الانتخابات العراقية تضاعف مأزق الاحتلال

الفشل الأميركي العسكري يتوج بفشل سياسي

ويزيد الضغط لتسريع جدولة الانسحاب

 

حسين عطوي، كاتب من لبنان

 

 

بعد قرابة الثلاث سنوات على الاحتلال الأميركي للعراق لم يعد النقاش يدور حول ماذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قادرة على فرض مشروعها الاستعماري في العراق كمقدمة للمنطقة أم لا، إنما أصبح يدور حول شكل الخروج من العراق وسبل تجنب مضاعفات الإخفاق الأميركي بعد الإقرار بفشل إستراتيجية الاحتلال وفرض السيطرة على العراق وإعلان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أحد أبرز صقور إدارة الرئيس جورج بوش وأحد كبار المخططين للحرب بأن أميركا ليس لديها مطامع بثروات العراق النفطية، ولا في احتلال هذا البلد، وأن الهدف الوحيد الذي جاءت من أجله هو فقط إسقاط نظام حكم صدام حسين وإشاعة الديمقراطية.

 
وفي الوقت الذي لم يصدق أحد في العالم مثل هذا الكلام، فانه يشكل مؤشراً واضحا على أن واشنطن، التي لم تأت إلى العراق كرمى تحقيق الديمقراطية فيه، بدأت التمهيد لإستراتيجية الانسحاب التدريجي، وذلك بعد أن تبين لها أن قواتها العسكرية بكل تقنياتها الحديثة لم تستطع ولن تستطيع القضاء على المقاومة أو إضعاف شرارتها، وأن الكلفة الباهظة للاحتلال أخذة بالارتفاع مادياً وبشرياً (2200 قتيل و25 ألف جريح وما يتجاوز 250 مليار $) وانهيار معنويات الجنود وظهور علامات الإحباط واليأس وانتشار الأمراض النفسية في صفوفهم. كل ذلك أحدث تصدعاً في الجبهة الداخلية الأميركية التي مالت الكفة فيها حسب استطلاعات الرأي الأخيرة (54%) إلى جانب القول: بأن الولايات المتحدة أخطأت بإرسال جنود إلى العراق، في صورة تذكر بتلك التي كانت سائدة عشية قرار الانسحاب الأميركي من فيتنام حيث أعتبر 56% أن إرسال قوات أميركية إلى فيتنام كان خطأ وهي المرحلة التي شكلت نقطة تحول في الحرب مع تصاعد الرفض داخل الرأي العام للحرب.


إن هذا التبدل في موقف الرأي العام الأميركي، من مؤيد لسياسات بوش في العراق، إلى معارض لها بقوة (تدنت شعبيته إلى 36%) زاد من نسبة المطالبين بسحب القوات الأميركية إلى 61%، شكلت الضربة القاصمة والقوية لصقور الإدارة ودفعت بمدير عمليات الأركان المشتركة في الجيش الأميركي الجنرال كونواي إلى القول بان المؤشرات على انخفاض الدعم الشعبي للحرب في العراق تثير القلق موضحاً أن الفيتناميين أدركوا ما يدركه عدونا الحالي وهو أن الرأي العام الأميركي هو مركز القوة وأن بلدا ديمقراطياً لا يمكن أن يفعل أمورا محددة لا تحظى بدعم المواطنين.


لقد أدى هذا التصدع في الجبهة الداخلية الأميركية وفقدان بوش لتأييد الرأي العام على أبواب الانتخابات الأميركية التشريعية المقبلة والذي أقلق قادة الحزب الجمهوري إلى خلق المقدمات التي تدفع بوش مكرهاً إلى إعادة النظر في إستراتيجيته الحربية والموافقة على البدء بتخفيض القوات الأميركية في مطلع العام الحالي، وذلك في محاولة لامتصاص حدة المعارضة الداخلية والحد من تدهور شعبيته ومؤثراتها على الانتخابات، ومع ذلك فان الإدارة الأميركية، بعد فشلها الأمني والعسكري، تحاول في الزمن المتبقي، الذي يسبق البدء في حملة الانتخابات الأميركية، تحقيق بعض المكاسب للحد من مضاعفات فشلها التكتيكي في العراق على مصالحها في المنطقة، الأغنى بالنفط من بين مناطق العالم، وحتى لا يقال أن أميركا خرجت من العراق خالية الوفاض تجر ورائها أذيال الخيبة والهزيمة، وفي هذا الإطار راهنت واشنطن على إجراء الانتخابات النيابية الأخيرة في ظل احتلالها وممارساتها التعسفية ووفق دستور كانت وراء صياغته من أجل ضمان فوز القوى الموالية لها بحصة الأسد في البرلمان الجديد، ولتقول للشعب الأميركي والعالم بأنها أنجزت ما جاءت من أجله: إقامة نظام ديمقراطي.

 

لكن نجاح الانتخابات، وبالتالي التمهيد للانسحاب الأميركي، يتطلب تراجع أميركي عن الكثير من المسلمات التي كانت تؤكد عليها، لخلق مناخات تضمن مشاركة عراقية واسعة، على عكس الانتخابات التي سبقتها، ولتأمين غطاء عربي، وهو ما تجلى بتخلي واشنطن عن إستراتيجية تفويض النظام الرسمي العربي ومؤسساته، لصالح فرض مشروع الشرق الأوسط الكبير، عبر اضطرارها إلى إعادة إحياء دور الجامعة العربية لترعى العملية السياسية فـي العراق، وقد ترجم هذا التراجع في الاسترايجية الأميركية بتحرك أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى وقيامه بإجراء اتصالات مع كل الأفرقاء العراقيين أثمرت عقد مؤتمر القاهرة للوفاق العراقي، الذي شكلت قراراته مؤشرات تدل على أن الإدارة الأميركية قررت الانسحاب التدريجي من العراق، وأنها أقرت بفشلها، وأن جهدها يتركز الآن على تخريج الانسحاب عبر القول: بان العراقيين هم الذين أخذوا القرار، وأن الانتخابات ستكون بمثابة المحطة التي يجري بعدها البدء بالانسحاب.
إن المؤتمر، الذي لم يكن ليعقد برعاية الجامعة العربية لولا موافقة واشنطن، اقر بشرعية المقاومة ضد الاحتلال، وفتح الحوار معها، وطالب بوضع جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة.
لكن هذه القرارات التي مهدت للمشاركة الواسعة في الانتخابات تؤكد ما يلي:
إن القوى السياسية المؤيدة للمقاومة تمكنت من فرض رؤيتها لمفهوم المقاومة باعتبارها مقاومة مشروعة ضد الاحتلال وتمييزها عن الإرهاب، وهذا التحول لم يكن ممكنا لو لم تتمكن المقاومة على مدى السنوات الثلاث المنصرمة من الاستمرار دون توقف ورفع كلفة الاحتلال بوتائر متسارعة وإحباط كل الخطط الأمنية للنيل منها.


وعكست تسمية القوات الأميركية بالقوات المحتلة، بدلاً من القوات المحررة، والتخلي عن وصف المقاومة بالارهاب، مدى التبدل الذي حصل حتى في توصيف ما يجري والذي يمثل علامة قوية على الإقرار بالفشل في تشريع الاحتلال ووصم المقاومة بالإرهاب.


وإذا كان ذلك لم يكن ليتم بدون موافقة الأطراف المؤيدة لأميركا التي أعطت إدارتها فيما يبدو الضوء الأخضر لمثل هذه الموافقة، فان نجاح المؤتمر في تأمين مشاركة عراقية واسعة في الانتخابات لم يكن ليتم لولا الخروج بمثل هذه القرارات التي تشكل أيضا بنظر واشنطن محاولة لتعزيز وضع القوى الموالية لها في تركيبة النظام الجديد وتجنيبها العزلة بعد خروجها.
غير أن الأسئلة التي تطرح هي:
ما هي النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات النيابية الأخيرة؟ هل جاءت كما تشتهي الإدارة الأميركية أم شكلت فشلاً جديداً لها؟ ثم ما هي ملامح المرحلة القادمة؟ هل تسير باتجاه تعميق أزمة الاحتلال؟

 

أولاً: أدت نتائج الانتخابات إلى خلط الأوراق، بصورة لم تكن تتوقعها الإدارة الأميركية، حيث تمكنت القوى السياسية المؤيدة للمقاومة والرافضة للاحتلال والمطالبة بوضع زمني لانسحابه من الإتيان بكتلة نيابية كبيرة تتجاوز المئة مقعد (تيار الصدر وجبهة التوافق).
وإذا ما أضفنا إلى ذلك القوى الأخرى، التي فازت في لائحة الائتلاف العراقية، فان النتيجة هي أن القوى التي تشكل استطالة للاحتلال وتمثل حصان رهانه الأساسي لم تحصل إلا على نسبة ضئيلة من المقاعد في البرلمان.


وهذه النتيجة، التي تخلق لوحة جديدة في البرلمان، تعني أن المقاومة أصبح لديها واجهة سياسية تدافع عنها في قلب البرلمان الأمر الذي يشكل فشلاً كبيراً للأجندة الأميركية التي أرادت العملية السياسية وسيلة لتعزيز نفوذ القوى الموالية لواشنطن (لائحة أياد علاوي) فإذا بها تؤدي إلى استحضار قوي للقوى المؤيدة للمقاومة.


ثانياً: إن هذه الخريطة السياسية الجديدة المتولدة عن الانتخابات سوف تلقي بظلالها على الواقع السياسي وبالتالي على كل الملفات السياسية بدءاً من تشكيل الحكومة الجديدة وتوزيع الحقائب داخلها وخصوصاً تلك التي لها طابع سيادي وأمني واقتصادي، مروراً بالخطوط العريضة لبرنامج الحكومة، ووصولاً إلى كيفية التعامل مع الاحتلال والعلاقة بينه وبين أجهزة الدولة العراقية وخصوصا الأمنية منها.


فكتلة جبهة التوافق وكتلة تيار الصدر، سوف تسعيان إلى الضغط من اجل:
1 ـ تكريس الاعتراف بالمقاومة العراقية ضد الاحتلال.
2 ـ وضع جدول زمني لانسحاب قوات الاحتلال.
3 ـ التصدي لمحاولات تأسيس دولة عراقية على القاعدة التي يريدها الاحتلال.
وهذا التوجه والحضور للقوي المؤيد للمقاومة سوف يؤدي بالضرورة إلى تعزيز نهج المقاومة عسكرياً وسياسياً.
ثالثاً: في ضوء هذه اللوحة فان المرحلة القادمة ستكون محكومة بمزيد من الصراعات والتجاذب السياسي على مستوى السلطة، تضاف إلى الصراعات بين القوى، التي تشكل سنداً للمشروع الأميركي، والتي ظهرت في مرحلة ما قبل الانتخابات، ما يعني أن الولايات المتحدة ستكون في مواجهة مأزق سياسي كبير يضاف إلى مأزقها العسكري، الذي يحرم جورج بوش من فرصة تحقيق مكسب سياسي، حتى عبر الديمقراطية المشوهة في ظل الاحتلال.


ومن الطبيعي أن يقود ذلك إلى استئناف الضغوط على إدارة بوش لسحب قواته من العراق، لكنه هذه المرة بشكل مضاعف عن السابق، فإلى جانب ضغط المقاومة والداخل الأميركي، سيكون بوش أمام ضغط سياسي عراقي من قلب الدولة التي سعى إلى تأسيسها من جديد لتكون موالية له.


وعليه فإذا كان الانسحاب التدريجي قد وضعت له روزنامة أطول في السابق، فان الواقع الجديد سوف يضغط بشكل اكبر لتسريع روزنامة هذا الانسحاب.

 

حسين عطوي، كاتب من لبنان