فرنسا: بلد الثورة والاستعمار

 د. غسان زيادة

 

"صُن الرفض يصونك". ردّد الجزائريون هذا القول المأثور مئة مرة في تاريخهم؛ كما ردّدوا أيضاً ما كان يقوله الهاشميون سنة 1841 للجنرال توماس بوفو Thomas Bufeaud: "هذه الأرض بلدٌ عربيٌ وأنتم لستم فيها سوى ضيوفٍ عابرين. أتمكثون فيها ثلاثمئة عام كالأتراك؟ عليكم الخروج منها!"(1). وفي نفس سنة 1841، بدأ ألكسيس دو توكفيل Alexis Tocqueville بحثه حول الوضع في الجزائر بالوصف التالي: "إن اجتياح المدن الجزائرية وقلبها راساً على عقب ونهبها تم على يد إداراتنا أكثر مما حصل على يد جيوشنا"(2).

 

ويضيف صاحب كتاب "في الديموقراطية في أميركا" La démocratie en Amérique ليبرِّر "المجازر" في الجزائر(3): "سمعت مراراً في فرنسا من أشخاصٍ أحترمهم لكن لا أؤيد مواقفهم بأنه لأمرٍ سيىءٍ حرق المحاصيل، ونهب المخازن والقبض على الرجال العزّل والنساء والأطفال. فهذه المسائل هي بنظري ضرورات مزعجة؛ غير أن كل شعبٍ يرغب بمحاربة العرب يتوجب عليه اعتمادها". أعتقد أن حق الحرب يسمح لنا بتدمير البلد، وبالتالي يجب أن نخرِّب المحاصيل في فترة الحصاد أو أن نشنَّ غاراتٍ خاطفةٍ في كل الأوقات، وهذا ما يسمى غزوات، والهدف منها القبض على الرجال أو الإستيلاء على المواشي"(4).

 

إن منظّر الديموقراطية والثورة، الملقب بمونتسكيو القرن التاسع عشر، لا يعتبر أمراً مشيناً القول أن ديانة محمد هي "السبب الرئيس لتخلف (...) العالم الإسلامي". وفي الواقع، كان توكوفيل رسول "الهيمنة الكلية" في الجزائر و"تدمير البلد"(5)، وذلك بعد 52 سنة على الثورة الفرنسية التي نادت بالحرية والمساواة والأخوة والتي شدّدت على حقوق الإنسان، كل إنسان في كل دول العالم. وكان توكوفيل الوفي لأسلوبه، مؤيداً للتمييز العنصري، مصنفاً المقيمين في الجزائر إلى فئتين مختلفتين: الأوروبيون من جهة، والجزائريون (العرب والقبائل) من جهة أخرى. وفي كتابه السابق الذكر، "بحث حول الجزائر"، أوضح الكاتب المبدأ الذي يحتم تطبيق الشرعية الإستعمارية بقوله: "يجب إذاّ وجود تشريعين مختلفين في إفريقيا لأنها تحتوي على مجتمعين متباينين بشدة. وعندما يتعلق الأمر بالأوروبيين فلا شيئ بالمطلق يمنع من التعاطي معهم كما ولو أنهم موجودون على حدة. فالقوانين التي سُنّت لهم يجب أن لا تطبق إلا عليهم"(6).

 

إن ما يقوله توكيفيل يتناقض مع مبادئ الثورة الفرنسية المؤدية إلى نظام اجتماعي جديد يستند إلى "عقد يقوم على إجماع أفراد أحرار يتشاركون في تعيين حقوقهم". لكن المؤرخَْيْن فرنسوا فوريهFrançois Furet  ودنيز ريشيه Denise Richet في كتابهما المشترك، "الثورة الفرنسية"، يميزان بين ثورة حقوق الأنسان والمواطن لعام 1789 ، وثورة الرعب لعام 1793. بيد أن قادة الرعب كانوا ككل قادة الثورة موالين للديموقراطية والحرية والمساواة.

 

وها هي بعض المقاطع المستقاة من خطاب روبسبيير Robespierre في 17 شباط 1794:

"الديموقراطية دولة حيث الشعب السيّد، الموجه حسب قوانينٍ من نتاجه، يحقق بنفسه كل ما يمكنه تحقيقه بشكلٍ جيدٍ، ويحقق بواسطة ممثليه كل ما لا يستطيع تحقيقه بنفسه". ويضيف في مكانٍ آخر: "لكن بما أن جوهر الجمهورية أو الديموقراطية هو المساواة، ينتج عن ذلك أن حب الوطن يرافق بالضرورة حب المساواة".

 

بالطبع لم يكن توكوفيل أول من خان مبادىء الثورة. لقد سبقه منذ زمنٍ بعيد "ابن" آخر لنفس الثورة لم يجد حرجاً في خيانة المبادىء نفسها. إنه من صادر الديموقراطية والثورة؛ ولقد أوضح المؤرخ مان غالو، Man Gallo ما يتعلق بنابوليون بونابرت Napoléon Bonaparte، قائلاً: "ما أن استلم السلطة حتى سيطر على الإعلام. فمن أصل 70 جريدة، أوقف 60 منها عن الصدور، بينما خضعت الناجيات للسلطة. أنها الرقابة الإعلامية! وكان بعد ذلك، يعيد قراءة المقالات. وإذا صدف أن لديه رسالة ما يرغب بتمريرها، فإنه يحرر المقال بنفسه، تحت إسمٍ مستعار، في جريدة لومونيتور Le moniteur أو في غيرها"(8). وإضافةً إلى هذه الرقابة الإعلامية واختياره النظام الأمبراطوري، كان نابوليون رائد الحروب الهادفة إلى التوسع والضم. في 1 تموز 1798، وصل الجنرال بونابرت إلى الإسكندرية متسلحاً بإعلان فولناي Volney، مع 3500 جندي. في 1 آب، في مرسى أبو قير، حطّم الأميرال نيلسون Nelson الأسطول الفرنسي... والبقية معروفة.

 

فما حدث، هو الخطاب الغوغائي لقائد الحملة والمتعلق بتحرير المصريين من الاحتلال العثماني، والقمع العنيف لتمرد القاهريين. بيد إن بعض المفكرين العرب اعتبروا هذا الغزو نقطة انطلاق النهضة العربية (كذا) في القرن التاسع عشر. لكن هذه الفرضية أدّت إلى كثيرٍ من النقاش في أوساط الفكرين العرب في أيامنا هذه.

 

بعد اثنتين وثلاثين سنة على هذه الحملة، وتحت حكم شارل العاشر Charles X سيبدأ عصر جديد من الفتوحات.

متذرعا بالصفعات الثلاثة التي وجهها الداي حسين لقنصل فرنسا العام في الجزائر بيار دوفال بتاريخ 29 نيسان 1829، اتخذ شارل العاشر قراره بغزو الجزائر، القرار الذي أعلنه الملك بنفسه على الشكل الآتي: "وسط الأحداث الخطيرة التي كانت تعيشها أوروبا، كان علي تعليق غضبي المحق بوجه قوة بربية؛ غير أنه لا يمكنني الاستمرار طويلا دون الرد على الإهانة التي لحقت برايتي..."10.

 

تسلم لويس أوغست فيكتور دي بورمان، وزير الحرب، قيادة الحملة التي جهز عدتها. كان الإنزال في سيدي فروخ، في 14 حزيران 1830. وكان احتلال الجزائر في الخامس من تموز 1830.

 

جرى تنظيم المقاومة بوجه هذا الاحتلال الفرنسي، فكانت أولا مقاومة الأمير عبد القادر، ابن محي الدين، المرابط الأكبر في قبائل الغرب (من 1837 حتى 1847)؛ ثم، وبالتناوب، حدثت الثورات التالية: أوريس سنة 1859، هدنا سنة 1860، أولاد سيدي شيخ سنة 1864؛ مقراني سنة 1871 والأخوة الرحمانية سنة 1871. تم قمع كل تلك الثورات بوحشية، وكان ذلك القمع يهدف إلى إفتعال رعب يؤدي إلى ترويض الجزائريين بشكل حاسم. وهذا ما يفسر رأي المؤرخة الفرنسية آني راي-جولدزيغر: "لقد كنا أساتذة ممتازين ضد الديمقراطية"11.

ورغم ذلك، تتابعت الثورات، كثورة العامري (1876)، وأوريس (1879)، وجنوب-اوروني (1881).

في نفس سنة 1881، اتبع وزير الثقافة العامة، جول فيري، سياسة تهدف إلى دقرطة التعليم الرسمي، بموجب قانوني 1881 و1882 أصبح التعليم إلزاميا حتى سن الرابعة عشر، وأصبح التعليم الابتدائي مجانيا وعلمانيا. بوحي تلك السياسة، شكل إلغاء الدروس الدينية وخلق تربية أخلاقية ومدنية إصلاحا أساسيا في التعليم الابتدائي. واستمدت الأخلاق العلمانية عناصرها من منابع مختلفة: العصور القديمة الكلاسيكية، المسيحية، الأنوار، الكانطية، وحتى الكونفوشيوسية. وقد تمت إعادة النظر بتلك التقاليد المختلفة انطلاقا من مفاهيم الكرامة والتضامن.

 

بهذه الطريقة، كانت المدرسة، بحسب سياسة فيري، في مركز تركيبة بناء المجتمع الحديث، الجمهوري المستند إلى العقل والأنوار. وبالواقع نشأت مدرسة جول فيري على مثال المساواة، واستجابت لإعلان حقوق الأنسان والمواطن الصادر سنة 1789. وكانت هذه السياسة الديمقراطية، العلمانية، الجمهورية والمساواتية، مختلفة بشكل كلي عن السياسة الاستعمارية التي اعتمدها فيري، عندما كان رئيسا للحكومة (21 شباط 1883) ووزيرا للشؤون الخارجية.

 

وفي الواقع، وعلى أثر طلب من الجنرال بريار دي ليسل، قائد القوات الفرنسية في الهند الصينية، بإمداده بتعزيزات عسكرية من المتروبول، بعد هزيمة الفرنسيين في لانغ سون (28 آذار سنة 1885)، كان على فيري أن يأخذ تونكين على عاتقه. فجول فيري الذي عرف تحديدا كرائد للتعليم الرسمي، المجاني والعلماني، كان في الوقت نفسه، مشرع الأنظمة الاستعمارية. وقبل تكليفه كرئيس للحكومة وكوزير للشؤون الخارجية (30 آذار سنة 1885)؛ كان قد أصبح ممثل المستعمرين في المجلس الأعلى للمستعمرات؛ وبصفته ممثل لهؤلاء المستعمرين، كتب لهم بتاريخ 20 كانون الثاني سنة 1892:

"لقد تشكلت داخل مجلس النواب أغلبية، أكيدة ولا جدال حولها، من "الاستعماريين"؛ وهؤلاء الوافدون الجدد، النواب الشباب، استحوذوا على كل شيء. وأحد المنتخبين الجدد، شاب يدعى السيد دوكلاسيه (احفظوا هذا الاسم)، هو الذي دافع عن قضيتكم أمام المجلس.

أشهد لكم بأنه ليس هناك أي احتمال في أن هذه الأجيال الجديدة من الجمهوريين ستتجاهل، كما فعل غالبا أسلافها، عظمة وآمال السياسة الاستعمارية"13.

 

 

ملحق

-الحزب الاستعماري:  في  الخامس عشر من حزيران سنة 1892، أسس 45 نائبا، من المجلس النيابي "مجموعة استعمارية"، مدعومة من مختلف لجان العمل والدعاية الاستعمارية، وجهت، بشكل حاسم، سياسة الجمهورية الثالثة.

 

بعد هذا الملخص المتعلق بتاريخ فرنسا الاستعماري في القرن التاسع عشر. يمكننا القول أن ذلك القرن (القرن التاسع عشر) الذي كان عليه أن يكون قرن تطبيق مبادئ الثورة الفرنسية، وخصوصا شعار: "حرية، مساواة، أخوة"، تحول سريعا نحو عصر فرنسي جديد دشن "عصر المستعمرات"...

ونعرف البقية... التتمة، مشاركة فرنسا في الحرب العالمية الأولى واتساع مستعمراتها بصيغة الانتداب...؛ الأزمة الاقتصادية عام 1929؛ وصول الجبهة الشعبية إلى السلطة عام 1936؛ المشاركة في الحرب العالمية الثانية، نداء 18 حزيران عام 1940، انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبداية عصر التحرر من الاستعمار...

 

سنتوقف، في الحلقة القادمة، أمام ثلاثة أحداث رئيسية طبعت تاريخ فرنسا الاستعماري العرقي في القرن العشرين: مذابح ساتيف، (8 أيار، 1945)، مذبحة باريس (17 تشرين الأول، 1961)، كارثة شارون charonne (8 شباط، 1962).

 

 

هوامش

1- Ageron (Charles - Robert ) . Histoire de l'Algérie contemporaine, Ed. Presses universitaires de France, coll. Que sais-je?, N°400, 1964, p. 114                                                                                    

2-Tocqueville (Alexis Clérel de ). Ecrits politiques, Oeuvres complètes. T. III, p. 322.

3- Grandmaison (Olivier le cour).  (Quand Tocqueville légitimait les boucheries) in Manière de voir, N° 58, guillet-août 2001, p.28                                                                                                                                           

4- Tocqueville (Alexis de ), Travail sur l´Algérie in Oeuvres complètes, Ed. Gallimard, 1991, p. 204 et 205. 

5- Ibid. ; p. 699 et 706.

6-  Ibid., p. 752.

7- Furet (François) et Richet (Denis), La Révolution Française, Ed. Fayard, 1973.                                               

8- Napoléon   le  héros  idéal   in  L ´Express,  N° 2400,  juillet,  1997 p. 16 et 38.                                             

9-  “Egypte: une passion française”, in l’Express; N 2372; décembre 1996; pp. 68-145.

10- Michelbach (Pierre). – “La prise d’Alger” in les collections de l’Histoire; H.S  N 11; p.12.

11- Entretien avec l’historienne Annie-Rey Goldzeiguer, in l’Express; N2645, 14 – mars – 2002 ; pp. 48-63.

12- « Laϊcité, un idéal à réinventer », in le monde de l’Education ; N 270, mai – 1999.

13- les collections de l’Histoire; op. cit ; p. 17.

 

 

 

La France : Pays de la Révolution et du colonialisme :

La France : La République laïque et l’Etat colonial : ( ?) :       

1-     Différence entre la Révolution de 1789 (droits de l’homme) et la Révolution de 1793 (La terreur) : (Voir le livre de François Furet et Denis Richet) : La Révolution française,  article 5 : Droits de l’Homme.

2-     Napoléon Bonaparte : fils de La Révolution française : (voir Le Point, N° 2400).

3-     La Conquête d’Egypte : (1789). (Voir le Point, N°      , voir L’Express, N° 2372)

4-     La conquête d’Algérie (1830) Voir (Revues).

5-     Alexis Tocqueville légitimait les boucheries (Voir Thèse, Voir Manière de voir, N° 58)

6-     Le colonialisme de l’Afrique noire, (Voir Le Robert)

7-     Jules Ferry et la laïcité (?) –

8-     Jules Ferry et le règlements de la colonisation.

9-     La IIIe République.

10-  Conc : Le XIXe siècle (pour la France) ; c ;est le siècle colonial par exellence.

11-  Le XXe siècle :

12-  La première guerre mondiale : La fin de l’empire austro-hongrois, et la fin de l’empire ottoman. (voir cours, et Robert)

13-  La France aux pays du levant = Liban et Syrie, (1919-1946)

14-  L’Emir Khaled petit-fils de l’Emir Abdelkader

15-  1830 : La France fête le centenaire de la prise d’Alger

16-  1936 : Le Front populaire au pouvoir

17- La deuxième guerre mondiale : 1939 – 1945, l’appel du 18 juin 1940>

18-  La fin de la deuxième guerre mondiale et la fin de la 3ème République.

19-  Les massacres de Sétif (1945)

20-  Dieu, bien   1954

21-  La guerre de l’Algérie et le F.L.N. (1954)

22-  L’affaire Ben Bella (Les généraux à Alger)

23-  Le comportement colonial    en Algérie. (voir L’Histoire, N° 11  et 15  H.S. )

24-   L’O.A.S. et les massacres

25-  Le 17 octobre 1961 : Le massacre de Paris (L’événement)

26- 8 février 962, le drame de Charonne (voir L’Histoire N° 263)

27-  1962, Fn de la guerre d’Algérie

28-  Bis, la guerre de Suez

29-  1965 : Affaire Ben Baake

30- 1956 : La Guerre de Suez

31- Mai 1968 : De Gaulle à Baden Baden : pou préparer un coup d’Etat.

32-  La Torture en Algérie

33- La France : enseignement laïque et comportement raciste

34- La révolte des lycéens (1990)

35-  On traitait les casseurs comme étant des (sauvageons)

36- 1991, la deuxième guerre du golfe

37- 2000 : pacs et antipacs

38- 1983 (Soutien de l’école privée) ( ?)

39- Pacs et Antipacs : le cas Madame Boutin

 

 د. غسان زيادة