|
تقرير سياسي تأسيسي يتواصل بتقرير شهري حال الأمة في عالم يتغير - 3 - |
العرب والعولمة
حال الأمة الآن:
حال الأمة في المستوى السياسي والخيارات الوطنية:
العرب عربان، والصراع يحتدم بينهم ومع الآخرين:
الأمة أمتان، هذه الحالة المستدامة وغير المختصرة في العرب، تتجسد بقوة وعنف أعلى من أية مرحلة أخرى في بيئة العرب المتغيرة، وانعكاس المتغيرات العالمية عليها، وهم على المفترق الحاسم.
- عرب الكمبرادور، من النخب الحاكمة، والمالكة، والمتحكمة بمسارات الأوضاع الاقتصادية والسياسية لدولها، هم عرب التسويات، والقطريات، واللهاث خلف الغرب، والتصالح مع إسرائيل، والولاء لها، والعداء لكل ما هو ممانع، ومقاوم، وشعبي، وساع إلى حقوق الأمة ووحدتها، وتحررها، العرب المتحالفون بسفور مع أعداء الأمة، والمتشكلون أحلاف رباعية، وسباعية، وأمنية، معتدلون في قضايا العرب ومصالحهم منحازون للعدوان على الأمة ومقاوماتها، وراديكاليون في تبني مشاريع الغرب ساعون إلى إخراج أمريكا وإسرائيل من مأزقها التاريخي، والدفاع عنها بتوفير بيئات احتراب الأمة وافتعال الحروب الأهلية في وجه المقاومات ودول مساندتها، وفتح جبهات جانبية، لتخديم المصالح الغربية في مواجهة الأمم والشعوب الأخرى، واستعداء إيران، وشركاء العرب في الجغرافية والمياه، والتاريخ والثقافة، والاقتصاد والأهداف والمصالح المشتركة.
عرب الهزائم، والاقتتال الأهلي، المدافعون بالأموال والرجال عن السيطرة الغربية في المنطقة، عملوا بصورة منهجية ودائمة على إخراج المشروع وأدواته من كل مأزق وقع فيه، فاسقطوا المقاومة الفلسطينية في الأردن بعد معركة الكرامة المشرفة، وأسقطوها في لبنان بعد حرب تشرين، وغذوا الحرب الأهلية المديدة، وشاركوا بتفجير أزمات داخلية في سورية، حاصروا ليبيا، وشاركوا في توريط العراق بالحرب على إيران، ثم بعاصفة الصحراء و الحصار على العراق، وتجويعه، وهرولوا إلى إسرائيل والتطبيع وسعوا لتمرير الشرق الأوسط الجديد، متشكلون في نظم قطرية وكيانات وظيفتها تأمين السيطرة الامبريالية على العرب، ومدها بأسباب الديمومة. حاكمون بدكتاتوريات همجية، تخنق الأنفاس، يستبدلون الجامعات والمدارس بالسجون، استبدادهم يكتم الأفواه، ويحول دون تمكن الشعوب من إدارة مجتمعاتها أو التأثير في إداراتها، منتظمون في إدارات ونظم محمية ومدعومة من الغرب الامبريالي الذي أنجز تقسيم الأمة، وكرس قسمتها وتخلفها بإقامة الكيان الصهيوني الغاصب، وعبر الهيمنة والإلحاق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والدبلوماسي والأمني، عبر وكلائه المحليين، للسيطرة على الثروات ونهبها، والسيطرة على الجغرافية والممرات وإقامة القواعد والأساطيل والجيوش في بلاد العرب وعلى أرضهم وباتفاق مع الحكومات والنخب الحاكمة، ومشاركتها، وجرها لتغطية احتلال العراق، وغزو أفغانستان، وغزو الصومال، والتأمر على السودان، ومحاصرة سورية والضغط عليها، وتمويل وتدريب المخربين، والقوى والمجموعات المذهبية، وتفويض أجهزة الأمن المتعاونة مع المخابرات الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية لإقصاء المقاومات، وتفكيك دول الممانعة، وخوض الحرب بالوكالة عن أمريكا وغربها، وكسر وحدة الأمة والتفافها المحقق نوعيا حول المقاومات وفي أولها المقاومة اللبنانية التي سجلت انتصارات معهودة، وجاءت نتائج حرب تموز على يدها بمثابة التطور النوعي الاستراتيجي الأبرز منذ أربعة قرون ونيف.
هؤلاء العرب يكشرون الان عن الأنياب، وينخرطون بسفور وعلنية في المشروع الأمريكي الإسرائيلي الأوروبي"بل في مشاريع الإدارات المتصدعة والمنتهية الصلاحية في دولها" لتصفية المقاومات، وكسر نموذجها وتمويل الانقلابات عليها كما في بيروت وظاهرة 14 شباط وحكومتها ومشاريعها، كذلك في التجربة الفلسطينية مع سلطة عباس وانخراطه في المشروع الإسرائيلي وسعيه لقطع الطريق على المقاومة لتحقيق بعض طموحات وآمال الشعب الفلسطيني من ثورته المستمرة منذ قرن ونيف، إلى انتظامهم في حلف علني مع إسرائيل لإخراج اولمرت وجيشه وحكومته من أزمته الزلزالية التي يعيشها تحت تأثير نتائج هزيمة حرب تموز" زيارة عبد الله الثاني لإسرائيل، ولقاء ليفني مع حسني مبارك والتحضير لقمة ثلاثية أردنية مصرية إسرائيلية".
في الأمة عرب خيانة، وسفور، وانخراط في المشروعات الغربية لإذلالها وقطع الطريق عليها ومنعها من إكمال إستراتيجيتها بالمقاومة إلى إستراتيجية النهوض والبناء، فعرب الخيانة يتعاملون مع عرب المقاومات والشعوب على أنهم العدو رقم واحد" تصريحات عبدالله الثاني أن أعداء إسرائيل هم أعدائه" ويستعدون ويستحضرون كل عناصر القوة للبطش بهم، رابطين مصيرهم بمصير الكيان الصهيوني وقيادته والإدارة الأمريكية ومستقبلها، وبذلك تتبدى حقائق معاشة لابد من كشفها وإماطة اللثام عنها والتوقف عن التعامل مع العرب كأنهم منسجمون ومتحدون ومتفقون في الخيارات والرؤية والأداء، وكأن نظم عرب التسويات هم العرب وخياراتهم .
عرب الاستسلام، والخيانة، وبروز دورهم التآمري ليس بجديد في الأمة العربية، ولا هي خاصة تمتاز بها لوحدها بل هي الحقائق التاريخية منذ وجدت الإنسانية وهي حال العرب منذ كانت الهجمات الخارجية عليهم ومنذ استهدفوا في جغرافيتهم وثرواتهم ومقدساتهم ومصالحهم والفارق الجديد أن الإعلان بات سافرا، والأدوار صارت أكثر انكشافا مع التطورات الحاصلة في العالم ومتغيراته، وفي المنطقة العربية وتوازن قواها الداخلية ومع أعدائها فانتظم عرب التفريط والخيانة في صف أعداء الأمة باعتبارهم أدوات وعناصر متقدمة في العدوان، وفي ذلك مظهر وإرهاص عن مدى عمق وعنف أزمة السيطرة الغربية على المنطقة ومدى حساسية النظم والنخب الموالية لها للمتغيرات الجارية.
في الجانب الآخر من الصورة، عرب المقاومات، والممانعة، وحركات الشعوب، وهي أيضا ليست منتجا عابرا أو لقيطا، أو جديدا غير مسبوق، فتاريخ الأمة العربية هو تاريخ المقاومة، وثقافتها ثقافة المقاومة، وعقيدتها عقيدة إشهار الممانعة والمقاومة وطلب الحق وإقراره، وما المقاومات وما أنجزته سوى امتدادا وتعبيرا دقيقا عن طبيعة الأمة بأكثريتها الساحقة وبقاعدتها الاجتماعية والثقافية والعقيدية، وشهادة على حيويتها وتمسكها بهويتها، وسعيها الدائم لتحقيق مصالحها وحقوقها التاريخية.
عرب المقاومات والممانعة في طور جديد، وأمام مهام من طابع مختلف:
خلال السنوات السبع الأخيرة، جرت متغيرات نوعية في البيئة العربية، وبين كتل العرب وتياراتهم، فتحقق عمليا ما يلي:
- تغير دور وموقع المقاومة وخيارها ونهجها وصار يحقق إجماعا شعبيا، وتأكد أن المقاومة هي خيار استراتيجي وطريق وحيدة تجدي في التعامل مع المحتل، ومغتصب الأرض والإرادة، فسجلت المقاومة اللبنانية نصرا مؤزرا عام 2000، وأسقطت أهداف الاحتلال، وألزمت العدو الصهيوني وهو وحلفائه في عز القوة الانسحاب من لبنان دون قيد أو شرط وتحت النار، وبذلك قررت أن احد عناصر قوة الكيان الصهيوني الإستراتيجية قد كسرت واضمحلت ما نقصده هو قدرة إسرائيل على احتلال ارض العرب وفرض شروطها، وتأكد هذا المنحى بقدرة المقاومة الفلسطينية التي أطلقتها الانتفاضة، معززة بنصر لبنان 2000، على فرض الانسحاب وتفكيك المستوطنات من غزة، وهي جزء من ارض الميعاد، ونجاح المقاومة الفلسطينية بتحويل غزة إلى قاعدة استمرار للعمل المقاوم، واستنزاف العدو الصهيوني وتحويل جنوب فلسطين إلى منطقة خطرة، تتقاطع مع شمالها التي حولتها المقاومة اللبنانية إلى ساحة حرب مفتوحة تسقط فيها وحدة وتماسك المجتمع الصهيوني وقوة الردع للجيش.
- صار خيار المقاومة، خيار الأمة، وعدتها لانجاز استقلالها، وتثبتت حقيقتها هذه بتكرار التجربة بعد بيروت، في القدس، ومعهما في بغداد وأفغانستان والصومال، وخماسية المقاومة العربية في مناطق الاشتباك والمواقع الإستراتيجية الحاسمة تحقق انتصارات وتحول الساحات إلى ساحات نزف حاد للمشروع الامبريالي بجميع أطيافه وقواه وأدواته، فصار خيار المقاومة قانونا تاريخيا حاكما ومؤسسا في التطورات والأحداث كعنصر حاسم وفاعل يتقدم على دور النظم، والنظام الرسمي العربي والقوة الاقتصادية التي لم تستخدم بل أهديت لأعداء الأمة.
- المقاومات تنتصر، هذه حقيقة معاشة، لا يستطيع احد نفيها، أو التطاول عليها، وهذا ما اعترفت به أمريكا بمؤسستها الحاكمة، وما قررته نتائج الانتخابات النصفية، وما جاء في تقرير بيكر هامتلون، وصار خيار المقاومة خيار الأمة، وقد اعتمدته نظم وأعلنته كما في السودان كذلك في سورية، وإيران.
- كما كانت تجربة المقاومة اللبنانية تجربة قاطرة ونموذجا للمقاومات العربية والإسلامية كذلك نجحت بخوض حرب دفاعية حاسمة، في وجه عدون عالمي توحدت فيه قوى الشر مع النظم العربية الموالية، والقوى اللبنانية التابعة، والاتحاد الأوروبي في ظل صمت وحياد روسيا والصين، وانكفائهما، فجاءت وقائع حرب تموز، ومساراتها، وما انتهت إليه بمثابة تطور نوعي استراتيجي عاصف يحدث زلزالا في البيئة المحلية، والإقليمية والدولية وتمتد مفاعيله إلى ما هو ابعد، لتلامس دورا أساسيا في إسقاط مشروع الشرق الأوسط الكبير والواسع، وفي إسقاط آخر عناصر قوة إسرائيل الإستراتيجية وتكسر قدرتها الردعية، وتدخلها في زلزال شديد الوطأة يلامس بدوره إسقاط وإنهاء الدور الوظيفي للكيان الصهيوني ويجعل قاعدته الاجتماعية في شك من أمرها، ويضع إسرائيل ومكوناتها في حالة اللايقين بجدوى وقدرة الكيان على الاستمرار، وكان لإدارة المقاومة حرب تموز أن حققت وقدمت نموذجا نوعيا مكتملا يشكل واحد من إرهاصات مشروع النهضة القومية العربية الموعودة، فإلى النصر العسكري في حرب عصابات، وحرب نظامية، وامتلاك القدرة والمبادرة، والتنظيم هائل الدقة، قدمت المقاومة نموذجا عصريا لعلاقة السياسي بالعسكري وبالاجتماعي وتفردت في قيادة الجبهة الداخلية بانتظام وتماسك قل نظيره بما في ذلك إعادة إسكان عشرات آلاف العائلات واحتواء اثأر التدمير الهائل الذي افتعلته آلة القتل والتدمير الإسرائيلية مستخدمة أكثر التكنولوجيات العسكرية تطورا. على ذات المنوال نجحت في إبراز قدرتها الإعلامية ودور الإعلام في المعركة العسكرية والسياسية وأنشأت ظاهرات نوعية تشير بالاجتماع مع أخريات على امتداد الساحات العربية من الظاهرات النوعية لتحسم بأن الأمة العربية كانت ذات شأن وهي الآن ذات شأن وسيكون شأنها عظيما في القريب الأتي .
- شكلت سورية، ظاهرة نوعية، بوحدتها، وتماسكها، وبقوتها العسكرية التي أصبحت مرهوبة، وشاركت في حرب الدفاع عن المقاومات وحمايتها، وخاصة في حرب تموز 2006، وبصدق رؤية قيادتها وحنكتها وذكائها على ما قالته الصحف الأمريكية الكبرى، وفي قدرتها الأسطورية على مواجه الحرب المفتوحة عليها من كل جوانبها بعد سقوط ميمنتها بغداد، وسقوط ميسرتها بيروت، وائتلاف عرب التسويات والتفريط مع أعدائها، وفرضهم حصارا عليها، وبعد أن اتحدت اعتى إمبراطوريتين في التاريخ ضدها، واستجارت بمجلس الأمن، وقراراته، ولجانه للتحقيق والمحاكمة، وبرغم ما بذل من سعي عالمي هائل الكلفة لتفكيك سورية وإسقاطها أو تغيير مسلكها، واستهدفت باتصال على مدى عامين في سلسلة من الحروب والضغوط والحصارات، فخرجت منها جميعا مرفوعة الهامة، متمسكة بثوابتها القيم، ومضيفة عليها، وقد صارت أقوى كثيرا مما كانت من قبل فانتزعت اعترافا علنيا بقوتها من المؤسسة الحاكمة الأمريكية ثم من الإدارة المتصدعة وبكونها مفتاح المنطقة وتطوراتها، وما حققته سورية ليس منقطعا، ولا صدفيا، ولا بفعل عناصر وعوامل خارجية أو بسبب تحولات طارئة، بل بفعل التزاماتها الوطنية والقومية وعدم التفريط بها وجاهزيتها لتسديد الأثمان المطلوبة، وبقوة رؤيتها الثاقبة للأمور ومواقفها الوطنية والقومية الحاسمة من احتلال العراق، ومن أحداث لبنان، وفلسطين، وقرارها الصمود والانتقال إلى إستراتيجية مقاومة الدولة التي أعلنها الرئيس بشار الأسد من على مدرج جامعة دمشق في كلمة صارت الحدث، وغيرت من معطيات الواقع نفسه، وتحولت لتكون بذاتها نصف حرب وبنتائجها حرب منتصرة.
- عرب المقاومة والممانعة، كانوا وهم على تحالف مع إيران الجمهورية الإسلامية التي تشترك معهم بألف رابط، ومصلحة، وقد أعلنت الثورة الإسلامية منذ يومها الأول التزامها بقضايا العرب ووقوفها إلى جانبهم ومعهم لتحقيق مطالبهم في فلسطين ولبنان، وفي مواجهة الهيمنة والاستعباد، شريكا في التأسيس لمرحلة جديدة ولعالم مختلف وبيئة إقليمية في غير صالح المشروعات الغربية والهيمنة الخارجية، وكما استثمرت سورية في المقاومات، وفي مأزق النظم الرسمية العربية، وانهيار مشروع التسوية والتفريط وشاركت في صناعة البدائل والخيارات الإستراتيجية الأخرى، استثمرت إيران وعلى توافق استراتيجي مع سورية، ونجحت في التحول إلى قوة إقليمية وازنة ومرهوبة، وامتلكت عناصر التأثير الحاسمة من التصنيع العسكري، والتقني، إلى تقنية الفضاء وتقنية الصناعة النووية التي خاضت معركتها بنجاح باهر وبادارة حكيمة أوصلتها إلى ما صارت عليه قوة إقليمية قطبية صاعدة يحسب حسابها، وشريك قادر في تقرير مسارات المنطقة وطبيعتها، وفي المسارات والخيارات السياسية لتطورات المستقبل.
- الظاهرات والتمردات الشعبية التي حفزتها المقاومات وما بلغته، عززت عزلة النظم، وتأزمها بسبب التحاقها بالمشروع الغربي، وتحولها إلى أدوات واستطالات له، فتحت البلاد العربية ومحيطها الإسلامي على متغيرات نوعية تتمظهر علاماتها في الكثير من الظاهرات المؤسسة، فباكستان في قلب مرحلة مخاض وفي أزمة مفتوحة تستنزف نخبتها الحاكم وتعجزها عن الإحاطة بالأزمات بسبب تحالفها مع العدوان الأطلسي على أفغانستان وتحولها إلى قاعدة له، ودول شمال إفريقيا تضربها عناصر أزمات متناسلة ذات طابع وطني، اقتصادي وسياسي واجتماعي، وتعبر عن نفسها وعمقها بانفجارات أمنية وعسكرية تتحول معها الجزائر، وتونس، والمغرب العربي إلى مناطق وبيئات لتوليد القوى العاملة على إلحاق الهزيمة بالمشروع الغربي وأدواته المحلية، امتدادا إلى السودان وأزماته التي دفعت بقيادته الرسمية للتمرد على قرارات مجلس الأمن واعتماد خيار المقاومة والمصالحات في مواجهة الضغوطات والمشروعات الساعية إلى تفتيت السودان، والسيطرة على ثرواته وتقسيمه، في حين تتحول الصومال إلى ساحة اشتباك لا تقل أهمية عن الجاري في أفغانستان والعراق، وفلسطين، وتستوعب المقاومة فيها وتستنفذ الاحتياط الإقليمي من دول موالية لأمريكا كإثيوبيا، وامتدادا تنفجر اليمين بحرب أهلية مديدة تتصاعد عناصرها ونذرها وتمتد رقعتها وتأثيراتها بسبب انعطافة الإدارة اليمنية وتشبيكها مع المشروع الأمريكي لمقاومة الإرهاب واعتماد اليمن قاعدة للأسطول والقوات الأمريكي الأمر الذي يرجح دخول اليمن في أزمة مفتوحة وتحولها إلى ساحة متفجرة من ساحات الاشتباك العسكري مع الغرب وأدواته.
- الموقف الشعبي العربي الحاسم والاكثري في التفاعل مع المقاومات والتضامن معها، وفي رفض العدوان الأمريكي والأوروبي، وظاهرات المقاطعة، والانتخابات المقوننة التي أنتجت في أكثر من بلد صعود لقوى الحركة الشعبية، وصعود موجة الراديكالية الشعبية في كل مكان دليل قطعي على تحول المقاومات والشعب العربي إلى احد أهم العناصر المكونة للتطورات الراهنة وفي المستقبل وصياغته.
- العراق، والمواجهات الدائرة فيه، وما أوقعته المقاومة من خسائر مهولة، بشريا، واقتصاديا، وعسكريا وحجم الاكلاف الفلكية التي تكبدتها أمريكا في الحرب على العراق، وعجزها المحقق، وقرارها تنظيم الانسحاب وتكبد الهزيمة التاريخية، تحول العراق إلى بيئة صالحة لتكون بوتقة لصهر مصالح وعلاقات الأمم الأربعة المتجاورة والمتشاركة، وذات المصالح التاريخية مع وفي العراق ويبقى احتمال تحولها إلى بؤرة اشتباك وفتيل فتنة بين الأمم وبين تكويناتها في حرب مذهبية ضروس تحتاج إليها الإدارات الغربية لإعادة تعويم وهيكلة مشروعها وتجديد عناصره لتأمين استمرار السيطرة على العرب والمسلمين، بيد أن العراق صار بحق الكمين التاريخي والسبب المباشر في دفع الإمبراطورية الأمريكية إلى الانهيار بعد إعادة هيكلة سيطرتها عن المنطقة العربية والشرق الأوسط وتاليا في العالم وفي أمريكا نفسها على حد قول ايمانوي فاليرشتاين وكثيرون آخرون.
هذه صورة من حال الأمة، واختصارها اتساع الوهدة بين عرب المقاومة والشعوب، وعرب النظم المدعومة والمتحالفة مع القوى الخارجية.
يشتد الصراع بين العربين، وينفتح على احتمالات شتى بينها الاشتباك العاصف أو المنخفض الوتيرة، ويتخذ شكل الاشتباك الأهلي لكنه في حقيقته استمرار للمعركة الوطنية ومعركة التحرر القومي.
النظام الرسمي العربي في حال انعدام الوزن، بسبب طبيعته، وانقساماته، وغياب الكتلة القوية القادرة على تمثيل الشعب والمقاومات، وفرض منطقها ومصالحها في القمم ومؤسسات الجامعة العربية، والحال الرسمية تنذر باحتمال تكريس وتعمق الخلافات ما يؤدي إلى انهيار منظومة العمل المشترك وتأزمها بانتظار ما ستؤول إليه المتغيرات في النظم والمجتمعات.
حال الأمة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية :
ما زالت آثار الانتكاسات التي منيت بها الأمة منذ مطلع القرن الماضي، ضاربة مفاعيلها عميقا، وقد كرسها الاستعمار بأشكاله وأدواته المختلفة، بالتضامن مع الشرائح الاجتماعية التي تسلطت بمساعدته، فحولها إلى أقاليم وأقطار ومشيخات، متصادمة، تعتمد عليه، ملتحقة بالمفرق بالمشروع الامبريالي وعناصره، التحاقا اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وسياسيا، وهذا جل ما سعت إليه القوى الاستعمارية، فتكرست التجزئة، وتشكلت كبيئات حاضنة للتخلف والقطرية، والتبعية وقبلت غالبية النظم تفويض الكيان الصهيوني بادرة المنطقة وحماية قطرياتها ومصالح الشرائح الرقيقة المتنفذة والمهيمنة على السلطات وعلى الحركة الاقتصادية، وتحققت الحلقات الخطيرة على هذا النحو، بعد انعطافة مصر السادات، وعلى اثر انهيار الاتحاد السوفيتي، وانحسار حركة التحرر الوطنية بصيغها وعقائدها القومية واليسارية، وعلى اثر انطلاق مفاوضات التسوية بعد مؤتمر مدريد وتوقيع منظمة التحرير لاتفاق أوسلو، والأردن لاتفاق وادي عربة، وإطلاق عربة التطبيع وإقامة العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع الكيان الصهيوني وفك العزلة عنه.
تكرست هيمنة وتسلط فئات بعينها على الأمة وأقطارها، وفرضت نظمها، وإداراتها، فصادرت الحريات السياسية والاجتماعية وقننتها بالطرق والآليات التي تفرض إعادة إنتاجها على النحو الذي يحقق للغرب مصالحه، وشرعتها على الالتحاق بالاقتصاديات الامبريالية كمناطق نفوذ وسيطرة مباشرة، ونهب للثروات وتبديدها، وحولتها إلى أسواق استهلاكية، ووضعت المقدرات الاقتصادية العربية الهائلة بيد القوى الخارجية تنهبها بالشراكة مع النظم والإدارات، وتحجبها عن الأمة وفئاتها الاجتماعية الدنيا والوسطى، ويمنع العرب من استخدامها في تحصيل حقوقهم، وفي تنمية بلدانهم وشعوبها.
الإنفاق على الحروب العبثية، حرب إيران العراق، وحرب اليمين، والحرب الأهلية اللبنانية، وتبني ودعم حروب الأمريكيين على الاتحاد السوفيتي في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية وأفغانستان إلى تمويل الجيوش الأجنبية وتغطية إنفاق قواعدها وأساطيلها التي تحتل بلاد العرب وتخضعها، بذريعة توفير الحماية للنظم وآبار النفط وخطوط النقل" تدفع السعودية سنويا 8مليار دولار لشركات الأمن الأمريكية لحماية النفط وتنفق 9% من ناتجها على شراء الأسلحة وصفقاتها لتمويل مصانع الأسلحة الأمريكية والأوروبية بموازنة عسكرية تجاوز 24 مليار دولار سنويا" وتستقدم دول الخليج ملايين العاملين من أصقاع الأرض باستثناء العرب منهم، تخديما للمصالح الغربية، وتبدد مئات مليارات الدولارات التي تتعرض للنهب الدوري في سندات الخزانة الأمريكية، وفي تمويل عجوزات موازنتها، كما ألتزمت إعادة هيكلة الدول النفطية والعربية على أسس وصفات إجماع واشنطن الأمر الذي حول الاقتصاديات العربية وفوائضها هبة للشركات المتعددة الجنسية، ولمضاربي البورصة الكبار حيث خسرت البورصات العربية ما يفوق ترليون دولار ذهبت سدا وأضعفت المدخرات وأصابت الطبقات الوسطى بأزمات كارثية.
تفيد التقارير المتخصصة عن حالة اجتماعية كارثية، إذ يجاوز عدد الأميين ال70 مليونا، وما يوازي نصف المجتمع العربي يعيش تحت خط الفقر وخط الفقر المدقع، وتزداد نسب الأمية بين النساء والأطفال، وتزداد نسب التسرب من التعليم في المرحلة التأسيسية والمراحل التالية.
نسبة البطالة تتراوح بين 10 و50% بين الخريجين، وطالبي فرص العمل، بينما تجري عمليات التدمير المنهجي للقطاعات الإنتاجية، وللثروات الباطنية، والطبيعية، وتغزى أسواق العرب ويجري فتحها بلا قيود وعبر الشراكات، والأسواق المفتوحة، ومناطق التجارة الحرة، وجميعها تنفتح على الخارج بينما تمنع على العرب وبينهم ومع المسلمين، والاقتصاديات الأسيوية الناشئة.
زاد من كارثة الالتحاق بالغرب والتبعية له، قبول الإدارات والدول، لاسيما التي كانت تعتمد الاقتصاديات الموجه، والاجتماعية، تطبيق وصفات صندوق النقد وثلاثي واشنطن، والتي سارعت بذريعة التطوير الاقتصادي إلى قبول النموذج والإيديولوجية الليبرالية، ففرطت بالفرص والإمكانات، وقلصت القاعدة الاجتماعية، وأضعفت الطبقات الوسطى، ففتحت بلادها على توترات اجتماعية وإداراتها على المزيد من الالتحاق بالمشروعات الغربية ومصالحها، ولم تنجوا سورية من الفيروس الفتاك وهي قاعدة المقاومة ومرشدها فقد ضربها الوباء أخيرا، وبدأ يأكل من رصيدها الاجتماعي ويفتحها على مخاطر جمة ما لم تنتبه القيادة السياسية وتعيد ضبط الأمور على قاعدة إنتاج اقتصاد سوق اجتماعي تبتنه في المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الذي مازال بحسب نصوص الدستور، والواقع الحزب القائد للدولة والمجتمع، برغم أن قوى السوق في واقع الأمر تبدو الأقدر على اخذ سورية إلى وصفاتها تحت بند الشروط التنفيذية، والإدارية، وخطط التطوير والتحديث.
هجرت الكفاءات والخريجين الذين يربوا تعدادهم عن المليون من المبدعين وأصحاب الاختصاصات العلمية العالية، واستوطنت بلاد الغرب، وحيث توفرت ليها بيئات حاضنة، بينما البيئة العربية مولدة وطاردة، غير عابئة بهذه الثروة وأهميتها برغم الحديث المتمادي لدى النظم ونخبها عن اقتصاد المعرفة ومواكبته.
ظلت القرارات العربية لتطوير العلاقات البينية بين العرب، ولبناء سوق اقتصادية عربية واحدة، حبرا على ورق ما خلى منها ما يفيد الشركات المتعددة الجنسية، وتوابعها، والتطبيع مع اسرائيل برغم اشتداد الحاجة إليها، وبما يعاكس السمة العصرية للاقتصاديات الإقليمية والدولية في الانفتاح والتعاقدات، والأسواق الواسعة بدءا بالأقرب جغرافيا والأكثر تكاملا وانسجاما، ومنعت حركة الانسياب الطبيعية وحاجات الأسواق المفتوحة وما يسمى باقتصاد السوق وقوانينه بقرار وبقدرة قادر.
حجزت الحريات، ومنعت الديمقراطية، وحرمت آلياتها، فكرست نظم وقوانين لإنتاج إدارات بعينها لطبيعتها، ووظيفتها المطلوبة منها، وعندما جربت الإدارات الدولية مشروعها للإصلاح والديمقراطية، في سياق خطة إعادة هيكلة المنطقة بعد غزو بغداد، وإعلان الحرب على الإرهاب ومنظماته التي افترض انها عربية وإسلامية وجرت محاولات لاختبار الديمقراطية والحق الحر بالترشيح والانتخاب، وكان هدف الغرب منها محاولة إنتاج إدارات جديدة بمشروعيات اجتماعية لتفوض بمواجهة المقاومة وتنفيس حالات الاحتقان الشعبي جاءت النتائج في غير صالحها فسارعت مع النظم إلى تطويقها وعزلها والسعي لاسقاطها كما جرى في الانتخابات الجزائرية، والمصرية، وفي التعامل مع الحكومة الفلسطينية الناتجة عن انتخابات فوضت المقاومة وحركاتها بإدارة المناطق الفلسطينية، وسرعان ما تراجعت الدول الغربية عن مشروع فرض الديمقراطية وتحفيزها، وصارت تعمل على تمتين حلف المعتدلين من النظم الاستبدادية في دلالات إضافية على طبيعة النظم والإدارات العربية التي توالي الغرب وتتشكل كوكلاء لمصالحه.
الأرقام والوقائع على المستويات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية تبدو مخيفة، لتخلفها، وعجزها، بالمقارنة مع نواتج الثروات العربية الطبيعة، ومستوى الثروة البشرية، ومقدرتها، وبالمقارنة مع دول أخرى ليس لها ما للعرب من موقع وثروات وقدرات.
في الخلاصة، تتأكد حقيقة أن التبعية والتجزئة، وانخراط نظم وإدارات عربية في المشروعات الغربية كملاحق، وكأدوات، تشكل السبب الأبرز في