back to Abdallah Iskandar

Abdallah Youssef Iskandar  عبدالله اسكندر

 

سنفتقدك!


جميل الذيابي  -  الحياة

النسخة: الورقية - سعودي الثلاثاء، ٢٠ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٥ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)

أكره الحزن ولحظات الفقد. أكره المفاجآت غير السارة. لحظات الفجع مؤلمة وكارثية على قلوبنا. السبت الماضي رحل عنا الزميل عبدالله إسكندر، بعد أن دهمه مرض السرطان، ونهش شعر رأسه، وأضعف جسده، وأخذه من بيننا سريعاً.


كنت في قسم الإخراج أتصفح مسودات صفحات الصحيفة قبل إرسالها للمطابع، وأستعد لرسم الصفحة الأولى، وإذا بالزملاء يُبلّغونني بخبر وفاة الزميل والصديق عبدالله، الذي اكتشف قبل فترة قصيرة إصابته بهذا المرض الخبيث، فلم يضعف، بل واجهه بكل شجاعة وقوة، وخضع للعلاج، لكن الموت لم يمهله طويلاً. كانت أمنياتنا ودعواتنا أن يشفيه الله، ليعود لنا سالماً معافى، لكن إرادة الله كانت أسرع، ولا اعتراض على قضاء الله وقدره.

كان عبدالله نعم الصديق والزميل، نقي السريرة، واضح الهدف والمقصد، لا يراوغ، ويتحمّل المسؤولية بكل أمانة، مكافحاً الكآبة وظروف الغربة ومآسي الحياة بكل أمل!

غادر عبدالله الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، وترك أسرة نعتبرها جزءاً من أسرة «الحياة». وللحق، فقد ظل الزميل إسكندر يعمل في هذه الصحيفة بلا كلل أو ملل، وكان طوال سنوات عمله فيها ركيزة من ركائز الصحيفة الأساسية التي تعتمد عليها وتفاخر بها.

وقبل ١٨ شهراً تقريباً رحل عنا أيضاً الزميل يوسف إبراهيم، وقتها كنت على طاولة مستطيلة في مقهى بلندن في نقاش مفتوح مع أصدقاء عن مستقبل الثورة السورية، وفجأة رن هاتفي، وعندما أجبت، وجدت على الطرف الآخر الزميل عبدالمطلب عبدالدائم، الذي بدا متلعثماً وكلماته حزينة وتكاد تختفي، وعندما سألته: ما بك؟ رد: عظّم الله أجرك وأجرنا في الزميل يوسف.

غادر يوسف بلاده فلسطين وبلدته جنين لاجئاً صوب لندن وهو شاب في العشرين لأجل كسب الرزق لعائلته التي دمّرت الدبابات الإسرائيلية منازلها وقتلت أطفالها ورمّلت نساءها. ولكنه ظل يكد ويكدح، ويناضل بالعمل، وتزوّج قبل عشر سنوات، ورُزق قبل وفاته بسنتين بطفلة أسماها «جنين» على اسم مدينته التي يحبها، وكان يأمل بالعودة إليها. رحل الأب وبقيت جنين الطفلة والمدينة.


لم يركن يوسف يوماً للرفاهية، ولم يأت إلى لندن للفرجة والسياحة كما يفعل بعض المهاجرين العرب بالاقتيات على نفقة الحكومة البريطانية، بل ظل يتعلم ويطوّر أدواته وقدراته منذ أن عمل في هذه الصحيفة (الحياة) عند إعادة صدورها عام 1988. وهذا ما كان يفعله أيضاً عبدالله، الذي هاجر من بيروت، وعمل في هذه الصحيفة، حتى أصبح مديراً لتحريرها في لندن، ليغادرنا السبت الماضي، مخلفاً أصدقاء وزملاء أحبوه ويملأهم الحزن على رحيله، وجميعهم يردّد «سنفتقدك».

وقبل رحيل عبدالله ويوسف بأربع سنوات، رحل زميلنا الآخر في مكتب الرياض عماد ضبان، بعد أن دهمه أيضاً مرض السرطان، الذي نهش شعره وجسده النحيل. وقد ظل عماد حتى وفاته مبتسماً بوجه طفولي بريء وروح متسامحة، وكلما مرّرت بالقسم الذي عمل فيه لسنوات طويلة، تذكرت ابتسامته وطيبة قلبه، ودعوت الله له بالرحمة والمغفرة.

غادر عماد فلسطين إلى الرياض صغيراً، وبقي قلبه معلقاً بها وبتفاصيل أهله وأحبته، على أمل العودة إلى الأرض والوطن المحتل، لكن المرض الخبيث لم يمهله أيضاً حتى يرى أبناءه الصغار يكبرون أمامه.


لا يطرق الناس باب الحزن، لكنه يطرق أبوابهم فجأة. لا يمكننا الفرار من ذلك «الحزن» المتشبث بالبقاء بيننا، ربما ليجرّب شجاعتنا وصبرنا وقدرتنا على مواجهة الأقدار. نعبّر ونكتب موشحات الحزن، نتظاهر بالفرح وفي قلوبنا قصص حزن وعناوين وذكريات لا تموت!

لا يفوتني في هذه اللحظات المؤلمة تقديم العزاء والشكر الجزيل لناشر صحيفة «الحياة» الأمير خالد بن سلطان بن عبدالعزيز على وقفاته الإنسانية مع عائلات الزملاء الراحلين والتي لن ينساها زملاؤهم الآخرون.

عظَّم الله أجر أسرة «الحياة» في فقيدنا الزميل عبدالله إسكندر، وألهم أهله وعائلته الصبر والسلوان.

رحم الله كل الأموات رحمة واسعة. أنتم السابقون ونحن اللاحقون.