Webmaster Eng.Elie ABBOUD

Email : elie@kobayat.org

back to Mountakhabat

Dr. Joseph Abdallah  الدكتور جوزف عبدالله

منتخبات التواريخ والآثار

في مواضع عكار والجوار

 2
 

تموز 2009

إعداد :

الدكتور جوزف عبدالله

دكتوراه في العلوم الاجتماعية

حملة نبوخذنصر الثاني

أو

السياق التاريخي العام لوضع النقوش البابلية في وادي بريصا

 

تعود القيمة التاريخية لنقوش وادي بريصا أساساً في كونها تلقي الضوء على الحملة (أو الحملات) التي شنها نبوخنصر الثاني في لبنان وجواره، وذلك من ضمن المواجهة التاريخية بين وادي النيل وبلاد ما بين النهرين. فمن المعروف كقانون تاريخي أن من كان يسيطر على سورية الطبيعية (من العراق إلى فلسطين، ولبنان في القلب منها) كان يتحكم بمصير العالم القديم. لقد كانت هذه المنطقة، وهي اليوم بلا شك، موضع اهتمام كل الامبراطوريات التي بلغت بلادنا من الشرق أو الغرب. وعليه لقد شكلت السيطرة على بلاد الشام التحدي الأكبر الذي بحُسن مواجهته تمكنت الامبراطورية البابلية الجديدة من ترسيخ حضورها، وذلك خصوصاً على يد نبوخذصر الثاني، الشخصية المحورية في نقوش وادي بريصا.

 

قامت هذه الامبراطورية في بلاد ما بين النهرين على أنقاض الأشوريين. فحوالي العام 630 ق.م. اصبح نابوبولاصر ملكا على الكلدانيين وسرعان ما أخرج الأشوريين من الوركاء (أوروك) وفي العام 626 (ق.م.). إن صعود الكلدانيين الجدد أدخلهم في صراع مع الفراعنة (الذين كانوا يسيطرون على سورية) انتهى في تمكن نبوخنصر الثاني (ولي العهد وقائد الجيش) من هزيمة قوات نخاو الثاني المصرية قرب كركميش (605 ق.م.).

توفي نابوبولاصر عام 605 فخلفه ابنه نبوخذنصر الثاني المنهمك في مطاردة الفراعنة وحلفائهم في سورية (بعد موقعة كركميش). وباستلامه السلطة استكمل القضاء على الأشوريين وعلى غيرهم من حلفاء المصريين وأنصرف إلى محاولة الاستيلاء على مصر.

 

تغطي نقوش وادي بريصا، من الوجهة التاريخية، بعض وقائع الأحداث في أيام نبوخذنصر الثاني الذي كثيراً ما تنقل بين لبنان وسورية وفلسطين، تأديباً للدويلات المتمردة على سلطته وتصدياً للطموحات المصرية.

 

ولنا في النص الآتي ما يشرح لنا وضعية نبوخذنصر وما يفسر سبب إقامته في ربلة واجتيازه جبل لبنان من منطقة عكار، إذا كانت طريق الساحل والبقاع مقفلة في وجهه من قبل حلفاء الفراعنة.

 

حملة نبوخذنصر في لبنان[1]

 

(ص 542) ........ كان الملك (الفرعون) الذي سماه اليونان أوافريس Ouaphrès أو أبرييس Apriès، شاباً طوحاً وتواقاً إلى العراك والمجد العسكري، ويستعجل استعمال السلاح الذي أعده سلفه على مدى يقارب خمسة عشرة عاماً: ولم يجد مبعوثوه لما بلغوا القدس صعوبة في في انحياز صدقيا إلى جانبهم في وقت بلغ فيه توتر النفوس ذروته.

 

أما أدوم ومؤاب والفلسطينيون الذين شاركوا حديثاً في اجتماعات المتمردين رفضوا في آخر الأمر قطع علاقتهم ببابل: وحدها صور والعمونيون استمروا على موقفهم وتحالفوا مع المصريين، شأنهم في ذلك شأن اليهودية. أمام هذا التحدي من ثلاثة أعداء احتار نبوخذنصر في اختيار وجهة تصديه الأولى. أما حزقيال Ezéchiel المكرم في منفاه بحيث يعرف مجريات الأمور يصوره لنا "واقفاً على مفترق الطرق ليستطلع المستقبل: فيخلط أسهم معرفة المستقبل، ويستشير العرافين ويتفحص أحشاء الضحايا"[2]. كانت اليهودية بمثابة رأس جسر منه ينقض المصريون على سورية بأمان، وإذا ما توصل لاحتلالها في الوقت المطلوب فإنه بسرعة يقسم المحالفة إلى ثلاثة أقسام لا يعود بوسعها اللقاء. عمون في الصحراء إلى (ص 543) الشرق، صور وصيدا على الساحل، والفرعون في الجنوب الغربي نحو حدود مضيقه. فأقام في ربلة على العاصي في موضع مركزي منه يراقب مجمل سير العمليات، ليتدخل بما لديه من قوات الاحتياط حيث يبرز الخطر أو تلاقي صعوبات مفاجئة؛ ثم أطلق فرقتين على خصميه الأساسيين. واحدة تسلقت لبنان، واستولت على ما فيه من حصون وتركت على صخور وادي بريصا نصباً لتخليد انتصاره، ثم هبطت منتشرة على طول الساحل متفرغة لحصار صور[3]. أما الفرقة الثانية فانقضت على صدقيا Zédékias تسومه حرباً لا هوادة فيها. فحرقت القرى والمدن المفتوحة وتركت السهول في مهب غضب الفلسطينيين والأدوميين، وحاصرت قلعتي لاكيش Lakish وإزيكا Azékah، ولم ترابط أمام العاصمة إلاّ بعد جعلت مناطقها جرداء خاوية. وكانت تضيق الخناق حولها عن قرب عندما علمت أن أبرييس ظهر من جهة غزة.

 

لقد كان صدقيا القلق جداً قد التمس النجدة منه التي يبدو أنها بدأت بالظهور. وهذا ما دفع الملك البابلي إلى فك الحصار والانصراف إلى قطع الطريق على المصريين...

 

نصب نبوخذنصر في وادي بريصا[4]

 


 

[1] المرجع: G. MASPERO, Histoire Ancienne des Peuples de l’Orient Classique, les Empires, III, Librairie Hachette, Paris, p. 542 et 543.

[2] حزقيال، 21: 26.

[3] رواية هذه الحملة في فينيقيا واردة في النقوش التي اكتشفها وعلق عليها بونيون، في النقوش البابلية في وادي بريصا، ص 20- 22. إن وينكلر Winckler هو الوحيد على حد علمي الذي حاول أن يُعين موقعاً محدداً للوقائع الواردة في النقوش... يروي الملك في هذه النقوش الأعمال التي قام بها من ترميم المعابد وترميم أسوار بابل وتجديد الأقنية، كل تلك الأمور التي تضعنا في في أواسط أو نهاية حكمه. وعليه فإني أتردد بين تاريخين: تاريخ 590-587 (ق.م.) في غمار الحرب اليهودية، وتاريخ 568 (ق.م.) في الحرب ضد أحماسيس Ahmasis... وإني لأفضل التاريخ الأول، بحكم الإقامة المديدة انبوخذنصر في ربلة والتي توفر له الوقت اللازم لنقش هذه النصب في لبنان: ربما تكون نصب وادي بريصا نقشت قبل الاستيلاء على القدس، لأننا لا نعثر فيها على أي تلميح إلى الحرب على اليهود. ولعل العدو المذكور في السطور الأولى هو أبرييس الذي كان أسطوله يجوب البحر قبالة السواحل الفينيقية.

[4] رسم بودييه Boudier استناداً إلى صورة من بونيون النقوش البابلية في وادي بريصا، اللوحة II. الخطوط منقوشة بعناية، ولكننا نكشف خيال الملك إلى اليسار، وهو يقبض على القائمة الأمامية اليسار للأسد المنتصب واقفاً والذي يرفع قائمته الأمامية اليمين بوجه الملك الذي يغرز خنجره في صدر الحيوان.

 

Webmaster Eng.Elie ABBOUD

Email : elie@kobayat.org

back to Mountakhabat