الأزمة اللبنانية
مستجدات تدخل البلاد في المجهول وحالة التحلل

ميخائيل عوض

بيروت 18-4-2007


 

تناسلت مستجدات وأحداث بعضها نوعي ودخلت عناصر جديدة على الأزمة اللبنانية المفتوحة، وضعتها وتضعها على مفترق خطر. وربما تجعل منها أزمة مقيمة لزمن طويل لا فكاك منها بدون انجاز التغيير الحاسم في بنية النظام وفي وظائف ومبررات استمرار الكيان أو الإطاحة به لصالح تشكيلات جغرافية واجتماعية من طابع مختلف عما ساد خلال القرن المنصرم.
من المستجدات:
- تصاعد الحديث عن عدوان صهيوني بطلب من الإدارة الأمريكية المتصدعة والمنتهية الصلاحية، لكون الليكوديين الحاكمين في البيت الأبيض ينزوون ويتراجع ثقلهم، وتنهض في مواجهتهم حركة اعتراض واسعة تتهم الإيباك بقيادة أمريكا إلى أزمتها الكبرى، وذلك كرمى لعيون إسرائيل فاقدة الدور والوظيفية. ولما كانت قبضة الليكوديين تتراخى في الكونغرس والبنتاغون قد يُستعاض عنها باستخدام الهراوة الإسرائيلية على قاعدة "إذا أصابت أصابت وإذا خابت فليكن". والمؤشرات العملية تفيد باحتمال حصول عدوان جديد، يراه البعض في حزيران أو تموز. وقد أشار صراحة إليه نائب الأمين العام لحزب الله، كما كشف بري عن مطالبات إسرائيلية لأمريكا وفرنسا لتغطية عدوان. و يمكن تلمس بعض المعطيات المفيدة في هذا الشأن من وقائع زيادة وتيرة التسلح والتدريب لفرقاء 14 شباط، وبعضه في الأردن وإسرائيل، وطريقة الانتشار والتركيز الأمني والعسكري لهذا الفريق وتشدد زعمائه وتمردهم على التفاهمات السعودية الإيرانية، والسعودية السورية، وما يروجونه من أنهم في انتظار تطورات إقليمية بالغة الأهمية ستقلب الأمور في لبنان رأسا على عقب. كما تفيد الجهود الفرنسية الحميمة لتمرير المحكمة تحت الفصل السابع بما هو تشريع للعدوان ووضع لبنان تحت الاحتلال الدولي كمقدمة أو مبرر لوضعه تحت الاحتلال الإسرائيلي، إلى الجهود الحثيثة التي تقودها فرنسا وبان كي مون لنشر وحدات وقوات عسكرية على الحدود السورية بقصد قطع أي مساعدة لحزب الله في حال وقع العدوان وأثنائه، كما جرت عليه الحال في عدوان تموز ما أسهم في تصليب قدرات المقاومة وصمودها عبر مدها بالسلاح والذخيرة ومنها الأسلحة التي لم تكن قد تسلمتها قبل الحرب.
- خطاب السيد حسن نصرالله الذي اقفل الباب نهائيا أمام أي تسوية، ورفع العتب عن المعارضة بما خص المحكمة الدولية بعد تحويلها إلى مجلس الأمن، وقوله أن الأزمة قد تطول سنتين ولم يعد من حل بدون انتخابات مبكرة من شأن حصولها في أي زمان إحداث التغيير في بنية النظام والسلطة بلوغا لتغيير في وظائف الكيان.
- ظهور القاعدة كطرف أساسي في استثمار المأزق وحالة التراخي والتحلل التي يعيشها لبنان ودولته وبيئته الأمنية. وقد أعلن الشيخ أيمن الظواهري لبنان ساحة جهاد لا ساحة إسناد كما باتت الحال عليه في المغرب العربي وشمال إفريقيا. وما ينشر عن كشف شبكات وأسلحة وخطط للقاعدة، وتحولها إلى قوة وازنة لاسيما وأنها باتت تملك نقاط استناد وبؤر شبه مقفلة كما في مخيمات الشمال والجنوب، وبعض مناطق القطاع الغربي في الجنوب والبقاع الأوسط ومناطق واسعة في الشمال. والجدير ذكره أن القاعدة نجحت في أكثر من ساحة متفجرة في الاستثمار في الأزمات، وبنت لنفسها مكانة وصارت قوة مقررة من أفغانستان إلى الصومال مرورا بالعراق. وعلى ما يبدو أنها استثمرت جيدا في الساحة اللبنانية التي تشكل بالنسبة لها ساحة مفتاحية لأهميتها في الصراع العربي الصهيوني ولتأثيرها على مخططات الغرب ولوجود أهداف سهلة: من الاشتباك مع الإسرائيليين إلى اليونيفيل مرورا بهشاشة الأمن اللبناني الداخلي ووجود مناطق مكتظة ومؤسسات سياحية ومصالح خليجية وأوروبية وأمريكية والتغلغل تحت جنح التناقضات والخندقة الطائفية والمذهبية ووجود حمايات لها في الدولة ومن خارجها. هذا خصوصاً إذا تعاطينا بجدية مع تقرير نيويوركر وسيمور هرش، وما يكتب في إسرائيل حول لعبة الشطرنج القاتلة التي تلعبها بعض الأطراف اللبنانية بالاتفاق مع بعض الأجهزة الأمنية العربية المولجة إشعال الحروب الأهلية والفتن، وسعيها لاستخدام القاعدة والمنظمات السنية الأصولية فيها. ويُضاف إليها التحذيرات المتزاحمة من خطر وجود القاعدة وحجم وجودها في الساحة اللبنانية، فالقاعدة عندما تدخل على خط الأزمة، بغض النظر عمن جاء بها ومن سهل لها، ستكون لاعبا مختلفا من غير الممكن ضبطه ببساطة ويسر، خاصة وان خطابها العلني يسعى لمواجهة شاملة مع المشروع الأمريكي وأدواته من إسرائيل إلى النظم العربية والجماعات والأحزاب المتفاعلة معها أو القابلة بها بما في ذلك اعتراض القاعدة على مشاريع التفاوض والتسويات وما ساقه الشيخ أيمن الظواهري من نقد حاد لحماس خير دليل وشاهد.
- حملة فريق 14 شباط على خطاب السيد حسن نصر الله خاصة ما جاء على لسان جعجع وما قاله ويقوله وليد جنبلاط والجاري في منطقة الجبل من احتكاكات مسلحة شبه يومية بمبادرة من الحزب التقدمي لتأهيل المنطقة لإقامة كانتون صاف عبر شطب المعارضين ومحاولة سحقهم لبناء قاعدة متينة لجنبلاط تفيد في إدارة أزمة أمنية طويلة ويمكنها من تخديم أي عدوان إسرائيلي جديد متوقع.
- انتقال الحديث وتصاعده من تفسير الأزمة بأنها أزمة سياسية تقتصر على ربط المحكمة بحكومة الشراكة إلى الحديث المتمادي عن أجواء حرب أهلية وأزمة نظام وكيان والتحذيرات المتتالية لبكركي وقيادات من جميع الأطياف عن خطر اندلاع الحرب الأهلية ودخول الأزمة مرحلة لا يمكن السيطرة عليها تهدد اللبنانيين بوحدة وطنهم وبلقمة خبزهم وفرصة عملهم.
التطورات والأجواء التي شهدتها البلاد في الفترة القريبة المنصرمة تضعها أمام منعطف جديد في سماته الأساسية:
- انسداد الآفاق أمام أي تسوية سياسية بسبب رفض فريق 14 شباط أي مبادرة والانقلاب على كل ما اتفق عليه، ونجاحه في إسقاط المبادرة السعودية وهي آخر الأوراق الممكن التعامل معها ولا رهان على أن تخرج لبنان من الأزمة بحل "لا غالب ولا مغلوب".
- دنو استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية والأزمة على أشدها من التصعيد وبلا ضوء في نهاية النفق، ما يجعل الاستحقاق مناسبة دستورية بذاتها لدفع الأزمة إلى حالة متقدمة من الاستعصاء والانفجار، خاصة مع غياب أي أفق لتوافق على الرئيس وانقسام مجلس النواب، وفقدان النصاب القانوني لانتخاب رئيس جمهورية، وعجز الفريقين عن إنتاج انتخابات فعلية، وخطر أن تذهب البلاد إلى دستوريتين سياسيتين في واقع يستحل مع توازناته استعادة تجربة الحكومتين عندما خلت الرئاسة بانتهاء ولاية أمين الجميل أو كما جرى عشية غزو 1982 حيث كانت الدبابة الإسرائيلية الناخب الأساس للإتيان ببشير الجميل رئيسا لم تطل ولايته.
- تفاقم الأزمة الاقتصادية الاجتماعية وبلوغها مرحلة متقدمة على ما تكشفه المعطيات الميدانية والأرقام الإحصائية وما ينبه منه الخبراء حتى وليد جنبلاط نفسه وعد الناس بأيام أقسى لاسيما على المستوى الاقتصادي واعتماد الحكومة اللبنانية بالكامل على الأمصال الممدودة لها من باريس3 ومن بعض الإدارات العربية والغربية لتغطية نفقاتها الجارية.
- السؤال إلى متى يبقى الجيش متماسكا وقادرا على مهمة ضبط الأمن بالتراضي، والى متى تبقى المعارضة متعايشة مع الحكومة التي تستخدم كل الصلاحيات وتمارس كل السلطات بما فيها المالية والإدارية والأمنية، وخاصة مع تصاعد النقد لوزارتي العدل والداخلية ومسألة شركات الأمن الخاص والتطويع في قوى الأمن على أساس المليشيا المذهبية، والحال على ما تكشف عنه المعطيات المعاشة باتت الدولة بلا أية هيبة أو حظوة في المجتمع والأجهزة الأمنية في حالة إرهاق وانهيار معنوي وشللية تعكس التخندق في الشارع وبين القوى السياسية والمذهبية.
الأزمة اللبنانية دخلت طورا نوعيا، بتطوراتها، وتداعياته، وآثارها المتراكمة، ومع انسداد آفاق التسويات المؤقتة والترقيدية مع تقدم الاستحقاقات السياسية، خاصة المحكمة والفصل السابع واحتمال العدوان الإسرائيلي، ومع دنو الاستحقاق الدستوري الأخطر، ومعه الاستحقاقات المالية والاجتماعية صارت مفتوحة على احد احتمالين أما حسم سريع، أو حالة تحلل طويلة زمنيا تؤسس لانهيارات أمنية واشتباكات مسلحة، وأعمال اغتيال وارتكاب مجازر وضرب مؤسسات وصولا إلى حالة الإنهاك للمطالبة بحل على يد "حاج خلاص". والمفارقة أن "حاج خلاص" غير متوفر هذه المرة، فلا توافق دولي وإقليمي قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تستغرق سنتين ونصف، ولا توافق إقليمي بعد سقوط المبادرة والتفاهمات السورية السعودية الإيرانية في لبنان، ولا من قوة ردع عربية أو إسلامية أو أممية لضبط الأوضاع ووقف التداعي.
إنها الأزمة الموصوفة لتفكك وانهيار الكيان والمجتمع والانفتاح على خيارات ما فوق قطرية في المدى المنظور.
وحالة الفوضى والتحلل الطويلة نسبيا قد تستغرق سنوات عجاف ستكون مكلفة جدا ما لم يتقدم أحد من طابع جديد يأخذ على عاتقه تحريك المياه الراكدة وكسب قطاعات وازنة، وطرح برنامج حكم يحقق في آن تغييرا في بنية النظام وتجديدا في وظائف الكيان، وتطويرا للبنى الاقتصادية والاجتماعية بما يتناسب مع واقع الحال والتطورات في البيئة المحيطة والإقليمية والدولية.
هل من منقذ؟ هل من قوى قادرة فعلا على تقديم جديد؟ هل تحزم المعارضة أزمتها وتتخلص من ارتهابها من الحكم؟ هل من تغيير جوهري وانقلاب في التحالفات وموقف التكتلات من شأنه أن يسهم في تغير موازين القوى في المؤسسات الدستورية وتاليا في تحريك الراكد؟
تلك أسئلة يجب أن تطرح ليكون الجواب عليها إسهاما في إنضاج البدائل واستحضارها قبل فوات الأوان؟ ويبقى السؤال الأهم: هل يملك اللبنانيون قرارهم بيدهم هذه المرة، وهل من يستطيع قيادة كتلة تاريخية من أجل التغيير ووقف الانهيار؟
إنها مهمة القوى الحية، والكتل الاجتماعية والنخب الطامحة والصاعدة لان البلاد في طور أزمة تمس الكيان ووظائفه، وتستوجب تغييرا في النظام وطبيعته.


ميخائيل عوض

بيروت 18-4-2007