منابع القوة |
الشيخ إبراهيم الصالح، لبنان
لما كان سلطان الفكر لا يكفي لردع البشر عما يضرهم والآخرين اضطر الانسان الى سلطان القوة لردع الظلم والعدوان، فتكرس دفاع المعتدى عليه عن نفسه كحق من حقوق الانسان شاء الشيطان وأميركا وكل رجالهم وزبانيتهم أم أبوا.
على هدى "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ..."(الانفال 60)، مضى رسول الله يبحث عن اسباب القوة في المجتمع القبلي حديث الإيمان، فأمرهم "الا ان القوة الرمي" لينكبوا على تحسين رميهم بالقوس، ولما كانت القوة الصرفة لا تفي وغاشمة أحيانا، سبقها بالأخوة بين المسلمين مخترقا بنيان القبائل، ضاربا بعصبية الدم عرض الحائط، جاعلا أخوة الإسلام في موقع أعظم، كذلك آخى بين الأحرار والعبيد، محطما البنيان الطبقي الذي فرق بين الناس، "فالناس سواسية كاسنان المشط"، والإنسان من التراب والى التراب يعود. والدين جاء لينقل العرب من البداوة الى الحضارة : "الأعراب اشد كفرا ونفاقا واجدر الا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله والله عليم حكيم"(التوبة 97).
لقد تهاوت مباني الجزيرة العربية القبلية امام المباني الجديدة، لهزال الأولى وتماسك الثانية، وجاء النصر العسكري كنتيجة منطقية لها، فمشروع الحضارة هو الاقوى حتى لو ازعجنا بذلك ابن خلدون.
وفي يوم القادسية، ولمجابهة اندفاع قوات الفرس الكثيرة عددا، الجيدة تدريبا، الحديثة سلاحا، المجهزة بالفيل المقاتلة التي ما عهدها العرب لا في جاهلية ولا إسلام، وأمام كثرة الإصابات بين المسلمين، اضطر القائد سعد بن ابي وقاص الى العصبية القبلية ليضيفها الى الإيمان والقوة.
فطلب في اليوم الثاني للمعركة التي استمرت اربعة أيام، أن يتمايزوا، أي أن يقاتل كل منهم تحت راية قبيلته، ليزيد الصفوف تماسكا واستبسالا دفاعا عن الدين والامة والذراري- النساء والاولاد والشيوخ- الذين كانوا يرافقون المقاتلة، ما أدى إلى فناء رجال بعض القبائل بكاملهم، وتحقيق نصر على امبراطورية كانت يوما من اقوى الممالك وادومها زمنا.
كيف نستطيع استنباش منابع القوة في مجتمعنا؟
لاسترداد ما اخذ بالقوة سلكت الامة العربية الاسلامية منهج القوة لمحاربة المعتدين الفرنجة في القرون الوسطى واجلائهم عن بر الشام وكل أرضنا، فاستخدام القوة لاحقاق الحق كان وما زال مجال افتخار واعتزاز امتنا التي ما ركعت، وأرست للأجيال قاعدة جهادية: ان كل شبر من ارضنا بل كل ذرة من ترابنا يستأهل دماء مئات الشهداء ليطهر من رجس اعداء الانسانية.
لقد كانت جيوش الفرنجة تتمتع بقوة غاشمة نتجت عن قوة فرسانها الثقيلة التي "لا تقهر" وقهرها صلاح الدين في حطين.
الفرسان المدرعون كانوا عنوان قوة الأجنبي– التطور في نوعية السلاح– فأوروبا التي كانت في آخر مراحل تطور البنية الإقطاعية– الفيودالية اعتمدت هذا النوع من المقاتلة لإرساء قواعد مبانيها الاجتماعية، والملوك لم يكونوا يومها اكثر من اقطاعيين اضيف اليهم لقب الملك لحاجة عند الباباوات سلاطين اوروبا الفعليين، ورثة الإمبراطورية المقدسة، الطامحين لوراثة المملكة الرومانية الشرقية– البيزنطية.
وان كانت الحملات التسع اتخذت بعدا مسيحيا، فلأنه البعد الجامع لتسعير أوار تلك الحروب، إلاّ انه لم يكن الوحيد. فقد كان لاستقرار النظام الاجتماعي لأوروبا، وصغر أرض الإقطاعيات وقلة غلاتها، وعدم وجود آلية لانتقال السلطة الا بتوريث الابن الأكبر لإقطاعية أبيه، والطمع بأرض الشرق، وكنوز أهله التي ملأت أخيلة الأوروبيين المدقعين، وأخبار ألف ليلة وليلة، كلها كانت اسباب حركت الجموع باتجاه بلادنا.
فتقدم الملوك وامراء المقاطعات الطامحين بممالك وارض اكبر، والأمراء الذين منعهم اخوتهم من ممارسة السلطان والفرسان يتبعهم الخدم والأقنان، ليشكلوا الجيوش التي عاثت في بلادنا فسادا غير مسبوق.
ليتفاجا هذا الجمع بما لم يألف من قبل.
لقد وجد مجتمعا حضريا– مدنيا لا كنسية فيه، بل حالة من المواطنة لا قداسة فيها الا للكلمة– القرآن المرجع في الحال والمآل.
- تداول السلطة
لقد أرخى الفقهاء بظل من الشرعية على آلية "سلطة الاستيلاء"، ما حفز الكثير من الرجال لسلوك درب الترقي. وان كان هذا السلوك ممجوج في نظرنا، ولا يتناسب مع رقي الانسان اليوم، إلا انه كان تقدميا في القرون الوسطى بل ومتطور، إذ سمح للخدم والعبيد المملوكين في ان يصلوا الى راس النظام في نهاية هجمات الفرنجة مع ارساء قواعد الدولتين المملوكيتين البحرية والبرجية.
- الحريات
لقد كان للحريات والحقوق في بلادنا مقام مرموق عند الخاصة- الحكام، والعامة- الشعب.
- الانسان حر وليس مملوكا من احد، الكل أحرار، والكل عبيد لله الواحد الاحد.
- حرية الاعتقاد كفلها الدين الاسلامي لكل مواطني بلاد الاسلام من مؤمنين وأهل ذمة. فاهل الذمة من المواطنين غير المسلمين هم في ذمة رسول الله، ومن يجرؤ من المسلمين على خفر ذمة النبي؟
هذا النظام لم يطل أهل الديانات السماوية من يهود ومسيحيين فقط، بل تعداهم ليطال المجوس والصابئة عبدة الكواكب، ووصل المفسرون المسلمون الى اعتبار كونفوشيوس نبيا، وانه المقصود بذي الكفل في القران، وتعدى كل ذلك الى السماح للزنادقة والملحدين الدهريين للعيش في بلاد المسلمين شريطة عدم الدعوة لكفرهم بين الناس.
- حرية التملك حفظها ايضا الدين للناس من مسلمين وغيرهم. فالنبي علم المسلمين بان ابن آدم خطاء، وان كل اوزاره من الممكن ان يعفى عنها الا الدين، حتى الشهيد فلا يعفيه الله من دينه- من حق الناس عليه- وانما يقضيه عنه. وما زالت مأثرة عمر بن الخطاب الذي امر بهدم مسجد في مصر لاعادة بناء منزل يهودي، لعدم جواز الصلاة في مكان مغصوب، خير شاهد.
لقد كان الناس سواسية في حق التملك، حتى الرجل لم يكن له سلطان على ذمة زوجته المالية، فهي صاحبة ذمة مستقلة اعطاها لها الله سبحانه، حينما كانت الملكية الشخصية في أوروبا ممنوعة على الأقنان، الذين يتملكهم الإقطاعيون: فالأقنان والحيوانات الموجودة فوق ارض الاقطاعية كلها كانت ملك للسيد الاقطاعي.
- حرية التجارة: بما تمتع به المواطن من ذمة مالية مستقلة استحق امكانية المتاجرة بماله الخاص، فكيف وان التجارة من خير الاعمال الدنيوية، وهي ما امتهن النبي في حقبة من حياته، وان القرآن سمى الإيمان والإخلاص تجارة: "يا ايها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم"(الصف 10).
- حرية السكن والانتقال: لقد حظي المواطن في بلادنا بحق السكن حيثما شاء، في أي مدينة أو قرية أو حاضرة يختار، فهو ليس تابعاً للأرض، وهو ليس بحاجة لإذن احد، كائنا من كان، للسكن أو للانتقال، فامتهان التجارة كان يفترض انتقال الانسان من مكان الى آخر، وهو ما لن تعرفه أوروبا إلا بعد أكثر من مئتي سنة اي في مرحلة تفكك الاقطاع وبروز الممالك القوية، عندها انتزع مبدأ "دعه يعمل دعه يمر".
- حق التعلم والمعرفة: ان نقيض الاسلام هو الجاهلية، فالعلم والمعرفة من أسس الدين ومن عرف نفسه عرف ربه، وفي القران: "إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب"؛ "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض..." (ال عمران 190-191). وفي حديث النبي: من حق الولد على ابيه ان يسميه اسما صالحا، وان يربيه تربية صالحة، وان يعلمه أصول دينه، واطلب العلم ولو في الصين، ومن تعلم لغة قوم أمن مكرهم.
ويتساوى الرجل والمراة في طلب العلم لحض النبي على ذلك، بل تعداه في قوله: "خذو نصف دينكم عن تلك الحميراء" اي عائشة، فالمرأة تأخذ العلم ويؤخذ عنها.
لقد نبعت قوة مجتمعنا في مواجهة المجتمع الغربي، من هذه الحقوق والحريات التي نظمت حياة المواطنين، ودفعتهم للدفاع عن الأرقى تجاه ما هو أدنى، وليس من قوة الأجناد فقط. وان كنا نقول بان السلاطين اهتموا باستراتيجية المعركة واهملوا استراتيجية الأمة، فلأنهم لم يأخذوا قوة البنيان الاجتماعي بعين الاعتبار كما فعل النبي وسعد، بل استفادوا من مقاومة المجتمع التلقائية للهجمة الغربية دون تخطيط، وهو ما تنبه له نور الدين الشهيد منذ البداية، فحاول توحيد كل المكونات المذهبية المختلفة، وصوغ الناس امة واحدة في مواجهة عدو غاشم.
وليس تمجيدنا له ولإستراتيجيته، بكاءً على طلل، ولا غرقاً في ماضوية جميلة لن نستفيد منها في زماننا هذا، وليس على طريقة "رودس هنا فلنرقص هنا". بل لإحساس عميق منا بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا اليوم، ونحن نواجه امبراطورية الشر المعولمة الأميركية، التي تعادينا في ديننا وقوميتنا ووطنيتنا، وتعادي لغتنا وثقافتنا ومجتمعنا، وتكره فينا مأكلنا ومشربنا وملبسنا، كما عبر عن ذلك بوش في خطبه الأولى لإعلان الحرب على "الإرهاب"، وهو يقصد أمتنا.
لقد استطاع المجتمع الغربي المعولم من بعد زوال الاتحاد السوفيتي، فرض ثقافة موحدة في العالم الى حد ما، صارت معه روسيا والصين، سيدا العالم الشيوعي بالأمس، يتصرفان بمنطق راسمالي صرف، ويتسلح الغرب بمنطق الحريات الشخصية الملونة بلونه، رغم أن "اشكروفت" قد صادر الكثير منها في اميركا بعد احداث ايلول 2001، وقد كانت مقدسة قبل بدء الحرب على "الإرهاب"، يضاف إلى ذلك قوة مالية وصناعية وعسكرية خيالية.
إننا، ومنذ بدايات القرن الماضي، القرن العشرين، في مواجهة مستمرة مع المشروع الغربي الجديد الذي بلغ اوجه في التسعينيات، نواجه آخر هجمة تقودها اميركا علينا، من أفغانستان إلى العراق وفلسطين ولبنان، وتطال كل المنطقة العربية. واننا اذ نبلي جيدا في هذه المعركة عسكريا، إلا أننا لم نستطع حتى اللحظة انتاج مشروع مضاد، مشروعنا الحضاري كأمة لعبت دورا عظيما في التاريخ، وما زال الحاضر يعترف بحاجته لها.
ان المتغيرات المناوئة لأميركا، التي ضربت في أميركا اللاتينية، ما كانت لتحدث لولا المواجهة البطولية للمشروع الامني الاميركي الجديد، ليهزم في العراق ولبنان وفلسطين على التوالي.
الا ان مواجهتنا مع العدو في معارك محدودة النطاق يحددها هو، ما زالت غير ناجعة، وهي تسمح له باعادة بناء مخططاته، وجمع قواه، وإعادة كرات هجومه، مما يفرض علينا البحث عن منابع قوتنا، الكامنة في مجتمعنا اليوم، لكشفها وتطويرها، والاعتماد عليها لتقويم بنياننا الاجتماعي المترهل، ولنرسي أسس إستراتيجية امة حديثة، نستعين بها لأستعادة مكانتنا بين الأمم، والقضاء على عدونا في هذه المعركة الفاصلة، فان الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.