|
من يركب النمر يسقط فريسة له |
العرب والعولمة
حجبت أحداث مخيم نهر البارد كل الأحداث الأخرى، وسرقت الأضواء من ذكرى الإنتصار
التاريخي الذي حققته المقاومة اللبنانية في سنة 2000.
لم تتضح بعد جميع تفاصيل الأحداث المؤلمة هذه، وإن باتت معظم ملامحها واضحة. من الصعب ومن المبكر إستشراف مستقبل هذه الأحداث، وتأثيرها على إصطفاف العديد من القوى السياسية المتصارعة في لبنان.
لا ريب أنه تم الغدر بالجيش اللبناني، عبر جره وتوريطه في معركة لا يستطيع حسمها أو حصرها في منطقة أو مخيم، ولا يستطيع خوضها دون إحداث ترددات سياسية ومذهبية عميقة تنعكس على بنية الجيش وتماسكه. فهل كان زج الجيش في مأزق كبير أمرا مستهدفا، بغية إخراجه من موقعه الوطني الضامن للسلم الأهلي، وتغيير عقيدته وتحالفه مع المقاومة؟
تم استدعاء وتمويل جماعة فتح الإسلام، وما شابهها من تنظيمات أصولية، من قبل قوى فاعلة في السلطة مدعومة بتمويل عربي، وبإشراف أميركي. كما تمت حماية أفراد هذه الجماعة من قبل القوى المهيمنة في السلطة، وتم تبرئتهم من تهم تتعلق بأحداث الضنية والأشرفية والبقاع الغربي، وربما كانوا أبرياء من تلك التهم أو بعضها.
كان الهدف من إستدعاء وتمويل هذه القوى الأصولية، بناء قوة سنية تقف في وجه حزب الله وتسقط سلاحه، أو تعطل دوره الوطني المقاوم. ولكن الذي يركب النمر يقع فريسة له. ففتح الإسلام ليست من تنظيم القاعدة، وليست خارج هذا التنظيم في الوقت ذاته. إنها ترتبط عقائديا به وبتوجهاته الأساسية. وربما كان تغيير موقف السلطة اللبنانية من فتح الإسلام هو بقرار أميركي، أصر "والش" على تنفيذه إبان زيارته الأخيرة للبنان، وربما أيضا بسبب رفض هذا التنظيم لعب الدور الذي أريد له منذ البداية، فالقوى الأصولية السنية تعتبر إسرائيل وأميركا أعداءهم الحقيقيين، وليس حزب الله ومقاومته، ولذلك إستحقت هذه القوى المطاردة.
وبعد تورط الجيش في معركة لم يخترها ولم يبدأها، وتم تأجيجها من قبل قوة ثالثة مدنية ومسلحة، معروفة الإنتماء؛ تم إذكاء كل الأحقاد والأفكار الشوفينية، بذريعة الوقوف وراء الجيش المظلوم، ضد الفلسطينيين والعرب، وتبرئة اللبنانيين من وزر ما حدث. كما عمد فريق في السلطة أعمته الأحقاد، وإستمرأ الاستتباع، لتحميل سوريا مسؤولية ما حدث. حتى سمير جعجع الذي مثل ويمثل أكبر أصولية دينية، والتي لا تمثل فتح الإسلام نقطة في بحر فاشيته وإجرامه، إهتاج حين إشتم رائحة الدم الفلسطيني واللبناني والعربي، فعلا صراخه طالبا إقتحام مخيم نهر البارد، بغض النظر عن نتائج ذلك.
إن الظاهرة الأصولية هي نتاج سياسات إقتصادية وإجتماعية تهمش الجماهير وتفقرها، كما هي نتاج سياسات غير وطنية تخضع لإرادة العدو، وتعادي الأخ والصديق. وقد أنتج النظام اللبناني المناخ والبيئة الأكثر ملاءمة لنمو هذه الحركات. فمنذ عقود، وخاصة منذ أوائل التسعينيات، ازداد تهميش المناطق اللبنانية، فغرقت بالفقر والبطالة والحرمان واليأس. فقد تم التركيز في التنمية على مدينة بيروت وضواحيها دون بقية المناطق. وكذلك تم تهميش قطاعي الزراعة والصناعة، وهما القادران على خلق فرص العمل المطلوبة بإلحاح، ولم يقدم الحكم اللبناني للمناطق المهمشة وأهلها سوى القمع.
ثم عمدت الحكومة اللبنانية منذ أكثر من ثلاث سنوات إلى إنتهاج سياسات معادية للمقاومة. وكانت سياساتها تهدف إلى تهييج أهل السنة لحشدهم ضد المقاومة ذات البنية الشيعية في الجنوب، وتنادي وتعمل على إسقاط سلاح المقاومة، ولوضع لبنان تحت الوصاية الدولية. وتآمر هذا الحكم، بكل أركانه الأساسيين مع العدوان الأميركي الصهيوني في تموز من العام الماضي.
أوليست هذه البيئة التي صنعها الحكم اللبناني، بل الطبقة الحاكمة في لبنان، هي البيئة الأمثل لنمو الأصولية الإسلامية؟
إن السبيل الوحيد لامتصاص هذه الأصولية، يتمثل بقيام حكم وطني قوي عادل معاد للإمبريالية والصهيونية، برفع الظلم والتهميش عن المناطق اللبنانية، ويعمل لإزالة الفقر والبطالة، ويؤمن لهذه المناطق الخدمات الأساسية ويعطي الشعب حقوقه التي أقرتها شرعة حقوق الإنسان، كما يعمل على إنهاء سياسات الاستتباع الوطني، ويحشد الجماهير وراء مؤسساته الوطنية.
وحدها الدولة الوطنية القوية النظيفة العادلة، قادرة على احتواء التيارات الأصولية. أما القمع والبطش وسفك الدماء، فتساعد على نشرها وتقويتها.
العرب والعولمة