لمناسبة 13 نيسان

يوسف شحادي، لبنان
نقابي، عمال المطابع

 

بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على الحرب الأهلية التي جرى تعمية أسبابها وتسطيح مفاهيم المواطنين عنها، واستسهال التفاسير من مثل أنها حرب الآخرين على أرضنا، والنتيجة "لا غالب ولا مغلوب"، والسبب هو الغرباء، وكثير من المصطلحات والإسقاطات التي نزلت على هذا الجيل لمنع أي ذاكرة علمية واعية تحاسب وتقوّم وتستنتج، ولمنع أي عملية بناء لمواطنية، ولوطن نعيش فيه جميعنا متساوين في الحقوق والواجبات، وأيضا لاعتبار أن الحرب الأهلية كحدث خارج عن الإرادة ومقدر لنا، ويمكن تكراره واستعادته على قاعدة "لا حول ولا قوة...". وما نشهده اليوم من استنساخ لقوى وجماعات وتيارات وتشكيلات وإعادة إحياء لقوى مناطقية وطائفية، وصراعات وسجالات... بعيدة عن المصلحة الجامعة... يتطلب إعادة قراءة علمية بعيدة عن العاطفة والعصبية السائدة اليوم.

 في الأسباب

في الفصل الأول من عام 1975: كانت كافة مناطق وشرائح الشعب اللبناني تخوض صراعات وتحركات على عدد من المستويات. أهمها نضال الحركة النقابية العمالية التي توحدت عام 1974 واستكملت مشروعها الشامل والتحقت بها كل الاتجاهات النقابية الوسطية واليمينية، الطلابية والعمالية والزراعية.                                

العمال الصناعيين: تحركوا حول تعديلات قوانين العمل ومنع الصرف الكيفي والحق في العمل النقابي ومنع زيادة الأسعار للمواد الغذائية وكلفة النقل والمحروقات ولاْستكمال فروع الضمان الاجتماعي والصحي وتصويب الأجور.

العمال الزراعيون: الحق في التنظيم النقابي الذي كان ممنوعاً عليهم. وسقط لمزارعي التبغ شهداء وهم يطالبون بتصويب أساليب التعاطي معهم وتثبيت مواعيد استلام المحاصيل وتحسين أسعارها والحق في العمل النقابي.

الطلاب: حول ديمقراطية التعليم واعتماد سياسة تربوية وطنية وتعريب المناهج ومعادلة الشهادات وتقليص الامتحانات الرسمية وشهاداتها.

الأهم في تحركات الحركة النقابية في تلك الفترة مواجهة سياسة الاستثمارات الأجنبية التي تمثلت في محاولة لتهريب مشروع قانون في مجلس النواب لصالح شركة بروتيين الانكليزية، حول الحق باحتكار الصيد البحري على الشاطئ اللبناني وعلى مساحة المياه الإقليمية، وكان ردّ الصيادين والحركة النقابية مظاهرات على طول الساحل اللبناني من صور إلى أقصى الشمال. وكان لصيدا تحركها العادي والطبيعي جدا، وكان الثمن أن تمّ اغتيال النائب معروف سعد بواسطة قلم- مسدس.

بعد اغتيال معروف سعد المعروف بنضاله الوطني والقومي ازداد التململ والغليان في الشارع اللبناني. وعمّت الإضرابات وموجات الاستنكار معظم الأراضي اللبنانية والقطاعات العمالية والطلابية والسياسية والشعبية تدين هذه السياسات التي تمثلت في قمع العمال والطلاب واغتيال الرموز.

في الأسباب الإقليمية المساعدة: كان أنور السادات قد نصب خيمة الكيلو 101 للتفاوض مع الصهاينة بعد حرب تشرين. وقبلها كانت جولة لكيسنجر وزير خارجية أميركا وعروض تغري أصحاب الأوهام في مشروع لتجزئة المجزأ من وطننا العربي. واتّخذ قرار تصفية القضية الفلسطينية من قبل بعض الأنظمة العربية الملتبسة وموافقة دولية وتغطية سياسية بهدف التخلص من أي تجربة في المنطقة تثبت أن للشعوب الحق في النضال من اجل  الحياة. وهذا القرار اتخذ منذ معركة الكرامة في الأردن ضد العدو الصهيوني والتي أثبتت يومها أن العدو الصهيوني يمكن هزمه، بعكس ما حاولت الأنظمة الرسمية أن تفرض علينا هزيمة حزيران.

بعد معركة الكرامة، بأقل من سنة بدأ التنكيل بالشعب الفلسطيني بحجة الدفاع عن العرش الملكي، ومجازر ارتكبت بحق المواطنين العزل والجرحى.

وبعد تركيز كل إمكانيات المقاومة في لبنان والمواجهات المستمرة مع الجيش الصهيوني، شهد عام 1972 اجتياحاً إسرائيليا محدوداً ومواجهة مشرفة لأحد الضباط اللبنانيين مع الدبابات الإسرائيلية واستشهاده، واستشهاد القائد الأخضر العربي... هذا فضلاً عن اغتيال عدد من قادة المقاومة الفلسطينية. ومن تم حصار للمخيمات الفلسطينية وقصفها بالدبابات والطيران اللبناني. وقد تمكنّت الأحزاب اللبنانية الوطنية والقومية من فك هذا الحصار.

إذا كان لا بد من تأريخ للحرب الأهلية: يبدأ مع بوسطة عين الرمانة واغتيال معروف سعد وانتشار حواجز المقنعين والخطف على الهوية وخطف مضاد، ومن ثم ظهر مصطلح القناص في اللغة اليومية للمواطنين يطلق النار على المواطنين والمنازل والأحياء تارةً من عين الرمانة على طريق صيدا القديمة ومنطقة الشياح وتقاطع مار مخائيل وتارةً  منطقة السوديكو على تقاطع بشارة الخوري خندق الغميق البسطة وصولاً إلى تقاطع المتحف البربير. وردّات فعل تلقائية كما على الخطف أيضا على الرصاص بالرصاص وبشكل محدود جدا وتدخلات وسحب للمسلحين وإطلاق المخطوفين ولجان ارتباط وفك ارتباط... لتتطور بعدها الأمور إلى قصف بالمدفعية والقصف المضاد.

صحيح أن العناوين التي روّجت يومها كثيرة لتبرير الحرب الأهلية. ولكن حزب الكتائب الذي كانت عناصره تتدرب في الأردن لعدة سنوات كان لصاحبه بيار الجميّل يومها العنوان الواضح في إعلان الحرب على "اليسار اللبناني المرتبط باليسار

الدولي"، وهو يناشد "اليمين الدولي" لمساعدته في حربه هذه وإلا سيأخذ اليسار البلد. وتمثل التآلف الداخليّ بينه وبين كميل شمعون حزب الاحرار وغيرهما في ما سميّ يومها الجبهة اللبنانية. وكان  الردّ على هذا المستوى تشكيل المجلس السياسي للحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط والعمل على عزل الكتائب سياسياً بدون رصاص ولم تفلح ومن ثم إطلاق مشروع "الإصلاح السياسي" الذي كان سيشكل نموذجاً متقدماً لبناء الدولة...

استمرار الحرب الأهلية و لكن بأشكال أخرى. منذ بداية وعينا كنا نسمع او نقرأ في التحليلات أنه لا يمكن رهن لبنان سياساً الا اذا رهن اقتصادياً.

في عام 82 ومع الاجتياح الإسرائيلي تم تجيير حصة مصر في التركيب اللبناني لصالح السعودية، مصر التي انكفأ نجمها كلياً في السياسة العربية. دخلت السعودية بقوة الى الساحة اللبنانية بالتمويل والوكالة الحصرية مع تعهد اميركي بعدم اجتياح بيروت فنشطت "سعودي أوجيه" يومها لرفع الدشم والتحصينات العسكرية التي كانت لمواجهة العدو الصهيوني وأضيئت بيروت من البحر بواسطة باخرة مجهزة، لنستيقظ في اليوم التالي على هدير الدبابات الاسرائيلية ومجزرة صبرا وشاتيلا. وتمّ طرد المحتل وملاحقته بجهود حزبية وفردية... تمّ طرده الى حدود المناطق التي اغلقت على نفسها خوفاً من عودة المشروع الوطني الشامل، ودفاع مستميت من ميليشيات طائفية وصراعات ومن اجل احياء توازن طائفي اختل بفعل العدوان الصهيوني ومن اجل تصحيح مواقع في بورصة الكيان اللبناني، توّج بعدها في اتفاق الطائف. وكان اتفاق بين ابناء العائلات السياسية القديمة والميليشيات الطائفية والرشاوي القادمة متمثلة بصناديق تنفيعات مثل المهجرين والجنوب بدل إقرار سياسة تنمية وإسكان شاملة وذات مردود مستمر واقل كلفة. وخلف سياسة الرشاوى هذه كان يمر الاوتوستراد العربي (أوتوستراد السلام) والاستثمارات الأجنبية التي كانت احد اسباب فتح الحرب على الشعب اللبناني الذي رفضها متمثلة حينها بشركة بروتيين التي تمثلت فيما بعد بالأجواء المفتوحة والمديونية وسوليدير وإعفاءات ضريبية ومؤتمرات مالية وهمية وكثير من القوانين والتشريعات وأهمها قانون السفير الاميركي ساترفيلد، يومها وقف على باب البرلمان عند مغادرته وقال للصحفيين وبلغة الأمر: "سيقر المجلس اليوم قانون حقوق الملكية الفكرية".

 ما  زالت الحرب الاهلية مستمرة ولو بدون رصاص وقناصين وخطف على الهوية، مع الخشية من عودة كل ذلك. وتستمر الحرب الأهلية باللاسياسة الإنتاجية وبالغلاء الذي رفضناه وبالاستثمارات الأجنبية، وبالتحريض الطائفي، إنها حرب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ومحاولات تغيير الخريطة السياسية في المنطقة.