الصراع على الساحة الفلسطينية من الانتخابات إلى حكومة الوحدة

حسين عطوي، كاتب من لبنان
houssainatwi@yahoo.com

 

من انتصر ومن تراجع: الخط الوطني أم اليميني؟

هل تخلت حماس عن ثوابت موقفها وسلكت طريق التنازل للاحتفاظ بالسلطة؟ أم أنها زاوجت بين الموقف المطلوب اتخاذه في الوقت الراهن ورؤيتها الإستراتيجية؟

وبالتالي هل نحن أمام واقع جديد فلسطينياً مختلف عن المرحلة الماضية يؤسس لولادة حركة تحرر وطني فلسطينية بسمات جديدة مشابهة لحركات التحرر الوطني العالمية مع تلونها بخصائص الواقع الفلسطيني؟

أم أننا سنعود إلى نفس السياسات التي أنتجت أوسلو وشكلت انتكاسات قاتلة لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني وتفريطا بالحقوق الوطنية والقومية والتاريخية في أرض فلسطين؟

 

كتب الكثير في موضوع الاتفاق، بين حركتي فتح وحماس، الذي أنتج حكومة وحدة وطنية، وقيل أن هذا الاتفاق بما تضمنه من برنامج سياسي شكل تراجعاً كبيراً من قبل حماس عن ثوابت موقفها، وأنها بذلك تسلك الطريق الذي سلكته حركة فتح على صعيد تقديم التنازلات، لكن على نحو أسرع بكثير.

ويخلص البعض إلى القول بان حصيلة الانتخابات النيابية الفلسطينية، التي فازت فيها حماس، أدت إلى توريطها في تشكيل حكومة فلسطينية، على قاعدة اتفاق أوسلو، الذي أنتج السلطة الفلسطينية، وبالتالي فان حماس منذ ذاك التاريخ وضعت نفسها في مأزق جعلها تنخرط في لعبة السلطة، التي كانت قد رفضتها، وتنشغل عن المقاومة التي لم تعد أولوية لديها، والدليل على ذلك توقف عمليات كتائب عز الدين القسام، ويتبنى هذا الاستنتاج اتجاهات مختلفة من اليمين واليسار.

وإذا كان مفهوما أن يكون الموقف من الاتجاه الراديكالي بالتحفظ على المواقف التي أقدمت عليها حركة حماس، انطلاقاً من الحرص على الثوابت الوطنية، فان الأمر ليس كذلك من زاوية الاتجاه اليميني، الذي يأمل بكل تأكيد أن تنحدر حماس في مواقفها إلى المستوى الذي ينسجم مع سياساته، فتسقط وتفقد مبرر وجودها فيعود هو للتسًيد على سدة القرار الفلسطيني باعتبار أن وجهة نظره هي التي انتصرت أخيراً.

لكن هل فعلاً الصورة كذلك؟

هل تخلت حماس عن ثوابت موقفها وسلكت طريق التنازل للاحتفاظ بالسلطة؟ أم أنها زاوجت بين الموقف المطلوب اتخاذه في الوقت الراهن ورؤيتها الإستراتيجية؟

وبالتالي هل نحن أمام واقع جديد فلسطينياً مختلف عن المرحلة الماضية يؤسس لولادة حركة تحرر وطني فلسطينية بسمات جديدة مشابهة لحركات التحرر الوطني العالمية مع تلونها بخصائص الواقع الفلسطيني؟

أم أننا سنعود إلى نفس السياسات التي أنتجت أوسلو وشكلت انتكاسات قاتلة لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني وتفريطا بالحقوق الوطنية والقومية والتاريخية في أرض فلسطين؟

من دون شك ليس بالأمر السهل أن تصل حركة مقاومة في ظروف كتلك التي تعيشها الساحة الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى السلطة عبر الانتخابات وفي ظل احتلال أراد من ولادة هذه السلطة أن تكون استطالة له ولمخططاته لتصفية القضية. ولذلك شكل فوز حماس في الانتخابات التشريعية ضربة قوية وكبيرة للإستراتيجية الإسرائيلية الأميركية التي كانت تسعى من وراء الانتخابات إلى إسقاط شرعية المقاومة، فإذا بها تنتصر وتحظى بتأييد كاسح أماط اللثام عن أكذوبة الديمقراطية الأميركية- الغربية.

وإذا كان مثل هذا الأمر قد أفرج قوى وحركات المقاومة والتحرر في المنطقة العربية، وأزعج وصدم قوى اليمين المتأمرك فلسطينياً وعربياً، فانه سرعان ما فتح سجالاً ونقاشاً حول جدوى تشكيل حماس للحكومة الفلسطينية في ظل سلطة أوسلو، ومدى استعداد إسرائيل وأميركا لتسهيل مثل هذا الأمر ومعهما الاتجاه اليميني الذي يتمتع بامتيازات السلطة ولا يريد التخلي عنها.

وسادت وجهات نظر عديدة تدعو حماس إلى عدم الانغماس في السلطة، والاكتفاء بوجودها في المجلس التشريعي، والتركيز على المقاومة باعتبار أن الشعب الفلسطيني لا يزال تحت الاحتلال، وأن السلطة الموجودة ليست سوى سلطة شكلية لا قيمة لها، ثم أن المشاركة فيها سوف تؤدي إلى أن تصبح حماس أسيرة لبعض قيودها ما يجعلها في تعارض مع خطها ونهجها المقاوم.

وهكذا واجهت حماس معارضة من الاتجاه الوطني الراديكالي والاتجاه اليميني ومعه الإسرائيلي والأميركي الغربي، ومع ذلك فان حماس سارت قدماً في توجهها الجديد الذي يقول بان المقاومة قد حررت قطاع غزة ويجب أن تتولى هي إدارة هذه المنطقة المحررة، خاصة بعد أن فازت في الانتخابات، وهذا الإدارة كانت الوسيلة لبلوغها هي عبر الانتخابات التي أضفت الشرعية على المقاومة سياسيا وشعبياً ورسمياً، وجعلت خوضها للمعركة ضد أخصامها من موقع أفضل، خاصة وأن هناك قناعة لدى حماس بان المعركة كانت ستحصل أن كانت في موقع الحكومة، أو في المجلس التشريعي، لأن ما هو مطلوب هو إسقاط خيار المقاومة، ولذلك الأفضل للمقاومة خوض المعركة وهي تمسك بالحكومة ما يجعل بيدها أوراقاً أكثر في المواجهة تمكنها من إحباط المخطط الذي يستهدفها.

وإذا كانت هذه هي الخلفية، ماذا كانت نتيجة المعركة بعد تشكيل الحكومة من قبل حماس؟ وهل انتهت بتراجع حماس وتسليمها بالشروط الأميركية الإسرائيلية؟ أم خرجت منها منتصرة ووضعت الساحة الفلسطينية على خطى مرحلة جديدة، المقاومة فيها، كخط استراتيجي وليس تكتيكياً، في موقع القرار الفلسطيني.

إن الإجابة على هذه الأسئلة تستدعي قراءة النتائج التي أدت إليها معركة الحصار الخانق الذي فرض على حكومة حماس والشعب الفلسطيني والتي انتهت بتوقيع اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

يعتقد البعض أن العقوبات التي فرضت منعت حركة حماس من أن تحكم، وبالتالي قد أساءت إلى مكانة الحركة على الصعيد الشعبي، ودفعتها إلى التنازل عن ثوابتها، بعد أن استدرجت إلى اشتباكات مع حركة فتح في أوائل العام الحالي.

ويرى البعض أن ذلك تمثل في إعلان رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل أن هناك واقعاً هو أن إسرائيل موجودة على الأرض الفلسطينية، ستبقى دولة اسمها إسرائيل، هذه مسألة واقع، فيما نص اتفاق مكة على احترام الاتفاقات السابقة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك القرارات الصادرة عن القمة العربية، وعن الأمم المتحدة، ومن ضمنها طبعا المبادرة العربية التي تم إعادة التأكيد عليها دون تعديل في القمة العربية الأخيرة في آذار الماضي في الرياض، والتي تنص على التمسك بحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى جانب انسحاب إسرائيل إلى ما وراء حدود الرابع من حزيران عام 1967.

ومثل هذا الاتفاق يشكل قاسماً مشتركاً بين الفصائل الأساسية المكونة للمجلس التشريعي الفلسطيني وحكومة الوحدة الوطنية، الأمر الذي يشكل تطوراً مهما لأنه يرسم سقفا سياسياً واضحاً لأول مرة كحد أدنى لا يستطيع احد تجاوزه، ثم إنه لا يلزم حماس بالاعتراف بإسرائيل أو التخلي عن ثوابت مواقفها لأنه من جهة يتحدث عن صيغة احترام، وليس قبول، أو الاعتراف بالقرارات، ومن جهة ثانية هناك قرارات تنقض قرارات أخرى إذا ما جرى تنفيذها مثل حق العودة وفق القرار 194 والذي يعني تنفيذه عودة خمسة ملايين فلسطيني إلى الأراضي المحتلة عام 48 وهذا بحد ذاته إذا تحقق فانه يساوي عملياً تحرير فلسطين، ولذلك فان صيغة البرنامج السياسي لحكومة الوحدة لا تتعارض من الزاوية العملية مع الرؤية الإستراتيجية أو الثوابت الأساسية التي تصون الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وهي تعبر عن صيغة للإجماع الوطني الفلسطيني تضع حدا للانقسام وحالة التشرذم والتفرد بالقرار من قبل الاتجاه اليميني، وتعيد تصويب الأمور، بعدما انحرفت منذ اتفاق أوسلو المشؤوم.

والاتفاق يشرع المقاومة على الصعيد الرسمي باعتبارها حق مشروع للشعب الفلسطيني بعدما تم التنكر لها في اتفاق أوسلو وتم وصمها بالإرهاب، وبالتالي تم تكريس الصيغة التي اعتمدت في برامج حركات التحرر العالمية التي واجهت الاحتلال  بالمزج بين المقاومة المسلحة والعمل السياسي والدبلوماسي، وبهذا المعنى السياسي فان حماس نجحت في فرض صيغة لا تلزمها بالتخلي عن ثوابتها، وتوفر في الوقت ذاته أساسا لوحدة وطنية على أساس برنامج مرحلي لا يتعارض مع الإستراتيجي، طالما إنه لا يفرط بحق العودة ويتمسك به كشرط من شروط أي حل للصراع، إلى جانب الانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلت عام 67، وبالتالي يوفر ذلك الغطاء لاستمرار المقاومة المشروعة من جهة والتفاوض من اجل تحقيقه من جهة ثانية.

وهذه النتيجة هي معاكسة تماماً لما سعت إليه إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي من وراء الحصار وفرض العقوبات على الحكومة الفلسطينية، وكذلك الشعب الفلسطيني ،الأمر الذي يعد انتصاراً لحماس وفشلاً لواشنطن وتل أبيب ومعهما بالطبع التوجه اليميني في الساحة الفلسطينية.

وهذا يعني أن حماس قد اجتازت معركة الحصار والعقوبات ومحاولات وصمها بالإرهاب، لدفعها للتنكر للحقوق الوطنية والخروج من ثوبها، بنجاح رغم الظروف الصعبة التي واجهتها: حصار إسرائيلي شديد غير مسبوق مدعوم دولياً ومن الدول العربية المحيطة بفلسطين، واستمرار الهجمات الإسرائيلية وإذكاء للفتنة والصراعات والاشتباكات الداخلية لدفع الساحة إلى أتون الحرب الأهلية.

ومع ذلك تمكنت حماس من الخروج من هذا الامتحان والتحدي قوية، حيث لم تنجح هذه التحديات في النيل من شعبيتها. فقد اخفق إضراب الموظفين في السلطة في إضعاف ثقة الناس بحماس، فلم تحصل تظاهرة أو احتجاجات شعبية، وبالتالي عجزت فتح عن تحقيق أي تغيير لصالحها، بل إن الوقائع تشير إلى العكس تماماً، فعلى الصعيد الشعبي حظيت حماس بمزيد من التأييد الشعبي لأنها:

1ـ مارست السلطة بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي مارستها حركة فتح، حيث عززت في عمل الحكومة القضاء والمساءلة والمحاسبة، وتصرفت في التعامل مع المواطنين بذات الطريقة التي كانت تتصرف فيها خارج السلطة فقامت بتوفير احتياجاتهم الاجتماعية ورعاية مصالحهم، وقد عبرت امرأة فلسطينية عن ذلك عندما سئلت عن رأيها في حكومة حماس فقالت: "لماذا تظن الغرب عازماً على التخلص منهم، وتجويعنا، فلو أنهم كانوا فاسدين ويبيعوننا لكان هنية (اسماعيل هنية) يتناول إفطاره مع بوش وعشاءه مع بلير كل يوم".  وقد أظهرت حكومة حماس خلال فترة الحصار حرصاً شديداً على استخدام كل الإمكانيات التي بحوزتها، على ضآلتها، بطريقة عكست الحرص على المال العام والتقليل من الأعباء عن المواطنين، حيث خفضت رسوم المدارس السنوية إلى مبلغ ضئيل يقدر بخمسة دولارات، وقدمت للفقراء الاحتياجات المدرسية مجاناً.

2 ـ تمسك حماس بموقفها الرافض الاعتراف بإسرائيل أو التخلي عن المقاومة والثوابت الوطنية، وقد أدى الهجوم الأميركي الإسرائيلي الغربي عليها إلى زيادة شعبيتها وأدى إلى إضعاف الاتجاه اليميني فلسطينياً.

لقد أظهرت حماس قدرت على التزام مصالح الشعب إلى جانب التمسك بالثوابت الوطنية ما جعلها قادرة على الاحتفاظ بشعبيتها القوية التي كانت الأساس في نجاحها في الانتخابات التشريعية، وهذا ما يبرز أهمية الترابط بين الموقف الوطني والقضية الاجتماعية في إطار النضال ضد المحتل، وهو الدرس الذي أكدته تجربة المقاومة في لبنان، وكذلك تجربة المقاومة الفيتنامية...الخ.

3 ـ إذا كانت حماس تعرضت للانتقاد وفقدت بعض بريقها نتيجة اشتباكات غزة وإبداء بعض المرونة لتشكيل حكومة وحدة الوطنية، فان ذلك ليس نابعاً من موقف يميني مؤيد لفتح، بقدر ما إنه نابع من موقف وطني يريد لحماس ألا تقع في شرك الحرب الأهلية، وألا تنغمس في لعبة التنازلات مقابل الاحتفاظ بالسلطة وعدم الاهتمام بقضية المقاومة التي تراجع دورها فيها في السنة الماضية.

ومع ذلك قد يكون لجوء حماس إلى التهدئة على صعيد الصراع مع العدو يندرج في إطار تكتيك يستهدف التقاط الأنفاس من اجل الإعداد عسكريا والتسلح لمواجهة جيش الاحتلال واعتداءاته، وكذلك لتجاوز الأزمة الداخلية، وهذا ما ظهر من خلال التصريحات الإسرائيلية القلقة من ازدياد تسلح المقاومة وتدريباتها وبالتالي الخوف من تحول غزة إلى لبنان ثان.

يبقى أن نشير إلى أمر مهم يجري الحديث عنه وهو أن حركة حماس تتحدث عن استعدادها لقبول هدنة طويلة الأجل وقابلة للتجديد مع إسرائيل مقابل إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين وانسحاب إسرائيل إلى خطوط عام 67 وتفكيك المستوطنات .

وما يجب التنبه إليه في هذا الإطار، أن تسود رؤية تقول بالاستعداد للقبول بمثل هذه الهدنة على أساس تأجيل موضوع حق العودة، فمثل هذا الطرح، إذا ما تم السير فيه وتسويقه والقبول به إسرائيلياً بضغط أميركي بسبب الأزمة العميقة التي تعيشها إسرائيل والخوف على مستقبلها، سوف يؤدي إلى إنتاج تسوية للصراع العربي الإسرائيلي، وبالتالي خلق وقائع خلال سنوات الهدنة تجعل من الصعب تغييرها، ويصبح موضوع حق العودة صعب التحقيق، فيتم إنقاذ إسرائيل من أزمتها وتعويم مشروعها على حساب الحق التاريخي للشعب الفلسطيني.