منطلقات العولمة

أهدافها وآلياتها، آثارها الاقتصاديّة والاجتماعيّة

د. عبد القادر نيال

 

 

مقدمة

 

قد لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إنّ ظاهرة العولمة هي من أوسع القضايا انتشارًا في أوساط المهتمّين في الشّأن العام، ومن أكثرها إثارة للجدل بين المفكّرين والمثقّفين، إذ يندر أن تعقد ندوة في أيّ موضوع دون أن يتطرّق النّقاش إلى ظاهرة العولمة، أو أن يكتب بحث أو مقال في الشّؤون الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة دون أن يعرّج الكاتب على هذه الظّاهرة. وتكاد لا تخلو واجهات المكتبات من كتاب أو أكثر يحمل غلافه عنوان العولمة. ناهيك عن الصّحف والمجلات الّتي تتصدّر صفحاتها أخبار لقاءات واجتماعات أقطاب العولمة، أو تظاهرات القوى المناهضة للعولمة وتحرّكاتها.

 

سنتناول في هذه الدراسة البحث في منطلقات العولمة وأهدافها وآلياتها وآثارها الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وتشتمل الدّراسة على قسمين رئيسيين، حيث سيتضمّن القسم الأوّل عرضًا مكثّفًا لآراء عدد من الكتّاب الّذين تصدّوا لتحليل منطلقات وأهداف وآليات العولمة. ويعتبر الكتّاب الّذين جرى تلخيص آرائهم في هذا القسم من أبرز الكتّاب العرب الّذين ساهموا في توضيح أهداف وآليات العولمة. ويتوجّب الاعتراف هنا بأنّ اختيار هؤلاء الكتّاب يكشف انحيازًا للاتّجاه المناهض للعولمة، لأنني من المؤمنين أنّ الصّيغة الّتي يجري تسويقها الآن تشكّل تهديدًا خطيراً، ليس لمستقبل التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة العربيّة فحسب، بل للثّقافة العربيّة وللهويّة القوميّة وللمشروع النّهضوي العربيّ أيضًا، وأنّ الحياد حيال هذه القضيّة لا يعبّر عن موقف موضوعي وإنّما يقود إلى الاستسلام والرّضوخ للهيمنة الأميركيّة والشركات المتعدّية الجنسيّة.

 

وقد تمّ التّعامل مع منطلقات وأهداف وآليات العولمة في حزمة واحدة نظرًا للتّداخل والتّرابط الّذي يقوم بينها. أمّا القسم الثّاني من الدّراسة فسيعنى برصد الآثار الاقتصاديّة والاجتماعيّة للعولمة، وسنحاول في هذا القسم أن نوضّح أنّ الأوضاع الرّاهنة لاقتصادات معظم البلدان النّامية غير مهيّأة للاستفادة من الفرص الّتي يزعم مروّجو العولمة أنّها متاحة لها، وأنّ المخاطر النّاجمة عن تحرير التّجارة والأسواق المالية تلحق أضراراً بالغة في اقتصاداتـها. كما سنبيّن في هذا القسم أنّ القصور الّذي يعتري أسواق البلدان النّامية يجعل من الخطورة بمكان الاعتماد المطلق على آليات السّوق، مع ما يستدعي قيام الدّولة بدور فعّال في النّشاط الاقتصادي.

 

القسم الأوّل: منطلقات وأهداف وآليات العولمة

 

على الرّغم من كثرة ما كتب في موضوع العولمة، فإنّ الجدل ما زال محتدماً بين الدّاعين للعولمة والمناهضين لها... بين الّذين ينادون بأنّ اتّباع نـهج الحرّيّة الاقتصاديّة (الليبراليّة)، وإزالة القيود أمام حركة السّلع والخدمات ورؤوس الأموال، وإفساح المجال أمام القطاع الخاصّ لقيادة عمليّة التنمية، والاندماج في الاقتصاد العالمي والتكيّف مع متطلّبات العولمة هو السّبيل الوحيد أمام البلدان النامية للخروج من نفق التّخلّف وتنمية اقتصاداتـها... والّذين يعتقدون بأنّ الالتحاق بالعولمة سيقود إلى إجهاض عمليّة التنمية الذّاتيّة في البلدان النّامية، وتـهميش اقتصاداتـها، وإحكام سيطرة الشّركات المتعدّية الجنسيّة على مواردها، وإفقار شعوبها ومصادرة دور الدّولة التنموي، واختراق ثقافات شعوبها، واستلاب هوياتها القوميّة، وانكشاف أمنها القومي.

 

وبينما يتحدّث دعاة العولمة بلهجة يقينيّة بأنّ العولمة قدر محتوم لا مهرب منه، وأنّها تيّار جارف سيجتاح كلّ من سيقف في طريقه، وأنّه لا خيار أمام البلدان النّامية سوى الدّخول في تيّار العولمة ومسايرته والتّكيّف معه، يؤكّد مناهضوها أنّ العالم لا يزال أبعد عن أن يكون كونيًّا، وأنّ تدفّقات التّجارة والاستثمار والأموال تتركّز في ثلاثي أوروبا واليابان وأميركا الشّماليّة، وأنّ إمكانيّة السّيطرة على اقتصادات السّوق لتحقيق الأهداف الاجتماعيّة ما زالت قائمة على الصّعيدين القومي والعالمي. ويجد الدكتور جلال أمين في تذرّع دعاة العولمة بحتميّتها تعبير عن اليأس من أيّ محاولة للوقوف في وجهها[1]. أمّا عن الأثر السّياسي للعولمة فلا يجد بول هيرست وجراهم طومبسون تعبيرًا لوصفه أفضل من مرض نقص الآمال المفرط[2].

وعلى الرّغم من أنّ الجدل الدّائر حول ظاهرة العولمة قد بدأ في أعقاب سقوط الاتّحاد السّوفياتي، فإنّه من الخطأ الاعتقاد بأنّها حديثة النشأة. ووفقًا لنموذج رولاند روبرتسون الّذي حاول من خلاله تتبُّع مراحل تطوّر العولمة، كان نشوء الدّولة القوميّة الموحدّة نقطة البدء باعتبار أنّ ظهور المجتمع القومي منذ حوالي منتصف القرن الثّامن عشر يمثّل بنية تاريخيّة فريدة. كما أنّ شيوع المجتمعات القوميّة في القرن العشرين هو فعل من أفعال العولمة، بمعنى أنّ إذاعة ونشر الفكرة الخاصّة بالمجتمع القومي كصورة من صور الاجتماع المؤسّسة، كان جوهريًّا بالنّسبة إلى تعجيل العولمة الّتي ظهرت منذ قرن من الزّمان.[3]

ويرى الدكتور جلال أمين "أنّ العناصر الأساسيّة في فكرة العولمة: ازدياد العلاقات المتبادلة بين الأمم، سواء المتمثّلة في تبادل السّلع والخدمات أو في انتشار المعلومات أو الأفكار، أو في تأثّر أمّة بقيَم وعادات غيرها من الأمم، كلّ هذه العناصر يعرفها العالم منذ عدّة قرون، وعلى الأخصّ منذ الكشوف الجغرافيّة في أواخر القرن الخامس عشر[4].

 

ويعترف الدكتور جلال أمين بأنّ أشياء جديدة ومهمّة قد طرأت على ظاهرة العولمة في الثلاثين سنة الأخيرة ومنها:

1-انـهيار أسوار عالية كانت تحتمي بـها بعض الأمم والمجتمعات من تيّار العولمة والّتي من أهمّها أمم أوروبا الشّرقيّة والصّين.

2-الزّيادة الكبيرة في درجة تنوّع السّلع والخدمات الّتي يجري تبادلـها، وكذلك تنوّع مجالات الاستثمار الّتي تتّجه إليها رؤوس الأموال من بلد لآخر.

3-الارتفاع الشّديد لنسبة السّكّان في داخل كلّ مجتمع أو أمّة الّتي تتفاعل مع العالم الخارجي وتتأثّر به.

4-بدأ التّبادل المباشر للمعلومات والأفكار يصبح هو العنصر الغالب على العلاقات بين الدّول خلال الثّلاثين عامًا الأخيرة، ولم يعد متوقّفًا على حجم التّجارة أو حجم تدفّق الأشخاص أو رؤوس الأموال أو على الأقلّ هو العنصر الّذي ينمو بسرعة أكبر.

5-أصبحت الشّركات المتعدية الجنسيّة هي الوسيلة المهيمنة والأكثر فعاليّة ونشاطًا في تحقيق انتقال السّلع ورأس المال والمعلومات والأفكار.

6-التغيّر الملحوظ الّذي طرأ على مركز الدّولة ووظائفها. إذ غدا المطلوب من الدّولة أن ترخي قبضتها شيئًا فشيئًا على الاقتصاد والمجتمع تحقيقًا لمصالح الشّركات المتعدّية الجنسيّة، وأن تعمل على هدم الحواجز العالية الّتي أقامتها في وجه حركة السّلع والخدمات ورؤوس الأموال طوال نصف القرن الماضي، وأن تشدّد قبضتها على العمّال لقبول ارتفاع معدّلات البطالة وتخفيض الانفاق الحكومي وإزالة دولة الرّفاهية[5].

 

وفي محاولة للإجابة على تساؤل كيف تأسّست خرافة عولمة النّشاط الاقتصادي، يشير الكاتبان بول هيرست وجراهام طومبسون إلى عدد من التغيّرات المهمّة الّتي أنـهت حقبة ما بعد 1945، الّتي كانت حقبة نـموّ اقتصادي طويل وعمالة تامّة في البلدان المتقدّمة، مدعّمة باستراتيجيّات تدخل نشيط للدّولة القوميّة وإدارة نظام تجارة وسياسة نقديّة متعدّد الأطراف تحت هيمنة الولايات المتّحدة. ويتجلّى أبرز هذه المتغيّرات فيما يلي:

-الاضطرابات والتّقلّبات السّريعة الّتي انتابت الاقتصادات الكبرى خلال عقد السّبعينيّات حتّى مطلع الثّمانينيّات بتأثير انـهيار نظام بريتون وودز وارتفاع أسعار النّقط في عامي 1973 و1979.

-سعي المؤسّسات الماليّة والصّناعيّين خلال فترة الاضطراب والضّغوط التّضخميّة إلى منافذ أوسع للاستثمارات والأسواق الإضافيّة وانتشار الإقراض المصرفي للعالم الثّالث خلال عقد السّبعينيّات، ونـموّ سوق اليورو دولار، وازدياد نسبة التّجارة الخارجيّة إلى إجمالي النّاتج المحلّي في البلدان المتقدّمة.

-تخلّي السّياسات الحكوميّة عن أنظمة صرف العملات على نطاق واسع، وإلغاء الضّوابط عن السّوق أواخر عقد السّبعينيّات ومطلع عقد الثّمانينيّات.

-التّطوّر السّريع لعدد من البلدان المصنعة حديثًا في العالم الثّالث، وتغلغلها في أسواق العالم الأوّل.

-اعتماد طريقة انتاج أكثر مرونة، والانتقال من فكرة الشّركة القوميّة المحتكرة باعتبارها الفاعل الاقتصادي المهيمن بلا منازع إلى عالم معقّد من المشاريع متعدّدة القوميّة والشّركات ذات الهياكل المرنة، واتّساع بروز الشركات الصّغيرة[6].

 

ولكن ما المقصود بالعولمة ؟ وهل بالإمكان الوصول إلى تعريف دقيق لهذه الظّاهرة المعقّدة؟.. في محاولة لتناول هذه المسألة يقول الأستاذ السيد يسين: "إنّ صياغة تعريف دقيق للعولمة تبدو مسألة شاقّة، نظرًا إلى تعدّد تعريفاتـها والّتي تتأثّر أساساً بانحياز الباحثين الإيديولوجيين واتّجاهاتهم إزاء العولمة رفضًا أو قبولاً[7]. ويضيف الأستاذ يسين أن "العولمة ليست محض مفهوم مجرّد، فهي عمليّة مستمرّة يمكن ملاحظتها باستخدام مؤشّرات كميّة وكيفيّة في مجالات السياسة والاقتصاد والثّقافة والاتّصال"[8]. ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ العولمة تصف وتعرّف مجموعة من العمليّات الّتي تغطّي أغلب الكوكب، وتتضمّن تعميقًا في مستويات التّفاعل والاعتماد المتبادل بين الدّول والمجتمعات والّتي تشكّل المجتمع العالمي.

 

ويقرّر الاستاذ يسين أننا "ما زلنا في مرحلة فهم ظاهرة العولمة واستكشاف القوانين الخفيّة الّتي تحكم مسيرتها، والّتي تسهم في الوقت الرّاهن في تشكيلها. هي في الحقيقة ظاهرة غير مكتملة الملامح والقسمات، بل إنّنا نستطيع أن نقول إنّ العولمة عمليّة مستمرّة تكشف كلّ يوم عن وجه جديد من وجوهها المتعدّدة"[9]. ويضيف الأستاذ يسين: "إنّ جوهر عمليّة العولمة يتمثّل في سهولة حركة النّاس والمعلومات والسّلع بين الدّول على النطاق الكوني"[10]. ويؤكّد في الختام أنّه "لا يمكن تعريف العولمة بغير تحديد تجليّاتها وأبعادها في ميادين السّياسة والاقتصاد والثّقافة"[11].

 

أمّا الدّكتور محمّد الأطرش فيقدّم تعريفًا جامعًا للعولمة "بأنّها تعني بشكلٍ عامّ اندماج أسواق العالم في حقول التّجارة والاستثمارات المباشرة وانتقال رؤوس الأموال والقوى العاملة والثّقافات والتّقانة ضمن إطار من رأسماليّة حريّة الأسواق، وتاليًا خضوع العالم لقوى السّوق العالميّة، ممّا يؤدّي إلى اختراق الحدود القوميّة وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدّولة، وأنّ العنصر الأساسي في هذه الظّاهرة هي الشّركات الرّأسماليّة الضّخمة متخطّية القوميّات"[12].

 

ويرى الدّكتور اسماعيل صبري عبدالله[13] أنّه لا جدوى في محاولة البحث عن أصول فكريّة للكوكبة (العولمة) في العلوم الاجتماعيّة، لأنّ الوقائع "تثبت أنّها، أساساً، نتاج داخليّ للرّأسماليّة المعاصرة، تتجسّد في الشّركات متعدّية الجنسيّة". ولبيان قوّة الشّركات المتعدّية الجنسية يذكر الدّكتور عبدالله أنّ عدد الشّركات الأهمّ بلغ 500 شركة عام 1995، بلغت أصولها 32.3 تريليون دولار، وبلغ مجمل إيراداتها 11.4 تريليون دولار، ومجمل أرباحها 323.4 مليار دولار، ومجموع العاملين فيها 35.3 مليون عامل. وتتوزّع المقارّ الرّئيسيّة للغالبيّة السّابقة لهذه الشّركات بين الولايات المتّحدة (153 شركة) والاتّحاد الأوروبي (155 شركة) واليابان (141 شركة).

 

وفي توضيحه لما هو مقصود بالكوكبة، يلتقي الدكتور اسماعيل صبري عبدالله في كثير من الجوانب مع تعريف الدكتور محمد الأطرش للعولمة، حيث يقول إن المقصود بالكوكبة هو "التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة دون حاجة إلى إجراءات حكومية". ويعتقد الدكتور عبدالله أن مفتاح التحليل هو إدراك أن الرأسمالية كنمط إنتاج تتغير ملامحها واساليبها في الاستغلال عبر الزمن. ويضيف الدكتور عبدالله أن الأمبريالية كما حللها لينين، وكما كانت قائمة في عصره، قد اختفت، لكن هذا لا يعني انتهاء الاستغلال الرأسمالي، وعلى العكس فإن أوضاع الرأسمالية العالمية الآن تزيد من حجم الاستغلال وبتكلفة أقل عما كانت تتحمله في الماضي. وكما يتضح من عنوان مقال الدكتور عبدالله، فإن الكوكبة (العولمة) هي الرأسمالية العالمية في مرحلة ما بعد الأمبريالية.

 

وفي محاولته للكشف عما يجري تحت سطح الظواهر والتغييرات الحاصلة، يلجأ الدكتور جلال صادق العظم[14] إلى التمييز بين دائرة الإنتاج المباشر ودائرة التبادل داخل نمط الإنتاج الرأسمالي. يقول الدكتور العظم أنه حتى منصف هذا القرن ظلت عالمية نمط الإنتاج الرأسمالي مقتصرة في الغالب على دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والاستيراد والتصدير، مع بقاء دائرة الإنتاج ودورتها في دول المركز الأصلي وحدها. ويرى الدكتور العظم أن العولمة هي وصول نمط الإنتاج الرأسمالي عند منصف هذا القرن تقريبا إلى نقطة الإنتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج. والعولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد أن أنجزت رسملته على مستوى السطح. "فالعولمة هي تسليع كل شيء بصورة أو بأخرى، وفي كل مكان بما في ذلك أشكال الإنتاج غير الرأسمالية وقبل الرأسمالية وتلك التي كانت محاذية وموازية للأشكال الرأسمالية، إنها أممية رأس المال على الأصعدة كلها وعلى المستويات كافة السطحية منها والعميقة".

 

ويرى الدكتور العظم أن العولمة تعني بالنسبة للمراكز الرأسمالية "انتقال الرأسمال المركزي من الاستثمار الكلاسيكي في المرافئ والمناجم والتعدين والمواصلات والعقارات والموارد الأولية والمواد الخام وأنواع معينة من المنتجات الزراعية والتجارة فيها بشروط تفضيلية للطرف الأقوى، الانتقال من ذلك كله إلى الاستثمار في الصناعة، وما تحتاجه من تنظيمات وتوابع ولواحق ومؤسسات مالية ومصرفية ودعائية واتصالاتية وما إليه، دون أن يعني ذلك التخلي بأي شكل من الأشكال عن استثمارات النوع الأول غير المباشرة، ويعني هذا بدوره أن الميل الآن هو ليس إلى التبادل التجاري التفضيلي واللامتكافئ  مع دول الأطراف فقط، بل إلى الانتاج فيها أيضا".

 

ويلقي الدكتور سمير أمين[15] ضوءاً على الأزمة الهيكلية التي تعاني منها الرأسمالية، والتي تتجلى في أن "الأرباح المستخرجة من الاستغلال الرأسمالي لا تجد منافذ لها بالدرجة الكافية في الاستثمارات المربحة القادرة على توسيع القدرات الإنتاجية. وفي هذه الظروف يصير الهدف الرئيسي لسياسات إدارة الأزمة البحث عن منافذ أخرى لفائض الأموال العائمة، من أجل حماية النظام من خطر تبخيس فجائي وضخم لقيمة هذه الأموال كما حدث خلال الثلاثينات.

 

ولتوضيح حجم الأزمة يشير الدكتور أمين إلى أن حجم المبادلات التجارية العالمية لا يزيد عن 3000 مليار دولار سنويا، في الوقت الذي يقوّم فيه حجم التدفقات المالية الدولية بمبلغ 80-100 ألف مليار دولار سنويا، أي 30 ضعف الرقم الأول. ولإدارة المشاكل الناتجة عن هذه الحركات المالية تفرض الإمبريالية مجموعة من الإجراءات المتكاملة تتجلى في لبرلة الحركات المالية على الصعيد العالمي، تبني مبدأ الصرف العائم، رفع مستويات أسعار الفائدة، قبول استمرار عجز ميزان مدفوعات الولايات المتحدة، ضمان سداد حزمة الديون الخارجية للعالم الثالث والشرق، تشجيع الخصخصة.

 

ويعتبر الدكتور أمين أن برامج التثبيت هي ليست خطط تحويل الهياكل الإنتاجية لكي تتفق مع شروط إنعاش الأسواق وتوسيعها، بل لا تعدو أن تكون تكيفات ظرفية خاضعة لمنطق إدارة الأزمة في الأجل القصير، خاصة لمقتضيات ضمان الربحية المالية لفائض الأموال، ولو على حساب التنمية، مما ينجم عنه تفاقم التفاوت في توزيع الدخل قطريا وعالميا، الأمر الذي يحبس الاقتصاد في مأزق ركودي يحول دون الخروج من الأزمة.

 

ومع الإقرار بخطورة العولمة الاقتصادية والسياسية اللتان تمكنان القوى الاقتصادية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة من السيطرة على العالم، فإن العولمة الثقافية أو ثقافة العولمة لا تقل خطورة عنهما. وتتجلى خطورة ثقافة العولمة في تعريض النسيج الثقافي الوطني للتمزيق، وتأسيس وعي الجماعة على منظومات من القيم والأفكار لم تخرج من رحم التطور الاجتماعي، وتاليا خلق تجافي بين الثقافي والاجتماعي ما سيولد خللا في البنى الاجتماعية، هذا بالإضافة إلى استلاب الهوية القومية للجماعة.

 

يقول الدكتور عبد الإله بلقزيز إنه "ليس صحيحا أن العولمة الثقافية هي الانتقال من حقبة – ومن ظاهرة – الثقافات الوطنية والقومية إلى ثقافة عليا جديدة هي الثقافة العالمية أو الثقافة الكونية، على نحو ما يدعي مسوقو فكرة العولمة الثقافية، بل إنها –بالتعريف- فعل اغتصابي ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات[16]. ويدعو الدكتور بلقزيز إلى وعي الفارق بين التثاقف والعنف الثقافي. فالتثاقف يعني "الإصغاء المتبادل بين سائر الثقافات بعضها إلى البعض الآخر، كما يعني الاعتراف المتبادل بينها، ومنه الاعتراف بحق الاختلاف وهو من أقدس حقوق الإنسان، فيما لا ينطوي العنف الثقافي سوى على الإنكار والإقصاء لثقافة الغير، وعلى الاستعلاء والمركزية الذاتية في رؤية ثقافية"[17].

 

والعولمة الثقافية برأي الدكتور بلقزيز هي "السيطرة الثقافية الغربية على سائر الثقافات بواسطة استثمار مكتسبات العلوم والثقافة في ميدان الاتصال، وهي التتويج التاريخي لتجربة مديدة من السيطرة بدأت منذ انطلاق عمليات الغزو الاستعماري منذ قرون، وحققت نجاحات في إلحاق التصفية والمسخ بثقافات جنوبية عديدة"[18]. ويرى الدكتور بلقزيز أن العولمة الثقافية تجري وتتوسع في مناخ من التراجع الحاد للثقافة المكتوبة على صعيد الإنتاج والتداول. والصورة هي اليوم المفتاح السحري للنظام الثقافي الجديد، نظام إنتاج وعي الإنسان بالعالم. إذ لا تحتاج الصورة دائما إلى المصاحبة اللغوية كي تنفذ إلى إدراك المتلقي، فهي بحد ذاتها خطاب ناجز مكتمل، يمتلك سائر مقومات التأثير الفعال في مستقبلهم. وباتت الصورة قادرة على تحطيم الحاجز اللغوي تماما كما تستطيع العولمة الاقتصادية اليوم تحطيم الحاجز الوطني والجمركي لتصل إلى أي إنسان في عقر داره[19].

 

ويعتقد الدكتور بلقزيز "أن النظام السمعي-البصري (نظام ثقافة العولمة) أصبح المصدر الجديد الأقوى لإنتاج القيم والرموز وصناعتها، وتشكيل الوعي والوجدان والذوق، ولذلك آثاره الخطيرة على صعيدين: على صعيد مستوى التنمية الثقافية والقيمية التي تقترحها العولمة على البشرية اليوم، وعلى صعيد درجة التناسب الطبيعي بين الثقافي والاجتماعي في المجتمعات المعاصرة والمستقبلية"[20]. ويشدد د. بلقزيز على "أن الثقافة بوصفها منتوجا اجتماعيا دخلت ميدان هذه العملية الاقتصادية-التجارية أسوة بغيرها من المنتوجات، إذ تحررت من القيود الجمركية، وباتت قابلة للتداول على أوسع نطاق في العالم، وأنها قد أصبحت سلعة-مجرد سلعة- ينطبق عليها من الأحكام والإجراءات ما ينطبق على سواها من السلع المادية. غير أن الأهم هو القرار بأن مجال المنافسة في تسويق هذه السلعة بات ضيقا للغاية، ولا يتسع إلا للقوى التي تمتلك قدرة ثقافية أكبر، الأمر الذي يفرض القول بأن التبادل الثقافي العالمي- الجاري في ركاب التجارة الحرة– تبادل غير متكافئ، ولا يعبر عن أية إمكانية لتحويل العولمة الثقافية إلى تثاقف متوازن بين الثقافات والشعوب والمجتمعات بل يحتفظ بها بتعريف واحد الغزو والاختراق"[21].

 

في بحثه عن العولمة والهوية الثقافية، يبين الدكتور محمد عابد الجابري[22] أن العولمة ليست مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي بل هي أيضا، وبالدرجة الأولى، إيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم وأمركته مستخدمة الوسائل التالية لتحقيق ذلك:

-استعمال السوق المالية أداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية، في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية.

-اتخاذ السوق والمنافسة التي تجري فيها مجالا للاصطفاء بالمعنى الدارويني للكلمة.

-اعطاء كل الأهمية والأولوية للإعلام لإحداث التغيرات المطلوبة على الصعيدين المحلي والعالمي.

 

ويميز الدكتور الجابري بين العولمة والعالمية. فالعولمة إرادة الهيمنة، وبالتالي قمع وإقصاء للخصوصي. أما العالمية فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي. العولمة احتواء للعالم، والعالمية تفتح على ما هو عالمي وكوني. والعولمة طموح بل إرادة لاختراق الآخر وسلبه خصوصيته، وبالتالي نفيه من العالم. والاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة يريد إلغاء الصراع الإيديولوجي والحلول محله. وثقافة الاختراق هي ثقافة إشهارية إعلامية سمعية بصرية تصنع الذوق الاستهلاكي (الإشهار التجاري) والرأي السياسي (الدعاية الانتخابية) وتشيد رؤية خاصة للإنسان والمجتمع والتاريخ. وتقوم ثقافة الاختراق على جملة أوهام هدفها التطبيع مع الهيمنة وتكريس الاستتباع الحضاري.

 

وهذه الأوهام هي:

-وهم الفردية، لإلغاء الهوية الجمعوية والطبقية والوطنية والقومية.

-وهم الخيار الشخصي، لتكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية.

-وهم الحياد لتكريس التحلل من كل التزام أو ارتباط بأية قضية.

-وهم الاعتقاد بأن الطبيعة البشرية لا تتغير، لصرف النظر عن رؤية الفوارق بين الأغنياء والفقراء، بين البيض والسود، بين المستغِلين وبين من هم ضحايا الاستغلال وقبولها بوصفها أمورا طبيعية.

-وهم الاعتقاد بغياب الصراع الاجتماعي، للاستسلام للجهات المستغلة والتطبيع مع الهيمنة والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري الذي يشكل الهدف الأول والأخير للعولمة.

 

ويؤكد الدكتور الجابري أن العولمة هي نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى، ويدفع إلى التفتيت والتشتيت ليربط الناس بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة، أو يفرقهم في أتون الحرب الأهلية. وهي تكريس الثنائية والانشطار في الهوية الثقافية العربية.

 

وينهي الدكتور الجابري بحثه بالتشديد على أن حاجتنا إلى الدفاع عن هويتنا الثقافية بمستوياتها الثلاثة (الفرد والجماعة والأمة) لا تقل عن حاجتنا إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لا بد منها لدخول عصر العلم والتقانة وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية.

 

في ضوء المراجعة المكثفة للجدل الدائر حول العولمة، يمكن استخلاص ما يلي:

1-  تمثل العولمة