|
مقدمة عامة حول تقرير ”معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى“ الأمن... الإصلاح... السلام الركائز الثلاث لإستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط |
د. جوزف عبدالله
Presidential Study Group Reports
Security، Reform، and Peace: The Three Pillars of U.S. Strategy in the Middle East
The Washington Institute for Near East Policy
2005
من المفيد، في التقديم لهذا التقرير (الوثيقة) " الأمن والإصلاح والسلام، الركائز الثلاث لإستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط"، الإضاءة على طبيعة "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" و"مجموعة الدراسة الرئاسية" التابعة له، من حيث أهمية هذه المؤسسة الدراسية بين مجموعات التفكير "think tanks" الواسعة الانتشار في الولايات المتحدة، ومن حيث علاقة "معهد واشنطن..." باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وبالكيان الإسرائيلي.
نشأة وتطور مجموعات التفكير[1]
يقول ريتشارد ن. هاس، مدير دائرة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية: "إن دور مؤسسات الفكر والرأي، من بين غيره من المؤثرات العديدة في صياغة سياسة الولايات المتحدة الخارجية، هو أحد أكثر تلك الأدوار أهمية وأقلها فهماً وتقديراً. فقد قامت هذه المؤسسات التي هي بمثابة مراكز أبحاث سياسية مستقلة، والتي تشكل ظاهرة أميركية مميزة، بصياغة التعاطي الأميركي مع العالم لفترة تقارب مئة عام. ولكن كون مؤسسات الفكر والرأي تقوم بمعظم مهامها بمعزل عن أضواء وسائل الإعلام يجعلها تحظى باهتمام يقل عما تحظى به المنابع الأخرى للسياسة الأميركية، كالتنافس بين مجموعات المصالح، والمناورات بين الأحزاب السياسية، والتنافس بين فروع الحكومة المختلفة. وعلى الرغم من هذا الابتعاد النسبي عن الأضواء، فإن مؤسسات الفكر والرأي تؤثر على صانعي السياسة الخارجية الأميركية بخمس طرق مختلفة هي: توليد أفكار وخيارات مبتكرة في السياسة، وتأمين مجموعة جاهزة من الاختصاصيين للعمل في الحكومة، وتوفير مكان للنقاش على مستوى رفيع، وتثقيف مواطني الولايات المتحدة عن العالم، وإضافة وسيلة مكملة للجهود الرسمية للتوسط وحل النزاعات".
يعود بروز وارتقاء مؤسسات الفكر والرأي إلى حوالي قرن من الزمن، كجزء من حركة تستهدف الاحتراف في العمل الحكومي. وتشمل الأمثلة الأولى لهذه المؤسسات معهد البحوث الحكومي 1916، وهو ما أصبح لاحقاً مؤسسة بروكنغز 1927. وكانت مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي التي تأسست سنة 1910 أول مركز أبحاث مُكرس فقط للسياسة الخارجية. وخلال شتاء 1917 - 1918، جمع العقيد إدوارد هاوس، وكان مستشاراً للرئيس وودرو ويلسون، بشكل متكتم متحفظ، بحاثة بارزين لأجل استكشاف خيارات السلام لما بعد الحرب. وقام هذا الفريق، الذي عُرف بمجموعة "التحقيق"، بتقديم النصح للوفد الأميركي إلى مؤتمر السلام في باريس. وما لبث أن انضم، سنة 1921، إلى مصرفيين ومحامين وأكاديميين بارزين في نيويورك، لتشكيل "مجلس العلاقات الخارجية".
ثم برزت موجة ثانية من مؤسسات الفكر والرأي بعد سنة 1945 عندما أخذت الولايات المتحدة على عاتقها مهام دولة عظمى وأصبحت، مع اندلاع الحرب الباردة، المدافعة عن العالم الحر. وقد تلقى العديد من تلك المؤسسات دعماً مباشراً من الحكومة الأميركية التي خصّصت موارد هائلة للعلماء والبحاثة العاملين في مجال الدفاع. وأطلقت مؤسسة "راند كوربوريشن" التي نشأت في الأساس بتمويل من سلاح الطيران سنة 1948، دراسات رائدة في ضع الخطط الحربية لمواجهة جميع الظروف المحتملة والمساومة الإستراتيجية، ما زالت تؤثر في صياغة طريقة تحليل سياسة الدفاع والردع بعد مرور عقود على تطويرها.
وبرزت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، موجة ثالثة من مؤسسات الفكر والرأي تركز على تأييد آراء معينة ومناصرتها بنفس قدر تركيزها على الأبحاث، مستهدفة إنتاج وتقديم مشورة سياسية في الوقت المناسب يمكنها التنافس في سوق الأفكار المزدحمة، والتأثير في القرارات السياسية. وتشكل مؤسسة هيريتيج المحافظة التي أنشئت في عام 1973 النموذج الأصلي لمؤسسات الفكر والرأي هذه الداعية لأفكار معينة. كما يلعب معهد الدراسات السياسية الليبرالي دوراً مشابهاً.
وبحلول القرن الواحد والعشرين، أصبحت هناك أكثر من 1200 مؤسسة للفكر والرأي موزعة على كامل الساحة السياسية الأميركية. وهي تشكل مجموعة غير متجانسة من حيث اتساع نطاق المواضيع والتمويل والتفويض والموقع. فبعض هذه المؤسسات، مثل "معهد الاقتصاد الدولي"، و"مؤسسة الحوار بين الدول الأميركية"، يركزّ على مجالات وظيفية محددة أو مناطق معينة؛ ومنها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" الذي يركزّ على قضايا الشرق الأوسط وسياسات الولايات المتحدة فيها.
معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى
ليس من المبالغة القول بأن "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" هو مجموعة تفكير ليكودية، أميركية يهودية، في خدمة الكيان الصهيوني. هذا ما تكشفه النشأة التاريخية لهذه المؤسسة واهتماماتها الفعلية والقوى المحركة لها والشخصيات الفاعلة بما فيها من المحافظين الجدد اليهود والمسيحيين المتصهينين. لا يعني ذلك أن بضعة من الصهاينة يتلاعبون بمصير الولايات المتحدة على غفلة من إدارتها، بل المقصود الإشارة إلى التوافق بين مصلحة الإدارة الأميركية والكيان الإسرائيلي في رسم السياسة الأميركية المعتمدة تجاه الوطن العربي.
عندما باتت كل المؤشرات، في مطلع الثمانينيات تشير إلى قرب انهيار الاتحاد السوفييتي، خاصة مع عهد غورباتشوف (سقوط جدار برلين عام 1989، ومن بعده انهيار الاتحاد السوفييتي...)، اهتمت الدوائر الصهيونية بالموقف الذي قد تتخذه الولايات المتحدة من الكيان الإسرائيلي في مرحلة انتهاء الحرب الباردة. وكان السعي إلى المزيد من التماسك الصهيوني مع الصقور الأميركيين والمحافظين الجدد الذين بدأوا بالظهور منذ عهد ريغان، وكان الغرض من ذلك حماية إسرائيل من إمكانية التغيير في الموقف الأميركي، بعد أن أصبحت الولايات المتحدة هي الدولة العظمى الكبيرة في العالم وقد أصبح من قطب واحد. ومن ذلك السعي إلى جعل الاستمرار في ترسيخ إسرائيل كجزء عضوي من الولايات المتحدة، وذلك بوضع خطة تلزم أي رئيس أميركي، سواء كان جمهورياً أو ديمقراطياً، الالتزام بها لحماية إسرائيل.
وفي سبيل ذلك قام مارتن أنديك، وهو من أبرز الباحثين اليهود في اللوبي الأميركي اليهودي في الولايات المتحدة والمعروف باسم إيباك American Israel Public Affairs Committee AIPAC، بتشكيل "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" في العام 1985. فهذا المعهد يدين بولادته لوصاية هذا اللوبي الأميركي اليهودي عليه. وسرعان ما أصبح "معهد واشنطن..." أهم مجموعة من مجموعات التفكير العاملة في الولايات المتحدة والمتخصصة في سياسة الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط. فكان هذا المعهد الأكثر تأثيراً في وسائل الإعلام والإدارة الأميركية.
وبينما كانت مجموعة إيباك، وهي أهم لوبي أميركي يهودي مؤيد لإسرائيل، محازبة علناً وتماماً للكيان الإسرائيلي، تمكن مارتن أنديك من تقديم "معهد واشنطن..." على أنه مجموعة تفكير قادرة على إنتاج تحاليل محايدة حول الشرق الأوسط. هكذا جاء "معهد واشنطن..." ليكمل حركة إيباك في التأثير الصهيوني على مراكز الإدارة الأساسية في الولايات المتحدة. فبينما تؤثر مجموعة إيباك على الكونغرس الأميركي، خاصة من خلال الحملات الانتخابية، يركز "معهد واشنطن..." على الإدارة الأميركية مباشرة، الرئيس وفريق وإدارته التنفيذي، وعلى وسائل الإعلام.
الإعلام: يدعو "معهد واشنطن..." وسائل الإعلام إلى جلسات غداء عمل أسبوعية. وينشر التحاليل والدراسات، ويقدم الخبراء في لقاءات إذاعية ومتلفزة. وكبار مسؤولي "مجموعة التفكير" هذه، من أمثال روبرت ساتلوف وباتريك كلاوسن وسواهما، يحتلون بانتظام شاشات التلفزة. وهذا ما يجعل وجهة نظر "معهد واشنطن..." تتعمم من خلال شتى وسائل الإعلام الأميركية.
الإدارة الأميركية: يقيم "معهد واشنطن..." علاقات وثيقة مع الحزبين الأساسيين في الولايات المتحدة، الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. وينظم لقاءات شبه دورية، أكثر من أربعين مرة في السنة، مع صانعي السياسة في الولايات المتحدة لبحث قضايا الشرق الأوسط. ويعقد مؤتمرين أساسيين كل سنة، أحدهما في الربيع والثاني في الخريف، حول الشرق الأوسط.
وفي المؤتمر فريق خاص هو "مجموعة الدراسة الرئاسية" يتألف من كبار الأعضاء والقادة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي ومجموعة من الخبراء ورجال الاختصاص والمخابرات المركزية الأميركية. ومهمة هذا الفريق وضع برامج الإدارة الأميركية حول الشرق الأوسط. وهذه البرامج هي التي تعتمدها الإدارة الأميركية، الرئيس وفريق عمله، سواء كان الرئيس جمهورياً أو ديمقراطياً. وتعرف هذه البرامج باسم "تقرير مجموعة الدراسة الرئاسية" وهي التي ترسم ملامح سياسة كل رئيس جديد بخصوص الوضع في الشرق الأوسط. ومنها هذا التقرير الأخير "الأمن والإصلاح والسلام..." الذي أصدرته المجموعة لهذا العام منذ فترة قريبة، والذي نحن بصدد التقديم له هنا.
التقارير السابقة وملابساتها: كان أول نجاح فعلي حققه "معهد واشنطن..."، من خلال تقرير "مجموعة الدراسة الرئاسية"، في العام 1988 قبل الانتخابات الرئاسية، والذي جاء بعنوان "البناء من أجل السلام: إستراتيجية أميركية للشرق الأوسط"، وكان بإشراف مارتن أنديك ودنيس روس. وهذا التقرير يحض الرئيس الأميركي الذي سيخلف ريغان على مقاومة الضغوط الهادفة، حينذاك، إلى تسريع المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية حتى تنضج الشروط المطلوبة إسرائيلياً.
ومن الجدير ذكره أن ستة من أعضاء المجموعة التي بلورت التقرير سيطرت على إدارة الرئيس بوش الأب الذي انحاز إلى وجهة نظرهم، فقرر أن لا يقوم بشيء يستطيع التملص منه. وهكذا دعمت الولايات المتحدة موقف إسرائيل الرافض للتفاوض مع "منظمة التحرير الفلسطينية" أثناء مؤتمر مدريد لعام 1991، على الرغم من اعتراف المنظمة بوجود إسرائيل منذ جلسة "المجلس الوطني الفلسطيني" عام 1988.
اعتمدت إدارة الرئيس كلينتون نفس الموقف التسويفي، ولهذا لم تنته إلى أي نتيجة اللقاءات (11 لقاءً) بين فلسطينيين من خارج "منظمة التحرير الفلسطينية" والإسرائيليين، بين العام 1991 والعام 1993. وكان دور "معهد واشنطن..." دعم موقف رابين الذي قدم نفسه كحليف للولايات المتحدة في مواجهة التطرف الإسلامي، ففي كانون الأول 1992 طرد رابين أكثر من 400 فلسطيني من فلسطين نحو لبنان. وفي مؤتمر 1992، ركز "معهد واشنطن..."، في التقرير الثاني، لعام 1993، الذي أعدته "مجموعة الدراسة الرئاسية" على خطر الإسلام على الولايات المتحدة. وجاء التقرير بعنوان "شراكة مستدامة"، وفيه طرح مارتن أنديك فرضيته القاضية بأن على الولايات المتحدة أن لا تنفتح على البلدان، خاصة مصر والأردن، إلاّ بعد تحريمها نشاط الأحزاب الإسلامية وتشريع العمل السياسي فقط للأحزاب العلمانية. وهذه السياسة هي التي أدت، من بين عوامل أخرى، إلى تخلي الحركات الإسلامية عن العمل السلمي واللجوء إلى العنف (1992-1997).
ومن المعروف أن 12 عضواً من الذين وقعوا التقرير الثاني دخلوا في عداد الإدارة الديمقراطية. وفي العام 1993 شرعت واشنطن في سياسة "الحصار المزدوج" لإيران والعراق، وكان ذلك مقدمة لإستراتيجية "محور الشر" التي اعتمدها بوش الابن، ويعتبر مارتن أنديك المهندس الأساسي لهذه السياسة بعد أن أصبح أهم مستشار للرئيس والمدير العام في "شعبة الشرق الأوسط وآسيا الجنوبية" في "مجلس الأمن القومي" الأميركي.
لقد أكد التقرير الثاني على الشراكة الدائمة ما بين واشنطن وإسرائيل في مواجهة ما سمي التطرف الإسلامي، وعلى أن موضوع الأمن يسبق السلام. وفي المرحلة الثانية من ولاية كلينتون تم وضع تقرير ثالث، 1997، جاء بعنوان "البناء من أجل الأمن والسلام في الشرق الأوسط".
وقبيل وصول بوش الابن إلى السلطة، كان "معهد واشنطن..." قريباً من مواقف حزب العمال الإسرائيلي والقادة المعتدلين في "مركز جافي للدراسات الإستراتيجية" في جامعة تل أبيبJaffee Center for Strategic Studies ، ولم يكن للصقور مثل مارتن كريمر ودانييل بايبس مكانة هامة. ولكن بوش الابن قرّب منه جماعة من المتطرفين من الليكود ومن "مجموعات التفكير" من المحافظين الجدد، مثل "أميركان انتربرايز إنستيتيوت" American Enterprise Institute و"مشروع القرن الأميركي الجديد" Project for a New American Century و"المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي"Jewish Institute for National Security Affairs (Jinsa) و"مركز السياسة الأمنية" Center for Security Policy. ولم يكن "معهد واشنطن..." على غير علاقة محدودة بهذه المجموعات، ولكنها كانت عبر شخصيات من الدرجة الأولى. فكان ريتشارد بيرل، مثلاً، وهو المنظر الأساسي للحرب على العراق، ورئيس "مجلس السياسة الدفاعية" ينتمي إلى "المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي" وإلى "معهد واشنطن..." معاً. كما كان رئيسه في البنتاغون بول وولفويتز عضواً في "معهد واشنطن..." قبل أن يلتحق بإدارة بوش الابن.
ضاعف "معهد واشنطن..." من أهميته بالتحاق الكثير من المحافظين الجدد به. وعندما فاز بوش الابن على منافسه آل غور وضعت "مجموعة الدراسة الرئاسية" التابعة للمعهد تقريراً رابعاً، في ربيع العام 2000، بعنوان "الإبحار وسط الاضطراب". وجاء فيه أن منطقة الشرق الأوسط تتسـم بالاضطراب، وان على الولايات المتحدة أن تفرض سيطرة كاملة على المنطقة وعلى النفط.
مضمون التقرير الأخير
وعليه فإن التقرير الأخير الذي نقدم له، "الأمن والإصلاح والسلام..."، والصادر في ربيع هذا العام، هو الخامس من نوعه الذي يحدد الخطوط العريضة لسياسة الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط. يعكس هذا التقرير بلورة واضحة وجامعة لكل الخطوط الأساسية التي عبرت عنها التقارير الإستراتيجية الأمريكية منذ نهاية السبعينيات، والتي تتحدث عن خطط التحرك والبدائل المختلفة للسيطرة على منطقة الخليج لضمان إمدادات البترول، وتزايدت هذه الدراسات في أعدادها وحدة لغتها منذ قيام الثورة الإيرانية وإسقاط الشاه، وغطت حقبة الثمانينيات، وصولا إلى العمل العسكري في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، ثم في تقديم مشروع الشرق الأوسط الكبير، بعد غزو أفغانستان والعراق.
لا شك أن التقرير بالغ وفي وضوحه وشفافيته، وهو متقن في تبويبه وصياغته: مقدمة وملخص تنفيذي وتبسيط وتوسيع في المعطيات والخطوات المقترحة. تقوم فلسفة التقرير على مبدأ العصا والجزرة. وتعرض السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في ثلاثة محاور: الأمن، الإصلاح، السلام.
الأمن: يركز التقرير على سوريا وإيران، ويعتبرهما مصدر الخطر الأول على الأجندة الأمريكية في المشرق العربي، خاصة في العراق ولبنان وفلسطين، لا سيما في العراق حيث تعجز القوات الأميركية وحلفائها عن مواجهة المقاومة العراقية. يتهم التقرير الدولتين برعاية المقاومة العراقية، ما يسميه بالأعمال الإرهابية، وبتشجيع ورعاية المقاومة الفلسطينية واللبنانية. ويرفض سعي الدولتين لتطوير قواهما العسكرية، البالستية في سوريا والنووية في إيران.
الإصلاح: يتم طرح وتبرير محور الإصلاح من زاوية مواجهة "الإرهاب" الذي يهدد الولايات المتحدة وأصدقاءها وعلى رأسهم إسرائيل، وهو يركز على تغيير المناهج التربوية والمعرفية، وخاصة التربية الدينية، وحرية التجارة والخصخصة والانفتاح علي إسرائيل... تلك معركة الأفكار "كسب العقول لربح السلام".
ويفصل التقرير في توزيع المهام الإصلاحية تبعاً لكل دولة عربية. فالمطلوب في اليمن هو السيطرة على القبائل كيلا توفر ملاذا للأصولية، وفي السعودية تعديل التعليم والمناهج وتغييرها، وفي مصر تقييد الحركة الإسلامية والتضييق عليها...
السلام: يركز محور السلام على موضوعين. الأول، الوضع في فلسطين، بما يسهل حرية الحركة للكيان الإسرائيلي في عملية الانسحاب من غزة، والسعي لتسهيل مهمة قيادة فلسطينية تسعى للقضاء على الإرهاب (المقاومة الفلسطينية). والثاني، تجريد سورية من أوراق قوتها الإقليمية، والضغط باتجاه إجراء تحويل جذري في النظام السوري.
الخاصة القوية) كما يلحظ العلاقات المتطورة مع روسيا وتركيا.
الرد على التقرير
إن الولايات المتحدة الأميركية وقد أصبحت، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستناداً إلى تطويرها الكثيف والسريع لقدراتها العسكرية منذ شعار "حرب النجوم" الريغاني، القوة الأحادية والأكثر قدرة عسكرية، وباتت بعد أحداث 11 أيلول، وخاصة بعد غزو أفغانستان، تعتمد سياسة بالغة الوضوح والعلنية في عدوانيتها. فما يمكن أن نسميه "شفافية" السياسة الأميركية الخارجية، خاصة في الشرق الأوسط، يكمن في حقيقة أن الولايات المتحدة تعلن اليوم ما تريده بكل صراحة ووضوح، لتقرن القول هذا بالعمل على تطبيق ما تقوله. وبذلك هي لا تستر أهدافها الحقيقية. بالطبع تعكس هذه الشفافية العنجهية الأميركية واستهتارها بكل الشرائع والمواثيق والقيم المعمول بها عالمياً باستنادها إلى تفردها بأكبر قوة عسكرية ضاربة. وهي تعتبر أن إعلانها عن برامجها الفعلية يعطي خصمها الفرصة لتقدير صعوبة الموقف وبالتالي يفتح أمامه الطريق كي يرضخ لما هو مطلوب منه بدون تكلفة كبيرة عليه.
يضع التقرير لمواجهة ما يسميه الخطر الإيراني السوري والإسلامي خيارين أساسيين للعمل: خيار العصا، خيار ممارسة القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي والاقتصادي والتعاون مع آخرين، ابتداء بإسرائيل. وخيار الجزرة، ما ستكسبه الدول المتعاونة من منافع في حال التجاوب مع الأجندة الأميركية. وهذا ما يجعل الدول المعنية عرضة لواحد من احتمالات ثلاثة، (أو لدمجها): العزل الدولي، التغيير بقوة العمل العسكري (بمشاركة إسرائيل)، التكيف (النموذج الليبي).
فهل ستخضع قيادة الدول والقوى المعنية بهذا التقرير، فتلبي إملاءات الولايات المتحدة (وهي في كثير من جوانبها إسرائيلية)، وتربح كراسيها مؤقتاً، وتتعرض لغضب شعوبها التي لن تقبل الرضوخ؟ أم ستقاوم مستندة إلى إرادة المقاومة التي نشهدها من فلسطين إلى العراق، مروراً بلبنان، وفي غير ذلك من مواقع الوطن العربي التي تقاوم بأشكال متفاوتة في عنفها وسلميتها وجماهيريتها؟
سؤال نتمنى الإجابة عليه بالمقاومة. والزمن القريب سيأتينا به، مقاومة بمشاركة الأنظمة أو بدونها.
[1] استناداً لمقال بعنوان: "مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية: وجهة نظر أحد صانعي السياسة".
د. جوزف عبدالله