العولمة الرأسمالية على حقيقتها

في تقرير

جان زيغلر مقرر الأمم المتحدة الخاص بالحق في الغذاء*

متوسط دخل البقرة الحلوب السنوي في الاتحاد الأوروبي

أكثر من متوسط دخل نصف سكان الكرة الأرضية

* الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مفوضية حقوق الإنسان، الدورة الستون، لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الحق في الغذاء، وثيقة رقم E/CN.4/2004/10، بتاريخ 9 شباط 2004.

 

د. جوزف عبدالله

تم تفويض جان زيغلر، بوصفه المقرر الخاص للأمم المتحدة بالحق في الغذاء، للمرة الأولى من قبل مفوضية حقوق الإنسان في قراريها 2000/10 و2001/25. وتم تمديد التفويض لثلاث سنوات بقرار المفوضية 2003/25 الذي وافق عليه المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة. وتقدم مقرر الأمم المتحدة الخاص بالحق في الغذاء بتقريره الرابع من مفوضية حقوق الإنسان، طبقاً لقرار المفوضية 2003/25. واعتمدت الأمم المتحدة التقرير في التاسع من شباط 2004، ولكنها لم تعممه إلاّ بعد تسعة أشهر.

إن لهذا التقرير أهمية كبيرة لا سيما وأنه يصدر عن مؤسسة أممية، الأمم المتحدة، التي تعمل الإمبريالية الأميركية على إلغائها، بينما تحاول الإمبرياليات الأخرى تسخيرها لخدمة الشركات المتعددة الجنسية بالتواطؤ مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. هذا في حين تعمل بعض دول العالم الثالث وبعض قوى المجتمع المدني (من كل بلدان العالم ، وخاصة من البلدان الرأسمالية المتقدمة) وبعض مؤسسات الأمم المتحدة بالذات مواجهة الوحشية الرأسمالية وعدوانيتها العسكرية أو الداروينية الاجتماعية.

يصب تقرير زيغلر في سياق هذه المواجهة، لهذا نهتم به ونقدم ترجمة لأبرز ما جاء فيه مما يوضح حقيقة العولمة النيوليبرالية (الرأسمالية) من حيث أنها ليست مفهوماً علمياً له مضمون واضح وصادق في طرحه. بل هي شعار (خديعة، طعم، فخ) للتضليل له مهام عديدة أبرزها (1) جعل الناس تصدق أنها بمواجهة حركة عالمية هي حتمية لا مفر منها ولا حول ولا طول لأحد في مواجهتها، (2) حجب حقيقة هجوم الرأسمالية العالمية على الشعوب من خلال سعي الشركات المتعددة الجنسية للسيطرة على العالم بكل الأشكال الممكنة، سلماً وحرباً لا فرق.

 

مقدمة

إن الجوع الذي يفتك بالبشر أكثر مما تفتك بهم الحروب الاستعمارية يتسع انتشاره في العالم مع أن مواجهته ليست غير مسألة سياسية، كما يرى السوسيولوجي السويسري جان زيغلر المقرر الخاص للأمم المتحدة في مفوضية حقوق الإنسان حول الحق بالغذاء.

"كل خمس ثوان يموت طفل دون الخامسة من عمره بسبب مرض على علاقة بالجوع" ما يعني موت أكثر من ستة ملايين طفل في السنة. وهذا ليس كل شيء، فهناك 842 مليون شخص يعانون اليوم من نقص التغذية المزمن، وذلك مقابل 840 مليون كما جاء في التقرير السابق لزيغلر. لقد ارتفع عدد ضحايا نقص التغذية المزمن حوالي 18 مليون بين عامي 1995 و2001. لقد تزايدت بسرعة جميع مؤشرات الجوع منذ القمة العالمية للغذاء، 1996، التي تعهدت فيها حكومات العالم بالعمل على مواجهة الجوع وتقليص مساحته.

يتساءل جان زيغلر، أمام هذه الأرقام الفاضحة، حول مصير مكافحة الجوع في تقريره الأخير (الرابع) حول الحق بالغذاء الذي جاء بعنوان "واقع غياب الأمن الغذائي في العالم، 2003". وفيه يشير (طبعاً باسم منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة- الفاو) إلى تراجع المواجهة العالمية لهذه الكارثة المهددة للبشرية، الجوع في العالم.

فهو يقول: "ليس الجوع قدراً، ولا هو مقبول". "نحن نعيش في عالم أغنى مما كان عليه في أي يوم من الأيام، وهو قادر على القضاء على الجوع. وليس في ذلك من لغز لا تفكيك له: لا يحتاج القضاء على الفقر أبداً إلى تكنولوجيات جديدة. يكفي ببساطة الالتزام سياسياً بمراجعة السياسات المعمول بها والتي تجعل الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً".

هكذا يرى زيغلر أسباب الجوع في العالم وتفاقمه غير طبيعية أو اقتصادية، بل هي أسباب سياسية.

انتهى زيغلر من إعداد تقريره واعتماده في شباط 2004. ولكنه لم يتعمم من قبل الأمم المتحدة إلاّ بعد ثمانية أشهر. بررت الأمم المتحدة ذلك بالرغبة في جعل المعطيات الواردة فيه آنية. وفي الحقيقة، لقد لاقى التقرير الكثير من الاعتراض ما جعل الأمم المتحدة تتأخر بتعميمه. إن أبطال السياسات النيوليبرالية في "إجماع واشنطن" ومؤسسات بريتن وودز، يرفضون تفسير زيغلر لظاهرة الجوع والفقر في العالم ولطبيعة الحلول التي يقترحها.

كما لاقى التقرير اعتراض الكيان الصهيوني لأن زيغلر فضح العدوانية الصهيونية ووحشيتها في التعامل مع الشعب الفلسطيني وانعكاس هذه السياسة على حياة الفلسطينيين.

لن نتناول ما ورد في التقرير حول الوضع الفلسطيني، بل سنركز على ما فيه من معطيات تكشف الطبيعة المخادعة والخبيثة في مفهوم العولمة النيوليبرالية (الرأسمالية) وفي طبيعة القوى والمؤسسات المروجة لها. ومن ذلك على سبيل المثال مجمل الدعوة إلى "تحرير" الاقتصاد وفتح الأجواء والأسواق وإلغاء الحواجز الجمركية، وتقليص حجم ودور الدولة كتفكيك سياسات الحماية الاجتماعية ووقف الدعم للمؤسسات الإنتاجية خاصة في المجال الزراعي، هذا بينما تعتمد البلدان الرأسمالية المتقدمة، وهي تقدم لنا هذه الوصفات، ممارسات متناقضة مع هذه الدعوات، وهي بذلك تتوجه من بلدان "العالم الثالث" قائلة "افعلوا ما نقوله، ولا تفعلوا ما نفعله"، على حد كلام زيغلر.

نصوص من التقرير

إن الحق في الغذاء، كما أشار المقرر الخاص في جميع تقاريره، حق أساسي يحميه القانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان والقانون العالمي الإنساني. إن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قدمت في "ملاحظتها العامة، رقم 12" التعريف التالي للحق في الغذاء: "يتأمن الحق في الغذاء الكافي عندما تكون لكل رجل وامرأة وطفل، بمفرده أو ضمن جماعته، القدرة على الحصول في كل لحظة، مادياً واقتصادياً، على غذاء كافٍ، أو على وسائل تأمين هذا الغذاء"[1].

انطلق المقرر الخاص من هذا التعريف ليعطي للحق في الغذاء التعريف العملي التالي: " انه الحق في الحصول على الغذاء في صورة دورية، دائمة وحرة، سواء مباشرة أو غير مباشرة بواسطة الشراء بالمال، على أن يكون هذا الغذاء مناسباً وكافياً، كمياً ونوعياً، ويتوافق مع التقاليد الثقافية للشعب الذي ينتمي إليه المستهلك، ويؤمن له حياة نفسية وجسدية، فردية وجماعية، خالية من القلق تتصف بالرضا والكرامة" E/CN.4/2001/53, par.14.

واستناداً لذلك، سعى المقرر الخاص مجدداً للفت الانتباه إلى حقيقة أنه بالرغم من تعهد الدول مراراً بمكافحة سوء التغذية فإن الفقر المدقع وسوء التغذية يستمران في العديد من مناطق العالم، بما في ذلك الانتهاكات التي تطال الحق في الغذاء. ولقد أشارت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، الفاو FAO، أن مكافحة الجوع في العالم هي عملياً متوقفة. وفي الحقيقة تبين المعطيات للفترة الممتدة من عام 1998 حتى عام 2000 أن هناك اليوم 840 مليون شخص يعانون من سوء التغذية[2].

كما ذهبت سدى الوعود التي قطعتها الدول في القمة العالمية للغذاء، عام 1996، بتقليص عدد ضحايا سوء التغذية إلى النصف. فقليل من البلدان يمكنه الزعم بأنه فعل شيئاً في هذا المجال[3]. وما يزال الوضع مأساوياً: ففي كل سبع ثوان يموت طفل دون العاشرة، مباشرة أو مداورة بسبب الجوع في مكان ما من العالم[4]، كما يعاني أكثر من ملياري شخص في العالم من "الجوع غير المكشوف"، أي من نقص في المكونات الغذائية الأساسية التي تسبب التأخر في النمو الجسدي والعقلي، أو التشوه ووقف النمو، مما يؤدي إلى التهميش. كما أن مفاعيل الجوع تنتقل عبر الأجيال، فالأمهات المعرضة لنقص التغذية تلدن أطفالاً لا يعرفون نمواً كاملاً أبداً... وكل ذلك يجري في عالم ينتج كميات من الغذاء تفيض عن حاجة سكانه، حسب الفاو FAO.

 

التجارة والأمن الغذائي: فشل كانكون

من العاشر حتى الرابع عشر من أيلول 2003، اجتمع الممثلون التجاريون لشتى البلدان في كانكون (المكسيك) في جولة مفاوضات منظمة التجارة العالمية حول قواعد التجارة العالمية التي احتلت فيها قضيتا الزراعة والأمن الغذائي موقعاً أساسياً. انتهت المفاوضات في يومها الأخير بالفشل الذريع. واعتبر الكثير من المراقبين أن هذا الفشل يعود أساساً إلى تصلب بلدان الشمال واعتمادها مكيالين في معالجة مسائل الزراعة والأمن الغذائي، وإلى عجز اتفاقية منظمة التجارة العالمية حول الزراعة عن الاستجابة لحاجات البلدان الفقيرة النامية في توفير أمنها الغذائي.

ما تزال اليوم تجارة المنتجات الزراعية بعيدة جداً عن كونها تجارة محررة، وكذلك بعيدة جداً عن كونها تجارة عادلة. فكثير من البلدان المتطورة تستمر بحماية ودعم إنتاج المواد الغذائية الأساسية. وكثير من البلدان النامية أصبح خاضعاً لضغط استيراد المنتجات الغذائية، وعليه بالتالي مواجهة منافسة غير شرعية لمنتجات البلدان المتطورة التي يتم بيعها بسعر يقل عن كلفة إنتاجها، ما يؤدي إلى خنق الإنتاج المحلي من المواد الغذائية الأساسية ويقضي من جراء ذلك على وسائل عيش مزارعي هذه البلدان. يعالج هذا الفصل المسائل الجوهرية في التجارة العالمية والأمن الغذائي. بينما يعالج الفصل التالي السيادة الغذائية والحق في الغذاء.

بينما يقوم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان وغيرها من البلدان المصنعة بالتبشير بحسنات التبادل الحر في المجال الزراعي، تقوم هذه البلدان بممارسة حماية واسعة لزراعتها لتضمن إنتاج المواد الغذائية الأساسية. ففي الاتحاد الأوروبي "يبلغ متوسط الدخل السنوي للبقرة الحلوب ما يزيد عن متوسط دخل الفرد لنصف سكان العالم"، كما إن 70بالمئة من الدعم يستفيد منها 20 بالمئة من أهم الاستثمارات الزراعية[5]. وفي اليابان بلغت الضريبة على الأرز المستورد 491 بالمئة عام 1999[6]. وفي الولايات المتحدة فإن مشروع القانون المتعلق بالزراعة لعام 2002 قضى بتقديم حوالي 180 مليار دولار على مدى عشر سنوات "كإجراء طارئ" لتقديم الدعم خاصة لزراعة الحبوب الأساسية. وفي مداخلته أمام فيوتشر فارمرز أوف أميركا Future Farmers of America، في واشنطن، في 27 تموز 2001، أعلن الرئيس بوش: "من المهم لأمتنا أن نبني، أي أن نزرع وننتج المواد الغذائية لنطعم شعبنا. هل يمكنكم أن تتصوروا بلداً عاجزاً عن إنتاج ما يكفي من الغذاء ليطعم سكانه؟ سيكون بلداً عطوباً أمام الضغوط الدولية. سيكون بلداً في خطر. لهذا، عندما نتكلم على الزراعة الأميركية، فنحن نتحدث فعلياً عن مسألة أمن قومي"[7].

وفي نفس الخطاب، ينتفض الرئيس بوش على "العقبات بوجه التجارة والاتجاهات الحمائية لشتى مناطق العالم التي تمنع (المنتجات الأميركية) من دخول أسواقها". لقد وصف جوزف ستيغليتز، حامل جائزة نوبل في الاقتصاد، مشروع القانون الأميركي المتعلق بالزراعة بأنه " أفضل صورة عن خبث إدارة بوش بخصوص تحرير المبادلات".إن منظمات المجتمع المدني تأخذ على مشروع القانون هذا كونه لا يفيد غير كبار المزارعين الأغنياء وكبرى الشركات الزراعية الصناعية.

وبالمقابل، اقتنعت البلدان النامية بتحرير القطاع الزراعي من جانبها وحدها، وغالباً ما كان ذلك يتم في سياق برامج يرعاها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي... واكتشفت هذه البلدان في النهاية أن الأرباح التي وعد بها "التبادل الحر" في المجال الزراعي لم تتحقق. بل على العكس إذ لطالما عانى مزارعو هذه البلدان من الأسعار المنخفضة اصطناعياً التي طرحتها سياسة "الإغراق" التي أغرقت الأسواق بالسلع الزراعية المدعومة والمنتجة في البلدان المتطورة، كما كانت الحال في المكسيك وزامبيا اللتين سيتناولهما الكلام لاحقاً.

لقد بين المعهد الدولي للأبحاث في السياسات الزراعية، وهو مؤسسة بحث عالمية مشهورة، أن مبالغ الدعم المقدمة للقطاع الزراعي في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والتي بلغت 311 مليار دولار في العام 2001 (ما يعادل 850 مليون يومياً) أضرت بزراعة البلدان النامية مسببة للبلدان الفقيرة خسائر في الدخل الزراعي والزراعي الصناعي تصل تقريباً إلى 24 مليار دولار سنوياً. وفي معرض تحديد المسؤولية عن ذلك، يرى المعهد المذكور أن الاتحاد الأوروبي يتحمل مسؤولية نصف مبلغ الخسائر التي يسببها تشويه منطق التبادل بفعل السياسات التي تعتمدها البلدان الصناعية، بينما تتحمل الولايات المتحدة الثلث، في حين يتحمل اليابان والبلدان الآسيوية المرتفعة الدخل حوالي 10 بالمئة[8].

بينما تستمر البلدان المتطورة (باستثناء أستراليا) بحماية زراعتها واعتبار ذلك من عناصر الأمن القومي، أو الأمن الغذائي أو تعددية وظائف الزراعة، فإن الكثير من البلدان النامية من الأكثر فقراً تتعرض لخسائر كبيرة لأنها لا تملك وسائل دعم الزراعة، بل عليها تخفيض تعرفتها الجمركية، والدخول في منافسة غير مشروعة مع المنتجات الزراعية المدعومة في البلدان الصناعية. ثمة بنية جديدة للمبادلات تنشأ اليوم: تسيطر البلدان المتطورة على إنتاج المواد الغذائية الأساسية، كالأرز والذرة والقمح والحليب واللحم... بينما تضطر البلدان النامية لتأمين الغذاء لشعوبها إلى التخصص في الزراعات الاستوائية التجارية مثل القهوة والقطن أو الأزهار، وهي مواد يفرض عليها عدد من البلدان المتطورة تعرفة جمركية مرتفعة ومعقدة. إن البلدان التسعة والأربعين الأقل نمواً والتي كانت منذ 30 سنة مصدرة صافية للمواد الغذائية، أصبحت مستوردة صافية للمواد الغذائية، وارتفع مبلغ وارداتها الغذائية من 45 إلى 70 بالمئة من مجموع صادراتها من السلع. ويصبح من الصعب على بعض هذه البلدان دفع كلفة مستورداتها الغذائية[9]. ولم تعد هذه البلدان عاجزة عن إنتاج حاجتها من الغذاء، بل هي عاجزة عن تأمين المال اللازم لشرائه، وهذا ما يجعلها أكثر فأكثر معرضة لفقدان الأمن الغذائي، ويعيق لحد كبير قدرتها على تحقيق الحق في الغذاء لشعوبها.

لم تكن تجربة تحرير القطاع الزراعي إيجابية في الكثير من البلدان النامية. وإذا كان الانفتاح على منافسة المنتجات التي تباع بأسعار أدنى من كلفة إنتاجها في الحقيقة مضراً للمداخيل الزراعية، فإن المستهلكين لم يستفيدوا أبداً من تخفيض الأسعار. إن زامبيا مثلاً شرعت في التسعينيات بتحرير جذري لتجارتها في سياق برنامج لإعادة الهيكلة تجاوز التعهدات التي أبرمتها مع منظمة التجارة العالمية (تخفيض التعرفة الجمركية، إلغاء دعم زراعة المنتجات الأساسية كالذرة، تفكيك أنظمة تعميم الزراعة ودعمها). ونتيجة لهذه التغيرات السريعة صار المزارعون الزامبيون عاجزين عن بيع منتجاتهم، خاصة في المناطق البعيدة لغياب وجود قطاع خاص نشيط. واعترف تقرير لصندوق النقد الدولي أن تحرير الزراعة وضع الزامبيين الفقراء في وضع غير مستقر، كما تراجع استهلاك الذرة بنسبة 20 بالمئة بين عام 1990 وعام 1997، وذلك بفعل زيادة الفقر[10]. وبالمقابل، بينما كانت الأسعار التي يحصل عليها منتجو الذرة تهبط كانت ترتفع الأسعار المطلوبة من المستهلكين[11].

وفي المكسيك حيث زراعة الذرة تقليدية وتعود لآلاف السنين، فإن اتفاقية التبادل الحر في أميركا الشمالية أساءت كثيراً إلى المزارعين المكسيكيين لأنها وضعتهم في منافسة مع سلعة الذرة المدعومة الآتية من الولايات المتحدة. واستناداً إلى دراسة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي PNUD فقد تمت خسارة ما بين 700 ألف و800 ألف دخل بفعل تحرير المبادلات وهبوط أسعار الذرة الذي أدت إليه[12]. واستناداً لدراسة أخرى، قد يكون تعرض للإفلاس حوالي 15 مليون مكسيكي وعائلاتهم (من بينهم عدد كبير من جماعات السكان الأصليين)[13]. وكما كانت الحال بالنسبة لزامبيا، فبينما كانت الأسعار التي حصل عليها المزارعون المكسيكيون مقسومة على اثنين عملياً، فإن سعر استهلاك الذرة ارتفع 279 بالمئة[14]. وعليه فالمداخيل الزراعية تضررت كثيراً بهبوط أسعار الإنتاج، وفي نفس الوقت، تعرض المستهلكون إلى خسارة كبيرة بفعل ارتفاع أسعار الاستهلاك. وهكذا فإن الرابحين الكبار المفترضين من تحرير المبادلات، أي المستهلكين، لم يحصلوا دوماً على النتائج الإيجابية.

لم يستفد المستهلكون دوماً من تحرير المبادلات لسبب بسيط هو أنه تم غالباً استبدال احتكارات الدولة باحتكارات خاصة. واستناداً إلى دراسة للبنك الدولي حول عدم جدوى تحرير الأسعار في ميدان الاستهلاك تبين أنه منذ العام 1974 فإن أسعار المواد الزراعية الأساسية انخفضت ولكن سعرها الاستهلاكي ارتفع[15]. ومع أن السعر العالمي للقهوة مثلاً انخفض 18 بالمئة ما بين 1975 و1993، فإن سعر الاستهلاك ارتفع في الولايات المتحدة 240 بالمئة. وترى نفس الدراسة أن هذا الأمر يدفع للظن بوجود ممارسات تجارية غير شرعية عالمياً في سوق المواد الأساسية. فالأسواق أصبحت محكومة أكثر فأكثر بالشركات المتعددة الجنسية التي يتقلص عددها وتمتلك سلطة فرض أسعار منخفضة للسلع المنتجة والاحتفاظ بأسعار مرتفعة لنفس هذه السلع عند طرحها للاستهلاك، لترفع بذلك من هامش أرباحها. ونرى نفس المسألة على مقياس أصغر، عندما نلحظ أنه بعد تحرير القطاع الزراعي يبقى عدد الناشطين الخاصين محدوداً جداً. ونادراً ما يستفيد المستهلكون من تخفيض الأسعار الذي يبشر به أنصار التبادل الحر، وذلك إما لغياب القطاع الخاص التنافسي أو بفعل الممارسات الاحتكارية التي تقوم بها الشركات المتعددة الجنسية في المجال الزراعي الصناعي، وهذه الشركات هي التي تسيطر على مبادلات المنتجات الزراعية وتحويلها والمتاجرة بها.

إن هذه الأوالية هي في أساس تفاقم التفاوت، لأنها تسمح لبضعة أفراد أو شركات بمراكمة الثروة على حساب غالبية المزارعين والمستهلكين، في بلدان الشمال والجنوب معاً. ونفس هذه الآلية تصيب العلاقات بين البلدان، وتفسر جانباً من تفاقم التفاوت بين البلدان النامية والبلدان المتطورة. ويجمع عدد كبير من المراقبين على أن أكبر المستفيدين من تحرير المبادلات هم كبار المزارعين وكبرى الشركات الذين يملكون القدرة على الاستفادة من برامج إعادة الهيكلة (الإصلاح) الاقتصادية. ولكن الإهمال يصيب الناس الأكثر فقراً وهامشية، وخاصة صغار الفلاحين.

وعليه، من الطبيعي أن نتفهم كون بعض البلدان والأشخاص غير مقتنعين بالآثار الإيجابية للتبادل الحر على الأمن الغذائي، خاصة وهم يأخذون بعين الاعتبار دعوة بلدان الشمال لبلدان الجنوب التي يمكن اختصارها بشعار "افعل ما أقوله، لا ما أفعله". إن تكرار فشل المفاوضات التجارية مؤشر على التفاوت الراهن في النظام التجاري العالمي الذي تسعى منظمة التجارة العالمية إلى استمراره بدل السعي إلى إزالته، وذلك بفعل التوزيع المتفاوت للسلطة بين أعضاء هذه المنظمة. إن فشل مفاوضات كانكون (المكسيك) يعود بقسم أساسي فيه إلى تشدد البلدان المتطورة ورفضها تقديم أي تنازلات في المجال الزراعي طالما أن البلدان النامية لا تنفتح أكثر على مطالب الشمال في إطار "مسائل سنغافورة". ولمواجهة قلة الاهتمام بمطالبها، تشكل فريق من 22 بلداً اجتمعوا للمرة الأولى بقيادة البرازيل القوية، وتمسكوا بموقفهم الرافض للخضوع إلى شريعة الأغنياء. واعتبر هذا الفريق أنه من الفضل أن تنتهي مفاوضات كانكون بالفشل من أن تنتهي باتفاق سيئ.

 

 

السيادة الغذائية والحق في الغذاء

 

نظراً لقناعتها بأن التفاوت في النظام الذي يحكم التجارة العالمية للمنتجات الزراعية يشكل كارثة على الأمن الغذائي، خاصة عند البلدان والشعوب الفقيرة، فإن منظمات المجتمع المدني ترفض بالتحديد مبدأ التبادل الحر في المجال الزراعي. وهي تشدد اليوم على مفهوم "السيادة الغذائية" المتناقض مع النموذج الراهن في تجارة المنتجات الزراعية، النموذج الذي يشجع، برأيها، الزراعة الصناعية الموجهة نحو التصدير الذي يضر بالزراعة الفلاحية والعائلية. وبعد فشل كانكون، من الضروري دراسة وتفهم مفهوم "السيادة الغذائية" الجديد. وبالتالي فإن هذا الفصل يحلل هذا المفهوم وما يعنيه والأسباب التي أدت إلى ظهوره. لا يعني مفهوم السيادة الغذائية نفس ما يعنيه مفهوم الحق في الغذاء، ولكن ثمة صلات وثيقة بينهما.

ما معنى السيادة الغذائية؟ ما تزال الدراسات الجامعية أو المنتظمة حول هذا الموضوع قليلة حتى اليوم. إن هذا المفهوم الذي ذكرته للمرة الأولى الحركة الاجتماعية العالمية للاستثمارات الصغيرة العائلية، فيا كامبيسينا Via Campesina، ما يزال في بداية صياغته، وهو موضع العديد من الحوارات داخل منظمات المجتمع الأهلي. وأعطته فيا كامبيسينا التعريف التالي: "السيادة الغذائية هي حق الشعوب في تحديد سياساتها الخاصة في مجال الغذاء والزراعة، وفي حماية وتنظيم الإنتاج الزراعي والتجارة الزراعية الداخلية، وذلك بغية تحقيق أهدافها في التنمية المستدامة، وتحديد درجة استقلاليتها والحد من إغراق أسواقها"[16].

قدمت فيا كامبيسينا للمرة الأولى هذا المفهوم في العام 1996، في لقاء عقدته منظمات غير حكومية ومنظمات المجتمع الأهلي بالتوازي مع القمة العالمية للغذاء (1996). ومنذ ذلك الحين بدأت باستعماله منظمات المزارعين ومنظمات المجتمع الأهلي في الشمال والجنوب على السواء. وبمناسبة القمة العالمية للغذاء، بعد خمس سنوات، في العام 2002، جرى منتدى المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني للسيادة الغذائية، وفيه شارك ممثلون لأكثر من 400 منظمة من المجتمع الأهلي والجمعيات الفلاحية، وفيه تم تعريف مفهوم السيادة الغذائية كما يلي: "السيادة الغذائية هي حق الشعوب والجماعات والبلدان في أن تحدد، في مجالات الزراعة والعمل والصيد البحري والغذاء والإدارة العقارية، سياسات متكيفة مع أوضاعها الفريدة بيئياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً. وهي تنطوي على الحق الفعلي في الغذاء وفي إنتاج الأغذية، ما يعني أن لجميع الشعوب الحق في الأطعمة الموثوقة والمغذية والملائمة ثقافياً، والحق بوسائل إنتاجها، وأن تكون لها القدرة على تأمين حاجاتها وحاجات مجتمعاتها.

تعني السيادة الغذائية أن حق الشعوب والجماعات في أن تحصل على الغذاء وأن تنتجه يتفوق على الاهتمامات التجارية. وهذا ما يفترض القيام بدعم وتشجيع المنتجين والأسواق المحليين، بدل تشجيع الإنتاج المخصص للتصدير واستيراد المنتجات الغذائية.

... تنطوي السيادة الغذائية على:

إعطاء الأولوية للاستثمارات الفلاحية والعائلية بإنتاج  المواد الغذائية للأسواق الداخلية والمحلية، وذلك وفق أنظمة إنتاج متنوعة وبيئية؛

السهر على أن يحصل المزارعون على السعر الفعلي لإنتاجهم، وذلك لحماية الأسواق الداخلية من السلع المستوردة بأسعار إغراقية؛

ضمان الحصول على الأرض والماء والغابات ومناطق الصيد وغيرها من الموارد من خلال إعادة توزيع فعلية ؛

الاعتراف بدور المرأة وتشجيعه في إنتاج المواد الغذائية والسهر على أن يتسنى لها بعدالة الوصول إلى الموارد الإنتاجية، وأن تكون لها قدرة على التحكم بها؛

السهر على أن يكون للجماعات حق السيطرة على الموارد الإنتاجية، لمواجهة امتلاك الشركات للأرض والماء وغيرها من الموارد؛

حماية البذار، وهو قاعدة الأغذية والحياة نفسها، والسهر على أن يكون بوسع المزارعين مبادلته واستخدامه بحرية، ما يفترض رفض البراءات على الحياة واعتماد مهلة بخصوص الزراعة المعدلة جينياً؛

استثمار الأموال العامة في دعم إنتاج العائلات والجماعات، بالتشديد على الاستقلالية والسيطرة المحلية وإنتاج الأطعمة للسكان والأسواق المحلية"[17].

إن أول عنصر أساسي في مفهوم السيادة الغذائية هو إعادة العمل بالسيادة القومية والفردية في سياسة الأمن الغذائي. وتعتبر منظمات المجتمع المدني أن البلدان تفقد، في سياق اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، السيطرة على سياساتها الغذائية والزراعية. وبفعل هذه الاتفاقيات تحرم هذه البلدان نفسها من القدرة على الفعل والتأثير (مثل التعرفة الجمركية على الواردات الغذائية). واستناداً إلى قواعد منظمة التجارة العالمية من الصعب جداً العودة عن تحرير المبادلات متى بدأ الشروع بها. يقترب مفهوم السي&#