د. محمد عياش الكبيسي يقول: أبعاد ما سيجري في العراق لن يقتصر على المستقبل العراقي ننظر إلى الشعب العراقي على قاعدة موقفه من المحتل الفيدرالية التي يصنعها المحتل تسعى إلى تفتيت العراق الاحتلال هو الذي يسعى لأن تكون حرب أهلية |
حاوره: خالد أبو حيط، جوزف عبدالله
التقت "العرب والعولمة" د. محمد عياش الكبيسي، ممثل "هيئة علماء المسلمين في العراق" في الخارج، في السادس والعشرين من كانون الثاني 2006، في حديث مطول حول آخر مستجدات المقاومة العراقية والوضع في العراق.
حاوره: خالد أبو حيط، جوزف عبدالله
العرب والعولمة: قبلت بعض القوى العراقية بالانتخابات ثم اعترضت عليها وعلى نتائجها، هل تعتبرون في "هيئة العلماء المسلمين في العراق" أن الانتخابات مثلت فرصة مناسبة لإخراج الوضع العراقي من مأزقه؟
د. م ع الكبيسي: بسم الله الرحمن الرحيم. نؤكد على أن الانتخابات والعملية السياسية برمتها لا يمكن الوثوق بها في ظل الاحتلال. والقوى التي كانت قد امتنعت عن المشاركة في هذه الانتخابات وافقت عليها ليس عن قناعة بأن هذه الانتخابات هي حل حقيقي، وأنها انتخابات لها شيء من المصداقية، وإنما بسبب أن الانتخابات السابقة وتفرد بعض القوى الطائفية والمدعومة من الخارج بالقرار أصاب الكثير من المكونات العراقية بالضرر الكبير، ملأت السجون بالمعتقلات، فضيحة سجن الداخلية، وكما هو معلوم الاعتداء على الأئمة والخطباء والجامعات وكذلك حتى النساء اعتقلن من قبل هذه الحكومة... الكثير من الناس بدأ يفكر بطريقة ثانية، لا يريد الآن حلاً سياسياً جذرياً لموضوع المحتل، الآن يفكر كيف يدفع الضرر عن نفسه وعن أبنائه وعن نسائه، كيف يخفف الضرر قدر المستطاع في هذه العملية، كيف يكون له دور في صناعة القرار. "هيئة علماء المسلمين في العراق" كان موقفها واضحاً، كانت تنصح بأنه لا يمكن أن تكون هناك انتخابات ذات مصداقية وشفافية ونزيهة في ظل المحتل. فالمحتل له مشروع، وهو يحاول أن يمرر هذا المشروع عبر هذه العملية السياسية.
الذين دخلوا في العملية السياسية هم يؤيدوننا من حيث المبدأ، لكن كما قلت كانوا يتوقعون أنه ربما يستطيعون أن يخففوا شيئاً من الضرر بهذه المشاركة. النتائج التي حصلت الآن أيدت وجهة نظرنا في أنه لا يمكن الوثوق في عملية سياسية في ظل محتل أجنبي. أنا اليوم ذكّرت، وأذكّر باستمرار بمقولة الرئيس بوش عندما قال بأنه ينبغي أن تنسحب القوات السورية من لبنان قبل موعد الانتخابات اللبنانية، لأن بقاء جندي سوري واحد في لبنان يؤثر على مصداقية الانتخابات اللبنانية. طيب، فكيف لا يؤثر على مصداقية الانتخابات العراقية وجود ما يقارب 200 ألف عسكري أجنبي في العراق، بينهم 150 ألف جندي أميركي؟
أدركت المقاومة العراقية أن الأميركان ربما يخططون، من خلال العملية السياسية ومن خلال جر كل الناس ومن خلال الضغط عليهم للمشاركة في العملية السياسية...، أنهم يحولون محاصرة المقاومة.
لذلك كان تصرف المقاومة حكيماً ولم تستجب لهذا المشروع، لم تشأ أن تنعزل عن المجتمع المحيط بها، فأصدرت قراراً واضحاً بأنها تترك الخيار للشعب العراقي، ليقرر المشاركة بنفسه أو عدم المشاركة، وتلتزم بهدنة طيلة أيام الانتخابات. كان هذا قراراً حكيماً، مع إدراكها بأن هذه الانتخابات فاشلة، وأنها لا تؤدي إلى حل حقيقي. ولكنها المقاومة أعطت فرصة للشعب العراقي لكي يقدر حقيقة الأمر. الآن لما ظهرت نتائج الانتخابات، وأنها لا يمكن أن تخرج عن الأصابع الأميركية، لا يستطيع أحد أن يلقي باللوم على المقاومة، أو أن يقول المقاومة همشتنا، أو المقاومة حرمتنا من حقوقنا السياسية... فكان هذا الأمر في غاية الحكمة بتقديري. والناجح الأول والأخير من هذه العملية هو المقاومة. ولهذا ازداد تلاحم الناس الآن مع المقاومة.
العرب والعولمة: هل يمكن أن نفهم من كلامكم وكأن هناك وجهات نظر مختلفة داخل المقاومة حول الانتخابات العراقية. هل يمكن الحديث فعلياً عن تباين في وجهات النظر داخل المقاومة حول هذا الأمر؟
د. م ع الكبيسي: إذا تكلمنا عن المقاومة فالأمر بالعكس. الذي أثبتته المقاومة خلال العملية الانتخابية أنها لن تقف عائقاً أمام خيار الشعب العراقي في المشاركة أو عدم المشاركة. إذا قرر الشعب العراقي المشاركة فالمقاومة تلتزم بهدنة. الذي حصل هو أن حصلت هدنة حقيقية في البلاد. الناس ذهبوا إلى صناديق الاقتراع بمنتهى الهدوء والأمن والحرية، من جانب المقاومة. وهذا بالعكس أظهر أن المقاومة على قدر كبير من التنسيق، وإنما هي التي تتحكم بالساحة الأمنية العراقية.
العرب والعولمة: صور البعض الهدنة النسبية التي جرت في ظلها الانتخابات وكأنها مرتبطة بأوراق إقليمية، وكأن المقاومة ورقة إقليمية يتحكم بها بعض الأطراف الخارجية، أو كأن هناك صفقة ما جرت بين الأميركان وبعض الأطراف الإقليمية لتمرير هذه الانتخابات. إلى أي مدى ترون في المقاومة هذه القراءة قراءة صحيحة؟
د. م ع الكبيسي: إن ما حصل هو، بكل وضوح، أن المقاومة العراقية قدرت الظروف التي تحيط بالشعب العراقي والضغوط التي تتعرض لها كل مكونات الشعب العراقي ورغبة الناس في دفع الضغوط والضرر من خلال المشاركة في الانتخابات. الذي حصل أن المقاومة اتخذت قرارها بإرادة داخلية وليس بإملاء خارجي. والدليل على أنها لم تكن خاضعة لأي طرف أجنبي، أنه بعد الانتخابات مباشرة صعدت المقاومة من عملياتها. والآن تشهدون عمليات نوعية وكمية كبيرة جداً، منها سقوط أربع طائرات عسكرية أميركية في غضون 10 أيام. هذا يدلل على أن المقاومة هي سيدة الموقف، وأنها هي التي تتحكم بالساحة العراقية، وأنها لا تخضع لأي إملاء خارجي.
العرب والعولمة: تتهم المقاومة بأنها لا تملك برنامجاً سياسياً بديلاً عن الانتخابات. يعني المقاومة تقاتل، تدفع الدماء، تستشهد، تقوم بالعمليات... ولكنها اضطرت إلى قبول البرنامج السياسي المتمثل في الانتخابات. هل تملك المقاومة، فعلاً، برنامجاً بديلاً، أو رؤية سياسية بديلة للانتخابات، لا سيما في ظل رفضكم للانتخابات العراقية؟
د. م ع الكبيسي: في الحقيقة، هناك جملة اعتراضات على هذا السؤال. أولاً، حينما نتكلم عن بديل، يبدو الأمر وكأن هناك حلاً مطروح والمقاومة تبحث عن بديل له، أو يجب أن تبحث عن بديل عندما ترفض هذا الحل. الانتخابات في نظرنا ليست حلاً. إنها جزء من المشروع الأميركي. العملية السياسية في ظل المحتل هي جزء من مشروع أميركي. نحن نؤكد على قضية منطقية أن الاحتلال ليس جمعية خيرية. هو لم يأت من أجل استبدال نظام بنظام آخر، بل جاء من أجل مشروع كبير وواسع، في العراق وفي المنطقة. وهذا المشروع من المنطقي والبدهي أن يمرر خلال عملية معينة، فهذه العملية لا تخرج عن أصابع المحتل. وبالتالي هو ليس حلاً، ورفض هذا المشروع مسألة منطقية وطبيعية.
أما كون المقاومة تمتلك برنامجاً سياسياً، أو لا تمتلك، فنحن نقول: المقاومة فعل ينبع من إرادة سياسية، لا يمكن أن يكون هناك فعل عشوائي ويستمر ثلاث سنوات، بهذا الجهد وهذا التنسيق الكبير. الأميركان بكل ما أوتوا من قوة عسكرية وأمنية ومخابراتية عجزوا عن معالجة المقاومة العراقية. هذا دليل على أن المقاومة العراقية لها رؤية واضحة، ولها تخطيط دقيق. المقاومة تسأل الناس هذا السؤال، تعيد السؤال على العالم.لأنه أصبح من مصلحة العالم أن يعرف ما هي المقاومة العراقية هذه التي أربكت المشروع الأميركي ثلاث سنوات ، ولا زالت في تصاعد. من مصلحة العالم أن يعرف حقيقة المقاومة العراقية، من مصلحة العالم أن يبحث عن طريقة ما لمعرفة كيف تفكر المقاومة العراقية. الوضع في العراق لا يسمح بوجود مكتب سياسي للمقاومة العراقية. من المعروف أن الأميركان ضاقوا ذرعاً ببعض وسائل الإعلام، ومنها قناة الجزيرة، لأنها حاولت أن تنقل شيئاً من الحقيقة. فكيف نستطيع أن نتخيل مثلاً وجود سياسي للمقاومة العراقية داخل العراق؟ وفي خارج العراق ليست هناك دولة واحدة تتجرأ على مجابهة أميركا، وأن تسمح للمقاومة العراقية بأن تعبر عن نفسها.
إذا اقتنع العالم، أو امتلكت القوى العالمية أي قدر من الشجاعة لكي يسمح للمقاومة العراقية بأن تعبر عن نفسها، فأنا أعتقد ستجدون أن للمقاومة العراقية برنامجاً سياسياً، ولها قدرة سياسية، علاوة على قدرتها العسكرية. أنا أذكر في لبنان عقد مؤتمر بهذا الخصوص، وطبع ملف واسع عن المقاومة العراقية لكل المشاركين في المؤتمر، أدركوا من خلال جمعهم لبيانات المقاومة المتناثرة في وسائل الإنترنت وفي بعض الصحف... أن المقاومة العراقية من خلال كل البيانات والمواقف التي اتخذتها، إنما تنطلق من رؤية سياسية عميقة وواضحة. وهي مقاومة هادفة لا تقتل من أجل القتل، هي تريد الاستقلال للعراق، وتريد ضمان وحدة العراق، وتريد قيام دولة عراقية تحترم التعددية، وتحترم المواثيق الدولية، وتسعى لإقامة علاقات ودية مع كل دول العالم، ومع دول الجوار خاصة.
العرب والعولمة: تدور مفاوضات حالية حول تشكيل حكومة عراقية. كيف تتصورون نتائج هذه المفاوضات؟ وماذا تتوقعون من الحكومة المقبلة؟
د. م ع الكبيسي: نحن نتمنى أن يتمكن الأفرقاء العراقيون من تشكيل حكومة وطنية حقيقية، تطالب بخروج المحتل وبجدولة انسحابه. ولكن كل المؤشرات تدل على أن هذه الحكومة لن تختلف كثيراً عن الأشكال الحكومية السابقة، من "مجلس الحكم" إلى "الحكومة المؤقتة" إلى "الحكومة الانتقالية"، تلك الحكومات التي وضعها المحتل، والتي ما أن تستلم السلطة حتى تطالب ببقاء القوات الأجنبية. أنا أذكر بالمناسبة مقابلة مع الرئيس بوش في مؤتمر صحفي، حيث سئل: ماذا إذا شكلتم حكومة عراقية، وطالبتكم هذه الحكومة بالانسحاب من العراق؟ فأجاب قائلاً: أنا متأكد أن الحكومة التي ستشكل لن تطالبنا بالانسحاب. وهذا ما حصل بالفعل! نحن نتمنى أن تكون هناك قوى عراقية قادرة على تشكيل حكومة، ولكن مع وجود قوات عسكرية أميركية هائلة في العراق، لا يمكن أن يكون هناك حكومة تستطيع أن تخرج عن ضغط المؤسسة العسكرية الأميركية.
العرب والعولمة: هل تعتقدون أن الانتخابات التي جرت تعبر حقيقة عن النسب الموجودة داخل المجتمع العراقي وبين أبنائه؟
د. م ع الكبيسي: من الآثار أو المؤشرات السلبية والسيئة لهذه الانتخابات أنها لم تكن انتخابات على أساس البرامج. لم تقدم برامج. الذين رشحوا أنفسهم لهذه العملية لم يقدموا برامج، مع الأسف الشديد. يفترض بالعملية السياسية أن تكون حاملة لحل للمشكلة العراقية. إذا كان العراق يعاني من مشكلة الاحتلال أو مشكلة التشرذم أو التناحر والتفرق، فيفترض بالعملية السياسية، إذا كانت عملية وطنية، أن تكون حلاً لهذه المشكلات. لكن المراقبين يؤكدون بأن الانتخابات ساهمت في تقسيم المجتمع العراقي أكثر وفي تمزيق نسيجه الوطني. كانت الانتخابات على الهوية المذهبية والعرقية. يعني القائمة الكردية ينتخبها الأكراد، وقائمة الائتلاف الشيعية ينتخبها الشيعة، وقائمة التوافق السنية ينتخبها السنة. هذا إفساد للمجتمع العراقي، وهو يدخل ضمن مخطط واسع وخطير انتهجه المحتل، وفيه سياسة قديمة جديدة: سياسة فرق تسد.
العرب والعولمة: هل تعبر نسبة 20% مثلاً لأهل السنة عن حقيقة هذه النسبة ضمن النسيج العراقي؟
د. م ع الكبيسي: بالعكس، نحن ننكرها تماماً. كان بوش يقول السنة 20%، ثم من موقف آخر يعرضون على "الحزب الإسلامي" الذي قاطع الانتخابات الماضية 20% من المقاعد. والآن تظهر النتائج 20%. كل هذا دليل قاطع على أن هذه النسبة مرسومة بالريشة الأميركية. وهي ليست تعبيراً حقيقياً عن حقيقة النسب في المجتمع العراقي. وعلى كل حال نحن في المقاومة لا تعنينا كل هذه النسب. نحن ننظر إلى انقسام الشعب العراقي على قاعدة موقفه من المحتل. فما هي نسبة العراقيين الرافضين للمحتل؟ وما هي نسبة العراقيين، لا سمح الله، القابلين بالمحتل؟ أما أن يكون التقسيم على أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي، فهذا التقسيم غريب كل الغرابة عن المجتمع العراقي.
العرب والعولمة: الدستور العراقي يبدو لنا، من الخارج، وكأنه يدفع باتجاه الكونفدرالية والمزيد من التقسيم. الدستور الذي أقر حالياً في ظل الاحتلال، برأيكم هل يمكن الحكومة الجديدة من أن يكون لها آليات استعادة للسيادة والوحدة الوطنية العراقية، أم إنه سيقوم بالدفع باتجاه المزيد من التقسيم؟
د. م ع الكبيسي: أقر هذا الدستور الفيدرالية. لكن دعني أقول أن هناك العشرات من أنواع الفيدرالية التي تحكم في العالم. الفيدرالية التي أقرها الدستور العراقي فيدرالية غريبة وشاذة، وهي برأينا فيدرالية ملغومة. ما معنى مثلاً أن يكون ضمن هذه الفيدرالية، في قانون توزيع الثروات، أن الحكومة المركزية لها الحق في التصرف بآبار البترول المكتشفة سابقاً فقط؟ لماذا إثارة أطماع بعض المكونات أو بعض المحافظات في الشعب العراقي؟ ماذا مثلاً لو أن حكومة الإقليم قررت إيقاف استثمار بئر من الآبار، وبدأت باستثمار بئر جديدة من آبار النفط؟ ما هو الحل؟ القانون لا يمنع ذلك. القانون يؤكد فقط على أنه من حق الحكومة المركزية أن تستثمر وتتدخل في الآبار القديمة.
موضوع الدفاع: تنص الفيدرالية على أن لكل إقليم الحق بإنشاء قوة حماية مستقلة عن الإقليم الثاني، يعني إعادة تجربة "البشمركة" في الشمال. مثلاً، لكل فيدرالية ثروات ويسمح لها بإنشاء جيش يحمي هذه الثروات، تخيل ما هي النتيجة بعد ذلك؟ الخارجية أيضاً: القانون ينص على أن لكل إقليم الحق، ليس الحق فحسب، وإنما صيغة القانون "يكون لكل إقليم"، يعني ليس على سبيل الجواز ولكن على سبيل الإلزام، يكون لكل إقليم ممثلون في سفارة العراق في كل دولة من دول العالم. يعني سفارة العراق في لبنان مثلاً ننتظر أن يكون هناك ممثلون عن إقليم كردستان وعن إقليم الجنوب وعن إقليم الوسط، وهكذا...
إذا كانت الخارجية والاقتصاد والدفاع منقسمة، فما الذي سيضمن وحدة العراق كدولة؟ ولهذا فهذه الفيدرالية ملغومة. نحن في "هيئة العلماء المسلمين في العراق" وفي كل القوى الرافضة للاحتلال، ممكن أن نقول بأن العراق يحتاج إلى نوع من اللامركزية، صحيح، بحكم التعددية الموجودة في العراق، بحكم الفسيفساء العراقية. لكن الفيدرالية التي يصنعها المحتل تسعى إلى تفتيت العراق. وهذا يدخل في سياق خطير جداً، هو تفتيت كل الدول العربية، والدول الإسلامية، لا سيما الدول القريبة من إسرائيل، لكي تتفرد هذه الخيرة بأن تكون هي القوة الكبيرة والوحيدة في المنطقة.
العرب والعولمة: برأيكم لن تكون الحكومة الجديدة لتلعب أي دور توحيدي في المستقبل القريب؟
د. م ع الكبيسي: الدستور لا يسمح لها. ووجود 150 ألف عسكري أميركي لن يسمح لها.
العرب والعولمة: أيضاً في ظل ما تحدثتم عنه، ما هي نظرتكم لمواصفات الرئيس الجديد الذي ترضون به؟ وهل لديكم أي اعتراضات حول انتمائه العرقي أو الطائفي؟
د. م ع الكبيسي: نحن بالنسبة لنا، نظرتنا تريد العراق مستقلاً، العراق موحداً، وفيه شعب حر يختار حكومته بدون ضغوط أجنبية، يختار رئيسه، وليكن بعد ذلك الرئيس من أي مكون من المكونات العراقية، ليس عندنا مشكلة. نحن نناقش المبادئ ونناقش الآليات، أما الأشخاص والمكونات لا تعنينا كثيراً. ممكن أن يكون شخص مسيحي على دفة الحكم أو شيعي أو سني أو كردي أو تركماني أو عربي، ليس هذا هو المشكل عندنا. لكن أن يترك العراق للعراقيين وهم اللذين يقررون. هذا الذي يعنينا، هذه هي رؤيتنا، وهذا هو ما نريده للعراق والعراقيين.
العرب والعولمة: أعلن الرئيس بوش عن نيته في سحب القوات الأميركية من العراق خلال العام الحالي، وأعلن البنتاغون اليوم تحديداً، أعلن عن تخفيض عدد القوات المتواجدة في العراق. كيف تنظرون إلى هذا الإعلان، وما هي احتمالات الالتزام به أمريكياً؟ وهل يمكن أن ينسحب الأمريكي دون قيد أو شرط، أم سيلجأ إلى ترك حكومة تابعة ورائه؟
د. م ع الكبيسي: كلنا ثقة على أن المقاومة العراقية الباسلة والمتصاعدة كل يوم، كما نرى كماً ونوعاً، أنها ستجبر الأمريكان على الخروج دون قيد أو شرط. لكن لحد الآن نحن نشكك بكل تصريحات البيت الأبيض. بالمناسبة هذا التخفيض ليس تخفيضاً حقيقياً. لماذا، لأنه عدد القوات الأمريكية قبل العملية السياسية الأخيرة كان 136 ألف، ثم قال بأنه نحتاج إلى إضافة أكثر من 10 آلاف جندي من أجل العملية السياسية. الآن يعدون بالانسحاب ويعتبرون هذا خطوة من أجل حل المشكل العراقي والانسحاب من العراق. نحن نشكك في نوايا الأمريكان. أنا في تقديري أن الأمريكان في نهاية المطاف سيقررون الخروج. لكنهم يريدون أن يخرجوا بشكل مشرف أولاً ويتركون ورائهم كما تفضلت حكومة مرتبطة بهم مصيرياً. لم يعد هناك مجال لأن يتعايش الجندي الأمريكي مع الإنسان العراقي. هذه أصبحت قضية مفهومة لأعتى عتاة البيت الأبيض. بقاء الجندي الأمريكي المسلح في العراق، أصبح أمراً مستحيلاً. لكن المخرج الذي يرسمه الأمريكان هو أن يخرجوا بدون أن يخسروا شيئاً من هيبتهم العالمية وسطوتهم العالمية، وأن يكون لهم حكومة تدير شؤونهم وتدير مصالحهم في العراق والمنطقة.
العرب والعولمة: في ظل الحديث عن انسحاب يدور أيضاً حديث آخر عن دور الجامعة العربية وإمكانية تدخل قوات عربية وإسلامية في العراق. ما هي احتمالات مثل هكذا تطورات، وهل من اتصالات مع المقاومة العراقية بهذا الشأن؟
د. م ع الكبيسي: نحن بالمناسبة نعتقد أن جزء من المخطط الذي يلف العراق هو محاولة عزل العراق عن محيطه العربي. ولذلك نحن في "هيئة علماء المسلمين في العراق" سعينا مبكراًَ للاتصال بأشقائنا العرب وبجامعة الدول العربية وبالسيد عمر موسى. وكانت بيننا لقاءات وحوارات مستمرة. أما دخول قوات عربية إلى العراق مع وجود القوات الأمريكية في تقديرنا سيعقد المشكلة كثيراً. هذه القوات هل ستكون فاعلة حقيقة مع وجود قوات أمريكية؟ ستخدم مشروع عراق قومي وطني عربي قي مواجهة مشروع أمريكي؟ أم أنها ستكون قسماً من الإدارة الأمريكية؟
الشعب العراقي يقاوم الاحتلال، نحن طرحنا مشروعاً سياسياً بديلاً سلمناه للسيد عمرو موسى، وسُلم أيضاً للسيد أشرف قاضي ممثل الأمم المتحدة. هذا المشروع هو أن تعلن الولايات المتحدة الأمريكية، إذا كانت صادقة في الانسحاب من العراق، جدولاً زمنياً وبضمانات دولية لانسحابها من العراق. وبعد ذلك يسلم الملف العراقي إلى منظمات دولية محايدة، كالأمم المتحدة وبالتعاون مع جامعة الدول العربية، وحينذاك لا بأس أن تكون هناك قوات عربية لضبط الأمن خلال مرحلة انتقالية. أثناء هذه المرحلة الانتقالية يمكن تشكيل حكومة تصريف أمور تجري فيها عملية إحصاء سكاني وانتخابات بإشراف دولي محايد. نحن نعتقد هذا هي الطريق للحل. أما أن تدخل قوات عربية، مع عدم إعلان جدول زمني ومع بقاء القوات الأميركية، نعتقد بأنه ليس من مصلحة العراقيين وليس من مصلحة أشقائنا العرب أن يتصرفوا بمثل هذا التصرف.
العرب والعولمة: هل ترضون بوجود قوى غير عربية مثل الأتراك أو الإيرانيين حتى في ظل الحديث عن حكومة تصريف أعمال التي تكلمتم عنها؟
د. م ع الكبيسي: نحن حين نقول أن هناك مرحلة انتقالية يجب أن تكون ضمن مخطط لحل المشكلة. في المرحلة الانتقالية هذه الممكن أن تكون هناك قوات محايدة. نحن برأينا لا يمكن أن تكون هناك قوات محايدة من قوى الجوار، لأن قوى الجوار لها بلا شك مصالح في العراق، سواء كانت تركيا أو إيران. ولذلك نحن حتى في المرحلة الانتقالية نتحفظ كثيراً على دخول أي قوات من دول الجوار لأننا لا نريد أن نعقد الأمور، ولا أن ندخل في إشكالات مع أشقائنا وأهلنا من العرب والمسلمين من كل دول الجوار. أما القوى العالمية التي ليس لها مصلحة في العراق، وبرعاية الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي، فنحن ما عندنا إشكال في هذا.
العرب والعولمة: هناك حديث أيضاً عن صراع سني شيعي، وأيضاً أحاديث عن "هلال شيعي" وغيره، ما هي احتمالات الصراع المذهبي في العراق، قبل أو بعد الانسحاب الأميركي المرتقب؟
د. م ع الكبيسي: الذي يعرف تاريخ العراقيين منذ مئات السنين لا يرى عبر ذلك التاريخ أنه هنالك صراع مذهبي أو طائفي قد حصل. لم يحصل في كل التاريخ العراقي أن وقع اعتداء على حسينية أو على مسجد أو على كنيسة، هذا لم يحصل في التاريخ العراقي. لكن مع الأسف الشديد، لما جاءت قوات الاحتلال الأميركية، جاءت بمشروع، وبداية هذا المشروع هو تقسيم نفسي لمكونات المجتمع العراقي. حتى الإعلام الغربي، ومع الأسف بعض الإعلام العربي، نسي أن يسمينا باسمنا الحقيقي كعراقيين مثلما نسمي بقية مواطني دول العالم باسم انتمائهم الوطني. أصبح الحديث عن سنة وشيعة وأكراد يتردد يومياً مئات المرات وكأننا لا ننتمي إلى بلد له اسم وله عنوان وله كل هذا التاريخ. نحن لا نخشى من حرب أهلية، فالمجتمع العراقي مجتمع متماسك من هذا الجانب. لكن الذي نريد أن نوضحه للناس بأنه ليس الأميركان هم الضمانة لعدم حصول حرب أهلية، لأن بعض الناس يقول لو خرجت القوات الأميركية من الممكن أن تكون حرب أهلية. القضية معكوسة تماماً فإذا كانت هناك، لا سمح الله، فرصة لأن تكون حرب أهلية فستكون في ظل الاحتلال، لأن الاحتلال هو الذي يسعى لأن تكون هذه الحرب الأهلية.
العرب والعولمة: كيف تقومون انعكاس الانسحاب الأميركي، فيما لو حصل، على مستقبل المنطقة ككل، وعلى مشروع الشرق الوسط الكبير؟
د. م ع الكبيسي: في الحقيقة، كان من الممكن للأميركان، لو كانوا يفكرون بطريقة حكيمة، أن يضمنوا مصالحهم في المنطقة كلها بأسلوب هادئ وحكيم. لكنهم مع الأسف الشديد استخدموا أسلوب العنجهية واستعراض القوى في العراق وفي المنطقة، وأظهروا عن وجه سيء جداً لهذه القوة بحيث أن الأميركان فقدوا الكثير من مصداقيتهم في شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية والنزاهة وما إلى ذلك. والذي يحصل الآن بتقديرنا هو تآكل لأستاذية أميركا التي تربعت على عرش الديمقراطية والتعددية فترة من الزمن. الآن بدأ الناس يشككون بنزاهة هذه الشعارات. اعتقادنا أن المقاومة العراقية، إذا استطاعت أن تكسر شوكة الأميركان وتجبرهم على الخروج المذل، فهذا يعني انسحاباً هو، كما قال كيسنجر، انسحاب الأميركان ليس من العراق فقط إنما من المنطقة، وربما من العالم، وستظهر قوى عالمية جديدة، وسيلتف الناس حول أقطاب جدد.
أنا اعتقد أن ما سيحصل في العراق سيكون له تأثير على القبضة الإسرائيلية في الكيان الصهيوني في فلسطين، ستتراخى هذه القبضة. وسيكون هناك تأثير عالمي، فأبعاد ما سيجري في العراق لن يقتصر على المستقبل العراقي. سيكون له تداعيات خطيرة على مستوى العالم. وربما هذا هو أحد أسباب تأخر إعلان الانسحاب الأميركي من العراق. إنهم يتخوفون فعلاً من أن يعني انسحابهم أمام ضغط المقاومة بأن هذا الانسحاب لن يقف عند جد، ولن يكون انسحاباً عسكرياً فقط، وإنما سيكون انسحاباً على كل المستويات.
العرب والعولمة: هل تتوقعون أن المنطقة، ودول المنطقة بصيغتها الحالية، قادرة على ملء الفراغ السياسي؟
د. م ع الكبيسي: لم يملأ الأميركان هذا الفراغ بشيء إيجابي. سيكون العالم سعيداً جداً حين تتراخى قبضة هذا الطاغوت الأميركي على المنطقة. سيتنفس الناس الصعداء. دول المنطقة دول ضعيفة وفي الكثير من الأحيان تخضع لأنواع من الضغوط الهائلة من جانب الإمبراطورية الأميركية. إذا تراخت قبضة الأميركان عن المنطقة سيكون بتقديري مجالاً لتكوين شيء من الديمقراطية والحرية. أنا أعتقد ستكون المنطقة بوضع أفضل والإنسان العربي والإنسان المسلم لديه المكونات، لديه عمق حصاري ولديه رصيد حضاري قادر على أن يبني كيانه. الأمر الأهم أنهم لم يملأوا هذا الفراغ بالخير حتى نتخوف من حدوث فراغ بعد انسحابهم من هذه المنطقة.
العرب والعولمة: تحدثتم أنكم تودون أن يتعرف العالم على طبيعة المقاومة وعلى كيفية تصرف هذه المقاومة. السؤال: هل يمكن أن تعطينا صورة لا سيما في ظل الحديث عن صراعات بين جهات المقاومة، آخرها ما تم الحديث عنه من صراعات داخل منطقة الأنبار والرمادي بين أكثر من جناح للمقاومة في العراق؟
د. م ع الكبيسي: أن يكون هناك خلاف في وجهات النظر فهذا أمر منطقي وطبيعي، لكن ما يسجل للمقاومة العراقية حقيقة أنها لحد الآن متماسكة وقراراتها متماسكة. تجربة الانتخابات وإعلانها للهدنة في أيام الانتخابات والتزامها بالهدنة كان هذا مؤشراً واضحاً على مدى تماسك المقاومة. وهناك معارك كبرى خاضتها المقاومة بوجه قوات الاحتلال. أذكرك بمعركة الفلوجة، بمعركة القائم، بمع