الفصل الثاني
القبيات: الحدود وأهمية الموقع
ما هو المقياس الذي يجب اعتماده في تعيين حدود وموقع قرية أو بلدة ما؟ نطرح هذا السؤال لأنه لابد من وجود ضابط نحتاط به من الوقوع في شرك "تعظيم" البلدة المعنية بالدراسة، أو بالعكس، الوقوع في شرك "تصغيرها". ولنا في ذلك سوابق، يكون في الإقتداء بها ما يفيدنا في منهجنا لتعيين حدود القبيات وموقعها. فالخوري لويس الهاشم، مثلاً، يقول، في كلامه على جغرافيا العاقورا، تحت عنوان "تخومها": "نذكرها نقلاً عن دفاتر مساحتها… إن تخوم العاقورا كانت تضيق وتتسع حسب الأزمنة فمنذ قرن ونصف كانت أراضي حمي الرهبان من أملاكها فتخلت عنها أيام ولاية الأمير يوسف شهاب نظراً للخراج الذي كان مترتباً عليها. وكان المشايخ بيت فيصل الهاشم وبيت نمر وبيت أبي طربية يملكون المجدل فوهبها الأمير بشير الكبير للمشايخ بيت عبد الملك حمادة. وأما اليوم فقد ابتاع المشايخ جبرائيل بطرس جرمانس الياس واخوته أراضي المنيطرة وقسماً كبيراً من المجدل فاتسع بذلك تخم العاقورا"([1]).
يتضح من هذا النص أن تعيين الحدود يرتبط ببعض المعايير المتغيرة تبعاً للمراحل التاريخية، والمتغيرة خاصة تبعاً لنظام الملكية العقارية. في زمن تعميم الملكية العقارية الخاصة (الفردية)، على نطاق واسع، يعتمد الخوري الهاشم "دفتر المساحة". ولكن هذا الزمن حديث نسبياً، وبعود إلى أواخر الأربعينات من القرن التاسع عشر فقط ([2]). وفي العصور السابقة، عصور "نظام الإلتزام" و"إقطاع المقاطعات" يكون المعيار مرتبطاً بحدود "الإقطاعات"، وبمساحة الأرض التي يقوم المقيمون عليها (أهالي البلدة أو القرية) بدفع "خراجها" أو ضريبتها متضامنين، وهذا ما كان سائداً قبل أواخر الأربعينات من القرن التاسع عشر. استناداً إلى هذين الشكلين من الملكية (لا سيما مع النظام الضريبي) يقرر الخوري الهاشم أسباب إتساع تخوم بلدته أو تقلصها. ونحن نوافقه في منهجه هذا. وعليه نبدأ في تحديد حدود القبيات استناداً إلى نظام "المساحة" الراهن، ثم استناداً لاحتمالات توسع هذه الحدود أو تقلصها على أساس ما كان سارياً قبل قانون "الطابو" العثماني، وفي مرحلة وضعه موضع التنفيذ، وصولاً إلى إقرار المساحة والنطاق العقاري المعمول بهما راهناً. وإذا كان هناك من مجال للكلام على حدود "تاريخية" ما، فالحدود هذه يتم رصدها ووضعها طبقاً لجملة المعايير التي ذكرناها.
يجدر بنا بداية الإشارة إلى أن قانون المساحة الراهن يعين مناطق عقارية تختص بها كل بلدة أو قرية. ولكن هناك أيضاً قانون البلديات الذي يعين لكل بلدة نطاقها البلدي المحدد، أي أنه يعين المساحة التي يمارس عليها المجتمع المحلي - بواسطة المجلس البلدي - سيادته المحلية، ويحددها، أي إنه يخص المجتمع المحلي بنطاق خاص به، ويمنعه من تجاوزه ويحميه من تجاوز الآخرين. بيد أن المشكلة التي تعاني منها بلدات وقرى عديدة في لبنان، هي مشكلة عدم التطابق بين النطاق البلدي ونطاق العقارات المملوكة من أهل بلدة ما، والتي لا تدخل في نطاقهم البلدي مع كونها متاخمة له وغير مفصولة عنه. وهناك حالات يكون فيها للنطاق البلدي سلطة في املاك، هي لأهل بلدة أخرى، وقد تفصل أحياناً بينهما مسافة كبيرة، بل بلدات أخرى في بعض الأحيان. هذه هي حالة القبيات، في وضعية منطقة "كرم سباط" التابعة عقارياً لبلدة عيدمون، والتابعة من حيث النطاق البلدي لها أيضاً؛ وحيث تتوزع الملكية في "كرم سباط" ما بين بعض أهالي القبيات وبعض أبناء آل جعفر وقلة نادرة من أهالي عيدمون. هذا مع العلم أن هذه المنطقة متاخمة للقبيات، ومفصولة كلياً عن عيدمون. أضف لذلك أن لأبناء القبيات أملاك متاخمة لمنطقتهم العقارية ولنطاق بلدية القبيات ولكنها واقعة ضمن نطاق بلدية عندقت وفي منطقتها العقارية. نقول ذلك لنشير إلى أن المعيار في تحديد تخوم البلدة ليس صارماً كل الصرامة وتشوبه العيوب بحكم طبيعة التقسيمات الإدارية والعقارية.
غير أنه يجب علينا متابعة هذه المسألة في سياق نشوء وتكون المساحة في لبنان، حيث غالباً ما تم تقرير النطاق العقاري بالتوافق مع مخاتير ووجهاء القرى والبلدات، لا سيما في زمن الانتداب الفرنسي، قبل أن تبدأ الدولة اللبنانية جدياً بأعمال المساحة. وفي كل الحالات تم اعتماد سجلات عقارية تعود لزمن العثمانيين، وتعكس بالتالي واقع الملكية في أزمنة سابقة. وكثيراً ما عكست آراء هؤلاء المخاتير والوجهاء، والسجلات القديمة صورة عن توزع الملكيات بين أهالي القرى في الزمن الأسبق أو القريب من زمن تعيين مساحات النطاق العقاري. وإذا كانت هذه الطريقة في تعيين النطاق العقاري وبالتالي البلدي، قد خلفت مصدراً للتوتر بين بعض القرى والبلدات، فإنها تعكس صورة قريبة من حقيقة توسع أملاك بعضها وتقلص بعضها الآخر. كما تم اللجوء أحياناً إلى اعتماد معالم طبيعية من ميزتها عدم الدقة: مقلب المياه، الوادي، الطريق...
ولقد حصل تطور جذري أحياناً في انتقال الأملاك من أهل بلدة لأخرى دون أن يترافق ذلك مع تعديل ملائم في أوضاعها الإدارية، لجهة المساحة والمسؤولية البلدية. وتكون هذه الحالة مصدر قلق وتصادم، خاصة متى اتخذت الخلافات على العقارات وما يسمى "المشاعات" أو "الخراج" (بالمعنى الشائع)، أبعاداً عشائرية ومناطقية ومذهبية. ولنا في عكار أمثلة عديدة على هذا النوع من الخلافات، بحيث أنه بالإمكان اعتبار التخوم بين البلدات والقرى في الأرياف قنبلة جاهزة للإنفجار في كل لحظة.
ليس هناك من شك، بأن القبيات تنتشر على رقعة جغرافية (متصلة ببعضها) هي أوسع من نطاقيها: العقاري والبلدي. فهل يجوز لنا أن نغفل امتداد أملاك أبناء القبيات إلى "كرم شباط" (نطاق عيدمون البلدي والعقاري) وبعض مناطق "وادي عودين" والوطى (نطاق عندقت البلدي والعقاري)، ولا ندخل هذا الإمتداد في سياق اتساع البلدة؟ بالطبع لا. ولكن هذا الواقع الإداري يعكس الحداثة النسبية للإمتداد القبياتي إلى هذه المناطق، ويبدو واضحاً، على ضوء ما تقدم، أن اتساع مساحة أملاك أهل القبيات وانتشارهم على هذه المساحة هو أمر حديث نسبياً.
تمتد بلدة القبيات وأراضيها شمالاً، من نطاق التقاء أملاك أبنائها مع أملاك أبناء عندقت وعيدمون عند المقلب الشمالي لضهور حي مرتمورة (بعض أملاك أهل القبيات هنا يتبع عقارياً لعندقت وعيدمون) ، مروراً باتصال أملاكها بأملاك أبناء النهرية والباردة والبيرة، وغرباً وفق خط التقاء أملاك القبيات مع أملاك أهالي قرية السنديانة حتى وادي عين المحلات، ومن هناك تمتد التخوم الجنوبية بين الأحراج الفاصلة لأراضي القبيات عن أراضي عكار العتيقة، وصولاً إلى أحراج جبل القموعة فوق سفوح "كرم سباط"، حيث الأملاك المشتركة مع آل جعفر، ومن هناك تبدأ الحدود الشرقية لأملاك البلدة وصولاً إلى منطقة "حرف شيت" مروراً بأطراف عودين العليا حيث تمتد الحدود وفق خط وهمي يتجه جنوب ـ غرب حتى يصل إلى طريق الشنبوق ـ القبيات، فينحرف في منطقة المرغان نحو الشمال ليحيط ب"الحلوف"، ويبلغ نقاط اتصال أملاك القبيات بأملاك عندقت، (سنتناول لاحقاً تفاصيل هذا الامتداد).
داخل هذه المساحة الجغرافية ثمة بعض الأملاك الأميرية (أرض الجمهورية اللبنانية). كما أن الأملاك الأميرية تغطي الكثير من المناطق الحدودية من الجنوب الغربي والجنوب وبعض الشرق. ولكن الحدود هنا تُعتبر حتى "مقلب الماء" من التلال القريبة كميدان ل"حق" الانتفاع منه ([3]).
هذه هي رقعة القبيات اليوم ضمن تخومها التي تحد أملاك أبناء البلدة. فهل كانت القبيات، على الدوام، على هذا القدر من الاتساع؟ أم أن رقعة انتشارها تعرضت للتغيير، تقلصاً أو اتساعاً؟ ثمة أكثر من إجابة على هذه الأسئلة. فلنستعرضها.
د. سلوم: مشاعات القبيات ملاصقة لمشاعات بشري ؟
يرى د. سلوم أن القبيات تقع على "الرقعة الجغرافية التي تمتد على"خراج" حدوده تبدأ في "ضهور" مرتمورة شمالاً حتى "المعبور" الأبيض جنوباً والذي هو حد فاصل بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري…" ([4]). ولذا فانه يقرر: "كانت القبيات مشتى رعيان الجبل ومستقراً لهم" ([5]). إن حدود القبيات واتساعها، كما يعينها د. سلوم، لا تختلف كثيراً عما أوردناه قبل قليل، إلاّ برغبته بافتعال واختلاق تواصل جغرافي بين موارنة القبيات وموارنة الجبل (جبل لبنان) وبشري تحديداً. إن منطقة "المعبور" القائمة على الزاوية الجنوبية الشرقية لحدود القبيات وكل قضاء عكار، هي جزء من الحد الفاصل بين قضاء عكار وقضاء الهرمل، ولا اتصال لها أبداً بمشاعات مزعومة ([6]) مع بشري. فأين هو قضاء بشري الحدودي مع جرود الضنية شرقاً، من جرود عكار (حرار، مشمش، فنيدق…) وجرود قضاء بعلبك والهرمل؟ (راجع الخريطة).
كيف يحدد أهالي بشري اتساع منطقتهم، بلدة بشري، أوجبة بشري؟ يقول أنطوان طوق: "جبة بشري تاريخياً، هي هذه المساحة الجغرافية التي تحتضنها تجويفة جبل المكمل شرقاً وتنحدر حتى تلامس سهول الكورة والزاوية مروراً بقرى بزيزا، بحبوش، رشدبين، راسكيفا، كفرفو وبنشعي غرباً. وتنحصر بين هضاب الضنية امتداداً على أعالي الجرد ومزرعة السواقي عبر قرى حرف مزيار – مزيارة حتى زعزع شمالاً. وهضاب تنورين مروراً بمزرعة بني صعب والبكاليك حتى دير بلاّ فبزيزا جنوباً"([7]).
وفي "المؤتمر الأول لتاريخ جبة بشري"، المنعقد في ت2 1994، والذي شاركت فيه مجموعة من مؤرخي المنطقة وغيرهم، لم يلحظ أحد من المشاركين امتداد حدود جبة بشري إلى جوار القبيات، رغم العديد من الدراسات التي تناولت مباشرة، أو مداورة، موضوع مجالها الجغرافي، وحاصة دراسة د. فاروق حبلص حيث وضع عدة خرائط للمنطقة([8]).
يبقى علينا أن نعود إلى المرجع الذي اعتمده د. سلوم في تقريره أن "المعبور الأبيض... فاصل بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري"، نقصد الخوري فرنسيس رحمه، في مؤلفه "تاريخ بشري، الجزء الأول". كيف حدد الخوري فرنسيس رحمه نطاق بشري الجغرافي؟ في الفصل الثاني، من القسم الأول، من مؤلفه المذكور ذكر الخوري فرنسيس رحمه حدود بشري البلدة([9]). وفي الفصل الثاني عشر، تكلم عن ما سماه "في حدود بشري البعيدة ومشاعاتها العمومية". لقد انطلق الخوري المذكور في تعيين هذه "الحدود البعيدة" انطلاقة رصينة و"علمية" إلى حد كبير، لأنه حدد مقاييس لتعيين هذه الحدود بقوله: "أما حدودها فنوعان بعيدة وقريبة. أما القريبة فقد استوفيت بحثها... أما البعيدة فهاءنذا ذاكراً لها نقلاً عن دفتر المساحة في حوزة المفوض البلدي... وهذه حرفيته...: يبدأ حد بشري القبلي من نهر بقرقاشا صعداً إلى طريق بقاعكفرا، ومن ثم ينحرف شرقاً على ساقية ماء تفصل خراج بقاعكفرا عن خراجنا، ثم ينفذ هذا الحد إلى نهر المزرعة صاعداً بانحراف إلى الجنوب في النهر المذكور نافذاً إلى نبع هرسيا المعروف بنبع الفطيسية الفاصل خراج بقاعكفرا ومن ثم يتجه إلى الدمدومة إلى ضهر القضيب الفاصل خراجنا عن خراج بعلبك على كل أطراف استدارته إلى بركة الباشا تخمنا القبلي الأخير. وحدها الشرقي يبدأ من بركة الباشا المذكورة ممتداً حتى ضهر القضيب الفاصل خراجنا على كل أطراف استدارته عن خراج بلاد بعلبك نافذاً إلى وادي أرجوم الفاصل بيننا وبين خراج الضنية. وحدها الشمالي يبدأ من تخوم وادي أرجوم المذكور نافذاً إلى خشع الفار حتى الجلس (سند من أسناد ضهر القضيب الغربية) المنتهي بالقرب من بعل ضرغام"([10]).
يبدو واضحاً من خلال هذا التحديد لامتداد رقعة "جبة بشري" (لا بشري البلدة فحسب) أن هذه الرقعة محصورة بين حدود أملاك وخراج الضنية وبعلبك، وهي الجهات التي تعنينا في القبيات وعكار. ولا بد أن د. سلوم طالع هذا التحديد الذي وضعه الخوري فرنسيس رحمه في المرجع الذي اعتمده د. سلوم. ولكنه مرّ عليه مرور الكرام دون التوقف عنده. كما أن د. سلوم لم يتوقف عند تحديد ثالث لامتداد رقعة جبة بشري جاء به الخوري فرنسيس رحمه، في نفس المرجع: "إن هذا الاسم "جبة بشري" يراد به قديماً وحديثاً مقاطعة واسعة النطاق مترامية الأطراف ذات قرى ودساكر ومزارع وقلّ من عني بتحديدها. فتعميماً للفائدة هاءنذا ذاكراً لك تحديدها نقلاً عن الشيوخ في الجبة والزاوية ممن ولوا الأحكام بعد آبائهم وجدودهم. وإنما آثرتهم على سواهم لكونهم آصل معرفة وأكثر تدقيقاً. تحديد الجبة. يحد الجبة شمالاً مجرى نبع جوعيت الذي ينبثق من أسفل حرج اهدن على طول مسيله حتى متصله بنهر أبي علي. وهذا بحسب تحديد تخومها القديمة بقطع النظر عن التبديلات والتغيرات التي قضت بها بعض ظروف استثنائية قطعت بعض قرى في اسفل هذا الحد وألحقتها بمنطقة أخرى كما سيجيء. ويحدها جنوباً الوادي بين قنات ومزرعة أبي صعب. وتخمها الغربي حدود الزاوية الشرقية. أما تخمها الشرقي فضهر القضيب باسناده الجنوبية والشمالية. أما تحديد جبة بشري بأكثر تدقيق فإلى القارئ الكريم دائرتها خيطاً من الشمال إلى الجنوب نقلاً عن محفوظات ضاهر بك آل الضاهر: من الواضح أن لبنان الشمالي يقسم حالاً إلى خمس مناطق: الزاوية والكورة والجبة والضنية وعكار. يهمنا الآن أن نذكر حدود جبة بشري التي قلما عني بها المؤرخون. وإليك خطوطها ابتداءً من مخرم طريق عيناتا شرقاً في السفح الغربي: مقلب بعلبك في ضهر المكمل المطل على البقاع - فم الميزاب أي مقلب القرنة السوداء – جرد الإجاص المتاخم منطقة الضنية - مقلب بحويتا – حرف مزيارة – مزيارة المتاخمة للضنية أيضاً. ومن ثم مراح كفرصغاب المتاخم منطقة الزاوية - بنشعي - كفرفو - راسكيفا - نهر ابو علي - مقلب كربريبه - سرعل - وادي سرعل - الحسين - مغر الأحول - رشدبين المتاخمة للكورة – عين عكرين – بحبوش – بزيزا – دار بلا – بيت كساب – حردين – نيحا – ارز البلاد – حدث الجبة – عين ورده – الرهوة والبحصة – فم الذئب – المكمل الذي هو منتهى الدائرة"([11]).
لا يكتفي الخوري رحمه بهذا التحديد لأملاك جبة بشري، بل يضيف تحديداً لانتشار مشاعات بشري، علماً بأنه من المفروض أن تكون هذه المشاعات ضمن الحدود "البعيدة". ولكن لا بأس من استعراض امتداد هذه المشاعات: "أما مشاعاتنا في حوز المفوض البلدي التي تضمن كل سنة ويصرف ضمانها في سبيل اصلاح داخلية المدينة وعمرانها ورقيها فهي أربعة: 1ً المشاع المعروف بالكبير المحدود قبلة أراضي بقاعكفرا وشرقاً الصرد العالي ومنقلب الماء، نهاية الطريق، كتف القنديل، وشمالاً... المحافير.... 2ً "جورة القنديل" كذا سميت وكذا نقلنا. يحدها قبلة الطريق العرضي إلى درجة مرجحين. وشرقاً منقلب الماء، وشمالاً الطريق الصاعدة من عين الجورة إلى آخر سطح الصرد (الجرد) الأعلى. وغرباً حرف القشاط"([12]). مرة أخرى في الكلام على المشاعات، وفق منطق المساحة الذي يعتمده الخوري فرنسيس رحمة بالذات، لا يوجد أي تماس بين أملاك ومشاعات جبة بشري وعكار، بل هي محصورة بين بعلبك والضنية. وهذا ما كان لا بد أن يلحظه د. سلوم.
ثمة نوع ثان من المشاعات يذكره الخوري فرنسيس رحمه، تحت عنوان: "مشاعاتنا المتروكة في حوزة الرعاة"، وفيها يقول: "قد تسامحت بشري بها كمرعى لمواشينا وسائمتنا. وتلك المراعي تمتد شرقاً وغرباً وشمالاً وراء قمم ضهر القضيب والمكمل وأسنادهما الشرقية والغربية وأمامهما. أما من الوراء نحو الشمال فمشاع عريض طويل يمتد من عيون أرغش للجهة الشمالية الشرقية من قرية عيناتا فحجر الجمل فجور الأدباب فصرد (جرد) قراصيا البالغ حدها الشمالي إلى وادي أرجوم في خراج الضنية فجور الدل (الذل) الممتدة من صرد قراصيا غرباً إلى الجلس (الجلسة) حتى عيون الشوك... فهذه المتروكات كلها تسامحت بها بشري رحمة بالمواشي ورعاتها وضمانة لاستيراد الدر وبيعه من بشري وبيع فاضله من الجوار من غير إجبار أو تحكم. وسيان في رعيها الغريب والقريب"([13]).
أنه من الواضح أن هذه المشاعات "المتروكة" ليست من داخل بقعة جبة بشري، ذلك أنه "سيان في رعيها الغريب والقريب". ولو أننا اعتبرناها ملحقة بنطاق بشري الجغرافي فإن هذا النطاق يبقى محصوراً بين نطاقي الضنية وبعلبك، دون أي اتصال له بجرود عكار. فمن أين أتى د. سلوم بوجود اتصال بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري، استناداً إلى الخوري فرنسيس رحمة، طالما أن هذا الأخير في تحديده لتخوم جبة بشري لم يصل بها إلى تماس حدودي مع عكار عامة؟
سبق أن قلنا أن الخوري فرنسيس رحمه عيّن حدود بشري - البلدة في الفصل الثاني، من القسم الأول، من مؤلفه، وفي الفصل الثاني عشر، من القسم الثاني، وفي الفصل الأول من القسم الخامس، عرض تخوم جبة بشري البعيدة ومشاعاتها المسجلة في المساحة والمتروكة، وفي كل ذلك لم يذكر، ولم يتبين لنا، أي اتصال بين مشاعات بشري وعكار أو القبيات. ولكنه تحدث، في الفصل الرابع عشر، عن "حقول بشري ومزارعها وينابيعها وعيونها وأنهارها". لم يذكر هنا أيضاً، بطبيعة الحال، أي اتصال لكل هذه المزارع بعكار والقبيات، بل جاءت محصورة في إطار جبة بشري المحصورة بين الضنية وبعلبك.
ولكن الخوري فرنسيس رحمه، بعد أن عدد كل المزارع وعين مواقعها وسعة انتشارها، ضمن الاطار المذكور سابقأ ختم هذا الفصل بقوله فجأة: "هذا عدا ما لنا من الأملاك الفسيحة الأرجاء والمراعي المترامية الأطراف منبسطة في صرودنا العالية من بعول غير مسماة ودارات غامرة بين الأكام والتلال البعيدة أمام ضهر القضيب والمكمل – فم الذئب وفم الميزاب – قمة سامرة والقمة السوداء – قنة الحبيس وفم القلة وتمامهن ركبة الجمل أمام كل ذلك ووراءه من الجنوب إلى الشمال إلى تخوم قلعة عائشة من الغرب إلى حدود الضنية ومشاع القبيات. آكام تفرع سنامها رعاتنا وأودية تهبطها مواشينا وسائمتنا مما يضيق بنا تعدادها ويورث القراء ملالاً وضجراً"([14]). واضح أن الكلام هنا يتناول ممتلكات بعيدة عن جبة بشري، ومواضع أقام فيها بشراويون (مع غيرهم غالباً). ولكنه من غير الواضح هذه القفزة المفاجئة للخوري فرنسيس رحمه من حدود الضنية إلى مشاع القبيات، مما يناقض كل المنطق الذي اعتمده هذا الخوري في تعيين الحدود والمشاعات.
ويبدو أن هذه الأملاك يدخلها الخوري فرنسيس رحمه تحت اسم ما يسميه "فتوحات بشري البعلبكية". ويعدد هذه الفتوحات: "عيناتا، المشيتية، القرامة، البصيلة، دير الأحمر، بشوات، برقة، صفرا، القدام، نبحة، الحرفوش، تل سوغا، بتدعي، المراحات، عيون أرغش، وادي العس، الجباب، جزء من مرجحين، جزء من ضواحي الضنية"([15]). هل يمكننا القول بأن بشري أمتدت على كل هذه البقعة التي امتلك وأقام فيها (مع الغير غالباً) بعض أبنائها؟
إن أقرب تلك الممتلكات إلى عكار هي تلك الواقعة في "جزء من مرجحين"، وأقربها إلى أملاك ومشاعات القبيات تلك الواقعة بالقرب من بلدة الهرمل، والتي يفصّل في أمرها بعض الشيء أنطوان جبرايل طوق. فهو يقول في مرجحين: "مزرعة تبعد عن الهرمل 13 كلم منازلها الثلاثون حقيرة وبدائية وعدد سكانها لا يتجاوز 300 نسمة من الموارنة والشيعة. تملك فيها البشراويون خلال القرن الثامن عشر... تملك وسكن البشراويون هذه المزرعة حتى حتى بداية النصف الثاني من القرن العشرين"([16]). ومن المزارع التي كان يقطنها بشراويون بالقرب من الهرمل يذكر انطوان جبرايل طوق "وادي الرطل"، على مسافة 8 كلم من بلدة الهرمل، وبجوارها بريصا، بالقرب من الشربين. وفي بريصا يقول: "مزرعة حرجية... كان يسكنها جماعة من آل طوق لا يتعدون الماية شخص يعيشون من رعاية الماشية والزراعة البدائية... لا يربطها بها (ببشري) سوى طريق حافر جردية عبر جرد قراصية مروراً بفم الميزاب. وهذه الطريق تنقطع كلياً بسبب الثلوج أيام الشتاء. سكن هؤلاء الناس هذه المزرعة منذ مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر..."([17]). ولقد وصف بريصا عالم الآثار هنري بونيون (H. POGNON)، عندما زارها في خريف العام 1883، قائلاً: "إن وادي بريصا الكثير الأشجار، والمحروم من الماء كلياً تقريباً، هو أرض غير مزروعة، وشبه قاحلة. ولا يسكنه غير عدد قليل من المتاولة الرحل الذين يعكس مظهرهم بؤساً هم عليه، يقومون هناك برعاية قطعانهم من الماعز، وحيث يتنقلون على الدوام من موقع لآخر، حيث يقيمون في الخيام؛ ومع ذلك فإننا نرى في هذا الوادي بعض المنازل الحقيرة، خاصة في أسفله"([18]).
ولعل قطان بريصا البشراويين هم الذين أقاموا في مزرعة السويسة التي تفصلها عن كرم سباط منطقة المعبور. وعلى العموم لم يكن البشراويون وحدهم سكان هذه المزارع بل كانوا عبارة عن أقلية تعيش ضمن منطقة يغلب الشيعة في سكانها بشكل مطلق. وبالتالي لا نستطيع أن ننسب هذه المنطقة لأهل بشري، بل للجعافرة الشيعة. كما أن هذه المنطقة كانت حدودية مع منطقة (كرم سباط) ملكيتها تركمانية (عيدمون) قبل أن تنتقل الملكية لموارنة القبيات وللجعافرة، مع بقاء قسم قليل جداً من الملكية بيد بعض تركمان عيدمون حتى اليوم. فهل يصح لنا بعد كل ذلك أن نقرر، كما فعل د. سلوم، بأن مشاعات القبيات وبشري متصلة ببعضها؟
من الواضح أن انتشار البشراويين في هذه المناطق البعيدة عن جبة بشري، إنما يعكس حقيقة أساسية في حقائق التاريخ اللبناني، وهي القدرة على تجديد العيش المشترك بين أبناء شتى الطوائف. ومن الواضح من عبارة "فتوحات بشري البعلبكية" أن الوجود الماروني البشراوي، حديث في مناطق "الفتوحات"، وأنه قد تم في مناطق فيها قطان غير موارنة، وفي مرحلة لعلها من مراحل الاضطراب في منطقة الجبل، منتصف القرن التاسع عشر، حيث كان نزوح البعض من الجبل المضطرب، ينتهي في مناطق غير مارونية، وبعضها غير مسيحي، بحيث يجد النازحون مجالاً للاستقرار. وغالباً ما كان التراجع عن مناطق الانتشار هذه يتم في مراحل الاضطراب الاجتماعي فيها، وفي هذا درس حول ضرورة الحرص المتبادل على تأمين شروط الاستقرار، بالمراعاة (المتبادلة) المطلوبة من الجميع لدوافع المحيط الجغرافي والاجتماعي.
وبالعودة إلى اطروحة د. سلوم القائلة بأن "المعبور...، هو فاصل بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري"، نقول أن الخوري فرنسيس رحمه لم يعين مكان اتصال مشاعات القبيات بمشاعات بشري، كما يدعي د. سلوم. وجل ما قاله الخوري رحمه هو: "هذا عدا ما لنا من الأملاك الفسيحة الأرجاء... إلى حدود الضنية ومشاع القبيات". وليس في هذا الكلام ما يعين موضع اتصال أملاك البشراويين بمشاع القبيات، هذا إن كان هناك من اتصال. ينطلق د. سلوم من حقيقة تاريخية فيتلاعب بها ويصطنع حدوداً وتواصلاً موهوماً يغذي به "مشروع" اختلاق المشاعر بوجود وحدة واتصال تاريخيين مزعومين بين القبيات والجبل الماروني، لغرض تنمية الاحساس بوجود ماضِ هو على قدر كبير من "العظمة"، وهي بالطبع العظمة القاتلة لكونها تخلق مرارة في النفوس الطموحة لاسترداد التواصل المزعوم، والوحدة المفقودة. إنه ينطلق من حقيقة أن منطقة "المعبور" متاخمة لمزرعة السويسة في قضاء الهرمل، لا في قضاء بشري أو "الجبل"، وقد كانت بضع عائلات من بشري، لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة، تقيم هناك، وسط سكان أقدم منهم في الاقامة: الشيعة، ومنذ فترة حديثة، حيث مارست الرعي وعاشت منه، في مكان نزحت إليه من بشري، ولم تكن فيه أصيلة. كانت هذه العائلات تمتلك مزرعة السويسة، ولكنها كانت تعيش في منطقة الهرمل، لا في الجبل أو في مشاعات بشري، بل في مشاعات الهرمل وعكار، (ومنها مشاعات القبيات)، وذلك قبل أن تبيع كل ملكيتها في السويسة لأبناء الهرمل منذ حوالي نصف قرن من الزمن. ولعله من الأهية القصوى البحث في أسباب نجاح الاقامة البشراوية في وسط الشيعة في الهرمل. وكذلك البحث في الأسباب العميقة للنزوح، بعد إقامة دامت أكثر من قرن من الزمن. وذلك بغية التركيز على عوامل دوام بقاء الموارنة في عيش مشترك مع المحيط. وبالطبع هذه مهمة تقع على عاتق الجميع ولا تقتصر على وسط طائفة دون الأخرى.
انطلق د. سلوم من هذه الواقعة وتلاعب بها ليقرر أن مشاعات القبيات متصلة بمشاعات بشري. واستند إلى جملة فجائية، مقطوعة عن السياق العام الذي تبعه الخوري فرنسيس رحمه، وسلم بها تسليماً مطلقاً دون إخضاعها للنقد والتدقيق. فكأن امتلاك هذه المزرعة (السويسة) يخول أبناء بشري جعل حدودهم تقفز عبر (أو تأكل) كل جرود الضنية وعكار والهرمل لتتصل بالقبيات. وإذا كانت رغبة د. سلوم في اختراع تواصل تاريخي لموارنة القبيات مع موارنة الجبل جعلته يقرر أن القبيات "مشتى رعيان الجبل" فان الواقع الفعلي هو أن القبيات كانت، وما تزال، مشتى رعيان جيرتها من عكار العتيقة وأكروم وغيرها، قبل أن تكون، وبأكثر من أن تكون "مشتى رعيان الجبل" لمجرد أن بعض الرعاة البشراويين المقيمين في الهرمل "شتوا" في القبيات، مع غيرهم من عشرات الرعاة من الجوار العكاري للقبيات.
من الصفحة الأولى لأطروحته، في التمهيد لـها (Avant-propos )، يبدأ الأب موراني عملية "تعظيم" القبيات. لا يُعرّف القبيات كبلدة أو مدينة، لا، إنها منطقة. يقول: "القبيات، منطقة في لبنان الشمالي، على الحدود مع سورية" ([19]). كيف تكون القبيات على الحدود مع سورية وهي مفصولة عنها بمنطقة جبل أكروم (بقراه السبع)، أو ببلدات وقرى عندقت وشدرا ومشتى حسن ومشتى حمود ووادي خالد (بما فيها من مزارع وقرى) وعيدمون والنهرية ومنجز…؟
وفي الصفحة الأولى من المدخل (Introduction ) يطرح القبيات بمثابة كانتون (Canton ). وهو ينطلق هنا من عبارة استخدمها دوسو ليشير إلى قسم من "وادي النهر الكبير" ([20]).
لكن الأب موراني يقرر بعد قليل أن القبيات هي كانتون. يقول: "تقع القبيات، هذا الكانتون الحدودي مع سورية الشمالية، في الحدود الشرقية لمقاطعة (محافظة) لبنان الشمالي" ([21]).
ويضيف: "إن هذا الكانتون يفصله عن سورية، من الشمال، النهر الكبير" ([22])، كـما تفصله عنها في الشمال الشرقي، "البقيعة"، تماماً تحت حصن الأكراد…" ([23]).
يلتبس الأمر على القارئ، في مطلع أطروحة الأب موراني، في ما إذا كان الكاتب يتحدث عن أمرين: عن القبيات (البلدة) من جهة، وعن كانتون هو أيضاً باسم القبيات، من جهة أخرى.
ولكن هذا التأرجح الذي يعتمده الأب موراني يبدو أن له وظيفة تكمن في جعل القارئ يظن أن القبيات الراهنة ربما كانت في السابق أكبر مما هي عليه الآن بكثير، وأن لـها اتساعاً أكبر وحدوداً أخرى كانت موجودة سابقاً، وبالتالي من الأهمية التفكير بالعمل لاستعادتـها.
فلنسمعه يقول: "تبدو القبيات، بمظهرها الراهن وكأنها حديثة التكوين… ولكن كم هي عديدة صفحات التاريخ المجيد الذي تحتفظ به هذه المدينة الصغيرة… إن كثرة المواقع الأثرية، والآثار المسيحية العديدة في المنطقة، تنبئ عن بلد، إن لم يكن مزدهراً، فهو على الأقل أكثر سكاناً بكثير مما هي عليه القبيات الراهنة، والتي تتطلب حدودها الحالية، قياساً على إيقاع توسعها الراهن، وقتاً طويلاً لاستعادة جغرافيتها الأولية" ([24]).
الأب موراني: القبيات "سنيورية" (Seigneurie) بحكم ذاتي؟
هذا التلميح إلى "جغرافيا أولية" يصبح تصريحاً عندما يقرر الأب موراني أن القبيات كانت في أيام الصليبيين "سنيورية" تتمتع بحكم ذاتي. وهذه "السنيورية كانت واسعة: كانت تضم، على الأرجح، كانتونات الدريب ([25])، والقبيات وأكروم والهرمل. لا توجد أي وثيقة لتعيين هذه الحدود، ولكن افتراضنا ينجم عن التكوين الجيو- فيزيائي (Géo-physique ) لإقليم موحَّد ومحدود طبيعياً بوادي نـهر عكار إلى الجنوب الغربي، بالنهر الكبير الجنوبي إلى الغرب ([26])، وبالوعر إلى الشرق والجنوب الشرقي" ([27]).
لا بد من وجود جرأة غير مسؤولة ليتمكن كاتب أطروحة دكتورا من قول ما يقوله الأب موراني. قبل أن يعين الأب موراني حدود "سنيورية" القبيات الواسعة يرى أن: "عكار كانت تضم، في أيام الصليبيين وفي ظل كونتية طرابلس، أربع "سنيوريات": "سنيورية" عرقة، إقطاعة (Fief ) جبل عكار (Guibelacard)، إقطاعة الفليس (منجز، Felicium )، "سنيورية" حصن الأكراد"([28]). أين ذهب ب"سنيورية" القبيات الواسعة؟ لننتظر، سنعرف. إنه يتحدث بابـهام عن اتساع ثلاث فقط من هذه السنيوريات، ويسكت عن ذكر إقطاعة الفليس، فيكتفي بعنوان فرعي: "د- القبيات: إقطاعة الفليس أم أملاك كونتية"([29])، أي أنها أملاك للكونت، وليس لها بالتالي وضع "السنيورية"؟ وهو يجيب: "برأينا بقيت مدينة القبيات ملكاً كونتياً"([30]). فأين هو الحكم الذاتي، إذا كانت القبيات أملاكاً كونتية؟
بيد أن الأب موراني يتقدم بفرضية جديدة ليست أقل لا معقولية من سابقاتها عندما يقرر أن اسم القبيات أطـلـق على "الكورة" (“Kourat” ) المجاورة لمزرعتين صغيرتين: واحدة باسم Bethsama أو Bethsamum والثانية باسم Bethsedion . ويعتبر أن الأولى هي منطقة مطحنة "شمعا" في القبيات، والثانية هي في حي القطلبة، في مكان الكنيسة الراهنة، وكانت تُسمى مزرعة "بيت سعادة"([31]). ويدعي الأب موراني أنه باقتراحه هذا يستكمل منطق جان ريشار (Jean Richard )، الباحث الفرنسي في كونتية طرابلس، ويعين المرجع الذي طرح فيه هذا المؤرخ تعيين موقعي هاتين المزرعتين. ولكن العودة إلى ما كتبه جان ريشار في مقاله المقصود، Le Chartier de Sainte- Marie –Latine et l’Etablissement de Raymond de Saint – Gilles a Mont – Pèlerin ، تبين لنا أن هذا الباحث حدد موقع هاتين المزرعتين في طرابلس، بالقرب من قـلـعة " أبي سمرا " اليوم ونـهر " أبي علي ". يقول جان ريشار ( نثبت بعض مقاطع النص بالفرنسية)([32]): "En 1127, d’autre part, on donnait pour confins, au casal de Misdelia, l’actuel Madjlaya, Bethsamum et Bethsedion…, ainsi que le ‘fleuve qui coule a Mont-Pèlerin” (le Nahr Abou Ali)…”; …; Misdelia , Bethsamum, et Supra Pontem forment donc une sorte de chaine joignant le Nahr Abou Ali…; …; Bethsamum, alias Bethsama ou Bethamum… ne peut etre Bsarma , puisque cette localité se trouve au sud-ouest du N. Abou Ali tandis que tous les casaux voisins de Bethsamum sont au nord-ouest du fleuve…”
وأخيراً يتقدم الأب موراني باقتراح تكون القبيات بموجبه مجرد مزرعة ترد باسم "مزرعة قليات" لا القبيات (Villa Coliath )([33]).
ما هي حقيقة هذا التخبط الذي يتخبطه الأب موراني في ما خصّ القبيات في أيام الصليبيين؟
عبثاً حاول الأب المذكور أن يعثر على أثر لذكر القبيات في ذلك الزمن، ولم يجده. فما العمل وهو يريد لهذه البلدة أن تكون منطقة واسعة، ليكشف فيها، خلف دراسة الآثار، مجتمعاً نعم بحياة العز في ظل الوجود الإفرنجي الصليبي؟ لجأ إلى الأوهام، والوهم توأم التعظيم، والوهم مرادف لخيال جموح يشق الغيوم في أحلام اليقظة، والحلم لا ضابط له، تأتي صوره بلا انتظام أو ترابط. وعليه جاءت صورة القبيات في أوهامه تتراوح ما بين "سنيورية" ابتلعت قسماً كبيراً من عكار وبعض الهرمل، إلى "كورة" في الدريب، إلى مزرعتين صغيرتين نقلهما من طرابلس إلى القبيات، إلى مجرد مزرعة ريفية لسيد إقطاعي مجهول، أو إلى أملاك كونتية.
لم نعثر على أي ذكر للقبيات، ولا لأي موضع من مواضعها المعروفة، في كل الأدب (الذي تمكنّا من مراجعته) الذي خلفه الصليبيون، سواء في تشريعاتهم، أو في العقود التي كانت ناظمة لاداراتهم، أو في الحوليات التي وضعوها عن حروبهم، أو في سوى ذلك من الكتابات التي تركوها. كما إننا لم نعثر على أي ذكر لاسم القبيات في كل الأدب العربي التابع لتلك المرحلة، بما في ذلك النصوص المارونية بالذات، والحوليات التاريخية والجغرافية. وذلك سواء عالج هذا الأدب الأحداث العسكرية (بما فيه المواقع الحربية التي دارت في كل عكار والدريب والبقيعة، وحتى أثناء المعارك حول حصن عكار الكائن في بلدة عكار العتيقة المتاخمة للقبيات)، ولا في وصف الرحالة (العرب أو الأجانب) الذين مرّوا في عكار.
ولكننا، (ونحن من القبيات ونحبها مثله على الأقل) لم ننجر خلف أوهام فارغة، ولم نرَ في ذلك أمراً مستهجناً أو محيراً، ولا رأينا فيه إهمالاً من "الغريب"([34]). واعتبرنا أن الأمر يتراوح بين احتمالات قليلة: الأول والأهم، هو أننا بحاجة إلى مزيد من البحث والتفتيش في المصادر المتنوعة، السريانية واللاتينية واليونانية والتركية. والثاني يكمن في احتمال أن تكون القبيات مجتمعاً حديث العهد نسبياً، ولربما أنه لم يكن على شأن كبير في الماضي، أو كان تابعاً لغيره من المناطق المتاخمة له والتي قد تكون حجبته عن الظهور، أو على الأقل، اسم البلدة حديث. أو لربما كانت منطقة البلدة معروفة باسم أو بأسماء مجهولة. كما قد لا تكون البلدة على تلك الدرجة من الأهمية. وعلى أي حال، هذه مسألة لا يجلوها غير المزيد من البحث والتنقيب التاريخي، وبشكل خاص التنقيب عن عاديات المنطقة وآثارها.
وفي كل الأحوال، لا يقلل من شأن المجتمع القبياتي الراهن أن لايكون عظيماً في الماضي، بل ما يرفع شأنه أنه هو من صنع ويصنع واقعه الراهن ومستقبل أبنائه.
وكنّا نأمل من الأب موراني تركيز جهوده في البحث في الآثار ليضيء لنا درب التأريخ. فانطلق بعكس مهمته القاضية بإنارة التاريخ من خلال البحث في الآثار، ولجأ إلى توهم تاريخ مفتعل ليكتب به آثار القبيات.
لجأ الأب موراني إلى "لعبة" انطلقت من افتراضه أن اسم القبيات تعرض للتحريف على يد الفرنجة الصليبيين. لقد نقلوا اسم القبيات بشكل خاطئ: خطأ بسيط في كتابة الإسم باللغة اللاتينية أو الفرنسية القديمة. بدل أن يكتبوا الحرف "ب" “b” كتبوا الحرف "ل" “l”. لاحِظوا أن حجم الخطأ هو بحجم هذه الإشارة فقط ( ). فبدل إسم "القبيات" ظهر إسم "القليات" (Coliath). وينسب الأب ماروني إلى كتاب الحوليات (الفرنجة بالطبع chroniqueurrs) الإصرار على المطابقة بين إسمين أو موقعين “Castellum Coliat” حصن القليعات و “Villa Coliath” قرية أو مزرعة القبيات([35]).
وفي الحقيقة أن كتاب الحوليات في زمن الحروب الصليبية لم يتعرضوا إلى هذا الموضوع. بل أنهم لم يظهروا اهتماماً به. ولكن الأبحاث الحديثة، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين خاصة تلك التي سعت إلى البحث في الطبوغرافيا التاريخية للممالك اللاتينية هي التي توقفت أمام هذا الأمر. ولعل البحاثة الفرنسيين هم أكثر من اهتم بذلك. وإذا كانت عبارة حصن القليعات “Castellum Coliat” تتردد مراراً كثيرة لدى الغربيين، القدماء والمحدثين منهم، فإن عبارة “Villa Coliath” أو “Casale Coliath”، لم تظهر إلاّ في بعض نصوص الهبات التي تلقتها رهبنة فرسان الإسبتارية، لا سيما عقد الهبة المعقود في العام 1127، حيث يرد فيه اسم Villam Coliath.
ولقد شكلت أسماء الأماكن الواردة في هذه الهبة موضوع اهتمام جملة من الباحثين في تاريخ، أو على الأصح، في الطبوغرافيا التاريخية للمنطقة. يقول ديشان: "وجدنا من المفيد محاولة تعيين اكبر عدد ممكن من أسماء الأماكن التي وردت في وثائق المرحلة الصليبية. إن هذه الوثائق تبين لنا أملاك أهم الأسياد، وانتشار ممتلكات الرهبنات العسكرية… كما أن البعض منها يتيح امكانية توضيح العمليات العسكرية وتتبع زحف القوات في المعارك"([36]). وكان سبق لراي (G.REY) في السبعينات من القرن التاسع عشر أن عبر عن نفس الإمكانية بالإستفادة من الأسماء الواردة في الهبات والعقود التي جرت في الزمن الصليبي، لدراسة تلك المرحلة، كما حاول تعيين مواقع أسماء الأمكنة الـواردة فــيـهـا([37]).
ولكم كانت طريقة تعيين المواقع، استناداً إلى المقاربات اللفظية بين الأسماء، كما جاءت في النصوص اللاتينية، وكما هي في النصوص الفرنسية والألمانية والإنكليزية والعربية، وفي استعمالاتها المحلية، وكما تم تعيينها في الخرائط التي وضعها الغربيون عن المنطقة، عرضة للتأويل والتحويل والتبديل. لقد مضى زمن طويل بين وجود تلك المواقع في المرحلة الصليبية (من أواخر القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر)، وبين العمل على تعيين مواقعها في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ولعل بعضها كان قد باد ولم يبق منه أثرٌ بعد عين.
يشير راي (G.REY) إلى هذا الأمر بقوله: "ثمة أسماء بقيت عربية، وأخرى تمت صياغتها باللاتينية، وبعضها الثالث أطلقت عليه أسماء فرنسية بحت"([38]). وقل الأمر نفسه عن الملاحظة التي أدلى بها ديشان حين أعطى أمثلة على تحوير تلك الأسماء: مثل "البقيعة" التي صارت “Boquée” أو“Bochée” ([39]). وكان الشك في النجاح في مثل هذا العمل قد بدأ بالظهور تدريجياً منذ البداية، فهذا ماكس فان برشم يسجل تحفظه وهو يتحدث عن صعوبات مثل هذا العمل لتعيين مواقع أسماء الأمكنة: منها الصعوبة في كتابة أسماء العلم بالذات، عدم تعاون أبناء هذه الأمكنة وريبتهم العفوية من الغرباء. ويؤكد أنه على الرغم من عودته لإستشارة القناصل الفرنسيين في طرابلس وحلب وغيرها، وعلى الرغم من استعانته بالمستكشف والمستشرق مارتين هارتمان “l’explorateur et l'orientaliste M.Martin Hartman” الذي انكب على دراسة تعيين الأسماء في سورية الشمالية، وقيام هؤلاء بمراجعة اللوائح التي أعددناها، بعد كل ذلك يؤكد ماكس فان برشم بأنه لا يضمن الدقة في عمله([40]). أما كلود كاهن فإنه يقول صراحة: "إن البحث في تعيين وموضعة الأماكن غالباً ما جرى باللجوء إلى التقريب أو التشابه اللفظي والدلالي، وهذا ما جعله، نظراً لعدم الدقة في الكتابة ولتكرار الألفاظ المتشابهة، بلا معنى في ثلاثة أرباعه"([41]).
مصدر الإلتباس: “Castellum Coliath” و “Villam Coliath”
إن إسم القليعات، كقلعة ومزرعة، من أكثر الأسماء التي أربكت، في عملية تعيين موقعها، الباحثين في الطبوغرافيا التاريخية للبنان وسورية. فهناك القليعات “Castellum Coliath” في سهل عكار و هناك "القليعة" في سورية، وهناك أيضاً في نص الهبة التي قدمها كونت طرابلس، بونز Pons، عام 1127، إسم القليعة كمزرعة “Villam Coliath” في عكار.
انطلق الأب موراني من هذا الإرتباك. ونسب إلى رينيه دوسو التساؤل التالي: "هل تعكس هذه الصيغة Le Gouliath([42])، وجود عدة مواقع هي، من الأصل، منفصلة عن بعضها؟ هذا ما يؤدي إلى تغيير شروط المسألة حول إسم “Villa Coliath”([43]) التي لا يبدو لنا ممكناً أن نعتبرها هي القبيات (Koubaiyat ou Qoubai’at) في سفح جبل عكار…"([44]). وفي الحقيقة إن رينيه دوسو لم يتوقف، كثيراً، أمام إسم “Villa Coliath”. والكلام الذي أوردناه قبل قليل والذي نسبه الأب موراني إلى دوسو هو لباحث آخر، ردده عنه دوسو وضمنه الحاشية رقم 3 من الصفحة 90، من كتابه … Topographie، التي يعنيها الأب موراني. إن كاتب هذا الكلام هو ماكس فان برشم، صاحب الفرضية التي تقول أن القبيات هي المقصودة باسم “Villa Couliat”، هذه الفرضية التي يدعي الأب موراني أنه هو صاحبها، وينكر واضعها الحقيقي: ماكس فان برشم.
بعد أن ينقل الأب موراني كلام ماكس فان برشم وينسبه إلى رينيه دوسو، يتحول من "عالم آثار" (archéologue) إلى محلل نفسي (psychanaliste) فيقول: " ينجم عن هذا المقطع (كلام برشم المنسوب على يد موراني إلى رينيه دوسو)، كما عن النصوص اللاتينية، أن الإسم يرد بشكلين مختلفين: حصن قليعات Castellum Couliath وقرية قليعات Villa Coliath ([45]). إن موقع القلعة لم يعد موضع شك بعد الأبحاث الشهيرة لجان ريشار (Jean RICHARD) وبول ديشان (Paul DESCHAMPS). ولكن مسألة موقع قرية القليعات تبقى مفتوحة. فهل إن الشكلين هما كتابتان لنفس الإسم ولنفس الموقع؟ أم أنهما يعكسان موقعين مختلفين؟ إن تأكيد دوسو "أنه لا يبدو لنا ممكناً أن نعتبرها (COLIATH) هي القبيات" يشير بالضبط إلى أن دوسو، فكر، في لحظة معينة، باحتمال ذلك. إن هذا الإحتمال، الصادر عن عالم الآثار المشهور، وإن يكن عابراً، ليس مجانياً، لأنه يستند إلى ملاحظتين: أولاً ذكر قرية قليعات بالإرتباط مع قرية أروات (Villa Aroath)، مما يعني أن المزرعتين قريبتين من بعضهما وفي نفس المنطقة. والحال فإن قرية أروات موجودة بالقرب من الفليس (منجز)، كما سبق واقترحنا موقعها، وعليه لن تكون قرية القليعات بعيدة، وبالتالي قد يكون صحيحاً اعتبار قرية القليعات هي القبيات([46]). ومن جهة أخرى، لا تتضمن سجلات الضرائب في أيام المماليك ([47]) ذكراً لقرية أو مزرعة باسم القليعات تدفع رسوماً إلى والي طرابلس"([48]). ولكن القليعات ترد في السجلات العثمانية لعام 1571، في الدفتر رقم 513، وفي هذا يقول د. عصام خليفة: "لاحظنا أن هناك 60 ذكراً ناضجاً من النصارى موزعين على 19 قرية، لا إشارة إلى أنهم يدفعون الجزية. وهذه القرى هي: ... في ناحية عرقا: قليعات..."([49]).
لم يطرح رينيه دوسو ما طرحه لأنه ظن لوهلة أن Villa Coliath قد تكون القبيات. ولكنه فعل ذلك وهو يحسم أمره، وكان إنما يرد على ما طرحه ماكس فان برشم الذي تساءل هو، لا دوسو، حول إحتمال المطابقة بين Villa Coliath والقبيات.
ولا نظن الأب ماروني لا يحسن قراءة الفرنسية وفهمها جيداً. ولا بد أنه قرأ مؤلف ماكس فان برشم وأخذ عنه ما أخذ وشوه ما شوه وادعى لنفسه ما ادعى. فكتاب ماكس فان برشم (رحلة إلى سوريا) وارد في عداد مراجع الأب ماروني، وفي الكثير من استشهاداته التي دون هوامشها في صفحاته([50]).
كيف عرض ماكس فان برشم إسم وموقع Villa Coliath؟
خصص ماكس فان برشم، في الجزء الأول من كتابه Voyage en Syrie لحصن القليعات الصفحات من رقم 131 حتى 135. وأشار إلى الصعوبات في وضع تاريخ هذا الحصن. من هذه الصعوبات يعتبر أن إسم الحصن بالذات، القليعات، لا يسهل البحث. لماذا؟ لأنه توجد في سورية عدة حصون من الدرجة الثانية، جاءت تحت اسم الجنس ( لا اسم العلم) "قلعة" "qal´a " (حصن) أو "قليعة" "qulai´a "، حصن صغير، "petite forteresse,fortin ". صحيح أنه في حالتنا هنا يأتي الاسم بصيغة الجمع al-qulai´āt الحصون الصغيرة les fortins ([51]). هنا يحيلنا برشم إلى حاشية رقم 3، يقول فيها: "هل تعكس هذه الصيغة وجود عدة مواقع هي، من الأصل، منفصلة عن بعضها؟ إن موقع الحصن المكون من تلة منخفضة، وبشكل موحّد، لا يتناسب مع هذه الفرضية. ولعله ليس لصيغة الجمع من غرض غير تمييز هذا الحصن عن غيره من الحصون التي تحمل نفس الاسم بصيغة المفرد"([52]). ويتابع برشم: "بيد إن هذه الصيغة لا تلغي كل فرص الالتباس في النصوص العربية، وكذلك وبدرجة أقل في النصوص اللاتينية: هناك اسم Colée وبدائله في المفرد، واسم Coliat وبدائله في الجمع"([53]). ويشير برشم إلى شكل آخر لكتابه اسم القليعات باللاتينية، Goliath أو Goliad، فهو ينسب هذه الصيغة إلى احتمال أن يكون الفرنجة ترجموا الحرف "ق" وفقاً لسماعهم طريقة اللفظ الواسعة الانتشار في الريف السوري: "ق" مثل "ج"([54]) على الطريقة المصرية أو البدوية، أو كأنها “gu” الفرنسية.
و يضيف برشم: "يرد اسم Coliat(h)، كموضع، في الهبات التي قدمها كونت طرابلس، بونز Pons، إلى فرسان الاسبتارية، في 8 شباط 1128، وفيها، هذا الموضع عبارة عن قرية أو مزرعة Villa، لا كحصن. وفي العام 1153 نجده أيضاً في الممتلكات التي يثبتها البابا لهؤلاء الفرسان. وفي هذين المصدرين يظهر السياق العام أن المقصود هو القليعات el-Qlē´āt. ولكننا لسنا واثقين من ذلك تماماً. فعلى مسافة ساعتين إلى الشمال من بلدة عكار… هناك بلدة مزدوجة اسمها قبيات Qubai´at ([55]). ورد هذا الاسم مكتوباً Koubayat و Vieux Koubayat في خارطة جليس Gelis، و Kubajat و Alt Kubajat في خارطة بلانكنورن Blanekenhorn، وkoubaiyat في رحلة دوسو Dussaud الذي مرَّ فيها آتياً من عكار. أما نحن فنكتب Qubai´at، لأن خارطة بيروت حيث الأسماء مكتوبة بالعربية، تشير إلى قرية قبيعات جنوب-غرب عكار، وهي مطابقة لقريات Kourâayat في خارطة جليس Gelis. ليس علينا البحث عما إذا كانت كل هذه الأسماء تدل على الموضع الواحد، أو على عدة مواضع بشكل سيئ في ضواحي عكار"([56]). ويتابع برشم: "أما في رحلة تومسون Thomson، فإن هذا الإسم يرد شكل Qulai´at؛ وفضلا عن ذلك ثمة تفصيل مثير للغرابة، إذ يقدم السكان أنفسهم للرحالة الأميركي بانهم من أحفاد الفرنجة، وهذا ما يدل على أن القرية قد لعبت دوراً ما في زمن الصليبيين"([57]).
ويضيف برشم: "إذا ما قارنا هذه الملاحظة بعبارات نص عقد 1128 Villam Coliath ، وبحقيقة أنه لا يوجد في القليعات el-qlē´at ، لا قرية ولا آثار ظاهرة خارج الحصن، فإننا نميل إلى افتراض أن قرية قليعات Villa Coliath قد كانت، بالأحرى، القرية القديمة، الداثرة الـيوم، في قـليعات Qulai´at (أو قبيات Qubai´āt ) في لبنان، بين عكار والبقيعة، لا حصن القليعات el-Qlē´āt . وعلى أي حال فإن هذا الموضع ما كان له أن يكون موقعاً بالغ الأهمية في ذلك الزمن، لأنه لم يرد ذكره في رواية حروب صلاح الدين" ([58]). ومن سياق استعراض بعض الحوليات العربية المعنية بالحروب الصليبية يستنتج أنها جميعها تتناول إما القليعات في سهل عكار أو القليعة، ذلك الحصن في مواقع العلويين في سورية اليوم([59]).
كذلك يشير برشم، في معرض كلامه عن رحلة ويلبراند دولدنبورغ Wilbrand d’Oldenbourg ، في العام 1212، إلى كيفية كتابة اسم القليعات من قبل السائح المذكور: Culicath . يحيلنا برشم إلى حاشية له فيها يحدد مرجعه، ويقول يجب أن نقرأ بدل Culicath كلمة: Culieath كترجمة دقيقة للاسم العربي قليعات Qulei´āt . كما يذكر أيضاً أن البعض ربما لجأ إلى ترجمة صيغة الجمع العربية باستعمال صيغة الجمع الفرنسية، مثل كتابة الاسم: Quelleyes ([60]).
ننهي هذا البحث في الاسم قليعات وقليعة بالاشارة إلى الطريقة التي اعتمدها إ. راي E. REY الذي ميّز القليعة عن القليعات، بكتابة اسمها El Coleiah ، بينما وردت في النصوص Colée ، وبكتابة اسم القليعات الوارد Coliath ([61]).
ومهما يكن الأمر فإن شدة الاختلاف في التأويلات اللفظية والصياغة اللاتينية والفرنسية وغيرها من اللغات الغربية لهذا الاسم لا تفعل غير زيادة الأمر غموضاً والتباساً. وعليه ليس في كل ما ورد في هذا النمط من المباحث الطبونيمية Toponymique ما يمكن الركون إليه. وهو لا يعدو كونه ما يشبه الضرب في الغيب، لا سيما وأن بعض أصحابه يعترفون أن ثلاثة أرباعه على ضلال، كما سبق وأشرنا.
وكذلك قل عن من حاول الاستعانة بالخرائط الجغرافية ليجد اسماً قريباً من لفظة القبيات علّه ينسب إليه موضع واسم Villa Coliath ، ومن هنا ثمة من توقف أمام اسم قبعيت وقريات. لنأخذ مثلاً الخريطة التي تم اعتمادها لدى الأمن العام اللبناني، لمنطقة عكار، في العام 1972، عندما أصدر الأمن العام كتابه عن الانتخابات النيابية لذلك العام، جاء فيها حي الضهر وحي غوايا (حيّان من أحياء القبيات) خارج القبيات، أو بالأصح في المنطقة الحدودية مع عندقت وعيدمون، في شمالي البلدة ، بينما هما في الحقيقة في القسم الجنوبي منها، ويفصلهما عن الموقع المعيّن لهما حيّا مرتمورة والغربية ([62]). هذا ما نصادفه مع خارطة يعتمدها أهم جهاز أمني في لبنان، وفي زمن قريب (1972)، فما بالك في خارطة يضعها أجانب التقطوا أخبارهم عن الجغرافيا المحلية من هنا وهناك، منذ أكثر من قرن، مع ارتياب واضح من قبل السكان المحليين؟
هل كانت القبيات "سنيورية" ؟
لعل الباحث جان ريشار من أفضل من اشتغل على دراسة التنظيم الاداري لكونتية طرابلس في مؤلفه "كونتية طرابلس…" السابق الذكر ([63]). ومع ذلك فإنه سجل الصعوبة في تعيين حدود المقاطعات الادارية للكونتية. وهو يقول بهذا الصدد: "من الصعب جداً تعيين الجغرافيا الاقطاعية للكونتية، لأننا احتفظنا بالقليل جداً من "فرمانات" السنيوريات، كما أن اسماء البارونات، وهو أثمن مؤشر، غالباً ما لا تُفيدنا في شيء: إن البروفنساليين Provencaux ([64]) احتفظوا بأسمائهم الغربية، وهذا ما يحول دون تعييننا للاقطاعات التي حصلوا عليها في طرابلس" ([65]). إلاّ إنه وضع خريطة لتوزع مناطق كونتية طرابلس، لم يرد فيها أي ذكر لسنيورية باسم القبيات. وفي هذه الخريطة جاء مجال القبيات وما يجاورها كجزء من قرى ومناطق ضمن سنيورية جبل عكار. هذا فضلاً عن تناقض هذه الخريطة مع كل ما طرحه الأب موراني في ما يخص التقسيم الاداري لعكار ، ولا سيما الكلام على سنيورية عرقة والفليس. راجع الخريطة التي تضمنت ست عشرة سنيورية ([66]).
يواكيم الحاج: الحدود التاريخية والحدود الحالية ؟
في الفصل الأول من كتابه "تاريخ القبيات" يطرح السيد يواكيم الحاج مسألة حدود القبيات، من منطلق "تعبدي" لبلدته، سمته الأولى "تعظيمها" بلا قياس. فهي: "إحدى أكبر وأقدم مدينة في عكار. استناداً إلى الاكتشافات الأثرية، والكتابات المسمارية التي وُجدت منقوشة على إحدى صخور(ها) الكبيرة في جرود(ها) العالية" ([67]). يشير السيد يواكيم هنا إلى النقوش التي عثر عليها هنري بونيون Henri POGNON في وادي بريسا (الهرمل). وهذا يعني أن هذا الوادي يدخل في نطاق القبيات بينما هو موجود في قضاء الهرمل، وعلى مقربة من قرية فيسان. (لعله ضم هذا الوادي إلى القبيات من مشاعات بشري للدكتور سلوم).
يعتقد السيد يواكيم أن للقبيات حدوداً طبيعية تاريخية، فهو يقول تحت عنوان "الحدود الطبيعية التاريخية للقبيات": "والقبيات في جغرافية أراضيها التاريخية يحدّها: شمالاً: النهر الكبير، الممر الساحلي([68]) الوحيد قديماً، الذي يربط مدن الساحل الفينيقي بالأقطار العربية (؟) عبر الأراضي السورية (؟). جنوباً: جبل سنير (عروبة حالياً)([69]) - وجبل القموعة في سلسلة عكار. شرقاً: جبل أكروم، ومن ورائه قلعة قادس (أو تل النبي مند) (؟). غرباً: ينـفـتح غـربـها على قـلعتي المجدل وطيبو، وعلى مقربة منهما قلعة السن" ([70]).
تتقارب هذه الحدود التاريخية، مع تلك الحدود التي طرحها الأب موراني، واستعرضناها سابقاً. لا يبرر لنا السيد يواكيم منطلقاته لتعيين هذه الحدود. كما لا يفسر لنا قصده بعبارة "الحدود الطبيعية التاريخية". فهل يرغب بالعودة، بالمجتمع القبياتي إلى حدوده التاريخية المزعومة ([71])؟ وكيف يكون ذلك؟ ألم يتساءل السيد يواكيم ما سيكون عليه رأي سكان وأهالي وأصحاب القرى والمناطق الموجودة ضمن كل هذه المساحات الشاسعة التي يدّعي أنها كانت "تاريخياً وطبيعياً" ضمن حدود القبيات؟
" أما حدودها الطبيعية حالياً: شمالاً: قرى عيدمون، العوينات – رماح ([72])– المغراقة – الباردة – منجز… جنوباً: سلسلة جبل عكار (؟) بما فيها جبل القموعة ([73])… حتى المعبور الأبيض الفاصل بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري ([74]). شرقاً: جبل أكروم. وعندقت عند وادي الكاسوحة ([75]). غرباً: قرى البيرة، والسنديانة، وقلعتي المجدل وطيبو ([76]).
أن نكتب تاريخ القبيات، فهذا أمر علمي. أن نحبها، فهذا أمر آخر، عاطفي وأخلاقي. أن نعمل لأجلها فهذا أمر ثالث ، عملي، يقضي أن نعرف كيف نحب حتى لا نقع في: "ومن الحب ما قتل".
أهمية موقع القبيات
إن أكثر ما يتركز عليه منطق "تعظيم" القبيات يدور حول أهميتها التاريخية والستراتيجية. وهنا يعمد أصحاب هذا المنطق إلى جعل "القبيات التاريخية" واحداً من أهم المواقع اللبنانية أحياناً، لا العكارية أو الشمالية فحسب. وفي هذا السياق تبتلع القبيات كل المواقع التي جاورتها والتي ابتعدت عنها، ما بين نهر العاصي والنهر الكبير، لدرجة يبدو معها المجتمع القبياتي الراهن "قزما" إذا ما قيس بهذا الماضي المجيد. وهذا ما يخلق الشعور بالتعالي على الآخرين بحكم هذا الماضي الزاهي، كما يخلق الشعور بالمرارة لفقدانه، والقلق المستمر حيرة وتوتراً في السعي "لاستعادته".
القبيات: أكبر وأقدم مدينة في عكار!
يرى السيد يواكيم الحاج أن: "القبيات هي إحدى أكبر وأقدم مدينة في قضاء عكار، استناداً إلى الاكتشافات الأثرية، والكتابات المسمارية التي وجدت على إحدى صخورها الكبيرة في جرودها العالية..."([77]). ستكون لنا مناقشة للتلاعب الذي قام به السيد يواكيم وتزويره لنصوص عالم الآثار الفرنسي هنري بونيون، عندما سنعالج اسم القبيات، وبالتالي ليست هناك ضرورة الآن إلى ذلك. ولكننا نتساءل هل القبيات كانت بأهمية عرقا، مثلاً، أو قاربتها، من حيث الأهمية التاريخية و... في زمن الفينيقيين أو الرومان أو البيزنطيين أو الاسلام أو الصليبيين...؟ وهل كانت القبيات بأهمية جبل أكروم، أو البقيعة، أو "بيت جعلوك"، أو سوى ذلك من المواقع التي أثبتت الأبحاث التاريخية والأثرية أهميتها الفعلية؟ بالطبع لا.
بيد أن السيد يواكيم لا يكتفي بجعل القبيات "إحدى أكبر وأقدم مدينة في عكار" (واحدة من مثيلات لها)، بل يذهب "بتعظيم" بلدته إلى درجة دفعته إلى القول: "القبيات هي أقدم مدينة في قضاء عكار، استناداً إلى الوثائق التاريخية والنقوش الحجرية المحفورة على صخورها في جرودها العالية"([78]). هكذا ببساطة "القبيات هي الأقدم في عكار"، وبالتالي لأهميتها، لا يعود هناك مجال لمقارنتها مع بلدات عكار، بل ينفتح أمامها باب المنافسة مع أهم المدن اللبنانية التاريخية. فهو يقول: "فهذه النقوش الأثرية الباقية والتي تحمل اسم القبيات، وضعت اسمها بين أوليات المدن التاريخية القديمة في عكار خاصة وفي لبنان عامة"([79]).
هكذا تقف القبيات على قدم المساواة مع جبيل وصيدا وصور وبعلبك...! هذا مع العلم أن السيد يواكيم يعترف بأنه: "من النادر... العثور على وثائق أو كتابات قديمة أثرية، تأتي على ذكر القبيات..."([80]). ولكن طالما أنه ليس هناك "جمرك" على الكلام لنقل ما نشاء. وهل كثير أن نقول له: "يا عمي حاج رايحا معكم بالأونطا والتفليك"!
القبيات: الممر الداخلي الوحيد!
هذه العظمة التاريخية تعود لكون القبيات، برأي السيد يواكيم، كانت الممر الداخلي الوحيد بين فينيقيا والداخل. طبعاً قد يظن القارئ أننا نبالغ، ولكننا نترك الكلام له، لنسمعه يقول، وهو يتأسف على إهمال المؤرخين للقبيات: "طالما أنها كانت ممراً داخلياً وحيداً، لقوافل التجار، والسواح، عبر وادي النهر الكبير، من الساحل الفينيقي إلى البلدان العربية مروراً بسوريا"([81]). فعلاً، لقد مرّ السواح وكذلك قوافل التجار، من فينيقيا إلى الداخل، ودونوا مشاهدات وملاحظات، ولكنهم لم يأتوا على ذكر القبيات، إلاّ منذ زمن قريب جداً جداً. فهل جميعهم مهملون أو متآمرون "غرباء"! لو كان للقبيات تلك الأهمية المزعومة، وتلك "العظمة" الموهومة لما تردد كل هؤلاء عن ذكرها في ما تركوه من أدب غزير للغاية. لقد ذكر الرحالة، كما ذكرت المراجع التاريخية، "وادي النهر الكبير"، وما فيه وحوله من مواقع على شيء من الأهمية، ولكنهم لم يذكروا القبيات، لأنه لم يكن لها ما يخولها الحق في الذكر، ليس إلاً.
لا يكتفي السيد يواكيم الحاج بتسجيل أهمية القبيات ك"ممر داخلي وحيد" للسواح وقوافل التجار، بل نجده يتحول إلى خبير في التكتيك العسكري، مسجلاً الأهمية الستراتيجية للقبيات. وهنا يتوسع بامتداد حدود بلدته، و"يحشرها" قسراً ضمن المواقع التاريخية الفعلية، ناسباً الأهمية التي امتازت بها تلك المواقع إلى بلدة القبيات، دونما وجود أي مبرر لذلك غير أوهام العظمة السخيفة. فلنسمع ما يقوله، تحت عنوان، "المواقع الأثرية في القبيات وعكار تدل أماكنها على أهميتها الحربية": "إن من عاين الحصون والقلاع في منطقة عكار، وكيفية إقامتها في مواقعها، إبتداءً من منطقة القبيات، وصولاً حتى مدينة عرقة القديمة، يتأكد من أهدافها الحربية، وأهميتها الأمنية، لمراقبة وحماية شبكات الطرق المؤدية بين الجبال إلى ولاية طرابلس"([82]). وهو يعتبر أن هذه المواقع الحصينة تشكل ثلاثة خطوط دفاعية ، يصفها على الشكل التالي: "الخط الأول: المتاخم لمجرى النهر وعليه أقاموا: قلعة قادس، سيدة القلعة، قلعة العريضة. الخط الثاني: خصص لحماية الممرات والطرق الداخلية: قلعة أكروم، طيبو، المجدل، حلبا، عرقة. الخط الثالث: لحماية الممرات الجبلية وطرقاتها الوعرة: قلعة أكروم، حصن عكار، فنيدق، البرج، عرقة"([83]).
إن الملاظة الأولى التي تتبادر بالضرورة إلى ذهن القارئ، وللوهلة الأولى، هي أنه لم يرد ذكر القبيات أبداً كموقع محصن، كما لم يرد ذكر أي حصن فيها، بين كل تلك المواقع التي ذكرها السيد يواكيم. وعليه ما دخل القبيات في كل تلك المواقع؟ اللهم غير أنها تقع ضمن هذه الجغرافية المترامية الأطراف، وحيث لا تلعب هذه البلدة دوراً ما. وبالتالي ليس من حقها أن تكون هي المستأثرة باطلاق اسمها على تلك المنطقة. هذا فضلاً عن أن أي موقع آخر، ورد ذكره، كان له تاريخياً شأن أكبر بكثير من شأنها. فبأي منطق يسمي السيد يواكيم هذه المنطقة باسم "منطقة القبيات"؟ وكيف يطرح عنواناً جاء فيه "المواقع الأثرية في القبيات وعكار تدل أماكنها على أهميتها الحربية"؟ كيف "يحشر" اسم القبيات في عنوان غرضه تعداد المواقع، ويغيب اسمها من بين اسماء هذه المواقع؟
الملاحظة الثانية هي جعل منطقة القبيات تمتد، شرقاً، من قلعة قادس على العاصي، مروراً بجبل أكروم، وصولاً إلى العريضة (مصب النهر الكبير في المتوسط) وعرقة، غرباً، صعوداً إلى فنيدق جنوباً. أية عظمة للقبيات، حتى تكون منطقتها على هذه الدرجة من الآتساع! هل هذه هي الحدود التاريخية لبلدة القبيات التي يتحدث عنها السيد يواكيم([84]) ، أم هي الحدود المطلوب استعادتها كما يطرح الأب موراني([85])؟
الملاحظة الثالثة هي أن ما يسمى "وادي النهر الكبير" يبدو، بنظر السيد يواكيم، وكأنه يقتصر على الجانب الجنوبي (اللبناني) من هذا الوادي، وإلاّ لكان أدخل على الأقل في الخط الدفاعي الأول قلعة حصن الأكراد المشهورة، بالاضافة إلى حصن صافيتا، وهما على أهمية استراتيجية أكبر بما لا يقاس مع موقع مثل قلعة الفليس (لا سيدة القلعة).
تجد أوهام السيد يواكيم الحاج (حول أن القبيات كانت "الممر الداخلي الوحيد" لقوافل التجار والسواح وكموقع عسكري) مصدرها الأساسي في ما سبق وطرحه الأب عفيف موراني؛ إنها مجرد ترجيع لهذا الطرح الأخرق بهدف "تعظيم" القبيات. يطرح الأب المذكور هذه الأفكار تحت عنوان: "القبيات، طريق الفتوحات"، ليقول: "إن القبيات الواقعة على المقلب الشرقي للبنان([86]) لتسد أكثر نقاط الضعف في نظامه الدفاعي الطبيعي، تشكل، في مركز "فرجة حمص" المشهورة، نوعاً من جسر إلزامي، وبالتالي لكم هو بالغ الأهمية بين سورية والساحل الفينيقي"([87]).
لا يوفر الأب موراني حدثاً تاريخياً إلاّ ويحاول أن "يحشر" القبيات فيه، من خلال ما يسميه "الممر القبياتي". وهو يستعيد مثلاً حملة رعمسيس الثاني على الحثيين ومعركة الاستيلاء على قادس، ليزعم أن "حثيي قادس ما كانوا ليجهلون أهمية الممر القبياتي... كما أن خصومهم الفراعنة سلكوا، وهم يصعدون وادي الأليتيروس (النهر الكبير)، الممر القبياتي. لقد اجتاز رعمسيس الثاني عام 1294، الآتي لقتال الحثيين نفس هذا الممر"([88]). وإذا كان الأب موراني ضم إلى الممر القبياتي المناطق التي عبرتها الجيوش المصرية، وهي مناطق غير قبياتية بالتأكيد، فإن مقلده السيد يواكيم الحاج، جعل الجيوش المصرية تعسكر في أرض القبيات بالذات. فهو يقول: "سلك رعمسيس الثاني (1301 – 1234) طريق الساحل اللبناني على رأس جيشه ومركباته حتى وصل أرض القبيات عكار، حيث بات ليلته قرب بلدة عندقت الحالية، في المكان المعروف اليوم بدير مار جرجس قرب قرية عيدمون (قرب قرية عيدمون وليس فيها؟!)، بينما الجيوش رابطت في تلك المنطقة هناك، المعروفة (بالحميرة)... الأرض الواقعة في نطاق القبيات العقاري والجغرافي"([89]).
كأن السيد يواكيم شاهد عيان لمسار هذه الحملة الفرعونية لشدة ما يعرض من تفاصيلها. ولا ينسى، حرصاً على الدقة العلمية كمعلمه الأب موراني، من ذكر مراجعه من كبار الخبراء في تاريخ المنطقة. فهو يقول: "يقول المؤرخ الفرنسي الأب لامنس بهذا الخصوص ما حرفيته: لا يمكننا أن نسلم بأن الحثيين تغاضوا عن احتلال وادي النهر الكبير... وهم يعلمون أن هذا الوادي طريق للأمم الفاتحة. وذلك يظهر من تاريخ الفراعنة أنفسهم، إذ أن رعمسيس الثاني لما أتى لمقاتلة الحثيين، سار إلى مقاتلتهم ماراً بهذه الطريق، (يعني طريق حلبا – القبيات حالياً للوصول إلى وادي خالد – فقادس). وهنا يضع حاشية تحدد مرجعه: لامنس: تسريح الأبصار، ج 2، ص 33"([90]).
ما هي حقيقة الأمر في حملة رعمسيس الثاني على الحثيين؟ لنترك المراجع (لا سيما تلك التي اعتمد عليها الأب موراني والسيد الحاج) تروي لنا تفاصيل مسار الحملة الفرعونية، لنتبين أين هي القبيات من هذا المسار. لم يقل الأب لامنس في "تسريح الأبصار" أكثر من مرور رعمسيس الثاني في وادي النهر الكبير، بما يعنيه هذا الوادي ويضمه من أرض، هي اليوم لبنانية وسورية، وليس في كل ما قاله هنا ما يخول أحد تفسير الطريق التي سلكها هذا الفرعون كما يقول السيد يواكيم الحاج: "يعني طريق حلبا القبيات للوصول إلى وادي خالد"، على غرار مسير باصات الهيونداي! أما رينيه دوسو (R. DUSSAUD)، فإنه يحدد مسار الحملة هذه في مؤلفه "الطبوغرافيا التاريخية لسورية" (وهذا مرجع يستند إليه الأب موراني، وفي هذه المسألة بالتحديد، وفي نفس الصفحات بالضبط): "كان الجيش المصري، الآتي برأينا، عن طريق الساحل، معسكراً جنوب شبطونا، أي قلعة الحصن، كما حدد ذلك بدقة بلانش (BLANCHE)، وإن رعمسيس الثاني تقدم مع طليعة من جيشه ليستطلع قادس. لقد سلك الفرعون إذاً طريقاً كانت خرائط خطوط السير ما زالت تحددها في زمن السلاطين المماليك: طرابلس، عرقة، الشعرة، أقمار، قدس، لتلتقي في شمسين الطريق المحازية لوادي العاصي من الجنوب إلى الشمال"([91]). ويوضح دوسو، في مقال له، نفس الموضوع، حيث يؤكد على أن الجيش المصري عسكر في شبطونا، وهو الأسم القديم لقلعة الحصن([92]). فأين هي القبيات من "حصن الأكراد"؟
ممر وادي النهر الكبير
وصف ر. دوسو وادي النهر الكبير، في مؤلفه (الطوبوغرافيا التاريخية لسورية، من ص 91 حتى ص 95) بمزيد من التفصيل، ويتبين من هذا الوصف أن الممر المركزي فيها محوره الانتقال من عرقة إلى حصن الأكراد الذي يتحكم بالطريق الآتية من الشرق (حمص)، والتي تتفرع من الحصن بفرع يصل إلى طرطوس وآخر إلى طرابلس (عبر عرقة)؛ كما يتحكم بالطريق الآتية من الشمال (حماة) عبر رفنية([93]). ويشير إلى أن الطريق من طرابلس إلى قلعة الحصن ورفنية كان قد سلكها تيتوس الآتي من بيروت متجهاً إلى الشمال... كما أن لائحة بوتنجر (PEUTINGER) تحدد الطريق من رفنية إلى أرطوسية مروراً بكاريون (Carion) وديميترياس (Démétrias) والاليتيروس (النهر الكبير). وكان اجتياز هذا النهر يتم على الدوام على مقربة من الشيخ عياش. وعليه يجب تعيين موقع كاريون وديميترياس، بين هذا المقطع للنهر ورفنية، ربما في تل كلخ قلعة الحصن، ولكن هذا يبقى مجرد فرضية. ولقد سلكت الحملة الصليبية الأولى نفس المسار... يمكن أن نذكر، كمواقع متقدمة على طريق حمص طرابلس، برج زارا وتل كلخ. وإلى الغرب وادي نهر الخليفة... يجب أن نبحث في وادي النهر الكبير عن سنج بين عرقة وطرطوس ... قلعة الفليس... أكون وهو ربما لاكوم..."([94]). هذه هي الملامح المحيطة بأهم مواقع وادي النهر الكبير وممرها ومواقعها المحصنة، وفي كل ذلك لم تحظَ القبيات بأكثر من مجرد ذكر اسمها، فقط، مع السنديانة ومنجز.
نقتطع للعماد طلاس وللعميد الركن الجلاد بعض ما قالاه، بصواب، في تعيين حصن الأكراد (لا القبيات) كحلقة مركزية في وادي النهر الكبير: "تتحكم قلعة الحصن أو حصن الأكراد بسلسلة من الظهرات الجبلية الأقل ارتفاعاً، ما بين جبل عكار وجبال البهراء (العلويين) التي تشكل ما يعرف بثغرة طرابلس – حمص، وتسيطر على طرق المواصلات بين السهل الساحلي شمالي طرابلس، الذي يرويه النهر الكبير الجنوبي... والذي يجري مع روافده (نهر سبتة ونهر العروس ونهر خليفة) ونهر الأبرش جنوبي جبل الجليل، حيث تنتصب القلعة، وبين سهل حمص، الذي يرويه نهر العاصي... ويتيح هذا الموقع الستراتيجي المهم... قطع أي تحركات ما بين طرابلس وحمص ومراقبة المنافذ الشمالية لسهل البقاع. وكانت القلعة – أيام الحروب الصليبية – تقوم بهذه المهمة خير قيام، فتحمي الخطوط الأمامية لكونتية طرابلس من الجهة الشمالية الشرقية وتشكل مخفراً متقدماً، يهدد الأراضي الاسلامية ويمنع الاتصال فيما بينها ويهدد، بخاصة، الطريقين التجاريين المهمين اللذين كانا يخترقان المنطقة منذ عهد الرومان ويصل أحدهما حماة بطرابلس ويصل الثاني الرفنية (الرفانية) بطرطوس، فكانت بذلك المفتاح الرئيسي للمواصلات بين سورية الداخلية والساحل عبر ممر حمص طرابلس... وتحيط بالقلعة غير بعيد عنها من الشمال والغرب والجنوب، جملة من الحصون والقلاع المنيعة، المتناثرة فوق ذرا الجبال ومنها حصون زارا وبرج مقصور وبرج خليفة وتل كلخ... ومنها أيضاَ برج العرب وصافيتا (الحصن الأبيض) وقلعة يحمور... وحصن البقيعة (أعناز) وحصن أفليس (فيليزيوم، فيليسيوم) ومن خلفهما قلعة العريمة وعرقة"([95]).
إن كل ما يفعله الأب موراني هنا هو أنه ينسب الخصائص التي تمتاز بها منطقة وادي النهر الكبير بكل شمولها، ومنطقة الهرمل (ومرتفعاتها) وأكروم إلى القبيات، بالطبع مع التضخيم اللازم لجعل القبيات ذلك "الجسر الالزامي"، على حد تعبيره، أو "الممر الوحيد"، على حد تعبير السيد يواكيم الحاج. هذا بينما يقوم الممر من عرقة عبر السهل لاجتياز النهر الكبير قبل بلوغ المرتفعات. وإذا ما كانت هناك طرقات أخرى فهي بالأحرى طرقات تواصل داخلي لا طرقات استراتيجية.
يرى الأب موراني أن موقع القبيات جعلها نقطة التقاء، أو محور ثلاثي للطرق بين سورية والساحل اللبناني. هناك أولاً: المحور الذي يربط حمص بطرابلس، عبر البقيعة (وشدرا) – القبيات – عرقة، وهذا هو أقصر وأسهل ممر. المحور الثاني، بموازاة الأول، يتبع مجرى النهر الكبير، ويربط حمص بالساحل اللبناني، بسرعة ولكن بصعوبة. أما المحور الثالث فهو الذي ينطلق من ربلة فقادش، فأكروم فكرم شباط فالقبيات فعرقة([96]). انطلاقاً من تصور هذا المحور الثلاثي يطرح الأب موراني ما يسمه "الممر القبياتي".
ويدعم الأب موراني، وعلى خطاه السيد يواكيم، وجهة النظر هذه بادعاء الاستناد إلى الأب تالون، لا سيما في ما خص الكلام على الطريق الذي يعبر أكروم وكرم سباط ليصل إلى عرقة. ما هو قول الأب تالون بخصوص هذا الممر؟ انطلق عالم الآثار الأب تالون من تساؤل منطقي حول أسباب مرور البابليين في وادي السبع (أكروم)، هذا الممر الوعر للغاية، لا سيما وأن هناك ممراً أسهل بكثير يؤدي نفس الغرض باجتياز وادي بريصا في الهرمل، لا في جرود القبيات (كما يحلو للسيد واكيم الادعاء). كما تساءل حول مسار الطريق التي اعتمدها البابليون. ولم يدل بجواب قبل عثوره على نقوش "شير الصنم"، في منطقة على الحدود بين القبيات وعكار العتيقة. واستناداً إلى اكتشافه ل"شير الصنم" حاول رسم بقية الطريق. فماذا قال؟ اعتبر أن موقع "شير الصنم" يؤدي إلى الطرق الثلاث التالية: الأولى تصل إلى البحر عبر عكار العتيقة، والثانية تنحرف إلى الشمال الغربي لتمر في مزرعة زبود (عكار العتيقة)، وتصل إلى القبيات. أما الثالثة فتتجه نحو الجنوب، وتمر تحت هضبة القموعة، ومن خلال غابات الصنوبر تمر في تاشع وممنع والقنطرة لتبلغ عرقة مباشرة"([97]). وعليه لم يتحدث الأب تالون عن "الممر القبياتي" فحسب، بل عن ثلاثة احتمالات، واحد منها يصل إلى القبيات، ولا يصلها إلاّ عبر عكار العتيقة. فلماذا المبالغة الفارغة؟ ولماذا محو الآخر وإلغائه، ولو من التاريخ؟
ما هي قيمة هذا الممر؟ يجيب مكتشفه الأب تالون بأنه ممر طبيعي، ولكنه ليس بالطبع طريق اتصالات هامة([98]). ومع أن الأب موراني لا يأتي بأي مبرر يسمح له باعتبار هذه الممرات "قبياتية"، فإنه لا يكتفي بذلك بل يذهب في "تعظيم" القبيات مذهباً لم يسبقه إليه أحد، عندما يقرر، بكل تهور: "القبيات: صلة الوصل بين المدن – الدول الفينيقية والحضارات المجاورة"([99]). وينسب الأب موراني، زوراً، هذا التقرير الأعتباطي – الوهمي إلى الأب موريس تالون، إذ يدعي الأب موراني أن الأب تالون قال: "... كان من شأن القبيات بحكم موقعها الستراتيجي من الدرجة الأولى، أن تسمح، بل أن تفرض، علاقات مع التجمعات الكبيرة، في بيبلوس عل مسافة 80 كلم إلى الجنوب، وأوغاريت (رأس شمرا) على مسافة 120كلم إلى الشمال، أو مع التجمعات القائمة على ضفاف العاصي وبلاد ما بين النهرين"([100]). ما عسانا نقول للأب المحترم، غير تمنياتنا عليه، احتراماً لصفته، أن يتكلم كما يلبس أو أن يلبس كما يتكلم! ذلك أن أحداً من المؤرخين أو المفكرين لم يقل هذا القول على الاطلاق.
لا يكتفي الأب موراني بهذا التأويل المغرض لما قاله الأب تالون، بل يعمل أيضاً على تزوير كلامه تزويراً كاملاً، لا سيما في بحث الأب تالون عن الطريق التي سلكها البابليون والأسباب التي دفعتهم لذلك. يقول الأب موراني، محاولاً الاستناد إلى الأب تالون، ما حرفيته: "كانت المحالفة الفينيقية حوالي القرن الثامن والسابع (ق م) تضم علاوة على مصر وإسرائيل الممالك الصغيرة على الساحل (صور وصيدا وأرواد...)، وإذا ما توحدت هذه القوى، واجتمعت في ممر استرتيجي، كالممر القبياتي، لكان بوسعها أن تهزم جيوشاً كبيرة. والحال لقد كان الممر القبياتي مزروعاً بالحصون الصغيرة الجيدة الحراسة"([101]). ويختم الأب موراني كلامه هذا بإحالة إلى حاشية رقم 3 من نفس الصفحة، حيث نجده يستند إلى المؤرخ جواد بولس (لبنان والبلدان المجاورة، ص 117)، وإلى الأب تالون في (UneNouvelle.. .,MUSJ, XLIV,op. cit.). لم يأتِ جواد بولس بأي كلام من هذا القبيل، وهو يتكلم على ممر النهر الكبير، كما يعتبر كل المنطقة ممراً: الممر السوري اللبناني الفلسطيني.ولكن لنقارن بين نص الأب تالون ونص الأب موراني لنلحظ مواقع التزوير في النص، بعملية استبدال رأس الشقعة (شكا) وممر نهر الكلب، بما يسميه الأب موراني الممر القبياتي.
نص الأب تالون: (Vers les VIIIE - VIIE siècles avant notre ère, la Coalition phénicienne liait, pour la défense de leur existence et de leurs intérêts, les petites puissances qui s`appelaient Tyr, Sidon et Arados. Leurs forces unies placées en un passage stratégique bien choisi, comme le Ras Cheqqa ou le Nahr - el -Kelb, auraient pu tenir en échec des armées importantes. Une sentinelle avancée, la ville de Arqa, plus tard célèbre sous les Romains, existait déjà à l`époque. . .)([102]). لم يعظم الأب تالون كل عكار، فكل ما فيها هو موقع مراقبة (مخفر) متقدم (sentinelle).
نص الأب موراني: (Vers cette époque,VIII, VII s., la coalition phénicienne comprenait, outre, l`Egypte et Israel, les petites puissances de la cote (Tyr, Sidon, Arvad. . .) ces forces réunies, placées sur un passage statégique comme celui de Cobiath, auraient pu tenir en échec des armées importantes. Or le défilé Cobiathin était hérissé de fortins bien gardés. )([103]). هكذا تم استبدال رأس شكا وممر نهر الكلب بالممر القبياتي السترتيجي، وبدل مخفر المراقبة المتقدم (عرقة)، تجدنا أمام منطقة مزروعة بالحصون الجيدة الحراسة. هكذا هي الأمانة التأريخية! من أجل قبيات أفضل، لا بأس!
كما إننا نجد عند الأب موراني نفس الخطوط الدفاعية الثلاثة التي أتحفنا بها السيد الحاج (مع شيء من التعديلات الطفيفة). الأول: "يقع جنوبي حصن الأكراد ليقطع المداخل إلى طرابلس عبر القبيات. وهويضم علاوة على الحصنين الكبيرين المذكورين سابقاً، أي حصن الأكراد وحصن عكار، الحصون الصغيرة التالية: الفليس، ميليشين، لاكوم، حصن البقيعة"([104]). وإذا كان حصن الأكراد وحصن عكار وقلعة الفليس وحصن البقيعة (أو الوادي) مواضع معروفة، وهي ليست من القبيات، وإذا كان حصن لاكوم هناك من يرى موقعه في جبل أكروم أو في تل كلخ، وإذا كان مليشين بالقرب من حمص أو على مداخل وادي خالد، إذا كانت الأمور على هذه الشاكلة فمن أين تأتي أهمية القبيات وما كان دورها في هذا الخط الدفاعي الأول؟ وهل هي كل هذه المواقع لننسب الخط الدفاعي إليها؟ وإذا سرنا على هذا المنوال أليس في وسعنا اعتبار أي بقعة في هذا المحيط هي على هذه الأهمية؟ ولكن كيف السبيل، في هذا المنطق، إلى تمييز المواقع المهمة عن تلك الثانوية أو التي لم يكن لها أي دور كحالة القبيات؟
أما الخط الدفاعي الثاني، يقول الأب موراني: "... يتوسط المسافة تقريباً بين حصن الأكراد وعرقة... وهو يضم: حصن عكار، والمجدل، وطيـبـو (Tibo) أو طايبو (Taybo) وحلبا"([105]). وهنا نطرح نفس الأسئلة السابقة، ما دخل القبيات في كل هذه المواقع؟ وما هو دورها؟ وأخيراً يتمحور الخط الثالث حول عرقة بالذات.
يتضح من كل ما جاء به الأب موراني وقلّده فيه السيد يواكيم الحاج، أن القبيات لم تكن موقعاً على أي درجة من الأهمية. إذ ليس في القبيات أي موقع محصن، ولم يتم ذكر أي حدث حصل فيها، كما لم يتعرض أحد للحديث عنها بأي شكل من الأشكال. وكل ما يفعله الأب موراني ويجاريه خلفه السيد يواكيم، هو تجميع للخصائص التي تمتاز بها المواقع الفعلية ومحاولة نسبتها زوراً إلى القبيات. مع ما يرافق هذه العملية من تشويه لأقوال المؤرخين، ومن طمس للوقائع الفعلية، ومن تقليل لأهمية المواقع التاريخية الجدية في المنطقة.
وإذا كان لا بد من الكلام عن المواقع والحصون أو الخطوط الدفاعية (كما يحلو الكلام للأب موراني، وتلميذه الأمين السيد الحاج)، فلقد كانت الأمور على الصيغة التي سنرسمها الآن. لم تكن مسألة حماية "فرجة حمص" ووادي النهر الكبير (لا الممر القبياتي)، مجرد حالة مستقلة عن ما يجاورها، بل كانت قسماً من وضع أعقد بكثير من التبسيط الذي يعتمده الأب موراني والسيد يواكيم الحاج. ففي الدفاع عن ممر وادي النهر الكبير تدخلت مواقع حصينة متعددة، بعضها شمالي النهر، بعضها في حمص بالذات وحولها، بعضها في بعلبك والبقاع... وبعضها داخل هذا الممر بالذات.
هناك أولاً الثنائي حصن الأكراد وحصن عكار. ففي مؤلف "سورية القديمة والقروسطوية المصورة"، توصيف لأهمية هذين الحصنين: "إلى الجنوب يقوم حصن عكار بمراقبة فرجة حمص المشهورة، ويلعب دور موقع اتصال مع حصن الأكراد. فمن على سطيحة برجه الرئيسي نرى البحر وحصن الأكراد والحصن الأبيض (صافيتا)..."([106])؛ بينما "كان حصن الأكراد... الذي يحكم سهل البقيعة الفسيح، المسمى أيضاً فرجة حمص، يحمي حدود كونتية طرابلس..."([107]). واضح الكلام هنا بحيث يكون الإعتماد أساساً على حصن الأكراد في حين يمتاز حصن عكار بدور مساعد، فضلاً عن أن هذا الحصن كان يوصف بأنه حصن صغير (le petit chateau de Akkar)([108]). ويرى ماكس فان برشم: "إذا لم يكن حصن الأكراد من أوسع القلاع اللاتينية في سورية، فهو على الأقل أكثرها أهمية، لجهة تطور الدفاعات، واختيار مواد البناء، والطراز الهندسي والديكور"([109]).
يوضح راي (G. REY) أهمية حصن الأكراد في الدفاع عن كونتية طرابلس، وممر النهر الكبير، بالتحديد، بقوله: "طيلة مرحلة السيطرة الفرنسية في سورية، كانت الحدود الشرقية للمستعمرات الفرنسية متكونة من سلسلة من الجبال الممتدة من طرابلس إلى انطاكية. ولهذا فإن كل ممر، أو كل موقع استراتيجي كان محمياً بحصن ما... يقع حصن الأكراد على إحدى القمم المطلة على الممر الذي يصل وادي العاصي بحوض المتوسط... (وهو) في موقع عسكري من الدرجة الأولى من حيث أنه يتحكم بالممر الذي تعبره الطرق من حمص وحماة إلى طرابلس وطرطوس، كما أن لهذا الموقع أهمية رائعة لكونه يشكل منطلقاً لمناورات الجيش الذي عليه مواجهة سلطات حماة... يشكل حصن الأكراد، في نفس الوقت، مع حصون عكار وعرقة والسرخ والقليعة والحصن الأبيض ويحمور وطرطوس والمرقب، وكذلك مع الأبراج والمواقع الثانوية التي تربط هذه الحصون بعضها ببعض، خط دفاع لحماية كونتية طرابلس ضد غزوات المسلمين الذين استمروا أسياد القسم الأكبر من سورية الشرقية... ومن على أسواره المرتفعة تصل الرؤية، إلى الشرق، حتى بحيرة حمص وقسم من مجرى العاصي، وخلف ذلك تمتد إلى البعيد المناطق الشاسعة من صحراء تدمر. ونحو الشمال، تحجب جبال النصيرية النظر الذي يمتد غرباً، عبر وادي النهر السبتي... ويطل، إلى الجنوب، على سلسلتي جبال لبنان، الشرقية والغربية،... وعلى مقربة منه إلى الشرق، ينبسط من سفح تلة الحصن ... سهل "بقيعة الحصن"... ليست قلعة الحصن مسكناً اقطاعياً كبيراً تم تحصينه بغية السيطرة على محيطه... إنها من أهم المواقع العسكرية..."([110]).
لعل الباحث بول دي شان (Paul DESCHAMPS) من أفضل من أفاض وأجاد في توصيف ممر النهر الكبير ودفاعاته، ولا سيما حصن الأكراد. نقتطع مما قاله بعض المقاطع: "ما أن نبلغ الطرف الشمالي لسلسلتي الجبال (لبنان) حتى نصل إلى أول فرجة من الفرجات العرضية السابقة الذكر في سورية: فرجة طرابلس([111]). ثمة سلسلة من الوديان المتوازية والموزعة بين تلال قليلة الارتفاع عنها تفصل الهضبة الشمالية لجبل لبنان، جبل عكار، عن جبل النصيرية الذي يحازي من الغرب الوادي الشمالي للعاصي حتى مشارف أنطاكية. هذه الفرجة بين الجبلين، وهي ممر بعرض حوالي 20كلم([112])، ... ونسمي اليوم باسم فرجة حمص هذا الممر الذي يصل السهل الساحلي من طرابلس إلى طرطوس مع وادي العاصي والمدن الاسلامية الكبيرة كحمص وحماة... ينتصب شمالي البقيعة، لمراقبتها، حصن الأكراد الرائع... وكانت هناك عدة حصون صغيرة تحت هذه القلعة للدفاع عن أطرافها. وبمواجهة الحصن، جنوبي السهل، ينتصب على آخر هضبة جبل عكار حصن عكار الصغير. وغربي هذين الحصنين نرى عدة مواقع محصنة لحماية الوديان المؤدية إلى السهل الساحلي: وهي من الجنوب إلى الشمال حلبا عرقة عريمة..."([113]).
ليست بنا حاجة إلى تكرار الكلام حول أن أحداً لم يذكر القبيات بين كل تلك الحصون أو الأبراج أو المواقع المحصنة التي وردت عند المشتغلين على تاريخ وآثار المنطقة. كما أن القبيات لم تذكر حتى أثناء المعارك التي دارت في المنطقة، لا سيما عندما قام المماليك بطرد الصليبيين، أو قبل ذلك عندما قام الصليبيون باحتلالها، أو حتى قبل ذلك في العهود القديمة، ولا حتى في المرحلة العثمانية. ولقد جاء عدم ذكر القبيات في الظروف التي من المحتم