الــبـوصـلــة
أمي لقد وجدتُ في الخزانةِ علبةً حديديةً لها غطاءٌ زجاجيٌ فيها لوحةٌ وأرقامٌ وقطعةُ معدنٍ صغيرة تتراقصُ داخلَها فما هي؟
¨ إنها البوصلةُ يا بني. هي لوالدِك؛ عليك أن تعيدَها سالمةً إلى مكانها.
ولكن ما هي البوصلة؟
البوصلةُ هي عبارةٌ عن إبرةٍ ممغنطةٍ متحركة فوقَ ركيزةٍ عاموديةٍ ثابتة، تأخذُ إتجاه حقل مغنطيس الأرضِ فتدلُّ دائماً على الشمال.
وهل للمغنطيس حقول؟
¨ نعم يا ولدي، فإن لكل مغنطيس قوةٌ تدعى حقلاً يتناسبُ حجمُه مع حجمِ كلِّ قطعة، لهذا يكون حجمُ حقل الأرضِ بحجم الأرض كلها.
شكراً لكِ سوف أعيدُ البوصلة إلى مكانها.
وقبل أن يصل إلى الخزانة سأل الإبن البوصلة قال:
هل من الضروري معرفةُ الجهاتِ أيتها البوصلة وتحديدُها؟
بالطبع، فإن تحديدَ الجهات ضروريٌ وهام للغاية، وخاصةً في مجال الطيرانِ والملاحةِ والنقلِ وأيضاً في تحركاتِ الجيوش وتحديدِ المواقعِ والأهداف، وفي قطاعِ المساحةِ والخرائط وغيرها.
ألا يمكنُ أن تتمَ هذه التحديداتُ بواسطةِ الشمسِ والقمر والنجوم أو ببعضِ العلاماتِ الطبيعية؟
كان هذا قديماً لأن التحديدَ بواسطتِها لا يكونُ دَقيقا وصحيحاً وأحيانا لا يكونُ ممكنا في طقسٍ غائمٍ أو في ليلٍ داكن ( مُعتم) ومن يعتمدُ عليَّ لا يعودُ يرغب بغيري لسهولةِ استعمالي، ودقةِ عملي.
أرى أنكِ تتافخرين كثيراً، وكأنكِ تقولين أنا الإبرةُ الصغيرةُ كم هي أعمالي كبيرة.
هذا أكيد، هذا واقع، لماذا الإستخفافُ بي؟ إن أعماليَ كبيرة، لأني اتّحدتُ بقوة الكونِ الكبرى، فصرت قادرةً على مساعدةِ الجميعِ وتصحيحِ مسار الجميع.
ولكن كيف تعرفين الإتجاهات بشكل دقيق؟ ·
هذا أمر بسيط. إسمع يا صديقي : إن لفي داخلي قوّة، هي إبنةُ مغنطيسِ هذا الكون العظيم المنطلقِ من الشمال إلى الجنوب، ولا أرتاحُ فوق ركيزتي إلا إذا وجدتُ إتجاهيَ المحبوبَ واتحدتُ به، لأصيرَ منه وأكونَ مثله.
وهل هذا الإتجاهُ العظيمُ يبقى ثابتاً لا يتغير؟ ·
أكيد، إنّ مغنطيسَ الأرض الدهريِ هو ثابتٌ وغيرُ متغيّر، ومن يتحّد به، ألا يصبحُ مثله ثابتاً وغيرَ متغيرٍ؟
إن كلامكِ مقنعٌ للغاية. · لكن قبل أن نفترقَ، عندي شيءٌ أقولُه لكَ يا صديقي.
تفضلي أيتها البوصلةُ اللطيفة.
أريدُكَ أن تحدّدَ قيمتي وقدري وأنا منفصلةٌ عن مغنطيس هذا الكون.
بصراحة، أنتِ وحدَكِ لستِ سوى حديدةٍ صغيرة، لا أكلّفُ نفسي الإنحناءَ إلى الأرضِ لالتقاطك، وأنتِ كمجرّدِ إبرة، لا قيمة لك في حدّ ذاتكِ.
كلامُكَ صحيح. ولكن كيف أبدو وأنا متّحدةٌ بالقوةِ العظمى؟
إنك تأتين بأعمالٍ باهرة وعظيمةِ الشأن، وتُسدين للبشريةِ الخدماتِ الجلّى، فقدرُكِ كبير.
هكذا أنت يا عزيزي وهكذا كلّ إنسان، إن إتّحدَ بالقوةِ القادرة، بالخالق، ربِّ هذا الكون، سيكونُ عظيماً ومُهمّاً وسيصلُ حتماً إلى غايته، فلا تتوقفْ عن تصحيحِ مسارِكَ باتجاهه، لأنكَ إن انفصلتَ عنه، صرت إنساناً بدون إله، وإبرةً بدون إتجاه، ولن تكون سوى شراعٍ بدون هواء، أو سفينةٍ بدون ماء.
لكلامِكِ وقعٌ كبيرٌ في نفسي فلكِ مني كلُّ الشكر.