرجع السابق، ص 88.

[52] -  الادريسي، كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، عالم الكتب، بيروت، المجلد الأول، الطبعة الأولى، 1989، ص 50. يُضيف الادريسي: وطرابلس "معقل من معاقل الشام مقصود إليها بالأمتعة وضروب الأموال وصنوف التجارات وينضاف إليها عدة حصون وقلاع معمورة داخلة في أعمالـها…" ص 50-51.

[53] -  لم يستعمل الادريسي لفظة عكار، بل جون عرقة.

[54] -  الادريسي، المرجع السابق، ص 373.

[55] -  المرجع السابق، ص 374-375.

[56] -  DUSSAUD, Topographie. . ., op. cit., p.80.

[57] -  DESCHAMPS, Paul, La Défense du Comté de Tripoli et de la  Principauté d’Antioche, Texte, Librairie Orientaliste Paul Geuthner, Paris, 1973.

[58] -  لامنس، الأب هنري اليسوعي: تسريح الأبصار...، مرجع سابق، ص 198.

[59] -  ألوف، مخائيل موسى: تاريخ بعلبك، المطبعة الأدبية، بيروت، 1926، ص 32. يحدد المؤلف مرجعه في حاشية رقم 1 في نفس الصفحة: Murray, Hand – Book to Syria and Palestine.  لم تتسنّ لنا قراءة هذا المرجع.

[60] -  المرجع السابق، ص 32.

[61] -  المرجع السابق، ص 33.

[62] -  المرجع السابق، ص 34. وحول مدخل حماة يقول الأب لامنس: "ومما جاء ذكره أيضاً في الكتاب وادي البقاع المخصب الذي يفصل لبنان عن جبل الشيخ وهو يُدعى هناك "حماة" أو "الطريق إلى حماة". راجع: لامنس، تسريح الأبصار…، مرجع سابق، ص 175.

[63] -  لامنس، تسريح الأبصار…، مرجع سابق، ص 203.

[64] -  المرجع السابق، ص 203.

[65] -  MASPERO, Histoire Ancienne des Peuples de l’Orient, Lib. Hachette, Paris, 1904, L 2, Ch. II, pp. 210-277.

[66] -  LAMMENS, Henri (S J), Notes Epigraphiques et Topographiques sur l’Emesène, Extrait du Musée Belge, Revue de Philologie Classique, Louvain, 1902, p.52.

[67] -  TALLON, Maurice (S J ), “Monuments Romains et Vestiges Antiques en Bordure de Djebel Akroum”, MUSJ, Tome XLIV, Fasc., 5, 1968, p.61-62.

[68] -  يبلغ ارتفاع قلعة عروبة (أو قرنة عروبة) 2158م، بينما تصل قرنة القموعة إلى 2074م.

[69] -  راجع في مكان سابق، تحت عنوان "طبوغرافيا عكار".

[70] -  يعتبر الأب لامنس شجر "التنوب" بمثابة شجر الأرز: "وفي أعالي بلدة سير ببلاد الضنية في أعالي وادي النجاص فهناك كثير من شجر الأرز على ارتفاع 1900 متر عن مساواة البحر. وتجد الأرز أيضاً بين سير ونبع السكر ثم في الغابة الواقعة خلف وادي جهنم والقوم في تلك الناحية يسمونه (تنوب)". راجع: (لامنس، تسريح الأبصار…، مرجع سابق، ص 155). والتنوب هو الشجرة الأساسية التي كانت تُستعمل لاستخراج مادة القطران، وتقطيره. ولا تزال بعض المواقع في جرود عكار تُعرف باسم "القطارة".

[71] -  المرجع السابق، ص 177.

[72] -  المرجع السابق، ص 180.

[73] -  ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، المسماة "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، الطبعة الأولى، 1991، ص 47. وفي الطبعة الثانية، عن دار صادر، بيروت، 1998، ص 82.

[74] -  ابن جبير: رحلة ابن جبير، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، ب. ت.، ص 201. وعن دار صادر، بيروت، ب. ت.، بعنوان "تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار"، ص 260.

[75] -  ابن محاسن: المنازل المحاسنية في الرحلة الطرابلسية، دراسة وتحقيق محمد عدنان البخيت، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1981، ص 51-52. "الشلبوط: يذكر الشيخ عبد الغني النابلسي نوعاً من الشجر يُعرف بالشاهلبوط "وهو القسطل أعذب من البلوط وأفضل وأقل يبساً…"، نفس المرجع، حاشية رقم 4، ص 51. "الزعب هو الكثرة. وزعبوب هو القصير من الرجال وعلى الأرجح استخدمها هنا بمعنى الكثرة والصغر"، نفس المرجع، حاشية رقم 1، ص 52.

[76] -  سوف نتعرض لكل هذه المواقع لاحقاً.

[77] -  التميمي وبهجت: ولاية بيروت، القسم الثاني، مرجع سابق، ص 239.

the Chapters of the book, click on the title to read it: 

Detailed Contents

Part2-Chap1

Part3-Chap1

Part4-Chap1

Introduction

Part2-Chap2

Part3-chap2

(Kobayatian Families)

Part4-Chap2

Part1-Chap1

Part2-Chap3

أحياء القبيات

Part4-Chap3

Part1-Chap2

 

References

2000 STAREAST, Inc. All Rights Reserved.

Webmaster Eng.Elie ABBOUD

Back