طواويس الثقافة |
العرب والعولمة
في هذا
الزمن العربي القلق، المليء بالصراعات والتناقضات، والذي يشهد هجمة إمبريالية
ونضالات وبطولات شعبية، تتصدى للغزاة والمحتلين؛ في هذا الزمن العربي الصعب المليء
بالتحديات والفرص التاريخية والآمال الكبار، وحيث تتسع الهوة بين الحكومات
المستتبعة والجماهير الشعبية، في هذا الزمن الذي تختلط فيه الهزائم بالإنتصارات،
أين يقف المثقفون جدا، وأي دور يلعبون؟
نحن لا نتحدث عن المثقفين الملتزمين بقضايا الوطن والجماهير، الذي يحملون آلام
مجتمعهم وآماله، الذين يبشرون بالتغيير، بفجر جديد ويعملون لإنبثاقه، مغادرين مواقع
طبقتهم المريحة نسبيا، مواقع التردد والخوف والإنتظار وأحلام الصعود إلى صفوف
الطبقة الحاكمة، ليقتحموا المستقبل، مستقبل الوطن الحر العزيز الكريم العادل. لا
نتحدث عن المثقفين الملتزمين قضايا أوسع الجماهير الشعبية، الذين يعملون على كشف
معاناة الجماهير وأسباب فقرها وعوزها وخوفها الدائم من البطالة، ومما يخبؤه لها
الغد من عذابات ومعاناة؛ يكشفون لها أسباب تخلفها. المثقفون الملتزمون الذين ينبهون
الجماهير لحقوقها المستباحة ويكشفون لها أعداءها الحقيقيين، لا الوهميين، في الداخل
والخارج، ويقودون نضالاتها، ويقفون في الصفوف الأمامية، هم وأبناؤهم، في كل صراع،
مهما كانت المخاطر، من أجل صنع وطن حقيقي وغد أفضل. مثقفون ملتزمون، لا يسكتهم خوف،
ولا تقعدهم المخاطر، ولا يغريهم مال أو جاه لمغادرة موقع أو موقف إقتنعوا بصوابيته.
لكن قسما كبيرا من المثففين جدا عندنا، وخاصة في لبنان، يعتقدون أن الإستعلاء عن
الجماهير هو حق لعبقريتهم وواجب عليهم. فلكي تكون مثقفا جدا، عليك أن تتعالى عن
عامة الشعب وهمومه "الصغيرة" مثل المرض والجوع والفقر والبطالة وهموم السكن
والتعليم، أي عن الشؤون الإقتصادية والإجتماعية التي لا تمسهم بشكل مباشر، وينصرفون
إلى عالم السياسة العليا والأفكار التي تتسرب إلى أذهانهم من المجتمعات الغربية
المتقدمة، بما يقوله السادة الكبار في العالم، وبما تنتجه مراكز الدراسات الكبرى في
واشنطن وباريس ولندن، عن قضايا العصر عامة وقضايانا الأمنية والسياسية. عن
"الإرهاب" وعدم إستتباب الأمن في ظل الغزوات والإحتلالات، وخاصة في فلسطين والعراق
ولبنان.
هؤلاء المثقفون جدا يمتهنون مضغ تصريحات قادة الغرب وجهابذته من أمثال بوش وتشيني
وشيراك وبلير، ويعتقدون أن نوايا هؤلاء هو قدرنا المحتوم. فإذا قرر بوش بناء شرق
أوسط جديد مفتت الكيانات، ذو مركزية إسرائيلية، وتحت هيمنة أميركية، "يفنجرون"
أعينهم ذعرا، ناعين العرب ومستقبلهم بأعلى الأصوات وأبلغ الكلمات. وإذا تحدث أحدهم
عن خطة إسرائيلية لإجتياح لبنان عبر البقاع الغربي، ثم الإلتفاف إلى الجبل هذه
المرة للإنقضاض على بيروت وضاحيتها الجنوبية، جددوا جوازات سفرهم لمغادرة بيروت وقت
الحشرة إلى باريس ولندن.
هؤلاء المثقفون جدا لم يصدقوا حتى الآن أن الجيش الأميركي يهزم في العراق
وأفغانستان على يد جماهير شعبية مؤمنة بحقها في الحياة، وأن الصهاينة هزموا في
لبنان في تموز، على يد مئات من المقاتلين الذين "أعاروا جماجمهم لله" كما هزموا في
سنة 2000. ولا يصدقون أن آخر حرب ربحتها إسرائيل عسكريا كانت حرب 1967، وما أتى
بعدها كان هزائم لها أو شبه هزائم.
هؤلاء المثقفون جدا لا يصدقون أن عصر الإمبريالية إلى زوال، وأن الجماهير لا
الحكومات هي التي تصنع التاريخ. يظن هؤلاء أن النظام اللبناني الطائفي الظالم،
والذي يمثل حكم 16 عائلة، هو نظام أبدي لا يتغير، لأنه لم يتغير حتى الآن. وأن أي
جهد لتغييره هو عمل عبثي لن ينتج إلا الخراب والتضحيات المجانية، كما يردد السنيورة
وأتباعه. ولذلك، فرأس الحكمة الإستسلام لأوامر فيلتمان.
باختصار شديد، إن هؤلاء المثقفين جدا يسعون إلى الإستقرار والأمن والبحث عن حلول
ومنافذ للخروج من الصراع المصيري الراهن، هم لا يسعون إلى التغيير رغم أن جميع
الظروف المحيطة والمحلية تدعو بإلحاح إليه. تغيير جذري يسقط هذا النظام وهذه الطبقة
الحاكمة التي فقدت دورها وعليها أن ترحل. وقد أبدع خليل حاوي في وصف أمثال هؤلاء إذ
قال:
"أرى الطاووس يبحر في مراوح ريشه نشوان
يبحر وهو في ظل السياج
ويظن أن الورد والشعر المنمق يستران العار في تكوينه والمهزلة
في صدره ثديان ما نبتا لمرضعة ولا للعانس المسترجلة
ثديان يأكل منهما عسلا ويحصد منهما ذهبا وعاج
لو يستحق صلبته، ما شأنه بصليب إيمان يسوق لجلجلة
وكّلت ريح الرمل تعجنه بوحلة شارع أو مزبلة
هو والسياج وطيوب ثدييه وما حصداه من عسل وعاج..."
العرب والعولمة