الخصخصة

أثرها في التنمية وإعادة البناء في لبنان

 زاهر الخطيب، الأمين العام لرابطة الشغيلة،

عضو منبر الوحدة الوطنية، "القوة الثالثة"

 

أولاً: هل الخصخصة هي خيار المرحلة، وسمة العصر؟

ثانياً: ما هو دور الاقتصاد اللبناني في ضوء التحولات الكبرى؟

ثالثاً: ماذا عن الغزو الاقتصادي للسوق اللبنانية؟

رابعاً: ما هي الآثار السلبية للخصخصة على دور لبنان وقدراته التنافسية؟

خامساً: ما هي النتائج الخطيرة المترتبة على اختيار الخصخصة؟

 

 

حول الخصخصة

ليس خافياً أن لبنان يعيش أزمة اقتصادية في غاية الصعوبة، وأن هذه الأزمة ليست وليدة عامل واحد بل عوامل عديدة تضافرت لتحديد ملامحها، وتكوين إيقاعها.

إن التغيرات الهائلة التي شهدها العالم بصورة عامة، والوطن العربي بصورة خاصة، وبالتحديد دول المشرق العربي، قد لعبت دوراً هاماً في إعادة تقسيم العمل الذي كان يساعد لبنان على لعب دور مميز وكبير يجاوز السوق اللبنانية، ويجاوز إمكانية سكان لبنان الشرائية، هذه التغيرات لم تطل الترانزيت، والخدمات فحسب، وإنما طالت القطاعات الإنتاجية أيضاً. وهذا عامل آخر يساعد على تفسير الوضع المأزوم القائم الآن في لبنان.

-  إن الأزمة البنيوية "العضوية الطابع، المزمنة والموروثة" في النظام السياسي والاقتصادي والإداري، والفساد المستشري في مفاصل الدولة وإداراتها، والهدر والتسيب وغياب الرقابة والمساءلة والمحاسبة، كلها عوامل إضافية متضافرة تشكل أسباباً حاكمة في تفاقم الأزمة وشموليتها. وإذا كان هناك شبه اتفاق عام على تشخيص الأزمة لجهة تحديد ملامحها، بل تحديد أسبابها، فإن هناك، بالمقابل، تبايناً في وجهات النظر حول كيفية الخروج منها.

-  هناك من يعتقد أن علاج الأزمة، وتوفير الموارد لتنشيط الأداء الاقتصادي، إنما يتوجه إلى بعض الأنشطة القليلة التي لا تزال في حوزة الدولة ( مثل قطاع الاتصالات: الهاتف الثابت، والهاتف الخلوي، الكهرباء، المياه، المصافي، الخطوط الجوية الوطنية) ويرتبط ببيعها إلى القطاع الخاص، الذي يستطيع توفير الأموال اللازمة، وخلق الإدارات الدينامية، لإخراج هذه القطاعات من الأزمة الحالية.

كما أن هناك من يعتقد أنه يمكن تغليب التعليم الخاص على التعليم الرسمي، بل إلغاء التعليم الرسمي، كما يمكن أيضاً تلزيم المواصلات للقطاع الخاص، وتحويل المطار إلى شركة خاصة على غرار الموانئ عامة، ولا سيما ميناء بيروت.

ويسوق هذا البعض أو ذاك حججاً عديدة في معرض تبرير أطروحاته، ويمكن، بشكل عام، تقسيم هذه الحجج إلى فئتين:

 

الأولى، تتعلق بالتحولات التي شهدتها دول أوروبا الشرقية، والاتحاد السوفيتي السابق.

 

الثانية، تتعلق ببعض الأوضاع السائدة في أكثر من بلد من بلدان العالم الثالث. والداعون إلى بيع الأنشطة المتبقية في حوزة الدولة للقطاع الخاص، ليسوا جماعة واحدة، تتواجد في منطقة دون غيرها من المناطق اللبنانية، وإنما هم تيار عام يتواجد في كل المناطق، ويحظى بدعم قوى سياسية ذات خلفيات فكرية وسياسية مختلفة. أكثر من ذلك: إن هؤلاء أصبحوا القوة المهيمنة في الدولة، أو باتوا في وضع يمكنهم من إلزام الدولة بتبني نهج "الألتراليبرالية" (مصطلح يعني أعلى درجات "النيوليبرالية" أو الرأسمالية المتطرفة والمتوحشة والقصووية التي ترفض أيّ دور للدولة) كما يمكنهم من رسم السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية من وحي هذا النهج...

ولكن هذه الجماعات لا يحركها الاجتهاد النزيه، ولا الحياد الموضوعي في التفكير. هناك مصالح اجتماعية مادية مباشرة، تدفعها للمطالبة باعتماد مثل هذه الإجراءات. ففي السابق قادت هذه القوى حملة أرغمت الدولة على السماح للقطاع الخاص باستيراد المحروقات، فحققت الشركات الخاصة بذلك أرباحاً طائلة، كان يمكن أن تذهب إلى خزينة الدولة لتدعيمها... وبعد ذلك خاضت الجماعات ذاتها معركة رفع الدعم عن الطحين، ونجحت في معركتها.

وهي الآن تقود حملة جديدة لاستكمال المسار ذاته، بحيث يتحقق تحويل ملكية قطاع الاتصالات (الهاتف الثابت، والهاتف الجوال، والكهرباء، والمياه، والمصافي، والمطار إلى الشركات الخاصة!).

وكما هو معروف، فإن حججاً كثيرة تطرح على هذا الصعيد لتبرير انتقال هذه المرافق إلى القطاع الخاص أبرزها استفحال الدين العام، والأزمة الاقتصادية، ومتاعب الخزينة التي تستغل بصورة أساسية لتبرير هذا الاتجاه، كما تجري محاولات لتأويل تطورات عالمية حصلت في السنوات القليلة الماضية، لتدعيم هذا الخيار، وتقديمه باعتباره سمة العصر، والخيار التاريخي للمرحلة الذي يستمد قوته من واقع موضوعي عالمي.

ولكن، هل هذه الحجج صحيحة؟ وهل خيار الخصخصة هو الخيار الأسلم الذي يلائم الأوضاع اللبنانية؟

 

أولاً: سمة العصر

إننا، على الرغم من سقوط "الأنظمة الشيوعية" في الاتحاد السوفييتي، وأوروبا الشرقية، والتحول نحو الليبرالية، واقتصاد السوق الذي شهده العالم طيلة عقد ونصف العقد، لا نرتاب في أن سمة العصر ليست التحول نحو الخصخصة، بالمفهوم الذي يتبناه بعض اللبنانيين، والذي يقضي بتسليم جميع المرافق العامة، بما في ذلك الخدماتية الحساسة، إلى القطاع الخاص.

والتأكيد على أن "سمة العصر تتعارض مع خيار الخصخصة"، ليس بدعة فكرية، كما أنه لا يعبر عن مكابرة، وإنما يستند إلى حقائق كثيرة أثبتها ويثبتها كثير من المفكرين والمحللين والقادة. ولعل ما جاء، في كتاب "جوزيف ستيغلز" "خيبات العولمة" الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، وكبير الاقتصاديين في فريق كلينتون، عن الآثار السلبية للخصخصة في الكثير من بلدان العالم، خير دليل على صحة ما نذهب إليه.

* الرئيس الدكتور سليم الحص، المعروف بحرصه على القطاع الخاص كتب يقول حول هذه المسألة "علينا أن ندرك... أن مجتمعات الدول الصغرى والفقيرة التي تندرج في خانة العالم الثالث، تواجه مجتمعاتها معضلات عصية، تختلف اختلافاً بيّنا عن المشاكل التي تواجهها المجتمعات الأكثر تقدماً. وفي حين أن مشاكل المجتمع في العالم الصناعي، تبدو نتاجاً أو إفرازاً لأداء النظام الاقتصادي المطبق، أو نتاجاً لسوء أدائه، فإن معضلات المجتمع في بلدان العالم الثالث تبدو، إلى حد بعيد، عضويّة الطابع، وبالتالي مزمنة أو موروثة، أو متأصلة.

"إنها تقتضي أكثر من مجرد تصحيح خلل أو ردم ثغرة في أداء النظام . إنها تتطلب تعويض نقص أساسي في النظام.

"وهذا يقتضي من البذل من جانب الدولة ما يشكل جهداً منهجياً وظيفياً منظماً من النوع الذي لا يتولّد عضوياً من داخل النظام إذا تركت المبادرة الفردية على غابرها. والمطلوب هو، على نطاق لا قبل به للقطاع الخاص، أن يتحمل أعباءه من موارده الذاتية.

"أما والأمر كذلك، فإن الخيار الذي لا بد لأي بلد من بلدان العالم الثالث من اعتماده، بديلاً للاشتراكية والشيوعية، إنما هو خيار التنمية، وهو في نهاية التحليل خيار مساكنة بين حكم اقتصاد السوق وحكم القرار المركزي في دور تدخّلي بنّاء من جانب الدولة"(1 السفير 7-1-92، سليم الحص، ماذا بعد التحولات الاقتصادية العالمية؟).

* صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية الذائعة الصيت، أجرت تحقيقاً حول هذه المسألة. وكتبت تقول في عدد 30 تشرين الثاني 1991: في الدول الرأسمالية الغربية، "لا يذهب رجال السياسة وعلماء الاجتماع إلى حد الاستشهاد بماركس، إلا أنهم غالباً ما يختلفون ويتعاركون حول قضايا لم يكن معترفاً بها قبلاً على أنها قضايا مهمة وأساسية حتى جاء هو يبين أهميتها".

* صحيفة "الرفاهية الاجتماعية والحركة البيئوية" تورد، مثلاً على هذه القضايا! وقد وضعت الصحيفة وهي بعيدة جداً عن الأفكار الاشتراكية والشيوعية، عنواناً لمقالها: "انهيار النظام الشيوعي لا يعني انهيار المفكر كارل ماركس" وكرّست المقالة لاستعراض تصريحات لأساتذة جامعيين ومفكرين، في ميدان الاقتصاد خاصة، يوضحون مدى أهمية تدخل الدولة في جميع مرافق حياة المجتمع بما في ذلك الحياة الاقتصادية.

وكما هو معروف، فإن سقوط حكم الشيوعية والدعوة للانتقال إلى اقتصاد السوق لا يعني أبداً انتصار خيار الخصخصة. ففي جميع دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي واجه هذا الخيار مصاعب جمّة، وتبلورت حركات شعبية آخذة في التزايد ترفض الخيار المطلق للخصخصة، بل تشهد بعض دول أمريكا اللاتينية التي طبقت فيها الخصخصة القوية في عقد التسعينيات عودة إلى التأميم.

* إنّ تفكك الأحزاب الشيوعية، انبثق عنه حركات اشتراكية ديمقراطية، تدعو إلى أنسنة الاقتصاد ولكن دون الخضوع لقوانين السوق العمياء، بالضرورة. فإن هذا الخيار، هو خيار رفض الخصخصة بالمعنى الذي يدعو إليه البعض في لبنان.

* وقد أدت الأزمة الأخيرة التي عصفت بروسيا إلى مراجعة جذرية لسياسة الخصخصة المتطرفة ليس فقط داخل روسيا، وإنما أيضاً في الدول الغربية التي لامت نفسها على الضغوط التي مارستها، وخاصة عبر البنك الدولي، لفرض مثل هذه السياسة. وقد عاد إلى الاقتصاد الروسي من جديد دور الدولة، وهو مرشح للانتشار في بلدان أخرى من "دول التحول الاقتصادي".

* في الغرب، جوبهت المحاولات الفكرية لاستغلال أحداث الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية لتبرير خيار الرأسمالية بكل عيوبه، جوبهت بالدعوة إلى رفض هذه الانتهازية. وقد كرّس أبرز مستشاري الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران، السيد "جاك أتالي"، كتابه "آفاق المستقبل" للحديث عن هذه المسألة، إذ رفض نظرية سقوط الاشتراكية بالمطلق، ودعا إلى أخذ الجوانب الإيجابية والصالحة من كلا النظامين، وشدد على ضرورة التصدي للنظريات التي توافق على اعتماد "قانون السوق"، من دون ضوابط، وهو ما يتعارض تماماً مع خيار الخصخصة، ولعل حركات مناهضة العولمة التي انطلقت من مدينة سياتل الأمريكية هو دليل إضافي على ميل الغالبية في الدول المتقدمة لرفض الخصخصة المتطرفة.

ويمكن القول: أن سجالاً واسعاً أطلقته أزمة نمور آسيا، وبعدها، روسيا، سبق وثيقة أعدها البنك الدولي تشير إلى أهمية دور الدولة، وضرورة ردّ الاعتبار له، والتخلّي عن نهج ما يسمى اليوم، "الألتراليبرالية" الذي يشكل الخيار القصووي للخصخصة المتطرف، والواسع، إحدى أبرز سماته وتجلياته، والذي ما زال البعض، في لبنان يدعو لـه مع الأسف الشديد.

 

 

 

صاحب مؤلف "حضارة الصدام والثقافة المقاومة" الصادر عن دار الهادي 2005 في الصفحتين 43-44 الأستاذ جهاد سعد يقول ما حرفه: "تظهر الخصخصة في البطاقة الثانية كآلية ابتلاع لاقتصاديات العالم الصغيرة، لملء معدة مثقوبة لوحش الدولة العظمى، الذي ينقذ حالات الافلاس بالتأميم صدق أو لا تصدق تأميم في أميركا".

ويتابع قوله: "فالمعنى الحقيقي للخصخصة هو: تحرير الاقتصاد من سلطة الدول الصغيرة، الفاسدة والسيئة الإدارة، من أجل إخضاعه لسلطة الشركات الكبيرة الفاسدة، ولكن مع حسن إدارة للفساد وللعمل، ثم بعد خروج المال من سلطة الدولة يتم ابتزازها سياسياً بالعقوبات للسطو على ما بقي تحت سلطتها، وينتهي مال العقوبات ومال الشركات في البنوك الأميريكية الكبرى كتشيز منهاتن بنك وغيره، ثم يهتز وضع البنوك بسبب الكساد والمنافسة غير المتكافئة مع أوروبا واليابان، فتبتلع الدولة مال الودائع في خطوة إنقاذية تسمى التأميم، وهكذا نفهم أن شعار تحرير الاقتصاد بالخصخصة الذي يسوّق بكثافة في العالم الثالث بوصفه آلية تنمية، وضرورة للرفاه، هو الخطوة الأولى على طريق عمليات التأميم الكبرى التي تجري في الولايات المتحدة، والتي تحولت إلى شريط مصل مغروز في وريد الاقتصاد الأمريكي في الغرف المغلقة لا بداعي السرية بل بداعي العناية الفائقة".

 

ثانياً: دور الاقتصاد اللبناني في ضوء التحولات الكبرى

في هذا المناخ العام، الذي لا يبرّر اعتماد خيار الخصخصة وفق المفهوم الذي تطرحه بعض الفئات اللبنانية، لا بدّ من التوقف أمام التحولات الكبرى التي شهدها لبنان ومحيطه والعالم، وانعكاس هذه التحولات على أداء الاقتصاد اللبناني، ومن ثم الشروط الواجب توافرها كي يستطيع لبنان استعادة بعض أدواره، واحتلال موقع تنافسي في سوقه الداخلية، فضلاً عن الأسواق الخارجية.

   هذه التحولات طرحت، بالأساس، معضلة طبيعة دور الاقتصاد اللبناني، والعلاقة النسبية بين قطاعاته المختلفة.

وكما هو معروف، فإن عدداً من الخبراء ربطوا بين التحركات الشعبية التي شهدها لبنان في النصف الأول من السبعينيات، وبين التحولات الاقتصادية التي شهدتها بعض الدول العربية وخصوصاً مصر وسوريا، ودول الخليج، الأمر الذي أثّر في أداء الاقتصاد اللبناني، وساهم في تراجع معدلات النمو، وقاد إلى اضطرابات سياسية ساهمت، إلى جانب عوامل أخرى، في اندلاع الحرب الأهلية. ورغم أن هذه التحولات ترافقت مع تطورات إيجابية، مثل العائدات الكبيرة للعمالة اللبنانية في الخليج وأفريقيا، والتحويلات المالية الكبيرة، إلاّ أن اندلاع الحرب ودمار الاقتصاد امتص ثمار هذه التطورات.

وبعد إعادة فتح قناة السويس، وتطور قطاع الصناعة والخدمات والتجارة في دول الخليج، وسياسة الانفتاح الاقتصادي التي شهدتها بعض دول المنطقة، وخصوصاً مصر، ونشوء مراكز صناعية جديدة في بعض دول العالم الثالث في إطار تقسيم جديد للعمل الدولي مثل تركيا، وهونغ كونغ، وتايوان، وكوريا، والأردن، والهند، وتقدم الصين كقوة اقتصادية جباّرة، نشأت عوامل إضافية جديدة أخذت في التأثير على وضع الاقتصاد اللبناني وولّدت انعكاسات سلبية للغاية على هذا الصعيد.

وبديهي أنّ هذه التطورات أحدثت آثاراً خطيرة وتاريخية في وضع الاقتصاد اللبناني ودوره ووظائفه فقد معها مقوّمات المنافسة ليس فقط على صعيد السوق الخارجية، بل فقدها حتى على صعيد السوق الداخلية.

 

ثالثاً: الغزو الاقتصادي للسوق اللبنانية

في هذا السياق، غزت سلع كثيرة غير لبنانية السوق اللبنانية وبدأت هذه السلع تنافس السلع اللبنانية.

1-  في إطار السلع الغذائية، ومن خلال مراجعة السلع المتوافرة في الأسواق الداخلية، نجد أنّ الكثير من السلع المنتجة في الخارج، كالسكاكر، والبسكوت، والعصير، والزيت الخ... ( وهذه جميعها كانت ولا تزال تنتج في لبنان)، بدأت تغزو الأسواق اللبنانية، والمنتجات المتوافرة في الأسواق اللبنانية هي صناعات مصرية، وأردنية، وخليجية، وتركية، وسورية، وهي تباع في السوق اللبنانية الآن، كما كانت تباع أثناء الحرب الأهلية بأسعار أرخص من الصناعات اللبنانية.

2-  على صعيد صناعة الملبوسات اجتاحت الأسواق اللبنانية سلع من هونغ كونغ، وتايوان، وتركيا، والصين، رخيصة للغاية، استطاعت منافسة الصناعة المحلية. وفي صناعة الأدوية، هناك أصناف كثيرة كانت تصنع في لبنان بامتياز من شركات أجنبية، تباع الآن في السوق المحلية وهي أقل كلفة من الصناعة المحلية.

3-  لم يقتصر الغزو الاقتصادي على قطاع الصناعة، بل شمل السلع الزراعية، التي واجهت، هي الأخرى، تحدياً مماثلاً. ففي الأسواق أنواع مستوردة من السلع تباع بأسعار أقل من أسعار كلفة السلع التي تنتج في لبنان. وقد كشفت تحقيقات صحافية أنّ البطاطا، والبندورة والموز، إضافة إلى أصناف أخرى من المنتجات الصيفية، تباع بأسعار أقل من كلفة السلع المنتجة في لبنان.

4-  على صعيد المشتقات الحيوانية، وتحديداً الألبان، تبيّن أيضاً أن هناك فارقاً كبيراً في سعر المواد المنتجة في لبنان، وأسعار المواد المستوردة لصالحه. وبديهي أنّ هذا الغزو الاقتصادي له عواقب وخيمة على مستقبل الصناعة والزراعة. لقد أثّر ويؤثّر على دورهما التنافسي، ليس على مستوى الأسواق العالمية فحسب، بل داخل السوق اللبنانية بالذات.

5-  أما السياحة والخدمات، فإن هذا القطاع يشهد كذلك منافسة حادة، لأن دول المنطقة قد طوّرت بنى تساعد على استقطاب السياح ووكلاء الشركات، وباتت الخدمات تقدم بأسعار أرخص من أسعار لبنان، إضافة إلى خدمات استثنائية غير متوافرة في لبنان.

لهذا كله، لا بد للبنان أن يوفر الشروط الضرورية لمواجهة هذه التحديات، بما يضمن خلق ظروف ملائمة لقيام منافسة متكافئة تفرضها اتفاقات لتحرير الأسواق لا يستطيع لبنان التنكر لها.

هذه المعطيات تتطلب وضع خطط وتصورات ليس فقط لاستعادة بعض الأسواق الخارجية، بل لحماية السوق الداخلية من الغزو الخارجي أيضاً، ومن الاحتكار، أو على الأقل لتمكين السلع المحلية من احتلال موقع تنافسي، يجعلها في وضع قادر على الحد من الآثار السلبية لهذا الغزو في السوق المحلية وفي السوق الخارجية.

هنا تطرح مسألة الخصخصة، وانعكاساتها السلبية على استراتيجية العمل في مواجهة هذه التحديات.

 

رابعاًً : الآثارالسلبية للخصخصة على دور لبنان وقدراته التنافسية

1-    آثار سلبية على تكاليف قوة العمل

معلوم، في علم الاقتصاد، أنّ سعر السلعة يتحدد على أساس قيمة قوة العمل المضافة إلى المادة الأولية، أي العنصر الطبيعي للسلعة. وتؤكد بعض الدراسات أن الأجور تشكل حوالي 60% من قيمة أي سلعة.

وعندما ترتفع تكاليف قوة العمل، يتحتم ظهور هذا الارتفاع في سعر السلعة. وهكذا، فإن أسعار السلع ينخفض أو يرتفع تبعاً لارتفاع وانخفاض كلفة قوة العمل.

وفي علم الاقتصاد أيضاً: أنّ العوامل التي تدخل في تحديد كلفة قوة العمل، هي أسعار الغذاء والدواء، والاستشفاء، والتعليم، والخدمات الأخرى كالنقل والماء، والكهرباء، والهاتف.

وعندما يناط بالقطاع الخاص، أمر هذه السلع والمرافق، فمن البديهي القول: إنّ القطاع الخاص يسعى بالدرجة الأولى إلى الربح. والربح يعني حكماً تأمين كلفة الإنتاج، والصيانة والتوسع، وإضافة مبالغ جديدة تشكل معدّل الربح الذي لا يتوقف القيّمون على القطاع الخاص عن السعي لرفعه إلى أعلى مستوى ممكن في نطاق القوانين الموضوعية التي تتحكم في هذه العملية.

ينجم عن ذلك بالضرورة ارتفاع أسعار كلفة قوة العمل، لأن هذه الكلفة تتحدّد بأثر من سعر السلع التي مرّ ذكرها.

و معلوم، أن الاتحادات النقابية، عندما تعيّن كلفة المعيشة، وتحدد التصحيح المطلوب للأجور، فإنها تلجأ إلى دراسة جميع السلع، وتستند إلى هذه الأسعار في مطالبتها برفع الأجور، الأمر الذي يؤكد أن كلفة قوة العمل، التي تعود لتدخل في تركيب سعر السلع المنتجة، تتأثر بالعوامل التي مرّ ذكرها.

وبديهي أن الأرباح الطائلة التي هي هدف القطاع الخاص، ترفع كلفة جميع السلع. ويفاقم هذه المسألة تحويل مرافق خدماتية مثل الكهرباء والماء والهاتف الثابت والخلوي إلى القطاع الخاص، وهي مرافق لا تحتمل وجود منافسة أجنبية أو حتى محلية، فضلاً عن أنها تتمتع بوضع احتكاري يتيح الفرصة أمام القطاع الذي تنتمي إليه، القطاع الخاص، لمضاعفة أرباحه، إذ يغيب عامل التسوية والتوازن في نطاق قانون العرض والطلب في ظل هذا المناخ الاحتكاري.

ورب قائل يقول: إنّ ذلك ليس إلزامياً، ويمكن أن توجد في كل مدينة، شركتان، أو أكثر، للكهرباء والماء والهاتف، فيجري التنافس على تقديم هذه الخدمات بنوعية أفضل وأسعار أقل، على غرار بعض دول العالم.

على ذلك نجيب بنقطتين:

الأولى: أن عامل الربح يظل، في مطلق الأحوال، محركاً لهذه العملية، وإلاّ أحجم القطاع الخاص عن التثمير في هذا المجال.

الثانية: أن المنافسة تكون في دول ذات مساحات شاسعة، وإمكانات اقتصادية ضخمة، ومجموعات سكانية كبيرة، ولا يكون في بلد صغير كلبنان إمكاناته محدودة، وسكانه عددهم صغير، ومساحته لا تكاد تجاوز عشرة آلاف كيلومتر مربع، وإمكانية وجود أكثر من مؤسسة واحدة لحصول التنافس أمر مستحيل. ويبقى الحاصل المؤكد وحدانية الشركات، وممارستها للاحتكار. أما الحل الممكن لهذه المعضلة، فإنه لا يكون إلاّ في إطار سوق عربية مشتركة ينبغي العمل لتحقيقها.

إن تحويل هذه المرافق إلى القطاع الخاص، ليس وحده الذي يرفع كلفة قوة العمل، بل إنّ إلغاء الدعم الذي حصل في السنوات الماضية، وطال السلع الأساسية وخصوصاً الخبز، والمحروقات والغاز، ساهم، هو الآخر، في رفع كلفة السلع، وقد تجلى ذلك في رفع مستوى الأجور المتواصل ليس فقط من خلال معدلات التضخم، وإنما أيضاً لمواجهة ارتفاع أسعار السلع الناجم عن إلغاء الدعم على السلع الأساسية. وذلك دون أن تحظى القطاعات الاقتصادية بدعم وتسهيلات مماثلة للدعم والتسهيلات المتوافرة في دول عديدة بما فيها الدول المتقدمة للتعويض عن إلغاء الدعم بتطوير قدرات الاقتصاد التنافسية وخلق فرص عمل إضافية

هناك عامل ثالث يؤدي إلى رفع كلفة قوة العمل، وهو الوضع الاحتكاري الذي يحظى به كثير من الوكلاء الحصريين. ولقد أظهرت إحصائية أولية أجراها وزير صحة سابق، بعد الإجراءات التي كانت قد اتخذتها حكومة عمر كرامي الأولى، وقضت بالسماح لتجار آخرين باستيراد أدوية وسلع غذائية أساسية خارج إطار الوكالات الحصرية الممنوحة سابقاً. أظهرت هذه الإحصائية، بعد أقل من أسبوعين على صدور قرار مجلس الوزراء في حينه، "أنه تم استيراد حوالي 29 صنفاً، أساسياً من قبل بعض المستودعات تراوحت نسبة التخفيضات فيها بين 25 و 61 % من أسعارها المتداولة في السوق".

وأشار الوزير السابق أيضاً في حينه إلى أن "كمية جديدة من الأدوية يراوح عددها بين 20 و 25 صنفاً ستشهد التخفيضات نفسها". هذا المثال يوضح مدى الأرباح الناجمة عن حالة الاحتكار وانعكاسات هذه الأرباح على كلفة قوة العمل التي تتجسد بالضرورة داخل السلع المعاد إنتاجها في لبنان، في جميع حقول الإنتاج المحلي.

 

2-    انعكاسات سلبية على الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات

بالاستناد إلى هذه التحولات، التي شهدها لبنان في السنوات القليلة الماضية، لجهة اتساع خيار الخصخصة وشموله، وضمّه قطاعات لم تكن قبل الحرب تعمل في إطار هذا الخيار، وبالاستناد إلى تقسيم العمل الجديد الذي شهده العالم والوطن العربي، وبرزت فيه مراكز إقليمية عديدة تنتج سلعاً زراعية، وصناعية، وتقدم خدمات متنوعة، سياحية وغير سياحية، بسعر أقل ونوعية مقبولة، برزت منافسة حادة داخل السوق اللبنانية، أثّرت على موقع لبنان وعلى دوره التنافسي.

على صعيد الزراعة، ونظراً لارتفاع كلفة قوة العمل الناجمة عن شيوع ظاهرة الخصخصة في لبنان، وارتفاع كلفة الخدمة، والتعليم والصحة، فإن عدداً كبيراً من السلع بات سعرها أعلى من أسعار السلع المماثلة التي تنتج في دول عديدة من العالم.

على هذا الصعيد، لم يعد الموز المنتج محلياً قادراً على الصمود في معركة المنافسة مع الموز المستورد، برغم كلفة النقل. وهو أمر يعكس مدى الآثار السلبية المترتبة على ارتفاع كلفة قوة العمل. والشيء عينه ينطبق على سلع أخرى: يباع كيلو البطاطا المستورد بأقل من 200 ليرة لبنانية من سعر الإنتاج المحلي، كما يباع الحليب المستورد بأقل بـ 250 ليرة لبنانية من الحليب المنتج محلياً.

هذه الأرقام عكستها إحصائيات رسمية موثوق بها، ويمكن التأكد من دقتها من خلال مراجعة قائمة من الأصناف المتقابلة في الأسواق اللبنانية.

على صعيد الصناعة، هناك ظاهرة مماثلة للزراعة. مثلاً: اللبنة التركية المعلبة تباع في الأسواق اللبنانية بأسعار أقل من أسعار اللبنة المحلية رغم رسوم النقل والضريبة الجمركية، كما أنّ الزيوت التي تنتج في السعودية والبسكوت والعصير وأصناف أخرى من الصناعات الغذائية التي تنتشر في الأسواق اللبنانية، كلها تحقق تقدماً على حساب أصناف محلية مماثلة نظراً للفرق في الأسعار. ومرة أخرى نوضح أن هذا الفرق يحصل رغم كلفة الشحن، والضريبة الجمركية.

على صعيد الملبوسات، يلاحظ الباحث: أن صناعات دول جنوب شرق آسيا، وخاصة الصين وهونغ كونغ وتايوان وتركيا وسورية وغيرها من المراكز الأخرى، تحقق نجاحاً مذهلاً في الأسواق اللبنانية، وترغم الصناعات اللبنانية على التراجع أمامها. كل ذلك يحصل لأنّ كلفة اليد العاملة هناك أقل، والسياحة والخدمات التي عوّل عليها لبنان في السابق كثيراً، ولعبت دوراً مهماً في ازدهاره الذي سبق اندلاع الحرب، تشهد حالياً منافسة حادة. ففي جميع دول المنطقة، وبصورة خاصة في مصر وسوريا والأردن، وتونس، والمغرب وتركيا، جرت تنمية قطاع السياحة والخدمات. ويقدم هذا القطاع خدمات أقل كلفة من لبنان. يكفي القول إنّ كلفة الإقامة في فندق من الدرجة الأولى في لبنان باتت توازي كلفة الإقامة في أي فندق مماثل في أوروبا واليابان والولايات المتحدة، بينما جميع دول المنطقة تقدم إقامة أقل كلفة بأكثر من النصف. ومما يلفت على هذا الصعيد، أنّ أكثر من 60 ألف لبناني أمضوا، في السنوات الماضية، بعض أعياد رأس السنة في مصر نظراً للخدمات وبدلات الإقامة المتدنية جداً بالمقارنة مع لبنان.

ولا شك أنّ الحماية الجمركية، التي يراهن عليها البعض، لن تكون مجدية كثيراً على هذا الصعيد، بالنسبة للسياحة والخدمات. فليس هناك أي تأثير للحماية الجمركية، والمنافسة وحدها تحسم المعركة: ذلك أن الدولة التي تقدم خدمات أفضل بكلفة أقل هي التي تفوز بالمعركة. أما السلع الأخرى، فإن الحماية الجمركية سلاح ذو حدين، لأن المعاملة بالمثل ستكون بالمرصاد إزاء أي إجراء تتخذه السلطات اللبنانية. وفي هذه الحالة يكون لبنان هو الخاسر ما دامت كلفة إنتاج سلعه بالأصل أعلى من كلفة إنتاج أي سلع أخرى.

ذلك أنّ منع دخول سلع معينة بالمطلق يؤدي بالضرورة إلى إجراء مماثل في دول أخرى. ناهيك عن تعارضه مع اتفاقية التجارة الحرة العربية. لهذا فإن الظفر بمعركة المنافسة يتطلب بالضرورة إنتاج سلع ذات نوعية مناسبة وبأسعار أدنى أو مساوية على الأقل لأسعار السلع المنتجة في دول أخرى. وإذا تعذر ذلك، فإن لبنان سوف يخسر المعركة، ليس على صعيد السوق الخارجية فحسب، بل حتى على صعيد السوق الداخلية أيضاً.

ولا شك أن ارتفاع كلفة اليد العاملة، الناجمة عن خيار الخصخصة، هي التي تلعب الدور الحاسم على هذا الصعيد، لأن أسعار المواد الأولية والآلات في السوق الدولية هي واحدة بالنسبة للبنان، وبالنسبة للدول الأخرى التي تشترك معه في معركة المنافسة. والفرق في أسعار قوة العمل هو الذي يؤدي إلى اختلاف أسعار السلع المنتجة.

من هنا يمكن القول إن خيار الخصخصة تتجلى آثاره وانعكاساته في هذا الميدان بصورة حصرية، ويجر كثيراً من النتائج المدمرة. فما هي هذه النتائج؟

 

خامساً: النتائج الخطيرة المترتبة على اختيار الخصخصة

ربما تعذر حصر كل النتائج المترتبة على اختيار لبنان طريق الخصخصة التي قطعت فيه شوطاً بعيداً.

فالتعليم في لبنان يكاد يكون كله بيد القطاع الخاص نظراً لضعف التعليم الرسمي، وكذلك الصحة العامة، والنقل العام الذي لا يفي بالمتطلبات. هذه جميعها تشير إلى وطأة خيار الخصخصة إضافة إلى عوامل أخرى مرّ ذكرها.

وبديهي أنّ النتائج المترتبة على ذلك كثيرة, ولا يمكن حصرها بسهولة. ولكن أهم هذه النتائج، وأكثرها خطراً، سيكون نجاح "الغزو الاقتصادي" المستمر منذ بضع سنوات. وهذا الغزو لا بد أن يولّد انعكاساته في مجالات مختلفة.

 

         على صعيد الزراعة، عندما تفقد الزراعة المحلية قدرتها على المنافسة في السوق الداخلية، فمن البديهي أن تكون عاجزة في السوق الخارجية. في هذه الحالة سيتراجع الاستثمار في الزراعة، ويتواصل التراجع إلى أن يصل إلى مستويات مخيفة، لأن من غير المنطقي انتظار ازدهار الزراعة إذا كانت عوامل الربح مفقودة.

الزراعة في بعض الدول الغربية المتقدمة (كندا، الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان) تحظى بدعم يقرب مجمله من 300 مليار $ سنوياً.

         على صعيد الصناعة، سيحصل الشيء ذاته. ففي مناخ الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، يبحث المواطن عن السلع الأرخص. وما دامت هذه السلع سلعاً مستوردة، فإن العزوف عن شراء السلع المنتجة محلياً سيؤدي إلى تأثر الصناعة بهذا المناخ، وفي السوق الخارجية كلما ارتفعت كلفة الإنتاج المحلي مقارنة بسلع مماثلة، فقدت الصناعة اللبنانية دورها في هذه السوق. ومن المحتم أن يؤدي ذلك أيضاً إلى تقهقر الصناعة، وتراجع الاستثمار في هذا المجال، لأن عنصر الربح مفقود أو على الأقل محفوف بالمخاطر.

         على صعيد السياحة والخدمات، يؤدي ارتفاع أسعار الكلفة إلى حرمان لبنان من احتلال موقع تنافسي، وهو المطالب بتقديم إغراءات إضافية يواجه بها المراكز المنافسة الإقليمية. وعندما ترتفع كلفة الخدمات والسياحة، فإن ذلك يقوّض إمكانية تطور هذا القطاع،

 

* هكذا نرى أن اعتماد الخصخصة يقود إلى نتائج ليست في صالح الاقتصاد اللبناني. ذلك أن أصحاب هذا الخيار خلطوا بين خصخصة تطال قطاعات إنتاجية، وخصخصة ساروا عليها في لبنان، وأصابت بصورة أساسية قطاعات خدماتية ومرافق حيوية. فاعتماد خيار الخصخصة في بريطانيا، على سبيل المثال، لم يلغ نتائج الضمانات الاجتماعية والصحية وغير ذلك.

وإذا كان تمويل هذه الضمانات يأتي من الضرائب، فلأن هذه الدولة تمتلك بنية إنتاجية راسخة وهامة، وتحتل، على صعيد الإنتاج العالمي، موقعاً لا يمكن أن يتمتع به بلد صغير ينتمي إلى العالم الثالث كلبنان.

في مثل هذه الظروف، لا يمكن انتقاء تجربة بريطانيا، أو أي بلد متقدم، واعتبارها مقياساً على هذا الصعيد.

         أما خيار الخصخصة في بعض دول العالم الثالث، فإنه طال القطاعات الإنتاجية وليس القطاعات الخدماتية. وعندما تجاوز القطاعات الإنتاجية إلى الخدمات، وقعت اضطرابات أثرت سلباً على الوضع الاقتصادي، وقوضت ظروف الاستقرار التي هي شرط لأي ازدهار اقتصادي. وقد برهنت بعض التجارب في الأرجنتين مثلاً أن خصخصة القطاعات الإنتاجية فشلت أيضاً، وعاد العمال إلى تسيير بعض المصانع التي أفلست في ظل الخصخصة.

واليوم، عندما يختار لبنان طريق خصخصة القطاعات الخدماتية الحيوية، لأن وسائل الإنتاج هي في الأساس تحت سيطرة القطاع الخاص، فإنه، بذلك، يقضي على مقومات النهوض الاقتصادي، بل يؤسس لاضطراب اقتصادي واجتماعي، يجعل من الصعب التغلب على مصاعب وإرث أزمة بنيوية وحرب تدميرية استمرت أكثر من 16 سنة، بل يؤدي إلى زيادة هذه المصاعب، ودفع البلاد نحو المزيد من الهزات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياحية، الأمر الذي يؤدي إلى عواقب وخيمة.

         إن التركيبة الاقتصادية التي كانت قائمة في لبنان قبل الحرب كانت تزاوج بشكل أفضل بين وظائف القطاع الخاص ووظائف القطاع العام التي كانت محصورة في بعض مرافق الخدمات، بينما القطاع الخاص يهيمن على جميع الأنشطة الإنتاجية في الصناعة والزراعة والسياحة والمال، وبعض المرافق الخدماتية مثل التعليم والصحة.

إلاً أن الدولة، نظراً لظروف واعتبارات سياسية عديدة، قامت برفع الدعم عن بعض الخدمات ورفعه عن الطحين مثلاً... وتقليص خدمات أخرى، لتشجيع انتقالها إلى القطاع الخاص، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كلفة المعيشة. وهذا المسار لا يزال يتخذ منحى تصاعدياً يتجلى بمحاولات لنقل ما تبقى من الخدمات كالكهرباء والمياه، والمصافي والمطار والاتصالات والريجي، إلى القطاع الخاص، الأمر الذي سيؤدي إلى رفع كلفة المعيشة وزيادة الأجور، ثم يؤدي إلى ارتفاع كلفة جميع السلع المنتجة في لبنان. وينطبق ذلك على السلع الصناعية والزراعية، والخدماتية والسياحية، ويؤدي، عاجلاً أم آجلاُ، إلى تقويض الاقتصاد، نظراً لحرمان لبنان من استعادة دوره التنافسي.

         كلمة أخيرة حول تبرير انتقال بعض مرافق القطاع العام لا سيما الخدماتية والأساسية منها (كالكهرباء، والمياه، والاتصالات...) في سياق معالجة المديونية!

         فإذا كان المقصود من الخصخصة، هنا، بيع مرفق عام لمعالجة الدين العام، أليس المفترض أن يكون هذا المرفق العام مجزياً يدر الأرباح؟

وإذا كان هذا القطاع يدر أرباحاً على الخزينة فلماذا خصخصته؟ أليس الأجدى إبقاؤه للقطاع العام والإفادة من أرباحه؟

* أمّا إذا كان هذا المرفق العام خاسراً، فهل سيجد له شارياً يشتريه وهو مخسر، ولم لا يجري إصلاحه إذا كان سبب خسارته فساداً في إدارته؟

ينجم عما تقدم: أن خيار الخصخصة المتطرفة، القائم في لبنان يجب أن يكون مرفوضاً لأسباب منها:

أولاً: أنه يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي الذي هو شرط الاستقرار والازدهار الاقتصادي.

ثانياً: أنه يؤدي إلى حرمان لبنان من احتلال موقع تنافسي، بين مراكز إقليمية عديدة، تتوافر لها جميعاً شروط أفضل من الشروط المتوافرة الآن في لبنان.

ثالثاُ: أنه يحول دون التغلب على المصاعب الاقتصادية وبناء اقتصاد مزدهر ويؤدي إلى نجاح الغزو الاقتصادي الذي يحرم الاقتصاد اللبناني حتى من سوقه الداخلية.

إن رفض خيار الخصخصة المتطرفة هو ضرورة عامة تهم جميع قطاعات المجتمع وبصورة خاصة القطاعات الاقتصادية.

ورفض خيار الخصخصة المتطرفة لا يعني رفض الاقتصاد الحر واقتصاد السوق، لأنّ ما ينبغي أن يشغلنا في بلد مثل لبنان هو إبقاء بعض المرافق الخدماتية تحت إشراف القطاع العام لتسهيل عمل القطاعات الإنتاجية، والمساعدة على تفعيل هذه القطاعات.

بيروت 23/9/2005

 

 زاهر الخطيب، الأمين العام لرابطة الشغيلة،

عضو منبر الوحدة الوطنية، "القوة الثالثة"