القرن الأفريقي الملتهب! |
خالد أبو حيط
يحتاج الوضع الأفريقي الى دراسات عدة للإحاطة بجوانبه المختلفة، ولا سيما في ظل التطورات الأخيرة التي ألهبت القارة السمراء من أقصاها الى أقصاها. فليس من قبيل الصدفة أن تقرر الإدارة الأمريكية باستحداث مقر قيادة عسكري خاص بأفريقيا، لولا أهمية القارة والأهمية المقدر لها أن تلعبها في الاستراتيجية الأمريكية من جهة أخرى.
الملفات الساخنة في القارة الأفريقية متعددة ومتفرعة... وتأتي الأحداث الدموية التي يعيشها الصومال على رأس هذه الملفات، وهي الأحداث التي تقترب أكثر فأكثر من المشهد العراقي اليومي. إضافة إلى أزمة دارفور، وتفجيرات الجزائر الأخيرة، والعنف الذي تميزت به الانتخابات النيجيرية، وأزمة الحكم في ساحل العاج، والمستقبل الغامض للصحراء المغربية... وغيرها من الملفات الملتهبة التي لا يبدو أن أياً منها في طريقه الى الحل قريبا... بل على العكس من ذلك، ربما تتسابق جميعها نحو الانفجار.
المسعى الأمريكي في السيطرة على القرن الأفريقي يمتد الى سنوات طوال. وذلك للأهمية الاستثنائية للموقع الجغرافي الاستراتيجي لهذا القرن، والذي يمتد على طول شواطئ البحر الميت ويحرس مدخل المحيط الأطلسي، وصولاً الى مضيق جبل طارق الذي يقف قبالة القارة الأوروبية. فالموقع الاستراتيجي الحيوي، إضافة الى موارد القارة الغنية، كلها من العوامل التي كانت تدفع بأي نظام استعماري الى بسط سيطرته على القارة الأفريقية.
بالنسبة للإستراتيجية الأمريكية، تحتل القارة الأفريقية، ولا سيما القرن الأفريقي منها ودول المغرب الخمس (المغرب، تونس، الجزائر، ليبيا وموريتانيا)، موقعاً هاماً ومميزاً. عدد كبير من دول هذه القارة يقع ضمن نطاق منطقة الشرق الأوسط التي تحاول الإدارة بسط نفوذها عليه بالقوة العسكرية المباشرة. ومصالح الولايات المتحدة في القارة كثيرة ومتعددة:
1 – تسعى الولايات المتحدة الأمريكية الى انهاء ما تبقى من مناطق نفوذ فرنسية في القارة الأفريقية، ولا سيما في دجيبوتي وساحل العاج، وكذلك البقية الباقية من نفوذ بريطاني في زمبابوي. بعبارة أخرى، تريد الإدارة الأمريكية التفرد بالسيطرة على القارة الأفريقية التي تشكل ظهيراً أساسياً للشرق الأوسط الجديد الذي تحاول تصنيعه.
2 – السيطرة على منابع النفط في نيجيريا (سادس أكبر منتج للنفط في العالم) والسودان، ومواجهة المطامح الصينية والروسية في نفط هذه المنطقة وعرقلة نموهما الاقتصادي– ولاسيما الصيني منه، وتوفير منابع للنفط يمكن اللجوء إليها في حال تعذر الوصول الى نفط منطقة الخليج لسبب ما.
3 – السيطرة على الشواطئ الشرقية للقارة الممتدة من خليج العقبة وقناة السويس نزولا حتى اليمن للحفاظ على حركة السفن التجارية وحاملات الطائرات التي تسيطر على منطقة الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط.
4 – مواجهة توسع نفوذ الشراكة الأورومتوسطية في القارة الأفريقية، ولاسيما مع دول المغرب العربي المقابلة للشواطىء الإسبانية والفرنسية لممارسة الضغط على أوروبا الموحدة وضمان بقائها تحت السيطرة الأمريكية.
5 – منع قيام مشروع أفريقي موحد، على هيئة الولايات الأفريقية المتحدة الذي يبشر به الزعيم الليبي معمر القذافي، وتقوية نفوذ الحكومات التي تدور في فلك السياسة الأمريكية.
6 – منع ومحاربة امتداد نفوذ الحركات الإسلامية المناهضة لسياسات الولايات المتحدة، ومنع قيام تجربة أفغانية في القارة الأفريقية سواء في السودان أو الصومال أو الجزائر، ولا سيما أن الموقع الاستراتيجي لأي من هذه المناطق، وخصوصاً الصومال، قد يكسب أي تجربة من هذا النوع قيمة سياسية واستراتيجية أكبر بكثير مما كان عليه الوضع في أفغانستان، ولا سيما لناحية التأثير المباشر على دول الجوار وشعوب القارة، أو لناحية الموقع الجغرافي الذي قد يسبب حرجاً عسكرياً للولايات المتحدة وخططها العسكرية في المنطقة.
الأحداث الأخيرة في الصومال، إضافة الى التفجيرات التي وقعت في الجزائر والمغرب مؤخراً تشير بوضوح الى عمق الأزمة التي يواجهها المخطط الأمريكي في القارة الأفريقية. ربما تكون الهزيمة النكراء للولايات المتحدة الأمريكية في الصومال في العام 1992، وراء اضطرار الإدارة الأمريكية الى دفع أثيوبيا للتدخل بجنودها عسكريا لاحتلال الصومال. وربما يكون السبب في ذلك انشغال القوات الأمريكية بتعداد قتلاهم في العراق. غير إن قيام الطائرات الأمريكية بقصف مواقع متعددة في أفريقيا، وكذلك اللقاءات التي قام بها السفير الأمريكي في نيروبي، تأكيد على مدى التورط الأمريكي في الحرب في الصومال وتفويض أثيوبيا للقيام بالمهمة. وهنا سيفتح من جديد ملف الصراع التقليدي الأثيوبي– الأرتيري: فما هي الوعود التي أغدقت على أديس أبابا ثمناً للزج بقواتها في الصومال، ولاسيما بعد اتهام أرتيريا بتمويل وتسليح المحاكم الإسلامية؟ المرجح أن يكون هذا ما دفع الرئيس الأرتيري الى القيام بجولته الأفريقية.
ومن ناحية أخرى حملت التفجيرات في الجزائر، ومحاولة تفجير مقر مراقبة الانتخابات في نيجيريا أكثر من رسالة سياسية الى احتدام المعركة بين النفوذ الأمريكي والحركات المناوئة لها. الرسالة الواضحة هي أن رؤوس الحكومات ليست في مأمن، وأن هذه الحرب قد تستعر لتعميق المزيد من البلبلة والفوضى في القارة الأفريقية، ما يفتح النار على القيادة الجديدة للولايات المتحدة في أفريقيا، حتى ربما قبل أن تشكل لجان عملها وتعد ملفاتها.