مسودة وثيقة للنقاش (3)
لبنان وضرورات التغيير
البدائل الاقتصادية والاجتماعية أو التوجه الاقتصادي البديل
غالب أبو مصلح
يشكل هذا النص (المكمل للنص المنشور في العددين السابقين) القسم الثالث[1] لوثيقة تعمل على بلورتها مجموعة من المهتمين بغية الوصول إلى تصور لمشروع التغيير المطلوب في لبنان، على ضوء المستجدات العالمية والعربية وانعكاساتها اللبنانية. وعليه هذا النص مجرد مسودة للنقاش، نأمل من كل المعنيين المساهمة فيه، على صفحات مجلتنا أو خارجها.
العرب والعولمة
يتضح مما تقدم (الحلقة الأولى والثانية) أن المأزق الاقتصادي الاجتماعي في لبنان ليس تعبيراً عن حالة مرضية يمكن مداواتها وعلاجها ببعض المسكنات والإجراءات والقرارات، وعبر بعض السياسات المالية، مثل زيادة الضرائب وتخفيض الإنفاق، للوصول إلى تقليص عجز الخزينة ومحاولة احتواء الدين العام.
إن الأزمة هي أزمة بنيوية تتمثل في فقدان الطبقة الحاكمة لدورها التاريخي على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولفقدان دور لبنان الاقتصادي التاريخي في محيطه نتيجة متغيرات الداخل والمحيط العربي والعالمي. وبالتالي فإن العلاج يتمثل في إتباع سياسات اقتصادية واجتماعية مغايرة تماماً، وفي استهدافات نهائية ووسطية مغايرة كلياً للاستهدافات السابقة، ولبناء اقتصاد لبناني متوازن بين قطاعاته، وبالتالي بين المناطق، ولدور اقتصادي وعلاقات اقتصادية جديدة مع المحيط العربي ومع العالم.
ليس المطلوب في هذه المرحلة التاريخية ثورة شعبية بروليتارية أو فلاحية لخلق نظام اشتراكي أو حتى راديكالي في لبنان، وليس هذا ممكناً في هذه المرحلة وفي ظل البنية الاقتصادية الحالية، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبعد التحولات الكبيرة في الصين نحو اقتصاد السوق والانفتاح التدريجي على العالم الرأسمالي وبنيته الاقتصادية والنظام العالمي الذي يشكله. فقد انفتحت الصين على تطور بنية رأسمالية محلية، وفتحت الأبواب واسعة أمام الرساميل الأجنبية الوافدة والعلاقات الرأسمالية في الإنتاج والتسويق والإدارة، فلم تعد نموذجاً لتجربة اشتراكية في بلد متخلف أو نامٍ. وبالتالي فإن بنية النظام العالمي والتحولات التي شهدتها معظم الأنظمة الاشتراكية والراديكالية في العالم أسقطت البديل الاشتراكي بالنسبة لبلد صغير شديد الانكشاف على الخارج، سياسياً وثقافياً واقتصادياً.
يهدف التغيير المطلوب في لبنان إلى بناء نظام رأسمالي إنساني حديث (ربما على نمط بعض الأنظمة الأوروبية الغربية)، نظام ديمقراطي حقاً وليس شكلاً وظاهرياً، يمثل تحالف عدة طبقات شعبية: عمال، فلاحين، طلاب، برجوازية صغيرة ومتوسطة، مع برجوازية وطنية غير البرجوازية الكولونيالية الاحتكارية المرتبطة بالخارج الاستعماري والإمبريالي وتابعة له. وهنا تتشابك بل وتتماثل الأهداف السياسية مع الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للتغيير.
إن الاستقلال السياسي عن المراكز الإمبريالية، وعودة لبنان إلى عروبة فاعلة لا مستسلمة، وبالتالي إلى تحمل واجبات انتمائه العربي يعني اندماجه في محيطه، ليس فقط على صعيد السياسات الخارجية والتصدي للصهيونية والإمبريالية ومخططاتها في المنطقة، بل أيضاً على صعيد العلاقات الاقتصادية والثقافية. ففي هذا الإطار، ونحو هذه الغاية يجب أن تتوجه مجمل السياسات اللبنانية. بكلام آخر، لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد، ولا يمكن استمرار توجه السياسة اللبنانية الحالية ببعديها الدولي والإقليمي في ظل سيطرة الطبقة البرجوازية الكولونيالية وبرامجها السياسية التابعة في حقيقتها لعلاقاتها وولاءاتها الدولية.
لذلك فإن التغيير المطلوب لا يمكن أن يتمثل بإجراءات جزئية تسمى إصلاحاً تدريجياً، وعلى جرعات، أو إصلاحات منتقاة على عدة صعد وفي أكثر من قطاع اقتصادي. إن التغيير المطلوب يتمثل بحزمة متماسكة ومتكاملة من الاستهدافات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، تشكل بتكاملها خطة إنقاذية للبنان. ولا يمكن إصلاح قطاع اقتصادي بمعزل عن غيره من القطاعات، إذ إن قطاعات الاقتصاد تتداخل وتتساند ويكمل بعضها البعض الآخر. لذلك فإن أي خطة اقتصادية قابلة للنجاح يجب أن تكون خطة مدمجة Integrated.
أما على صعيد الفكر الاقتصادي، فإن العديد من ثوابت ومقدسات الفكر الاقتصادي اللبناني يجب أن تسقط. فقد أصبحت بعض الأفكار من بديهيات هذا الفكر الاقتصادي التابع لبنية النظام ومصالح الطبقة الحاكمة: السرية المصرفية، الحرية الكاملة والانفلات الكامل في السوقين المالية والنقدية (ما يفتخر لبنان كثيراً بالالتزام به حتى أبان الحرب الأهلية)، وتكويم الذهب دعماً لليرة، وأولوية التجارة الخارجية وحريتها المطلقة ولو على حساب بقية قطاعات الاقتصاد، وإلى ما هنالك من ثوابت في الفكر الاقتصادي في لبنان. إن الأفكار والمبادئ الاقتصادية ليست مقدسة، وليس الاقتصاد اللبناني والمجتمع اللبناني في خدمتها، بل العكس هو الصحيح. فليس هناك أفكار اقتصادية جيدة إلاّ بمقدار ما تخدم الإنسان في لبنان وتؤمن له سبل العيش الكريم... وعلى لبنان الاستفادة من تجارب العديد من شعوب العالم التي حققت نهضتها الاقتصادية والاجتماعية بعد حروب مدمرة، أو بعد سيطرة استعمارية طويلة.
إن أوروبا الغربية مثلاً قيدت الكثير من الحريات الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية. وألمانيا وفرنسا الدولتان الرأسماليتان بامتياز اتخذتا بعد الحرب إجراءات ضريبية قاسية، وحدّتا من حرية التحويلات الرأسمالية منها، وحمتا أسواقهما المحلية وما زالتا تفعلان ذلك في بعض القطاعات. وأعطتا للسلطة المركزية دوراً أساسياً في إعادة بناء الاقتصاد وتوجيهه. أما تجربة نمور آسيا فهي أيضاً جديرة بالدراسة، فقد حمت أسواقها بشدة ووجهت اقتصادها وحمته، ولعبت الحكومات المركزية فيها دوراً كبيراً ليس فقط على صعيد تطوير البنية التحتية، بل أيضاً على صعيد الرقابة والدعم والتوجيه والحماية. وأخذت تفتح أسواقها تدريجياً بعد أن بلغت درجة عالية من النضج. ولبنان ليس استثناءً لدول العالم وتجاربه كما تزعم الطبقة الحاكمة اللبنانية. إن ما يصح في العالم يصح أيضاً في لبنان.
إن وضع خطة اقتصادية مدمجة يتعدى مهمة هذه الوثيقة، ويحتاج إلى إحصاءات كثيرة، وإلى تقدير مدخلات ومخرجات كل قطاع في إطار علاقاته مع بقية قطاعات الاقتصاد ومع الخارج، ويحتاج إلى جهود فريق عمل متكامل في شتى الاختصاصات. إن استعمال لوائح المدخلات- المخرجات Input-output Tables ضروري لتفادي خلق اختناقات في بعض المواقع أو في بعض القطاعات، تعطل تنمية قطاعات أخرى تعتمد عليها في بعض المدخلات، أو أن تؤخذ إجراءات وتوضع سياسات لبعض القطاعات دون إدراك ما تلحقه من ضرر بقطاعات أخرى. وكثيراً ما تبرز التناقضات في متطلبات تنمية قطاعات مختلفة، ولا بد بالتالي من الوصول إلى سياسات توفيقية تحافظ على التوازن أو النمو المتوازن بين القطاعات، وبما يتناسب مع تحقيق الأهداف الوسيطة، وبالتالي تحقيق الأهداف النهائية المحددة. فلكل قرار اقتصادي أو اجتماعي إيجابياته وسلبياته، ويجب أن يتم وزن الإيجابيات مع السلبيات لتبيان القيمة الحقيقية لهذه القرارات.
الأهداف النهائية والوسيطة
لا بد لأي سياسة أن يكون لها أهدافها النهائية والوسيطة، المعلنة أو غير المعلنة. وإذا كانت الطبقة الحاكمة في لبنان تخفي هذه الأهداف وتموهها حتى لا تستنفر بقية الطبقات الاجتماعية وتدفعها إلى التمرد أو الثورة، فإن الخطة الإنقاذية يجب أن توضح أهدافها وتطرحها للنقاش العام، وعلى أوسع نطاق ممكن، لحشد الجماهير والقوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير خلف هذه الخطة؛ أي أن تساعد في تكتيل هذه القدرات الشعبية والسياسية لفرض برنامجها وحمله وتحقيقه.
الأهداف النهائية: ويمكن تحديد أهم الهداف النهائية بالأهداف التالية:
1- تحقيق أعلى معدل ممكن من العمالة، أو الوصول إلى ما يقارب العمالة الكاملة، وجعل العمل حقاً لكل مواطن قادر عليه؛
2- تحقيق أعلى معدل ممكن من التنمية الشاملة، الاقتصادية والاجتماعية، أي تحقيق نمو اقتصادي ثابت ودائم، مع تنمية كافة قوى الإنتاج، خاصة قوة العمل؛
3- توزيع عادل للناتج المحلي القائم، وتضييق الفروقات الطبقية بين شرائح الدخل؛
4- التأكيد على حقوق الإنسان في العلم والعناية الصحية والتطبيب والسكن اللائق والعمل الملائم للكفاءة والقدرات والحرية الفكرية والسياسية وحق التعبير...
5- توفير أمن المجتمع من أي عدوان أو تهديد خارجي، وتوفير استقرار المجتمع وأمن الفرد في الداخل وحمايته عبر حكم القانون؛
6- دمج لبنان في محيطه العربي للمساعدة في تحقيق أمنه القومي ورخائه الاقتصادي.
الأهداف
الوسيطة: أما
الأهداف
الوسيطة
فتتمثل
بسياسات
عديدة ومركبة
على أكثر من
صعيد، وأهمها:
السياسة المالية
إن تصحيح السياسة المالية لا يمكن أن يتم عبر إجراءات فورية ودفعة واحدة، بل من الضروري اتخاذ سلسلة من الإجراءات المتوازنة عبر عدة سنوات حتى يتم تصحيح هذه السياسة. كما أن الإجراءات المطلوب اتخاذها لها إيجابياتها وسلبياتها.
احتواء الدين العام وخفضه
يشكل الدين العام، بحجمه الكبير، استنزافاً كبيراً للخزينة، من حيث كلفته، ويهدد الاستقرار النقدي، ويرفع من معدلات الفوائد، ويشكل مضخة كبيرة لضخ الثروة من الطبقات الشعبية إلى المصارف وأصحاب الثروات الكبيرة، ويبقي بل يوسع الفروقات الطبقية. وبالتالي فإن احتواء الدين العام (بمعنى عدم السماح بنمو الدين كنسبة من الناتج المحلي القائم) ثم خفضه إلى دون معدل 60 بالمئة من الناتج (النسبة المسموح بها أوروبياً لنمو الدين العام) هو الهدف الذي يجب العمل بجدية لتحقيقه.
ويمكن احتواء الدين عبر ثلاث وسائل أساسية: أولاً، رفع نسبة واردات الخزينة من الناتج المحلي القائم؛ ثانياً، تخفيض الإنفاق العام؛ ثالثاً، تحقيق معدلات نمو حقيقية في الناتج المحلي القائم.
أولاً، رفع نسبة واردات الخزينة
بالرغم من أن واردات الخزينة مرتفعة نسبياً في الوقت الراهن، وتشكل أحد العوائق في وجه النمو الاقتصادي، فلا مناص من رفع معدل هذه الواردات على المديين القصير والمتوسط لمعالجة مشكلة الدين العام. أي إنه لا بد من زيادة الضخ الضريبي للمالية العامة إلى معدلات لا تتجاوز في أي حال نسبة 24 بالمئة من الناتج المحلي القائم، وذلك بجانب جبايات مؤسسات الضمان الاجتماعي.
ولكن زيادة الضخ الضريبي يجب أن يكون عبر زيادة الضرائب المباشرة فقط، وربما أيضاً بجانب خفض الضرائب غير المباشرة، وبالتالي زيادة الأعباء الضريبية على أصحاب المداخيل المرتفعة وخاصة الريعية منها، وخفض الأعباء الضريبية عن الطبقات الشعبية وأصحاب الدخل المحدود. وذلك يتطلب الإجراءات التالية:
1- رفع معدلات الضريبة على أرباح الشركات والمؤسسات إلى حوالي 30 بالمئة (وهو معدل يقل عن معدلات الضريبة المعمول بها في معظم أنحاء العالم وفي دول الجوار). إن فكرة الجنة الضريبية التي تبنتها حكومة الرئيس الحريري الأولى أعطت البرهان الواضح على عدم فعاليتها في استقطاب التوظيفات الخارجية المنتجة. فمصر مثلاً، التي تصل فيها نسبة الضرائب على أرباح الشركات إلى 50 بالمئة، تستقطب نسبياً أضعاف أضعاف ما يستقطبه لبنان من هذه التوظيفات الخارجية، وكذلك دول المغرب العربي مثل تونس والمغرب.
2- رفع الضرائب التصاعدية على شرائح الدخل الفردي الأكثر ارتفاعاً لتصبح الشطور العليا لهذه الضريبة لا تقل عن 50 بالمئة بدل 20 بالمئة حالياً، مع إبقاء نسبة الضريبة على الشطور الدنيا ثابتة.
3- فرض الضريبة التصاعدية على شطور الدخل المجمع للفرد أو العائلة، بدل النظام الحالي الذي يفرض الضريبة التصاعدية على كل مورد مستقل من الدخل، ما يخفض كثيراً من تصاعدية ضريبة الدخل للأفراد.
4- استحداث شرطة مالية للتحري عن المداخيل الحقيقية للعائلات، قياساً لأنماط استهلاكها، وكما هو سائد في دول العالم المتقدم.
5- رفع السرية المصرفية بالنسبة لمدققي الضرائب والشرطة المالية. فهذه السرية هي الستار الأهم الذي يخفي المداخيل الحقيقية والأرباح الخاضعة للضريبة لدى الأفراد والشركات وأصحاب المهن الحرة، وبالتالي يمكنهم من التهرب من الضرائب على نطاق واسع جداً. فهذه السرية المصرفية قد تم رفعها فعلاً، ورغم القوانين السائدة، بطلب أميركي ضاغط، لمكافحة تبييض الأموال، وعملياً لتجفيف مصادر التمويل لمنظمات المقاومة العاملة ضد أميركا وإسرائيل، ومصادرة أموالها. فمن الضروري رفع هذه السرية بالنسبة للقضاء ولمدققي الضرائب ولجنة الرقابة على المصارف.
6- وحتى لا تشكل هذه الزيادات في الضرائب المباشرة عبءً على الادخار (وبالتالي توظيفات القطاع الخاص) يمكن إعفاء أرباح الشركات التي يُعاد توظيفها في الموجودات الثابتة للشركات والتي تؤدي إلى زيادة الإنتاج وفرص العمالة، من الضرائب. كما يمكن حسم مداخيل الأفراد التي يتم توظيفها في السكن العائلي أو في التوظيف المنتج في قطاعات محدودة من الضرائب أيضاً، وذلك تشجيعاً لرفع معدلات الادخار، بدل الاستهلاك عند الأفراد والعائلات.
7- استحداث ضريبة على الثروة، خاصة الثروات العقارية غير المبنية، توازي 2 في الألف سنوياً على هذه الثروات التي تتجاوز قيمتها بضعة ملايين من الدولارات كحد أدنى. وهذه الضريبة توازي في وقعها ضريبة الإرث التي يتهرب منها المالكون الكبار عبر قانون إعفاء تداول أسهم الشركات العقارية من رسوم الانتقال والبيع والشراء.
8- زيادة الضرائب المباشرة على سلع الاستهلاك الكمالية التي يهدف المجتمع إلى كبح استهلاكها، كالتبغ والمشروبات الروحية مثلاً، وعلى السيارات الخاصة الكبيرة والفخمة، والملابس الفاخرة، وإلى ما هنالك من كماليات، كما زيادة الضرائب الجمركية على السلع المستوردة المدعومة خارجياً لحماية الإنتاج المحلي من سياسات الإغراق، وحماية الصناعات الوليدة في الداخل.
9- تخفيض الرسوم والضرائب على مدخلات الإنتاج المستوردة التي لا بدائل لها في الداخل، وكذلك على سلع الاستهلاك الشعبي المستورد ولا بدائل محلية لها.
إن هذه السياسات الضريبية المقترحة تعيد تصحيح السياسات الضريبة المعمول بها، والتي تقوم الحكومات المتتالية على تطويرها تدريجياً منذ بداية التسعينيات لنقل الأعباء الضريبة عن كاهل الطبقات الموسرة والشركات إلى كاهل أصحاب الدخل المحدود والطبقات الشعبية. والهدف من هذا التصحيح الضريبي رفع معدل الضرائب المباشرة لتمثل حوالي 70 بالمئة من الضخ الضريبي بدل 20 بالمئة في الوقت الراهن.
ثانياً، تخفيض الإنفاق العام
من الضروري خفض إنفاق الخزينة غير المنتج أو غير المجدي، وخفض عجز الخزينة إلى ما دون معدل نمو الناتج المحلي القائم، وذلك خلال ثلاث سنوات كحد أقصى. ويكون خفض الإنفاق متوازياً مع سياسات اقتصادية واجتماعية أخرى تنتج فرص عمل جديدة وتصنع شبكة أمان اجتماعي. فالإنفاق الذي يجب خفضه هو ما يتعلق بالهدر في الإنفاق الاجتماعي، وبكلفة السلطة وتخفيض هذه الكلفة إلى المستويات المتعارف عليها عالمياً.
كلفة السلطة
تصل كلفة السلطة في لبنان الآن إلى أكثر من 16.5 بالمئة من الناتج المحلي القائم. فمن الضروري خفض هذه الكلفة إلى حوالي 8.5 بالمئة من هذا الناتج. وذلك يكون عبر السياسات التالية:
1- إصلاح إداري شامل (سيأتي بحثه لاحقاً) بحيث تتخلص الإدارات من البطالة الخفية فيها، وعبر تحديث الإدارة تنظيمياً، وتحديث الهيكلية والقوانين الإدارية، وعبر الاستفادة القصوى من تقنيات الاتصالات والحواسيب، وتطهير الإدارة ومنع تسييسها.
2- خفض الهدر في الإنفاق الاجتماعي الضخم، مع توسيع الخدمات الاجتماعية وتحسين نوعيتها، خاصة في حقلي التعليم والصحة (سيأتي بحثهما لا حقاً).
3- خفض الإنفاق على القوى المسلحة كافة، مع زيادة فعاليتها وتوسيع مهامها، وذلك عبر إلغاء ازدواجية الأجهزة العسكرية وشبه العسكرية، وعبر الوصول إلى عقيدة عسكرية جديدة تتناسب مع إمكانات الخزينة اللبنانية وضرورات الأمن الوطني في التصدي للعدوان الإسرائيلي والإمبريالي، تسليحاً وتنظيماً وأسلوب قتال.
4- خفض كلفة الدين العام عبر خفض معدلات الفوائد إذا سمحت التطورات العالمية والمحلية بذلك، وعبر إطفاء جزء من الدين عن طريق تخصيص بعض القطاعات غير الحيوية (مثل كازينو لبنان وإدارة حصر التبغ والتنباك، مع إبقاء الرقابة الحكومية الصارمة عليهما) وعبر التخلي عن الذهب كتغطية للعملة اللبنانية، هذه التغطية التي لم يعد لها أي فائدة على الإطلاق، وتمثل وهماً لدى الجماهير وبعض السياسيين، وخداعاً للذات حول قوة الليرة اللبنانية.
5- زيادة الإنفاق التوظيفي في البنية التحتية ولبعض الوزارات والمؤسسات والمرافق العامة الداعمة للإنتاج السلعي والخدماتي، مثل المدارس المهنية والإحصاء المركزي والسدود المائية وقنوات الري والطرق الزراعية والبحوث الصناعية ومؤسسة المواصفات والمقاييس ووزارتي الصناعة والزراعة ووزارة البيئة وغيرها.
6- زيادة الإنفاق على التعليم الرسمي مع رفع مستواه وحصر الهدر فيه بكل مراحله وزيادة نسب استيعابه للطلاب. زيادة الإنفاق على المستشفيات الحكومية وتفعيلها وزيادة عددها وعدد الأسرة فيها، ومن ثم حصر معظم الاستشفاء المعان بهذه المستشفيات العامة. زيادة الإنفاق على الضمان الاجتماعي وتعميمه وربطه بمستشفيات القطاع العام خاصة، واستيراد الدواء عبر إعادة إحياء مكتب الدواء في وزارة الصحة لخفض الإنفاق عليه.
7- استحداث شبكة أمان اجتماعي للحماية من البطالة، تبدأ بضمان من يخرجهم الإصلاح الإداري من موظفي القطاع العام وأجرائه.
إن
الإجراءات
المقترحة
أعلاه تغير
وقع السياسة
المالية على
توسيع
الفروقات
الطبقية إلى
نقيضها، أي
تضييق هذه
الفروقات. ومن
الملاحظ
عالمياً أن
تضييق
الفروقات
الطبقية يرفع
من معدلات نمو
الناتج
المحلي،
ويزيد وتائر
التنمية
الشاملة،
ويرسخ السلم
الاجتماعي.
وهذا هو أحد
الأهداف
الأساسية
للسياسات
المالية في جميع
دول العالم،
حتى أكثرها
تشبثاً
بالنظام الرأسمالي،
مثل بريطانيا
وأميركا. ففي
بريطانيا إن
دخل الشريحة
العليا (20
بالمئة من
السكان) تصل
إلى حوالي 27
ضعف دخل
الشريحة
الدنيا قبل وقع
Impact
السياسة
المالية التي
قلصت هذه
الفوارق إلى حوالي
سبعة أضعاف
فقط. إن
التركيز في
الضخ الضريبي
على الضرائب
المباشرة
التي تطال
فئات الدخل
العليا،
والتركيز في
الإنفاق على
دعم بعض السلع
والخدمات
الضرورية مثل
التعليم
والطبابة
والسكن وبعض
السلع الأساسية
مثل القمح
والمياه
والكهرباء،
والتي ترفع من
الدخل
الحقيقي
للطبقات
الشعبية... هذه
السياسة
المالية تضخ
الثروة من
الأغنياء إلى الفقراء
وتقلص
الفروقات
الطبقة.
ثم إن الإنفاق المتوازن للخزينة يهدف إلى إعادة توزيع اعتمادات الوزارات بحيث تأخذ وزارات الإنتاج السلعي و الخدماتي، مثل وزارة الزراعة والصناعة والسياحة، أضعاف الاعتمادات المخصصة لهذه الوزارات في موازنات الحكومة في السنوات الماضية، لتتمكن هذه الوزارات من القيام بمهامها في تنمية هذه القطاعات.
فالإنماء المتوازن بين المناطق يعني إلى حد بعيد تحقيق الإنماء المتوازن بين قطاعات الإنتاج، ولا يقوم على توزيع الخدمات على المناطق بشكل شبه متوازن، أو القيام بمشاريع البنية التحتية التابعة لقطاعات الخدمات والتي لا ترفع من إنتاجية هذه المناطق، وبالتالي لا تساهم في خلق فرص عمل جديدة ودائمة، ولا ترفع من إنتاجية الفرد فيها. إن الإنفاق، مثلاً، على مدينة رياضية في الهرمل أو عكار، وبالرغم من فائدته المحدودة، يختلف كلياً في وقعه عن بناء سد وأقنية للري أو بناء المدارس المهنية الخاصة بالزراعة، وبالتالي لا يشكل هذا الإنفاق (بناء مدينة رياضية) إنفاقاً متوازناً بين المناطق.
السياسة النقدية
التمويل
يلعب التمويل دوراً أساسيا في الاقتصاد ويشكل عصب التنمية الاقتصادية. وتشكل المؤسسات المالية، من بنوك وصناديق ادخار وسوق مالية ومؤسسات الوساطة المالية، أدوات الأسواق المالية والنقدية. ويتمثل دور هذه المؤسسات بالوساطة المالية بين المدخِر والموظِف، وتلعب بالتالي دوراً محورياً في جمع المدخرات وتوجيه التمويل. ويشكل تطوير وتنمية الأسواق المالية ومؤسساتها شرطاً أساسياً للتنمية الاقتصادية.
تمثل المصارف التجارية عماد السوق المالية اللبنانية، الاحتكارية ببنيتها والمتخلفة وغير الكفؤة، ولا بد بالتالي من تطوير مؤسسات هذه السوق وشروط العمل فيها. فالمطلوب بإلحاح تطوير أدوار مؤسسات الوساطة لتلبي طلب التمويل لقطاعات الاقتصاد كافة بالشروط الأكثر ملاءمة لهذه القطاعات، خاصة في الإقراض المتوسط والطويل الأجل. كانت التجربة الماضية في هذا الإطار تتمثل بالترخيص للمصارف المتخصصة التي أثبتت فشلها، ضمن شروط إنشائها وظروف صعبة مرّت بها، وأساليب إدارة الإقراض فيها. والطريقة الأكثر صواباً واتساقاً مع تطور الأسواق المالية عامة والمصارف بشكل خاص، ربما تتمثل في العمل على تحويل المصارف التجارية إلى مصارف شاملة تقوم بمهمات المصارف التجارية وبنوك التمويل ومؤسسات الوساطة المالية في السوقين الأولية والثانوية، والتأمين كما أسلفنا سابقاً. إن تحويل المصارف التجارية إلى مصارف شاملة يفرض إجراء تغيير كبير في تنظيمها وتنوع ثقافات العاملين فيها وخلق لجان اختصاص عديدة، وبالتالي تطوير دور الإدارة وثقافتها، وذلك ليس بالأمر السهل. إن محاولات دفع المصارف التجارية اللبنانية للتحول إلى مصارف شاملة، من قبل مصرف لبنان، أظهرت فشلها أيضاً. لذلك لا بد من سلسلة من الإجراءات والسياسات الكفيلة بتطوير الأسواق المالية اللبنانية عبر بعض من (أو كل) الإجراءات التالية:
1- 