القسم الثاني

 (الطوبونيميا) Toponymie والطوبوغرافيا التاريخية

Back

 
الفصل الثاني
في اسم القبيات

 القبيات إسم يطلق على كامل البلدة الموزعة على ستة أحياء كانت لفترة قريبة مستقلة عن بعضها البعض في انتشارها العمراني، قبل أن تصبح شبه متلاصقة في معظمها. ولكل من هذه الأحياء إسم خاص، يتميز به عن سائر الأحياء التي يجتمع معها تحت اسم القبيات. هذه الأحياء هي: الغربية (أو القبيات العتيقة)، مرتمورة، الضهر، الذوق، غوايا، القطلبة. هذا فضلاً عن مجموعة من المزارع، أو المناطق الزراعية، حيث يقيم بعض سكان البلدة في فترات معينة من السنة، هي فترات الربيع والصيف عندما يبدأ العمل الزراعي. وكانت هذه المناطق في السابق تشهد حركة نشيطة، وتقيم فيها (في فترة العمل) عدة عائلات. من هذه المناطق: كرم سباط والشنبوق، حلسبان، شويتة، ضهور مرتمورة والغربية.

          يبدو أن اسم "القبيات" لا يحمل مدلولاً معيناً بنظر أبناء البلدة الذين لا يعرفون لماذا دُعيت بلدتهم بهذا الاسم ([1]). كما يبدو أن هذه التسمية لا صلة لها بأي حدث تاريخي ما.

 

          فريحة: الحصرية السريانية لأسماء الأماكن

          ثمة تقليد في دراسة أسماء المدن والقرى اللبنانية يردها بمعظمها إلى أصل سرياني أو آرامي، والقبيات لا تستثنى من ذلك. ويعتبر أنيس فريحة رائد هذه النزعة التي تكاد تحصر أسماء الأمكنة بهذه اللغة؛ ولقد تبعه، كالظل تقريباً، عفيف بطرس مرهج ([2]). ويبدو أن هذه النـزعة بتشديدها على الآرامية والسريانية تسعى لمحو كل أثر عربي من الذاكرة واعتبار كل علم إنما هو سرياني المصدر في الأصل، بحيث يكون "العربي" مجرد طارئ.

ويتجه الاعتقاد، تبعاً لما يقوله فريحة في معجمه ([3])، إن القبيات هي اسم جنس (تسمى به بعض الأمكنة) أكثر مما هي اسم علم: ثمة أماكن أخرى في لبنان تعرف باسم (Il Qbayyat)، وأعتقد أنه مشتق من الكلمة السريانية (Quabayata) بمعنى المستنقعات، وهي من أصل Qba بمعنى تجمع وQibya بمعنى تجمع الماء. ولكنه تجدر الاشارة إلى أن الأبوين أرملة وحبيقة لم يذكرا القبيات في لائحة اسماء القرى اللبنانية السريانية ([4]). فهل في إغفالها موقف لا يعتبر اسمها سرياني الأصل؟

ولعله من الممكن أن تكون كلمة قبيات تحريفاً للكلمة العربية قبيبات التي يذكر ياقوت في "معجمه" أن الكثير من الأماكن تعرف باسم قبيبات، تلك الكلمة التي هي جمع لتصغير كلمة قبة، وتتسم كل هذه الأماكن بوفرة الماء فيها ([5])، والبعض منها يعرف اليوم باسم قبيات، كما هي الحال مثلاً في أحد أحياء دمشق. ولعل التحريف من القبيبات إلى القبيات ممكن لتقارب ما بين العربية والسريانية حول وجود الماء. ويشجعنا على  ذلك موقف الأب أرملة الذي يعتبر قبيبات كلمة سريانية تطلق اسماً على بعض القرى السورية ([6]).

          ولو عدنا إلى فريحة لوجدناه يذكر في معجمه قريتين مختلفتين باسم قبيات: القبيات - غوايا والقبيات - مرتمورة ([7]). وهو يؤكد أن الأولى تقع في قضاء عكار، والثانية في البترون! والحال أن اسمي هاتين القريتين هما اسمان لحيين من أحياء القبيات! ولعل ما يورده فريحة بخصوص وجود قريتين للقبيات واحدة في عكار وأخرى في البترون، دونما إشارة منه لكون الاسمين يدلان على موقعين في بلدة واحدة (القبيات) لمما يضعف الثقة بمعجمه.

 

 

اسم القبيات لدى الباحثين في تاريخ البلدة

          1- فؤاد سلوم: هوس النقاء الآرامي.

          سبق لنا أن طرحنا منذ العام 1983 تعليلاً مختصراً لاسم القبيات، طورناه، بعض الشيء، في "ملف" نشر في العام 1986([8])، وضمناه وجهة نظرنا المعروضة أعلاه. ولدى نشرنا الملف انبرى د.فؤاد سلوم فرد علينا بمقال ([9]) اتهمنا فيه بالوقوع في مغالطات وبتزوير تاريخ المنطقة.

          وإن كنّا نرى أن مقال سلوم يعاني من عقدة "تعظيم" التاريخ الماروني عامة وتاريخ القبيات خاصة، ويعكس عقد "النقاء والصفاء العرقي - المذهبي"، فإننا نقصر كلامنا هنا في حدود البحث باسم القبيات. يرى د.سلوم: "القبيات منطقة واسعة اطلق الاسم عليها، وهو آرامي كجميع أعلام الأماكن فيها، نسبة إلى موقعها الجغرافي الذي يمكن ترجمته حرفياً ب: "الروايم، جمع رامية أو رامة، أي جمع ماء، وهي كثيرة عندنا في فصل الشتاء، منها "روايم" غوايا وشويتا واللوزات والبكليك والزور المشهورة بالمخاضة" ([10]). توضح الجملة الأولى في هذا النص، وكذلك عنوان المقال، (القبيات مارونية أصلاً واستمراراً) النـزعة الاطلاقية القصوية في فكر د.سلوم. فالقبيات المارونية أصلاً و"اصلاً" تعني من الأصل، وبما أن القبيات كمنطقة كانت مأهولة قبل المارونية بكثير، فهل نستنتج أنها كانت مارونية قبل ظهور مار مارون؟! يرى النص أن اسم القبيات آرامي، "كجميع أعلام المنطقة فيها"! النـزعة الاطلاقية القصوية أيضاً. فهل اسم حي الضهر والقطلبة (لو سلمنا جدلاً أنه نسبة إلى شجرة القطلب)، والذوق، هي أعلام آرامية؟ وهل ينسى د.سلوم أن كلمة "ذوق" ليست آرامية، ولاهي عربية. ثم لم يذكر لنا د.سلوم في ما ذكره حول أعلام الأماكن مرجعه، ونحن نعلم أنه لا يتقن غير العربية، فإلى من استند في اعتبار هذه الأسماء آرامية؟ ألم يفطن د.سلوم وهو يعدد الأسماء إلى كلمة "البكليك" فهل هي آرامية أيضاً؟.

يعرف د.سلوم أن اسم القبيات لم يشمل كل هذه المناطق التي عددها (روايم غوايا وشويتا واللوزات والبكليك والزور...) إلاًّ في مرحلة متأخرة، وذلك بشهادة الخورسقف الزريبي الذي يقول: "أما انتشار أهلها (يقصد أهل القبيات) في حارة مرتمورة والزور وضهر البلان وغوايا، فهو حديث جداً لا يبعد أكثر من ماية وسبعين سنة..."([11]). وعليه فإن هذه الأحياء الجديدة التي شهدت الامتداد الحديث للسكن القبياتي، ليست، بطابعها الكثير الماء، هي التي أطلقت اسم القبيات. بل هي اتخذت اسماً كانت تتصف به القبيات العتيقة (الغربية حالياً)، وليس فيها رامية من جميع الروايم التي ذكرها د.سلوم. إن أحياء القبيات تعرف بأسمائها الخاصة بها، كمناطق خاصة، مع جمعها حديثاً تحت اسم القبيات، في سياق تاريخي يجدر بنا البحث فيه واكتشافه (هذا هو بالتحديد ما يرفضه سلوم. إنه يخشى على "العظمة" و"الأصالة"). إن منطقة شويتا مثلاً، وهي اليوم تابعة للقبيات، كانت سابقاً، وحتى أواسط القرن السادس عشر قرية مستقلة قائمة بذاتها، وغير محسوبة كجزء من القبيات. وكان يشار إليها في الحوليات المارونية والسجلات العثمانية كقرية من بلاد عكار، لا كحي من القبيات. وكانت في زمن أقدم على غير مذهب الموارنة بشهادة بطاركة الموارنة ومطارنتها، بعكس ما يذهب إليه د.سلوم وغيره أحياناً.

 

2- الأب موراني: القبيات والمياه المقدسة

          عندما وضع الأب موراني الكرملي أطروحته للدكتوراه في "فن العمارة الدينية في القبيات في أيام الصليبيين" ([12])، استعرض في القسم التاريخي من عمله اسم القبيات. اعتبر أن اسم البلدة لا يعود لفترة قديمة في التاريخ، وأول ظهور لصفة القبياتي كان في العام 1524 حيث جاء الاسم في قصيدة في مدح البطريرك موسى العكاري، من نظم ابن شمعة القبياتي (ليس في نص الدويهي أي أمر يثبت أن هذا القبياتي ابن شمعة هو من القبيات عكار، ولربما كان من موضع آخر باسم القبيات، مع احتمال بأن يكون من هذه البلدة).

          ذكر الأب موراني ما يسميه "التقليد المحلي" في اسم القبيات، وهو تقليد يربط الاسم باللغة العربية واعتبره يفسر الاسم انطلاقاً من التكوين الجغرافي للبلدة، فالاسم إما تحريف لكلمة قبيبات، كتصغير لجمع قبة، أو جمع قبو ([13]). بالطبع رفض الأب موراني هذا التفسير (العربي) واعتبره مجرد تفسير جمالي، وقال بضرورة البحث عن تفسير يجد مصادره في الإيمان. ولهذا فهو يعود بالاسم إلى أصل آرامي أو سرياني، وهنا جوهر عبادة المواقع المائية، ومعظم أسماء المواقع في القبيات لـها علاقة بآلـهة الماء أوبالمقدسات المائية ([14]). ولكن الأب موراني يعود في مكان آخر، فيتوقف أمام اسم حي الذوق، وهو أهم وأكبر أحياء القبيات، فيؤكد في حاشية في أسفل الصفحة أن الذوق: "كلمة من أصل تركي تعني موقعاً للدرك العثماني، وقد تكون مشتقة من اللغة السريانية، وفي هذه الحال تعني منبسطاً من الأرض (douqa)" ([15]).

 

          3- يواكيم الحاج: يصحح في اللغة المسمارية!

          يقول يواكيم الحاج: "القبيات لفظة أكادية بابلية قديمة. وردت في التاريخ القديم في القرن الثامن قبل الميلاد، على لسان الملك الأشوري سنحاريب (704-680). جاءت تسميتها مدونة بالخط المسماري على صفيحتين حجريتين في وادي بريسا (بار آسا) في جبال عكار، في نقطة "مرجحين" منقوشة هكذا ([16]):

 

وقد فسرها المؤرخ الشهير والمستشرق الكبير هنري بونيون H.POGNON قنصل فرنسا في حلب:  Bit-Koubati. ويقول الملك سنحاريب في هذا النصب الأثري: إن هذه المدينة تقع على مقربة من هذا المكان. وأنه كان يقدم النبيذ الفاخر منها على موائد الاله مردوك وزوجته زربانيت، في أيام الأعياد. ويقول أنه كان يستورد النبيذ الفاخر من تسعة بلدان مختلفة. وكانت القبيات إحدى هذه البلدان. ويضيف الملك الأشوري قائلاً: إن سكان القبيات هم من الساميين. وقد دُعيت هذه المدينة باسم شخص سكنها في الماضي يدعى Koubat قوبت، كما يقال: شوكت، تغلت، حكمت، جودت...الخ. (كأن سنحاريب كان يتقن اللغة العربية!) وهكذا انتسبت المدينة إليه مع الأيام" ([17]).

لا ندري كيف سمح السيد يواكيم لخياله بنسج هذه الرواية الخرافية حول اسم القبيات انطلاقاً من نص هنري بونيون حول نقوش وادي بريسا، في جرود الهرمل على السفح الشرقي لجبال عكار؟

          إن النص المذكور باللغة الفرنسية على درجة كافية من الوضوح بحيث أن القارىء لا يحتاج إلى عناء كبير ليدرك أن Bit-Koubati لا علاقة لها على الاطلاق بالقبيات. وإن وهذه المدينة وبلادها ليستا في عكار أصلاً، بل هما في مكان ما بين "اربخا" أو "اراباشيتيس" أي "كركوك" وبحيرة أورمية. فأين هي عكار عن تلك البلاد البعيدة؟ يقول نص السفير الفرنسي بونيون، نثبته نقلاً عن كتاب يواكيم بالذات ([18])

إن المعارك التي يذكرها السفير الفرنسي في الحملة الثانية لسنحاريب لم تجرِ في عكار، كما توهم السيد يواكيم. وفي الحقيقة إن ما يخلده سنحاريب في النقوش التي خلفها في وادي بريسا، إنما هي جملة المعارك التي خاضها في أعالي بلاد ما بين النهرين. يقول جواد بولس: "ورث سنحاريب (705-681) الذي خلف أباه سرجون على العرش وضعاً مأساوياً. فالشعوب الخاضعة التي بلغها موت سرجون سرعان ما قامت بعصيان عام. وكان على سنحاريب وهو المحارب الكبير أن يستخدم اعوام حكمه الأربعة والعشرين في سد الثغرات وتدعيم المواد في البناء الاصطناعي الذي يمثل الامبراطورية الأشورية" ([19]).

ويعدد بولس الانتفاضات المتتالية بدءاً من "انتفاضة كلدان بابل وهزيمتهم (704)... إلى تمرد بابل (700)..." ([20]). أما ديلابورت فيقول، في نفس الموضوع: "ما كاد سنحاريب يستلم العرش حتى اندلعت الاضطرابات في بابل... طيلة سنة كان يقاتل بوجه الآراميين في بابل وفي أعالي بلاد ما بين النهرين، ثم بوجه الكاشيين، كما أنه قام بعرض قوته على حدود بلاد ميديا... وبعد ذلك بسنوات قام سنحاريب بحملة غربي بحيرة فان" ([21]).

ولعل أوضح صورة لأعمال سنحاريب العسكرية يقدمها غونسالف: كانت مناسبة التمرد الذي هزَّ قسماً كبيراً من الامبراطورية الأشورية تغيير اللملك الأشوري. مات سرجون الثاني عام 705،... وخلفه في نفس العام إبنه سنحاريب... وظن كثير من مناطق الامبراطورية أن الظرف ملائم لاعلان التمرد والاستقلال. ففي الجنوب انتفضت بابل التي كان يديرها سنحاريب شخصياً، وذلك سنة 703...، وقام قائدها بجملة تحالفات داخل الامبراطورية وخارجها وشجع على الثورة والعصيان. اتجه سنحاريب أولاً نحو بابل، حيث قام بأول حملة عسكرية في حكمه عام 703. وعلى الرغم من التحالف الكبير الذي عقده حاكم بابل الجديد بين العيلاميين والآراميين والبابليين وسواهم، فإن قائد التحالف انهزم أمام سنحاريب... وبعد حملة له في الشرق ضد الكاشيين والياسوبيغاليين Yasubigalléens، عام 702، خصص حملته الثالثة لقمع التمرد في فينيقيا وفلسطين" ([22]). من البين أن الحملة على الكاشيين والياسوبيغاليين هي الحملة الثانية التي قام بها سنحاريب. وفي حملته الثالثة بدأ احتكاكه مع مناطقنا. وهذا ما يذكره حرفياً نص هنري بونيون، وبشكل خاص عندما يتحدث عن بيت – كوباتي: "في حملته الثانية اجتاح سنحاريب بلد الكاشيين والياسوبيغاليين، الذين فروا أمامه، وأسكنهم في كارديشبي وبيت – كوباتي...".

 من الواضح هنا أن المعارك مع الكاشيين لم تكن في جرود عكار، كما يتوهم يواكيم، بل كانت في أعالي جبال ما بين النهرين، وبعد أن انتهت هذه المعارك انطلق سنحاريب في حملة على فينيقية وفلسطين. ولدى مروره في وادي بريسا تم وضع النقوش التي خلد فيها ذكرى تلك المعارك السابقة على وصوله إلى بلادنا هنا. هذا مع العلم أن النص الذي وضعه هنري بونيون، وهو بين يدي يواكيم ([23]) يكفي للدلالة على كل هذه الأمور، وعلى أن Bit-Koubati ليست القبيات، ولا هي موجودة في عكار أصلاً.

ولكن هل أن الخيال الجامح في "تعظيم" القبيات هو الذي أعمى بصيرة السيد يواكيم أم جهله للغة الفرنسية، وبالتالي اساءته لفهم النص الفرنسي الذي وضعه السفير الفرنسي؟

 ما هي حقيقة ما كتبه هنري بونيون، وقد أثبتناه بنصه الفرنسي، يرجى مراجعة الملاحق ومراجعة كتاب السيد يواكيم بالذات؟ ونقوم بترجمته هنا. ننطلق من النص الفرنسي - المسماري الذي أثبته يواكيم في الجزء الثاني من كتابه، في الصفحة 20 والذي عرض بعض ترجمته في الصفحة 27و28. 

          الموقع الأول: هو Simmin، يقول بونيون: "أجهل أين كان يقع بلد سيمين". بينما يقول يواكيم: "لم يحدد موقعها".

          الموقع الثاني: هو le pays de Hilboun. يقول بونيون: "يذكر حزقيال خمر هذا البلد الذي يسميه               ، ويعلمنا سترابون (الكتاب 15) أنه كان موجوداً في سورية". بينما يواكيم: "يقول أنه ربما كانت مدينة حلب. ولكن (أزيشيل) يقول: Hilbaun أنها مشهورة بعنبها ويمدحها بدون أن يحدد موقعها. أما سترابون فيقول: في كتابه الجزء (15) إنها من أعمال سورية، وربما يقصد بها مدينة حلب" ([24]).

          الموقع الثالث: le pays d`Arnabân أو le pays d`aranabân، يقول بونيون: "إن الموقع الجغرافي لبلد arnabân مجهول". يقول يواكيم: "يجهل مكان وقوعها".

          الموقع الرابع: le pays de Soukh. يقول بونيون: "يقع بلد Soukh في وادي الفرات بالقرب من الرقة وأناه Anah، راجع H.POGNON: L`Inscription de Mérou-Nérar 1er, roi d`Assyrie, pages 74et96.". بينما يقول يواكيم: "تقع في وادي الفرات قرب بلدة الرقة".

الموقع الخامس: Le pays de Bit-Koubati. وهنا ذروة التلاعب بالنص. يقول بونيون: "اجتاح سنحاريب، في حملته الثانية، بلاد الكاشيين (Kaché) ([25]) والياسوبيكاليه Yassoubikallai ([26]) الذين هربوا من امامه، وأسكنهم في كارديشبي Kardichpi وفي بيت - كوباتي Bit-Koubati، وعهد بحكم هاتين المدينتين إلى والي أربخا Arrabkha. وكما قلت في بحثي حول نقوش ميرو- نيراز الأول (ص 73)، أعطت مدينة أربخا اسمها إلى أرباشيتيس (Arrapachitis). ومن المحتمل إذن أن مدينة وبلد بيت- كوباتي Bit-koubati كانا يقعان، على مسافة قصيرة شرقي هذه المقاطعة، أي غربي وجنوبي بحيرة أورمية. إن اسم العلم Bit-Koubati يعني "منـزل شخص اسمه كـوبـات Koubat"؟ هذا على الأقل ما اعتقده سنحاريب، لأنه كتب اسمه           .

ومن المحتمل أن بلد بيت- كوباتي كان مأهولاً بشعوب من أصل سامي". هذا مايقوله هنري بونيون، بترجمته الحرفية إلى العربية، ولنقارن هذا الكلام مع ما يقوله السيد يواكيم. يقول يواكيم: "Bit-Koubati القبيات في عكار" ([27])، وسبق ليواكيم أن قال: "ويقول الملك سنحاريب... أن هذه المدينة (Bit-Koubati) تقع على مقربة من هذا المكان (يقصد وادي بريسا في جرود الهرمل)... ويقول أنه كان يستورد النبيذ الفاخر من تسعة بلدان مختلفة. وكانت القبيات إحدى هذه البلدان" ([28]). وحتى يمعن السيد يواكيم تشويهاً في نص هنري بونيون، واساءة للترجمة من الفرنسية إلى العربية، يقول متسائلاً: "ما هي مدينة كاردشبي وأين تقع؟ (ويجيب) عندما نقرأ أن سنحاريب ملك آشور غزا الكاشيين والأثيوبيين في جرود عكار (هكذا اخترع هذه الرواية عن الحرب في هذا الموقع، لأنه يقرأ في مخيلته لا في ما كتبه هـ. بونيون!)، وكسرهم واحتل مدينتهما (الصحيح مدينتهم): (بيت كليمزاك، وكاردشبي) ([29]). وأنزلهم إلى كاردشبي والقبيات حيث أقام عليهم حاكماً من قبله يدعى رابشاقا". ([30]). ويتابع يواكيم: "هذا الكلام يحدد بصورة طبيعية أن مدينة الكاشيين المسماة بيت- كليمزاك، كانت في الجبال العالية الواقعة في جرود القبيات، بدليل أنه أنزلهم من جبالها إلى كردشبي والقبيات. فلما كان لا يوجد تسمية لبلدة بين الجبال العالية وبين القبيات غير النقطة المعروفة باسم (كرم شباط) ([31])، يوجد تطابق شبه كلي بين حروف اللفظتين" ([32]).

          واضح هنا البحث عن التطابق اللفظي، أو استيهام التطابق اللفظي، لتصح العظمة التاريخية! وهذا التوهم، يدفع السيد يواكيم، بعدما يكشف تزويره للنص الفرنسي، إلى التعالم في قراءة الحروف المسمارية، حيث اخطأ عالم الآثار بونيون. يقول السيد يواكيم: "عندما نعلم أن المستشرق الفرنسي صور الحروف المسمارية كما هي على الصخرة ([33]) بعدما مرت عليها آلاف السنين وتعرضت لعوامل الطبيعة التي أثرت وبدلت ومحت العديد من الحروف كما هو ظاهر من قراءة الوصف وتحديد عدد السطور التي أتت عليها الأيام: فعندما نعرف ذلك لانستغرب بعض التغيير في شكل الحروف ونتجرأ([34]) على القول بأن منطقة كرم شباط Kharmchbit هي ذاتها المعنية بلفظة كردشبي Khardechpi في كلام المستشرق ([35]). هكذا يصبح السيد يواكيم عالماً بكيفية تصويب النصوص المسمارية. وليقنعنا بذلك يضع لنا في متن كتابه أربع صفحات من الحروف المسمارية والهيروغريفية، حتى ليظنها القارىء أنها من اكتشافه ([36]).

 


[1] -  استناداً إلى التحقيق الميداني الذي أجريناه في البلدة مع المسنين، في نهاية السبعينات. راجع: ABDALLAH,Joseph: Rapports du Pouvoir Politique à Qbayet (un village maronite du Liban-Nord), Thèse de doctorat de 3ème cycle en sociologie, sous la direction de Pierre FOUGEYROLLAS, Université de Paris-7, U.E.R.de Sociologie, Paris, 1983.  وكذلك: عبد الله، جوزف: "بلدة القبيات"، الشمال (وكالة أنباء الشرق) العدد 65، 29 أيلول 1986، ص32-56.

[2] -  فريحة، أنيس: معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الثانية، 1972. يستند عفيف ب. مرهج في "إعرف لبنان: موسوعة القرى والمدن اللبنانية"، إلى معجم فريحة.

[3] -  فريحة، أنيس: معجم...، مرجع سابق، ط 2، 1972، ص135. يستند عفيف ب. مرهج في "موسوعة..."، مرجع سابق، (م8، شباط 1972، ص114)، إلى معجم فريحة في كل ما ذكره عن القبيات.

[4] -  الأب أرملة والأب حبيقة: "لائحة أسماء القرى اللبنانية السريانية"، المشرق، 28، 1929، بيروت، ص287-412.

[5] -  ياقوت: معجم البلدان، دار صادر، بيروت، المجلد الرابع، ص308، وفيها يقول: "القبيبات: جمع تصغير الذي قبله (قبة): بئر دون المغيثة في طريق مكة بخمسة أيام بعد وادي السباع، وهي بئر وحوض وماؤها قليل عذب... والقبيبات: محلة ببغداد وماء في منازل بني تميم وموضع بالحجاز. والقبيبات محلة جليلة بظاهر مسجد دمشق". يرى د. عبدالله الحلو معنى الإسم القبيبات: "عبارة عن جمع المؤنث العربي من "قبيبة" تصغير "قبة""، (تحقيقات تاريخية لغوية في الأسماء الجغرافية السورية، ط 1، بيسان للنشر، بيروت، 1999، ص 440).

[6] -  الأب أرملة: "القرى السريانية في سورية"، المشرق، 38، سنة 1940، ص175-198. يجدر بنا هنا أن نلاحظ عدم ذكر الأب لاسم القبيبات في عداد القرى السريانية (مرجع سابق في الحاشية 41) وذكر القبيبات كاسم سرياني.

[7] -  فريحة، معجم...، مرجع سابق، ص 135.

[8] -  راجع الحاشية رقم 1.

[9] -  سلوم، د. فؤاد: "القبيات مارونية أصلاً واستمراراً"، الشمال (وكالة أنباء الشرق)، العدد 86، 17آب 1987، ص 32-40.

[10] -  المرجع السابق، ص 32.

[11] -  الزريبي، الخورسقف ميخائيل: لمحة تاريخية، سجلات كنيسة مرتمورة، سجل التثبيت، ص283.

[12] -  MOURANI, Afif: L`Architecture Religieuse de Cobiath sous les Croisés, Thèse pour un doctorat en histoire de l`art, sous la direction de M.Yves BRUAND, Université le Murail, Toulouse, 1988.  عفيف موراني هو الأب الكرملي اللبناني، كان مديراً لمدرسة الآباء الكرمليين في القبيات، وأمضى في هذه البلدة فترة طويلة.

[13] -  المرجع السابق ص4. إن عبارة "التقليد" أو "التقليد المحلي" يكثر من استعمالها الأب موراني ود.سلوم. وهي عبارة فارغة هنا، فالتقليد ليس مجرد كلمة اعتباطية نحمِّلها ما نشاء، وننسب إليها ما نرغب ثم نسنده إلى مرجعية "التقليد". يتكون "التقليد" ويترسخ في أشكال من التعبير الشفهي أولاً ثم الكتابي. وهو لايستمر في الفراغ، بل لا بد له من أشكال تنقله. و"التقليد المحلي القبياتي" نجده لدى الخورسقف الزريبي، وسجلات الكنائس وأوساط اجتماعية قادرة على حمل التقليد وتوارثه وتوريثه. وعندما بادرنا في دراسة القبيات في أواخر السبعينات وجدنا الذاكرة القبياتي ضعيفة، ولا تحمل تفسيراً لاسم بلدتها. وحده الخورسقف الزريبي نقل لنا فهماً لاسم القبيات.

[14] -  الأب موراني، مرحع سابق، ص5. يلتقي الأب موراني هنا مع د.سلوم في النزعة الاطلاقية.

[15] -  الأب موراني، المرجع السابق، ص 8، حاشية 1. لم يطرح هذه الاحتمالات عندما عالج مسألة اسم القبيات؛ بالطبع لأن في طرح احتمال الأصل التركماني ما قد يشوه نظرية الأب في الأصل الآرامي القائم على العبادة المائية!

[16] -  الحاج، يواكيم: عكار في التاريخ، تاريخ القبيات، الجزء الثاني، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1999، ص8.

[17] -  المرجع السابق، ص 11.

[18] -  المرجع السابق، ص 20. راجع النص الفرنسي في الملاحق.

[19] -  بولس، جواد: الموسوعة التاريخية، شعوب الشرق الأدنى وحضاراته، تعريب وتحقيق سيمون عواد، دار عواد، بيروت، 1993، ص258.

[20] -  المرجع السابق، ص 258 – 259.

[21] -  DELAPORTE, Louis: Les Peuples de l`Orient Méditérannéen, I le Proche-Orient Asiatique, Puf, Paris, 1938, p.253-254.

[22] -  GONCALVE, Francolino J.: L`Expédition de Sennashérib en Palestine dans la littérature hébraique ancienne, Librairie Lecofere, Paris, 1986, p.105-108.              راجع أيضاً حول حملة سنحاريب: G.MASPERO: Histoire Ancienne des Peuples de l`Orient, Librairie Hachette, Paris, 1904, p.501-516.

[23] -  إن وثيقة هنري بونيون (H.POGNON: Les Inscriptions Babiloniennes de Wadi   Brissa, Paris, 1887. ) غير متوفرة في سوق الكتاب بالطبع. وهي غير موجودة في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، ولا في مكتبة الجامعة اللبنانية. والنسخة الوحيدة التي عثرت عليها في مكتبة الآباء اليسوعيين، (المكتبة الشرقية) في بيروت، تنقصها مجموعة الصفحات المطبوعة بحروف طباعة. إن الكتاب الذي وضعه بونيون فيه نوعان من الكتابة. الصفحات الأولى (حوالي 22 صفحة) مطبوعة بأحرف الطباعة العادية، والباقي بأحرف طباعة شبيهة بحروف الكتابة اليدوية. إن مرجع المكتبة الشرقية، لا تنقصه الصفحات الأولى فحسب، بل تنقصه من متنه الصفحات التي تتناول مواقع سنحاريب مع الكاشيين واستيلائه على Bit-Koubati. ويقول يواكيم الحاج في الجزء الأول من كتابه، في الصفحة 121 حاشية 1: إن "الوثيقة المسمارية موجودة لدي". ولعله يقصد هذا النص المكتوب. أما الوثيقة بمعنى النقوش على الصخور، فلا نظن أن بوسعه الاحتفاظ بها. حاولنا كثيراً الحصول على النص، ولكن باءت محاولتنا بالفشل. ولكننا تمكنا بفضل صديقنا د. جورج شاهين (من عندقت – عكار) المقيم في فرنسا من الحصول على الصفحات المفقودة. فله منا جزيل الشكر والامتنان.

[24] -  يتضح هنا سؤء تعريب نص بونيون الذي لم يذكر حلب أبداً هنا. كما أن (أزيشل) –ترجمة يواكيم لاسم Ezéchiel- ذكر خمر هذا البلد. Ézéchiel هو النبي حزقيال، وهو واحد من أبناء اسرائيل الأربعة الكبار. ولقد تنبأ ما بين عامي 592 و 570 ق.م. وهو مشهور بكتاب حزقيال، أو سفر حزقيال المكون من 48 فصلاً. وهو صاحب نبؤة خراب أورشليم ودعوة العبرانيين بتقبل القصاص الذي لحق بهم، وحثهم على الصبر، مبشراً بخلاصهم. ولقد ذكر حزقيال حلبون (سفر حزقيال، 27: 18): "وكانت دمشق تتاجر معك لوفرة مصنوعاتك، لوفرة كل غنى، وتزودك بخمر حلبون...".

[25] -  في اللغة الفرنسية هناك ما يسمى الكاشيين  Kassites    و Kachés .

[26] -  هناك لفظة Yassoubikallai و  Yasubigalléen.

[27] -  يواكيم الحاج، مرجع سابق، ج 2، ص 28.

[28] -  المرجع السابق، ص 11.

[29] -  المفروض أن يقول بيت-كيلامزاخ، لأن اللفظة الفرنسية هي Bit.Kilamzakh، وكارديشبي تعريباً للفظة الفرنسية Khardichpi. ولكن لا بأس بشيء من التحوير حتى تصح الفرضية الوهمية.

[30] -  قارن هذا الكلام بتعريبنا لنص بونيون الذي يثبته يواكيم بنفسه. في كل ما كتبه السفير الفرنسي، لا يأتي على ذكر عكار مطلقاً.

[31] -  كرم سباط ليست بلدة، ولا قرية، هي مجرد مزرعة مشتركة بين أبناء القبيات وجعفر وعيدمون، وفي الأصل هي ملك لتركمان عيدمون، وتابعة عقارياً لهذه البلدة: عيدمون، حتى الآن. سنتناولها لاحقاً.

[32] -  الحاج، يواكيم، مرجع سابق، ج 2، ص 28.

[33] -  كان عليه أن يصورها كما هي في خيال ورغبة السيد يواكيم.

[34] -  لا شك أنها جرأة المتطفل على العلوم، جرأة من أعمته محبته لبلدته و رغبته في تعظيمها حتى "انفلقت"! وفي هذا التطفل يقول ابن خلدون، في "المقدمة": "التطفل على الفنون عريض طويل. ومرعى الجهل بين الآنام وخيم وبيل. والحق لا يقاوم سلطانه...".

[35] -  نحو مزيد من التشويه والتزوير يلغي يواكيم الحرف "i" من كلمة Khardichbi.

[36] -  الحاج، يواكيم، مرجع سابق، الجزء الثاني، الصفحات من 21 إلى 24. تبين لنا أن هذه الصفحات مأخوذة تصويراً عن الجزء الأول من "تاريخ سورية الدنيوي والديني، للمطران يوسف الدبس، من الصفحة 345 حتى 348. وبالطبع لا يكلف السيد يواكيم نفسه ضرورة ذكر مرجعه!

the Chapters of the book, click on the title to read it: 

Detailed Contents

Part2-Chap1

Part3-Chap1

Part4-Chap1

Introduction

Part2-Chap2

Part3-chap2

(Kobayatian Families)

Part4-Chap2

Part1-Chap1

Part2-Chap3

أحياء القبيات

Part4-Chap3

Part1-Chap2

 

References

2000 STAREAST, Inc. All Rights Reserved.

Webmaster Eng.Elie ABBOUD

Email : elie@kobayat.org

Back