القمة مؤشرات ليقظة عربية
عابرة أم مؤسسة لمنظومة امن قومي من طابع جديد

ميخائيل عوض
بيروت 18-4-2007

استقطبت القمة العربية اهتمام ومشاركة قوى ودول وردود أفعال عاصفة، وتمثلت كحدث شغل الرأي العام ووسائل الإعلام والمهتمين أكثر من أي شيء آخر على نفس السبيل منذ سنوات.

ردود الفعل متفاوتة، فالبعض اعتبرها عابرة صوتية كسوابقها من القمم العربية، وآخرون اعتبروها لحظة خطرة تسهل طريق العرب للتسوية السياسية المذلة والخنوع، وتستجيب لخطط إدارة بوش في إنهاك المنطقة بمحاور وحروب أهلية ومذهبية، وصورها على أنها مؤسسة لتبرير عدوان أمريكي على إيران، ومحاصرة سورية باحتوائها أو باستعدائها إذا رفضت الانفكاك عن المقاومات وإيران.

البعض ممن قرؤوا فيها احتمال أن تكون جديدة على أساس ما صدر من قرارات، وما قيل فيها من خطب خاصة خطبة الملك عبدالله بن عبد العزيز، وخطاب الرئيس السوري المقتضب والدال، لكنهم تحفظوا بانتظار الممارسة ونتائجها.

البعض الآخر وجدوا فيها محطة نوعية مختلفة عن السابق، فوصفوها بأنها القمة العربية الأولى، وبأنها أفضل القمم، وقمة تجديد التضامن العربي، وقمة التأسيس لمشروع امن قومي عربي من طابع جديد.

إذا كان لكل فريق حججه ومنطقه وتجربته مع القمم والحالة العربية بما يفيد بعدم ضرورة محاججة تلك الردود والتنظيرات، بقدر تفهمها ونشدان الأفضل مقرونا بما ستقدمه التجربة العملية وآليات التطبيق أكثر منه الاتكال على الأقوال والخطب والقرارات والبيانات الورقية والتقديرات النظرية... فلا بد من إعادة ضبط الوضع العام والتعرف إلى البيئة الإستراتيجية الجديدة المحققة، والبحث في انعكاس وآثار المتغيرات التي انعقدت القمة في لجتها وأثناء تشكلها والتعرف على انعكاساتها على الأوضاع العربية عموما وخاصة في النظام الرسمي العربي.

 ماذا في البيئة الإستراتيجية وجديدها وكيف يمكن أن تنعكس في الحال العربية؟

-     في الولايات المتحدة الأمريكية انقسام حاد وأزمة مفتوحة، ومرحلة انتخابات رئاسية وتوازن رجراج بين الإدارة المتصدعة والمنتهية الصلاحية والمؤسسة الحاكمة المعبر عنها في الكونغرس والبنتاغون وإستراتيجيتها، تقرير بيكر هاملتون، أي أن أمريكا في المرحلة القاتلة إنكفائية مأزومة، متنافسة، همومها داخلية وانتخابية أكثر منها هجومية في الملفات المتفجرة ومنها المنطقة العربية الأكثر التهابا.

-     في إدارة المشروع الامبريالي الغربي تصدع، وتتأزم المجتمعات والإدارات الأوروبية ومع قاعدتها الشعبية. والشواهد كثيرة من ارتباك وإخفاق المستشارة الألمانية، إلى رحيل شيراك وموعد رحيل بلير، إلى غياب القوة القائدة لأوروبا الموحدة، ونهوض موجه يسار اجتماعي، وقيام توازنات قوى حدية في المجتمعات والإدارات تجعل من انشغالاتها الداخلية أولوية على الانشغالات الخارجية، وذلك "أيضا في مرحلة قاتلة وانتقالية دفاعية لا هجومية".

-     في الإدارة الدولية تفكك وظهور منظومة عالمية جديدة تتميز بتعدد الأقطاب المتنافسة والمتصارعة على الموارد ومناطق النفوذ والأوزان، بينما تفلتت أمريكا اللاتينية والكاريبي وتبحث عن منظومة امن إقليمية خاصة بها.

-     آسيا تحث خطاها مسارعة لتشكل قوة صاعدة متناغمة، (الصين، الهند، روسيا)، أو كل منها على انفراد؛ وتتحول الصين إلى قاطرة للاقتصاد العالمي قادرة على التحكم بمستقبل أزماته لاسيما الأزمة التكوينية الأمريكية التي تهدد بظهور أزمة شبيه بأزمة العام 1929، بينما روسية عادت دولة متقدمة في تصدير السلاح والتكنولوجية العسكرية وتحث خطاها لسباق عسكري مع أمريكا الساعية عنوة عن أوروبا لتطويقها بدرع صاروخية وقواعد عسكرية.

-     تواجه ثورات أمريكا والاتحاد الأوروبي الملونة في محيط روسيا وآسيا الوسطى ولبنان أزمات وتتداعى قواها وأدواتها وتنقلب المعطيات والتوازنات في غير صالح المشروع الأمريكي الأوروبي لقرن من السيطرة.

-     تستفيد سورية وإيران والمقاومات من كل ما يجري وتسارع في بناء قوتها وتحولها إلى عناصر مفتاحية في أزمات الإقليم وساحاته المتفجرة، وتتحول إلى اللاعب الأساس في تقرير مستقبله وتزداد قوة بعشرات أضعاف ما كانته قبل سنتين كما هي حال سورية، وكما صارت عليه إيران الصناعية على الصعيد النووي والعسكري والفضاء.

-     القوة بما هي آخر الدواء وآخر أسلحة الغرب في فرض مشيئته والسعي لتأبيد سيطرته على العرب والمسلمين كسرت وانهارت على يد العرب والمسلمين وفوق أرضهم وتسجل مقاوماتهم انتصارات مرموقة على امتداد الساحات المفتوحة على اشتباك (لبنان، فلسطين، العراق، السودان ،الصومال، أفغانستان) بينما تتحول إلى ساحات هزائم واستنزاف وعجز للأطلسي وللقوات الأمريكية والإسرائيلية وفي ذلك تطور استراتيجي ونوعي في رسم سياسات المنطقة وتقرير قواها الوازنة والمؤثرة.

-     تزداد فاعلية الحركة الشعبية العربية بأطيافها المختلفة، وتأتلف بينها حلقات وآليات حوار مجدية، وتتحول إلى حاضن ومؤيد صلب للمقاومات ودول الصمود بينما تضطرب الإدارات والمؤسسات الحاكمة العربية لاسيما منها من غطى الاحتلال في العراق، وتحالف مع إسرائيل وتآمر على المقاومات ودول دعمها وتقف على رأس القائمة النظم في المغرب العربي وشمال إفريقيا ومصر والأردن والكويت وترتبك إدارات المشيخات العربية في الخليج، وتظهر السعودية مؤشرات قوية عن تغيير في دورها وسياساتها ومواقفها.

-     تتقدم منظمة القاعدة وفروعها والقوى المتأثرة بنموذجها لتحتل دورا محوريا في الأحداث ووقائعها وتاليا في مساراتها وتحضر كقوة مخيفة وفاعلة، وقد أضافت إلى جبهاتها ساحات الجهاد لا إسناد شمال إفريقيا واليمن، ولبنان وكلها ساحات مفتاحية في تقرير مسارات الأحداث وخيارات المنطقة واتجاهات التطور فيها.

-     تضطرب دول إسلامية سنية ركنية في المشروعات الغربية خاصة خطة بوش للفتنة والسيطرة على المنطقة في مقدمها باكستان واندونيسيا امتدادا إلى مصر والمغرب والأردن.

في هذا الواقع، وفي هذه البيئة المغايرة عما كان في القمم الماضية انعقدت قمة الرياض، وجرى التحضير لها، وقيل فيها ما قيل وصدر عنها ما صدر، وإذا كانت القمم كما الإدارات هي معطى موضوعي متغير مع متغيرات البيئة فهذا يحفزنا على القول أنها القمة العربية الأولى بين القمم وبأنها قمة التأسيس لمنظومة امن قومي من طابع جديد ونسجل عليها التالي:

-     إنها قمة سورية سعودية بامتياز فجميع وقائع القمة أشارت إلى ذلك بما فيه تراجع دور الأردن وتراجع بل انهيار دور مصر وكأنها دولة طرفية اقل شأنا من الصومال وحكومته المحتلة.

-     كلمة الملك عبدالله دلت على تغيير جوهري في سياسات ومواقف الإدارة السعودية من أزمات المنطقة ومن وقائعها ومستقبلها فلم يسبق أن وقف ملك بوزن السعودية الجغرافي والبشري، والمالي والنفطي، وقال ما قيل من نقد ذاتي ومن إعلان مسؤولية عن الحال العربية المتردية وعن توصيف الاحتلال الأمريكي للعراق وعن رفضه والعمل على واد الفتنة، وما لم يتنبه له الجميع أن قائل هذا الكلام هو ملك السعودية وليس قائدا لقوة أو فصيل مقاوم في ساحات الاشتباك، أي انه يرتب ويترتب عليه متغيرات نوعية كبيرة الأهمية، واقرب الأدلة ردود فعل الإدارة الأمريكية وإلغاء الملك عبدالله غداءه مع الرئيس بوش وصدور الصحف الأمريكية تتحدث عن عزلة بوش وعن دور سعودي نشط لإملاء فراغ الإدارة الأمريكية في المنطقة.

-     سيان من حيث النتائج العملية المعاشة وآثارها على القمة وما بعدها إن كان موقف السعودية منسقا مع المؤسسة الحاكمة الأمريكية أم لا، ففي جميع الأحوال هناك ثلاث سنوات قاتلة لأمريكا يمكن البناء عليها والاستثمار فيها لخلق معطيات مادية لا يمكن الانقلاب عليها. والموقف والدور السعودي الآن في غاية الأهمية، فإذا قررت أن لا فتنة يعني أن الفتنة وئدت؛ وإذا قالت لا فكاكاً عربياً ومطلوباً التضامن يعني أن علاقات سورية سعودية قوية مرشحة لتكون الضابط الحاسم في تطورات المنطقة واتجاهاتها، خاصة وان البلدين شريكان في الساحات المتفجرة، وشكلا على مدى التاريخ البشري في المنطقة نقطة الجذب والتفعيل لشعوب وأمم المنطقة وحركاتها بما فيها الحضارات والديانات، وشكلتا خلال عقود أساس التضامن العربي بعد مغادرة مصر لبيئتها مع زيارة السادات للقدس وتوقيع اتفاق كامب ديفيد.

-     سورية قوية في مختلف الملفات، وهي الأقدر على إدارة الأزمة وتوليد الحلول كما في العراق كذلك في لبنان وفلسطين، وفي العلاقات السورية الإيرانية وامن الخليج والسعي لتوليد منظومة امن إقليمية بين أمم ودول المنطقة المشتركة بالتاريخ والمصالح والجغرافيا والسعي للتحرر من ربقة الاستعمار والتبعية له والتخلف الناتج عنه، فالعلاقة بين سورية والسعودية تؤسس بذاتها لقوة عربية قادرة على الاستثمار في المتغيرات والجاري من تحولات في المنطقة وعبرها ما هو ابعد وأكثر أهمية .

-     في القمة كانت لأول مرة المقاومات ممثلة على هذا النحو، ففلسطين تمثلت بشراكة حماس، ولبنان برئيس الجمهورية والمقاومة العراقية والصومالية كانت حاضرة بدلالة ما صدر عن القمة وما قاله الملك عبدالله والرئيس العراقي عن تحول الغزو الأمريكي إلى احتلال ورفض الفتنة.

-     في القمة حضرت انتصارات المقاومة على أفضل وجه، فالجميع يعرف أن مراهنته على عدوان تموز قد انعكس سلبا عليه وانتصارا لسورية وإيران والمقاومات وان إسرائيل باتت اضعف من أن تفرض شروطها وإملاءاتها كما هي عليه الإدارة الأمريكية بنتيجة زيارة كونداليسا رايس ولقائها مع وزراء خارجية الرباعية العربية وقادة الأمن فيها وعودتها خالية الوفاض من كل ما طالبت وسعت إليه.

لكل ما ورد، ولواقع الحال، ولطبيعة المرحلة، ولتوازن القوى في القمة وفي الميدان... يمكن القول أنها قمة مختلفة. وان ما قيل فيها سيجد طريقه، إن لم كله فمعظمه، للتنفيذ وان بتؤدة وبطء. وستكون قمة الرياض قمة التأسيس لمنظومة امن قومي عربي بينما تشهد قمة دمشق انطلاقتها الواعدة والغد قريب لناظره ولقارئ المتغيرات بعقل منفتح ورؤية واقعية غير معتدة ولا محبطة أو مهزومة.