المشروع الصهيوني في مهب الريح! |
خالد أحمد أبوحيط
abouhait@hotmail.com
يردد الكثير من قادة العدو الصهيوني وبعض كتب الصحف والمفكرين الاستراتيجيين أن المشروع الصهيوني في فلسطين يواجه مجموعة من الأزمات الاستراتيجية التي قد تودي به بالكامل. فمنذ انتفاضة الشعب الفلسطيني عام 1987، مروراً بالحرب الأمريكية الأولى ضد العراق، وانتفاضة الأقصى عام 2000، ووصولاً الى حرب تموز 2006 ضد لبنان، انكشفت الكثير من الأزمات الاستراتيجية التي تضع المشروع الصهيوني برمته في مهب الريح دون أن يكون هناك مبالغة في هذا القول. هذه الأزمات الاستراتيجية يمكن رصدها كالتالي:
1 – انهيار قدرة الردع للجيش الصهيوني الذي يعتبر الدرع الأساس والحامي الأول للمشروع الصهيوني. فالكيان الإسرائيلي برمته تصح عليه مقولة جيش أقام دولة، وليس العكس. وبانهيار قدرة الجيش الصهيوني على الانتصار في الضفة الغربية وقطاع غزة، وجنوب لبنان فإن أكثر من جرس إنذار خطير وكبير بدأ يدق في قاعات القيادة الصهيونية ولدى الصهاينة في فلسطين. فهذا الجيش الذي جهز ليخوض حرباً ضد 21 دولة عربية مجتمعة، والذي تم تمويله وتسليحه بأحدث وسائل التكنولوجيا العسكرية، إذا به ينكشف على أكثر من جبهة: جبهة الداخل الفلسطيني، حيث استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تستنزف قدرات هذا الجيش وتكتشف شيفرة تعطيل قدراته عبر إجباره على خوض حرب محدودة طويلة الأمد ومتفرقة لا يستطيع معها الاستفادة من ترسانته وتجهيزاته، فغرق في أوحال المواجهات اليومية مع شعب فلسطيني أعزل غير مسلح، وفي مواجهات متفرقة استطاعت أن تلحق العار وتسقط هيبة هذا الجيش بما لا يعود ينفع معه استخدام التكيتيك اللوجستي للجيوش الجرارة التي تستطيع أن تحتل عواصم ودول. تم استنزاف الجيش الصهيوني وإدخاله في معارك فقد معها قدرته على المواجهة في شوارعوأزقة غزة، حتى أن بعض الكتاب الصهاينة ذهبوا الى القول ا، هذا الجيش نسي القتال في ساحات المعارك التقليدية لأن الفلسطينيين أجبروه على الدخول في نمط من المواجهات لا تنفع معه الجيوش النظامية.
في المقابل، ورغم قلة عدد الصواريخ التي انهمرت على تل أبيب في الحرب الأمريكية الأولى ضد العراق، إلا أن تأثير تلك الصواريخ من الناحية العسكرية كان كبيراً. فقد كشف للعالم أن هذا الكيان أضعف من أن يتحمل سقوط الصواريخ فوق أرضه وفي مدنه، وهو الأمر الذي ارتكزت إليها استراتيجية المقاومة في حربها الأخيرة تموز 2006، حيث لجأ حزب الله الى استخدام سلاح الصواريخ في العمق الإسرائيلي الى أقصى حد لما تحدثه هذه الصواريخ من تصدع في بنية المشروع الصهيوني، أكير من كونها سلاحاً حربياً مدمراً.
على أن حزب الله أضاف انجازاً عسكرياً هائلاً في الحرب الأخيرة، وهي ابتداعه أسلوباً عسكرياً استطاع بفضله تحييد سلاح الجو من أي فاعلية عسكرية على أرض المعركة، بحيث أصبحت الطائرات سلاحاً للقتل وارتكاب المجازر وليس سلاحاً يستطيع تحقيق انجازات عسكرية حقيقية. وهذا انجاز كبير بالمقاييس العسكرية، ذلك ان الحروب التي تخاض منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم تعتمد بالدرجة الأولى على سلاح الجو.. هذا ما ارتكزت عليه كل حروب الولايات المتحدة في أفغانستان وكوسوفو والعراق.. وبالتالي، فإن الانجاز الذي حققه حزب الله في منع سلاح الجو من تحقيق انجاز عسكري حقيقي (عدم القدرة على ضرب مراكز الاتصال والسيطرة، وعدم القدرة على ضرب منصات الصواريخ) يكون بذلك قد وضع الجيش الصهيوني برمته خارج المعادلة العسكرية. وتأكيد ذلك أن هذا الجيش لم يستطع أن يسيطر على أي كيلومتر من الأرض في الحرب البرية، رغم كل الإمكانات التي رصدها لذلك.. والذي تقلصت أحلامه وأهدافه من عمق العشرين كيلومتر الى كيلومترين اثنين دون جدوى.
المأزق الاستراتيجي الثاني: الفشل العسكري للمظلة الدولية الحامية للكيان الصهيوني.. ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية.. ففشل الإدارة الأمريكية في تحقيق أي انجاز عسكري في بغداد وحدها، ناهيك عن العراق بأكمله.. وكذلك آثار ذلك الفشل في داخل الولايات المتحدة الأمريكية، يضاف إليه فشل الكيان في حربه ضد لبنان، وهي الحرب التي أريد لها إنقاذ الوضع الأمريكي في العراق، كل ذلك يدلل بوضوح أن أي انسحاب للولايات المتحدة من العراق سيجعل الكيان الصهيوني أماتم مأزق وجودي حقيقي.. ذلك أن ما تخيف به الأنظمة العربية شعوبها بأن الحرب ضد الكيان الصهيوني يعني حربا مع الولايات المتحدة سيصبح مدعاة سخرية واستهزاء بعدما تم تجريب الولايات المتحدة في العراق.. أي أن المظلة النفسية والعسكرية التي تحمي الكيان الصهيوني لن يكون لها فاعلية، أو على الأقل تحتاج الى إعادة ترميم كبيرة وشاقة، ما يجعل الكيان عرضة لأي مغامرة..
المأزق الثالث: انهيار الاستراتيجيات السياسية وفقدان القيادة السياسية.. فحزب كاديما جاء تعبيرا عن فشل كل من استراتيجيتي اليمين (الليكود) واليسار (العمل) في التعاطي مع القضية الصهيونية. فلا سياسة دعوا الجيش ينتصر التي قادها شارون، ولا سياسة أوسلو التي قادها (رابين وبيريز) قد نجحت في إيجاد حل لمشكلة الشعب المقاوم الذي يقع تحت الاحتلال. وقد أثبت حزب كاديما فشله بجدارة فيب إيجاد أي صيغة للتعامل مع المشكلة، مضافاً الى ذلك هزيمته النكراء في الحرب في لبنان.. الأمر الذي أدى الى تدني شعبيته الى أقل من 2%. وجميع استطلاعات الرأي الحالية تشير الى عدم وجود قيادة أو شخصية يمكنها أن تشكل إجماعاً صهيونيا حولها.. ناهيك، وهذا هو الأهم، عدم وجود استراتيجية سياسية أصلاً لدى أي من القادة الحاليين أو المفترضين للكيان الصهيوني.
المحاولات الصهيونية للخروج من هذه الأزمة جاءت عبر سياسات افتعال أزمات سياسية وعسكرية لا قيمة استراتيجية لها حتى ولو حققت أهدافها المعلنة وغير المعلنة.. فلا اتهام عزمي بشارة بالخيانة والتحريض ضد الجمهور الفلسطيني في الداخل سينقذ الكيان من أزماته.. ولا اجتياح قطاع غزة يعيد للجيش قوته على الردع.. ذلك أن المعركة الأولى ستزيد من أزمات الكيان في الداخل هذه المرة وسيفجر حرباً سياسية تدور حول حق المواطنة في مناطق 48، وأما الثانية فلن تمنع سقوط الصواريخ من خارج فلسطين في أية حرب قادمة، ولا تصلح غزة أساساً لانقاذ الجيش الأمريكي من الوحول العراقية.. أضف الى ذلك أن هذا الجيش سيلزمه على الأقل ثلاث سنوات ليكون بمقدوره مجرد التفكير في خوض حرب خارج أرضه (ضد سوريا أو إيران مثلاً)..
بالطبع وكالعادة، تتبرع إحدى الدول العربية لإنقاذ الوضع.. وفي هذا الإطار وحده يمكن فهم اي حديث يدور حول مقايضة حق العودة بالتعويض.. ولكن لهذا الطرح قصة أخرى..