العلاقات السورية اللبنانية الأميركية

تفاهم ام صراع؟

دمشق، ميخائيل عوض

 

 تبدو المرحلة التي تعيشها المنطقة العربية والعالم، مرحلة انتقالية عاصفة، لم ترسو على توازن قوى وترسيخ مصالح وتحقيق اتجاهات واضحة قادرة على توليد مرحلة طويلة من الاستقرار تتحدد فيها السمات العامة، وتوفر الامكانية لاطلاق التوصيفات على علاقات اللاعبين، والمؤثرين في مجريات الامور وسرعة التحولات، ومآلاتها.

 

اسباب وعوامل شتى، متباينة ومتداخلة، تجعل من المنطقة العربية، خاصة منها المشرق ساحة تركيز للصراعات والتوافقات، بحيث تبدو الحالة الراهنة والزمن الآتي وكأنها لحظات تأسيسية لتحولات كبيرة، تؤدي الى تغييرات جوهرية في البيئة والبنية الإستراتيجية، أي إننا أمام معركة فاصلة سترسم نتائجها وتوازناتها مستقبل المنطقة والعالم ما يجعل العلاقات السورية اللبنانية، والسورية اللبنانية الامريكية، ودور ومستقبل سورية ذاتها امرا مطروحا على بساط البحث العملي.

 

ليست محض صدفة ان تلتهب في آن ومعا، معركة بيروت، ومعركة بغداد، ومعركة القدس، بينما نتيجة كل واحدة بمفردها كان لها اثر هام على موازين القوى واتجاهات الصراع على الوطن العربي وفي المنطقة والعالم منذ اقدم العصور حتى ساعتنا هذه، فكيف والمعارك مندلعة على اشهدها في الزوايا الثلاث لمثلث صناعة التاريخ الانساني، ومنبت الحضارات وارض وشعب الرسالات.

 

الصراع محتدم، والاتجاه هو النفي، فالاضداد يتصادمون، وكل يسعى أولاً لتحقيق مصالحه، إن لم يسعَ لنفي ضده.

 

اما سمة العلاقات الثنائية والثلاثية، في مرحلة لم تتحدد فيها الأوزان، ولم تتبلور المعطيات، ولم تظهر نتائج الصراع، فهي بكل تأكيد انتقالية، صراعية. فكل طرف يشحذ اسلحته ويجمع قواه، ويفعّل أوراقه من أجل الحسم، والمعركة في مرحلة التحضير والاستعداد.

 

العلاقات السورية اللبنانية أولاً

قبل البحث في العلاقات اللبنانية السورية الامريكية، لابد من بحث في العلاقات السورية اللبنانية ومستقبلها على وقع الاحداث المتسارعة، فتحول ماكان راسخا ثابتا ذي طبيعة استراتيجية الى متغير بتسارع، وقد اصبحت العلاقات السورية اللبنانية ومستقبلها، ومستقبل البلدين مطروحا على طاولة البحث وفي سيناريوهات ومخططات العمل.

 

اسئلة كثيرة مطروحة:

ما هو مستقبل لبنان؟ وما هو مستقبل العلاقات مع سورية؟ وعلى اية درجة وطبيعة ستكون عليها بعد الانسحاب؟؟.

هل انتهى التأثير السوري في المعادلة اللبنانية؟ هل تذهب العلاقات الى القطعية؟ هل ينقلب لبنان الى الضفة الاخرى؟ متى وكيف يمكن ان يخرج من ازمته ويعيد صياغة حضوره وبأي اتجاه؟

ما الذي تريده امريكا الشريك الميداني لاسرائيل ومنفذ وصاياها في لبنان؟

الى أي مدا سيستمر التطابق بين الاتحاد الاوربي وامريكا؟ وما الذي يسعيان اليه؟

اين اخطأت سورية في لبنان؟ واين اصابت؟ولماذا حصل ما حصل؟

كيف انقلبت الامور بهذه السرعة ومن هو المسؤول؟

هل تنجو سورية من اثار الزلزال اللبناني؟ وهي المعتادة ان تتأثر كثيرا بما يجري في لبنان؟

 

بعض هذ الاسئلة يمكن الاجابة عليه بيسر، وتوثيق، ما ينتمي للماضي بات مدركا بتبلور نتائجه.

 

اما عن الحاضر والمستقبل، فالاجابة افتراضية مهما بلغت درجة دقتها، ومصداقية العناصر والمعلومات والمعطيات، واي كان منهج البحث والتحليل.

في العلاقات السورية اللبنانية متغيرات جوهرية، لجهة عناصرها، وقواها، وقوة المصالح وطبيعة التوازنات.

دخلت سورية الى لبنان في العقد السابع من القرن الماضي، تحت عناوين ولاهداف استراتيجية كبيرة، وطنية وقومية، ولحاجات لبنانية بحته، ولدوافع وحاجات سورية انية واستراتيجية.

جرى التدخل، تحت نظر العالم وقواه، وبارادته، ورغبته، وبنصف اجماع لبناني، وكل فريق كان يرى ويتعامل مع الدور السوري من زاويته الخاصة، ويسعى لتثميره في صالحه حصرا، فتقلبت المعطيات، وتغيرت مواقف القوى اللبنانية، من الضد الى الضد. بينما احتلت  مسألة الوجود السوري والعلاقات المكانة الاكثر حضورا في ادبيات وممارسات الجميع.

وحدها المبادرة السورية كانت على مسافة من الجميع لانها تحركت على ارضية  اهداف واضحة، في سياق استراتيجية واضحة، بشعاراتها، ووسائلها.

نجحت سورية في تنفيذ ما ارادت، وحققت كل الاهداف التي دخلت من اجلها، بل اسهمت في اطلاق مرحلة تاريخية نوعية تميزت: في حماية المقاومة، ووقف كل اشكال الصراع العنفي في لبنان، واسهمت في طرد النفوذ الغربي وعزله، واذلال اسرائيل والحاق الهزيمة بها، وأدت مبادرتها وانجازاتها ذات الطبيعة الاستراتيجية الى نقل لبنان من ضفة الى ضفة نقيضة، فقد انتهى لبنان: الساحة- السوق – السبيل، الذي تاسس لوظيفة؛  الترويج للكيان الصهيوني، وحمايته على الجبهة الشمالية، وسوق للغرب في الشرق، وساحة لتنفيس الاحتقانات الاقليمة والدولية، وسبيل لكل عابر من اية جهة في الدنيا.

 

في اتفاق الطائف، وفي الاليات والاصلاحات الدستورية التي انجزت، تحددت هوية لبنان العربية، وانتظمت العلاقات بين مكوناته، وتحددت صيغة واليات تنظيم العلاقات السورية اللبنانية على انها مميزة، وكذلك علاقات لبنان بالعرب، وبالاخرين.

وفي نتائج فعل المقاومة والاستقرار السياسي والاجتماعي المحقق على مدى اربعة عشر عاما ونيف، تحدد دور لبنان الجديد، ووظيفته: وطنا، مقاوما، فاعلا في ادارة الصراع على المنطقة وفيها.

تلك عناصر ثابتة، مادية، يصعب الانقلاب عليها، وتبدو محاولات تأخير عقارب الزمن او العودة بها الى الوراء بمثابة انتحار ذاتي للقوى والاطراف اللبنانية، وعملية عبثية تفجيرية للقوى الاقليمية والدولية الراغبة بتحقيقها.

نعم انجزت سورية في لبنان انجازات تاريخية مؤسسة، واسترايتجية لكنها ارتكبت اخطاء قاتلة، واخطر الاخطاء انها لم تدرك باكرا ومنذ عام 1996 بأن الوسائل والطرائق والاليات القديمة لم تعد مجدية مع دنو مرحلة ذات طبيعة استرايتجية مختلفة، فتأخرت بتحديد استراتيجيتها الجديدة، وبتقرير وسائلها والياتها، فكان ان تحول الوجود والدور السوري من رافعة، ومن وجود مطلوب بذاته ولصالح المستقبل وتفعيل عناصره الى عنصر لاجم للتطورات والياتها.

 

هنا بالضبط وقع الخيار الرجعي اللبناني والتآمري الدولي والاقليمي، وجرى التركيز على الاخطاء، وتم تضخيمها، وترويجها بحملة دعائية اعلامية هائلة القوة والتركيز.

 

وعلى منعطفات استراتيجية بكل معنى الكلمة، محلية سورية، ولبنانية، وعربية، ودولية، تكاملت جهود، وتوحدت ارادات، دولية، واقليمية، ولبنانية، فضربت ضرباتها المتلاحقة، ولم تعط العلاقات السورية اللبنانية ولا وفرت لسورية، او للبنان الفرصة للالتقاط الانفاس وتنظيم الجهد فكان القرار 1559، واغتيال الحريري، وتكرس التدخل الدولي السافر عبر ال 1595، الذي مهدت له لجنة تقصي الحقائق، وعلمية الاستثمار بدم الحريري بتدخل معلن من قبل الادارة الامريكية والفرنسية، بتوصية ولمصالح اسرائيلية.

انجز الانسحاب السوري الى الحدود الدولية، والمطالبات تزداد والضغوط تتعاظم لتصفية اي اثر للوجود او اي دور لسورية في لبنان، بل ذهب بوش، وساترفيلد الى المطالبة برحيل الاحزاب والقوى والقطاعات الشعبية التي تتحالف مع سورية، أي ان المطلوب ليس الانسحاب بذاته، بل الوصول الى حالة قطعية وعداء بين سورية ولبنان.

 

في الحقيقة المادية، الامر مختلف، فقد اختل ميزان القوى الداخلي في لبنان، باستمرار الوجود السوري او بدونه، بل بدونه سيكون اكثر تحررا واندفاعا، اختل لصالح عروبة لبنان، ولصالح نظام اكثر تقدمية، واعمق اجتماعية، متحرر من الامتيازات الطائفية والعنصرية، جاهزا على خط النار للاشتباك الهجومي مع العدو الصيوني ومع أي تدخل اجنبي من خلف المحيطات، والاكثرية الشعبية والحزبية تقول بالعلاقات المميزة، الى حد التكامل الاقتصادي والاجتماعي والدبلوماسي بلوغا للسياسي.

 

وظيفة لبنان تغيرت بفعل المتغييرات في البيئة اللبنانية ذاتها، وبفعل المتغييرات التي جرت في المنطقة والعالم، وليس من قوة قادرة مهما بلغ جبروتها وقدراتها من احداث التغيير بالاتجاه السلبي والعودة الى القديم تحت اية ذريعة او يافطه.  

ما يبدو من حالة فوضى، سياسية، ومسلحة، ومقدمات لازمات اقتصادية واجتماعية متفجرة، ومن تغييرات في التحالفات والمواقف بعد الانسحاب السوري ورحيل الحريري انما هي المرحلة الانقالية بعينها، المخاض العسير والقاسي لتوليد الجديد الايجابي المطلوب والممكن، الاكثر تطورا وفاعلية، وليس العودة الى القديم المستحيل، المندثر، فلن تمر 17 ايار جديدة، ولن يكون احتلال امريكي وقواعد، ولن يعود نظام الامتيازات المعروف بنظام ال1943، وليس من مكان الا لنظام اكثر وطنية، واكثر عدلا اجتماعيا، واكثر التصاقا بقضايا العرب ومقاوماتهم، والبديل الوحيد الممكن هو الفراغ،  والاضطراب، فاهتزاز وسقوط مرتكزات ومبررات وجود الكيان الناتج عن تقسيمات سايكس بيكو.

 

عليه:

 فالعلاقات السورية اللبنانية، وان كانت بحاجة الى تحديث وعصرنة، وتخليص من الشوائب، واعادة تنظيم على قواعد جديدة اكثر دينامية وتفاعل مع ما هو مطلوب، لكنها باتت حقيقة مادية ملموسة، وثابت من ثوابت وسمات الاتجاهات التاريخية الاتية.

بناء على ما تقدم؛  ارى من وجهة نظري، انه من غير المجدي الحديث عن علاقات لبنانية امريكية او سورية امريكية وكأنها منفصلة بل لاتصح المعالجات الا من زاوية نظر تقوم على بحث العلاقات السورية اللبنانية – الامريكية.

 

العلاقات السورية اللبنانية الامريكية من حوار الى صراع

 في أمريكا إدارة عدوانية، يديرها الليكوديين، المسيطرون في المفاصل ومواقع صناعة القرار الامريكي.

ادارة؛ تحولت من البراغماتية- العملية- الباحثة عن المصالح بأيسر السبل، واقلها كلفة والاكثرها ربحية " احدى خاصيات امريكا التاريخية" الى الايديولوجية الغيبية والغيبية تحولت من تفعيل العقل الى تشغيل العضلات.

ادارة؛ تحركها نوازع فرض ارادتها ومصالحها بأي ثمن او طريقة، مشغولة بهاجس فرض القرن الامريكي.

ادارة؛ مأزومة في اقتصادها الذي فقد دوره الحاكم في الحراك العالمي، وبدولارها المتداعي يفقد قيمته بسرعة ويهوي، مخلفا ذعرا في الدوائر الحاكمة، يتجه انحساره الى احداث زلزال عنيف ليس في امريكا وحسب بل وعلى الصعيد العالمي الشامل.

مأزومة في مشروعها الامبراطوري الذي تظهر عليه علامات الشيخوخة والتراجع، مضطرة تحت ازماتها بقبول نظام عالمي جديد تقوم فيه شراكة مع اوروبا كقطبين متنافسين، متحفزين لتقاسم المنطقة العربية والاسلامية تحت مسيمات الاصلاح والتحديث او بقوة الغزو والتدمير، وبعث الفوضى " البناءة" والاستثمار في المستنقع، استعدادا وتحسبا لصعود عملاقة اسيا القادمون على حساب القطبين.

ادارة؛ كاذبة، مفترية، في العراق، وفي لبنان، وفلسطين، تتكشف اكاذيبها وتنجلي اوهامها على ازمات وعجز.

مضطربة، تستعجل تحقيق انتصارات " ولو كلامية- اعلامية" لمخطابة الرأي العام الامريكي اولا والعالمي تاليا.

ادارة؛ تبحث عن فرصة، عن موقع جديد، تهرب فيه الى الامام، لانها دولة قامت بعجلة وتستمر في الركض خوفا من التاريخ ولعنته، ومن اجل التقاط فرصة قبل ان تذهب.

ايقنت ان مشروعها، ومصالحها القومية الاستراتيجية، ومستقبل هيمنتها على المنطقة وعبرها على العالم، محفوف بالخطر، ومصيرها التراجع ان هي لم تخضع سورية، وتأخذ ايران، فتقطع مسارات محتملة لتبلور قوى اقليمية وازنة لاملاء الفراغ الحاصل جراء تأزم مشروع السيطرة على العراق ونفطه، وظهور علامات تأزم على المشروع الصهيوني في فلسطين، والبوابة الوحيدة للنفاذ الى الاهداف واعادة تعويمها تبدأ في بيروت وتستهدف سلاح وروح المقاومة واستعادة نفوذ غابر.

وسائلها هذه المرة مختلفة عما اعتمدته في السابق، فالاجتياحات العسكرية غير مضمونة النتائج وقد جربت في بيروت 1982-84 وفي بغداد 2003، وفي فلسطين منذ ستة عقود ونيف.

تفعيل الاعلام، وكسب العقول والقلوب، وثورة التليميديا، واحتلال الفضاء الاعلامي، واشغال فضاء العقول، هي الوسائل الاكثر فتكا والاقل كلفة، والانفع.

ثورة التليميديا تحتاج الى أحداث، ثم الى تظاهرات، ومخيمات ممولة، وانتخابات مسيطرة عليها ومضمونة النتائج، وقطاعات ونخب تتفاعل، وتوظيف للرموز والاشارات، وعلوم البسيكترونية "الحرب النفسية الالكترونية" وهذه وتلك لاتجدي إن لم تقع عمليات تخريب امني" اغتيالات- حروب اهلية- مليشيات – فرق الموت" هزات خفيفة تمهيدية لزلزال مدمر، ثم التدويل، والاخضاع للتفتيش، والحصار، والاضعاف، والعزلة، فالاستثمار في ازمات داخلية وبؤر توتر ومشكلات متفجرة، وسياسات خاطئة او مرتجلة، او فؤية، وفي حالة الرهاب.

هذه الوسائل جرى تجريبها في الاتحاد السوفيتي السابق، ثم في شظاياه، فاوكرانيا، وجورجيا، والسعي جار في لبنان ، بينما العين والاهدف تتركز على سورية لانها بيت القصيد والعقدة التي لم تفك منذ بداية القرن الماضي.

كاميرات الامبراطورية الامريكية مركزة هنا في دمشق، والحلم بأن تضخع، او تنكسر، لان اخضاعها يعني اكتمال المشروع وتعويم الكيان الصهيوني.

 

الادارة البوشية: قررت، ووضعت السيناريوهات، وتضع المخططات، وتعدلها، وتدرس الحالة عن قرب، وتستفتيد من الدروس في النماذج الاخرى باحثة عن خطط خاصة لسورية بعينها بدمها ولحمها وبمعطياتها وقد حسمت ان الطريقة الوحيدة لاسقاطها تبدأ في تجريدها من اوراقها.

 وبما انها رفضت ان تقوم هي بسحب سلاح حزب الله وتسليم الدولة اللبنانية لرئيس تنتخبه وتفرضة امريكا وفرنسا، فعليها ان تنسحب من أي بؤرة تأثير في مداها المباشر، وبيئتها العربية والاقليمة.

وبات المطلوب بالحاح قاطع الانسحاب من لبنان" الجيش والامن، والنفوذ" والانسحاب من الملف الفلسطيني" طرد المنظمات ودعم ابو مازن، والمشاركة في خطط اجهاض الانتفاضة وتصفية قضيتها" والانسحاب من الملف العراقي، والتحول الى اداة استطالة امنية لصالح اخراج المشروع الامريكي من ازمته "حماية الحدود، منع التسلل، التأثير على المقاومة، والفئاة الشعبية المتمردة".

الخطة: اعادة سورية الى القوقعة، وعزلها، ومحاصرتها، وتفخيخها داخليا، والقيام باعمال تخريبية، وتركيز الكاميرات والفضائيات ومختلف وسائل الاعلام على الوضع السوري، ووضعها تحت المجهر الدولي. بل اكثر من ذلك فتنشيط الورقة اللبنانية بدفع القوى المعادية للدخول عل خط البنية الداخلية، وفرض تحالفات بين المعارضين السوريين والمعارضيين اللبنانيين" بيان الاخوان المسلمين، تقرير اللجنة الرئاسية وتوصيات معهد واشنطن، والبيانات المشتركة والدعوات لتنظيم تحالفات بين المعارضين هنا وهناك".

اذا استجابت سورية للضغوط وبادرت من نفسها الى التخلي عن الاوراق في الخارج فالانتقال  الفوري الى الداخل، والهدف: سلاح الصواريخ" عناصر القوة الرادعة، وادوات التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل" القوات المسلحة وعديدها، عقيدتها وسلاحها ومستواها ودورها، وبعد فالتخلي عن الجولان" لان اسرائيل لا تعيش بدون الهضبة".

 

ومن اجل تثبيت وتحقيق ذلك لابد؛ من عملية فك لسورية واعادة تركيبها؛  نظاما، واقتصادا، وبيئة اجتماعية وثوابت الاجماع الوطني " باستخدام ايديولوجية الليبرالية الاقتصادية، واقتصاد السوق، وثقافته وعناصره السياسية والاجتماعية- وتمويل وتنظيم منظمات المجتمع المدني، وحقوق الانسان" ولايضر اذا توفرت امكانية تطبيق الشق السوري من سايكس بيكو" الذي تعطل بفعل مقاومة وثورات السوريين خلال فترة الانتداب" فاما اقامة دويلات للطوائف والمذاهب وبناء كونفدرالية او خيار التقاسم الطائفي والاثني والمذهبي على الطريقة اللبنانية البائدة التي خلفها الاستعمار الفرنسي وتكفلت باحداث حروب أهلية كل عقد من الزمن، او على الطريقة العراقية" المؤسسة لحروب اهلية" كالوليد غير الشرعي للغزو والاحتلال.

اما حزب البعث، وقيمه، وافكاره، وقوميته، واجتماعيته، فتلك يجب ان تسقط، واجتثاث البعثيين والوطنيين، شعار وممارسة جارية في العراق، طورها ووسعها بوش وساترفيلد في بيروت" بمطالبة سورية ان تسحب معها من يحالفها من لبنان، ومنع حزب الله والاحزاب الوطنية من العمل السياسي" واسقاطه افضل واقل كلفة ان هو قبل الاملاءات وتغير وغير نفسه، واسمه، ومنطلقاته، وصعد من بنيته الى النظام المتعبدين لمقولات اقتصاد السوق الحر، والقيم الامريكية، والا فاستيراد زعامات ومشاريع مسؤولين من الخارج على الطريقة الافغانية والعراقية.

 

الخلاصة:

سورية مستهدفة، اصحبت على رأس جدول اعمال الادارة الامريكية، والسيناريوهات عديدة تتزاوج وتتفاعل فيها كل ماسبق من سيناريوهات وطرائق اعتمدتها الادارات الامريكية بازاء الدول والشعوب المعاندة والمتمردة على الاملاءات الامريكية الاسرائيلية بما في ذلك الاعمال التخريبية الامنية والعسكرية.

العلاقات السورية اللبنانية- الاميركية الى مرحلة من التصادم، قد تشهد حالات عنف.

هذا ما قررته الادارة الامريكية وتفاهمت عليه مع الادارة الاوروبية، ووضعت الادارة الصهيونية الخطوط التفصيلية للاستهداف في سورية، وعبر البوابات المحيطة.

وبالاصح القول: ان تاريخ العلاقات السورية الامريكية منذ الاستقلال حتى اليوم هو تاريخ تصادمات، وتصارع ارادات، واضطراب، وما حالات الانفراج والتفاهمات الا لحظات حاول الفريقين الاستثمار فيها وترقيد الازمات والتصادمات، لكنها لم تصل يوما الى مرحلة التواصل على قواعد ثابته ومستقرة، وعلى اساس تبادل المصالح والمنافع.

الفرص تنحسر، والساحة تضيق، ولاتستوعب لاعبان كبيران، او لاعبون عديدون.

والتطورات والاحداث المؤثرة على نمط العلاقات واتجاهاتها كثيرة، ومتسارعة ليس من اليسر ضبط الياتها واثارها.

الخيارات امام سورية محدودة، وليست محكومة بالارادة السورية وحدها، ولا بالرغبات السورية، والمناشدات بالعودة الى طاولة البحث، والحوار، والبحث عن المشتركات.

ولا تفيد الايحاءات بالاستعداد للتفاهم وتفهم ازمات ومأزق المشروع.

والحديث عن حوار مصالح مشتركة اصبح من الزمن الماضي، فق قررت امريكا تخفيض مستويات التعاون الدبلوماسي الى الادنى، وبدأت جهدا للتضيق على الاقتصاد، وتسعى لفرض الحصار، وفرض العزلة، وانتزاع الاوراق واحدة اثر اخرى، لافرق ان كان ذلك بمبادرة طوعية من سورية او لحالات اضطرارية.

امريكا قررت ان استقرار سورية لم يعد حاجة اقليمة او دولية، وبقاء النظام السوري بخاصياته بات عبئا ثقيلا وخطرا مستقبليا على امن المصالح القومية والاستراتيجة لامريكا.

 

سورية امام خيارين:

ما دون الخيار الليبي، وما تحت الخيار العرفاتي، المصري، حيث المطالب والاملااءات لاتنتهي وقد بلغت مرحلة العبث باستقرار تلك الدول.

خيار الصمود، وتأمين سبله، والرهان على الزمن، والاستثمار في البؤر، وازمات المشروع الاميركي الاسرائيلي، وقاعدته تطوير وتحديث اليات الانفتاح على الشعب، وتعزيز وتوسيع القاعدة الاجتماعية والسياسية للدولة، وتحديد الخيارات بوضوح وحسمها في الداخل وبازاء الخارج، واخراج مشروع الاصلاح من حالة الاستعصاء.

الزمن يعمل لصالح سورية، والانسحاب من لبنان ليس بالضرورة خسارة موقع حاسم بل يمكن ان يكون ربحا وفيرا، وقد يتحول لبنان الى قوة هجومية ريادية في الدفاع عن وطنيته وعن سورية وخياراتها.

والساحة العراقية تتطور بمفاعيلها وعناصرها الذاتية، وكذلك الساحة الفلسطينية، وجيمع المؤشرات والوقائع تفيد بأن المأزق الامريكي الاسرائيلي يتسع والازمات حكمية.

من الخطأ التعامل مع المراحل الانتقالية والعاصفة، بذات الوسائل والاليات القديمة، فلكل مرحلة وسائل وطرائق ومهام.

وفي المعارك المفصلية بكمن الخطر في حالة الارتباك، وافتقاد المبادرة، وترك الزمام.

التزمت سورية العقود المنصرمة، برغم وقوعها على خط الزلازل والصدامات المستديمة، ثوابتها، وقيمها، وخياراتها، وادارت المعارك بحنكه، وصلابة، وبرودة اعصاب، وبالكثير من المعرفة لحراك التاريخ وصيرواته، وعناصره. فانتزعت موقعها المؤثر في التطورات وانتصرت بها وتعززت، وقررت ان طريق الاستجابة للضغوط والاملاءات اكثر كلفة، واطول زمنا من طريق مقاومتها.

 

فالمقاومة: صمودا، وقتالا، هي بذاتها مشروع تاريخي يتشكل كبوابة وارضية صلبة  لتأصيل مشروع النهضة.

في الحديث الشريف وهو يخاطب المسلمين قول حسم" حماكم الله اذا حمى الشام".

بكم انتم ياقادة القوات المسلحة العربية السورية، تتجسد الان اكثر من أي وقت مضى وتجسدت من قبل ارادة الله، وعلى دوركم ووعيكم، وصلابتكم، يتوقف انفاذ القول الشريف واستنباط الجديد من رحم القديم.

يا حماة الديار وطنكم بخطر، وامتكم تهتف لكم، وتتنظر عزيمتكم فقد اعتادت على حكمتكم وصبركم وتضحياتكم، فارتاحت ووثقت بقيادتكم الحكيمة وبشعبكم المعطاء  وبحزبكم الجسور.

فاذا كان صحيحا ان لاحرب بلا مصر، ولاسلام بدون سوريا فالصحيح ايضا انه مع سورية مقاومة وانتصارات.

هذه شامكم تشخص فيها العيون، وتدق لها القلوب، على انها اخر مواقع الكرامة والعزة، وبيارق الامل بغد افضل.

 فلا تفرطوا بها، والامة بمقاوماتها وحركاتها الحية تشد على ايادكم وتنتصر لكم .

قدركم، قدر سورية ان تقفوا على خط النار في قلب المعركة.

وسورية بحقيقتها التاريخية كالذهب تلمع وتتطور في مواجهة الاستهدافات والازمات.

ليسو اقوى مما كانوا، وانتصرنا.

لسنا اضعف مما كنا وسننتصر.

هذا نداء المقاومة في لبنان وفلسطين. وهكذا يصنع التاريخ فحرية الامم  تنتزع ولا تستجدى.

 

دمشق، ميخائيل عوض