الافتتاحية

 

المقاومة والثور الأميركي الهائج

العرب والعولمة

 

 

منذ ربع قرن، والعراق على طريق الجلجلة، ثم على الصليب. زج به في حرب عبثية إستنزفت العراق وإيران الثورة في حرب عبثية، وكانت الإمبريالية الأميركية هي المنتصر الوحيد. ثم انزلق العراق إلى فخ أميركي جديد بغزوه للكويت. كان ذلك مبررا لحرب جديدة عليه، لا لإخراجه من الكويت، بل لتدميره، تدمير شعبه واقتصاده وقدراته العسكرية، ودفعه في مسيرة تراجعية لم تصل إلى هدفها النهائي بعد.

 

فتحت مظلة مجلس الأمن الذي أصبح بعد انهيار الإتحاد السوفياتي خاصة، أحد أذرع الإمبريالية الأميركية، شنت أميركا حرب إبادة، لا على صدام حسين، بل على شعب العراق بكل أطيافه. فقد تم تدمير بنيته التحتية العسكرية والمدنية، العلمية والصحية والإنتاجية. تم قصف العراق بكل أنواع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة دوليا، وخاصة بذخائر اليورانيوم المستنفذ المشعة، وبما يوازي سبع قنابل ذرية من وزن قنبلة هيروشيما، مما أنزل بشعب العراق كوارث صحية وبيئية ستستمر آثارها لأجيال عديدة في المستقبل.

 

تم فرض أكبر حصار وحشي ودولي عليه في التاريخ الحديث. فقطعت عن شعبه جميع شرايين الحياة، واستمر قصفه وتدميره المنهجي وتجويع شعبه وقتل أطفاله طيلة 13 سنة.

 

وبعد أن هزل وضعف وأرهق وتخلف، تم اجتياحه واغتصابه واستباحته، دون تغطية ولو شكلية مما يسمى "الشرعية الدولية"، وضد إرادة معظم حكومات العالم وشعوبه، فقد قصف العراق خلال اجتياحه بأكثر مما قصفت فيتنام إبان العدوان الأميركي عليها. وأعيد حرقه من جديد بذخائر اليورانيوم المستنفذ بما يزيد عن ثلاثين قنبلة ذرية من وزن قنبلة هيروشيما. ثم تمت استباحة مؤسساته وخيراته وبنيته الإنتاجية وقتل وشرد علماؤه، وما زال يغتصب ويستباح ويسرق كل يوم من قبل دعاة الديمقراطية والحرية، تحت نظر "الأشقاء العرب" وصمتهم وتواطؤ معظمهم سرا أو علنا، وكأن الأمر لا يعنيهم في شيء. مثلهم مثل جحا حين قيل له أن حريقا شب في مدينته، فقال: "الحمد لله أنه ليس في حيي".  فقيل له: "هو في حيك."  فقال: "الحمد لله أنه ليس في بيتي".  فقيل له: "هو في بيتك".  فقال: "الحمد لله أنني لست في بيتي".

 

كان على الأنظمة العربية والطبقات الحاكمة فيها أن تختار بين الرضوخ لأميركا وخدمة مصالحها، من جهة، وحرية وتقدم شعوبها، من جهة ثانية، بين الاستسلام والمقاومة، بين العروبة والأمركة، بين التصدي للثور الأميركي الهائج أو الإنبطاح أمامه، وقد اختار معظمها الإستسلام والأمركة والانبطاح.

 

زينت أميركا طريق الإستسلام والتبعية لها بشعارات الديمقراطية والحرية والحداثة والسلام، والتي لا تعني في حقيقة الأمر سوى الإستبداد والعبودية وتأبيد التخلف والاستسلام لها ولإسرائيل. "من ليس معنا فهو ضدنا." قالها بوش وأعوانه من المحافظين الجدد، دعاة الليبرالية الجديدة والعولمة المتوحشة، مسقطا أي لون رمادي بين الأبيض والأسود، بين المقاومة والاستسلام. وبينما اختارت الأنظمة العربية الاستسلام، اختارت الشعوب المقاومة، واتسعت الهوة بين الحكومات والجماهير، وأصبحت الأنظمة بعض أدوات أميركا في سحق إرادة الشعوب.

 

إن الإمبريالية الجديدة، كسالفاتها، لم ولن تتعلم من دروس التاريخ، وتسير بعناد نحو نهايتها المحتومة. لم تتعلم من دروس فيتنام وأميركا اللاتينية ولبنان. ظنت أن ثرائها الفاحش وقدراتها العسكرية العالية التقنية قادرة على كسر إرادة الشعوب وإجبارها على الإستسلام. ظنت أن شعب العراق المحاصر الجائع الرازح تحت الإستبداد سيستسلم سريعا ويستكين للقتلة الأميركيين وآلتهم العدوانية.

 

عامان من الاحتلال، عامان من المقاومة المتصاعدة، وعامان من التقهقر الأميركي. فقد أثبت التاريخ أن المقاومة هي السبيل الوحيد لإيقاف الثور الأميركي الهائج وأعوانه في لبنان وفلسطين والعراق. رغم كل الدمار الذي تنزله الهجمة الإمبريالية وقبضتها الصهيونية كل يوم على الأرض العربية ورغم كل المؤامرات التي تحيكها على لبنان وسوريا والمشرق العربي كله، فإن إرادة الشعوب ستنتصر.

 

إن انتصار المقاومة هو الذي سيأتي بالديمقراطية والحرية ويفتح آفاق الحداثة والنمو والرفاهية للشعوب. أما طريق الإستسلام المفروش بالورود والوعود، فلا يقود إلا إلى العبودية والتخلف والفقر.

العرب والعولمة