بلدية القبيات :

ثلاث سنوات والأزمة مستمرة

جورج عبدو نادر

 

         ماذا حققت بلدية القبيات في ثلاث سنوات من عمرها - أو من عمرنا وما هو الموقف والرأي الفردي أو الجَماعي في مسيرة العمل البلدي خلال السنوات الثلاث المنصرمة ؟ سؤال يستدعي في حال الغوص إلى أعماق الواقع البلدي ، شطره إلى عدة أسئلة ، ليستدعي كل منها مجموعة أسئلة أُخرى. ليس من باب الاعتراض أو المعارضة ، على خلفية سياسية أو ما شابه ذلك ، بل محاولة صادقة للمشاركة في إرجاع العمل البلدي من غربته القاسية  عن متطلبات وهموم وأحلام المجتمع القبياتي . 

قبل الغوص في التحليل والمناقشة ، لا بد من تسطير تحية تقدير واحترام ، إلى اليد البيضاء التي أنشأت هذا الموقع على الإنترنت ، وَعَملت على فتح قناة التواصل الإنساني والحوار العقلاني ، حول مختلف شؤون وشجون المجتمع القبياتي .

يعرف القبياتيون ، ويعرف معهم العديد من المتابعين للشأن العام ، الظروف التي ولدت فيها - أو تحكمت بالولادة - بلدية القبيات ، وهي الظروف ذاتها تقريبا أو تتشابه في منطلقاتها ، والتي تحكَّمت بانتخاب معظم بلديات لبنان ، وتتركز تلك المنطلقات في صراع مرير لا يسعى في أبعاده وأهدافه ، إلى الإمساك بالسلطة البلدية كخطوة اندفاعية ، تتيح للممسكين بها تطوير وتفعيل العمل البلدي بما يليق به ويستحقه مجتمع القبيات ، بل نحى هذا الصراع وغرق في لجة - الأنا أو لا أحد- المستحكِمة بعقول القوى السياسية المحلية ، ما أدى إلى طرح أسماء للترشح تملك ميزة الصفقة الانتخابية ، أكثر ما تملك من وعي مسبق ، وتصور واضح ، للمشاكل المطروحة والحلول الممكنة لحاضر القبيات ومستقبلها ، ولا يُستثنى  من ذلك إلا قلة قليلة ، كانت لتحمل إلى المجلس البلدي لو وصلت ، أو عرفت كيف تتخلى عن - الأنا أو لا أحد لتصل - تجربتها وخبرتها التي كَسِبتها من خلال نشاطها في مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني ، ما أدى إلى سيطرة مطلقة لا لفريق سياسي واحد ، بل لذهنية واحدة ، تتشابه في منطلقاتها ، وتتماثل في أدائها ، ما جعل المجلس البلدي ، وبالتالي العمل البلدي برمته ، أسير في جاهلية تنموية ، المؤذي فيها إعتدادها بذاتها ، واعتقادها أنه في عصر التكنولوجيا ، والتخطيط العلمي ، والإستراتجيات البعيدة المدى ، تستطيع الإنتقال بالقبيات إلى الألف الثالث ، بالقرارات المرتجلة والعشوائية ، والأساليب والأفكار البائدة ذاتها ، التي أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه من تخلف إنمائي قاتل في معظم جوانبه ، لكن الناخب القبياتي هو الذي اختار ، وهو وحده من يتحمل نتيجة خياره ، لأن اعتناق الحكمة الديموقراطية يقضي بالخضوع لأحكامها .

 

بلدية ردة الفعل

 منذ تسلم المجلس البلدي مهماته رسميا من الوصي السابق ، والبلدية تتحرك في معظم نشاطها وكأنها استمرار للإدارة السابقة ، لَكَأَن منطق المداورة بالانتخاب الذي يؤدي في المجتمعات الديموقراطية إلى التغيير والتجديد ، وبالتالي إفساح المجال  أمام القدرات الجديدة للإبداع والتطوير ، لم يجد مكانا له في المجلس البلدي الجديد باستثناء التغير في العدد-وبقيت البلدية تعمل من خلال منطق ردة الفعل لا إتخاذ زمام المبادرة وفرض حالة الفعل ، وراحت في معظم أنشطتها ترقِّع بالجملة ما كان يرقعه الوصي بالمفرق ، وبالذهنية ذاتها ، وكل ذلك دون دراسة وافية أو تسلسل في الأولويات ناهيك عن العشوائية المفرطة في التنفيذ والتمويل ، ما جعل البعض يتساءل عن جدوى حصول ترشّح وانتخابات طالما المجلس برمته يعمل بذهنية الموظف الذي يؤدي ما يطرأ عليه من عمل كل يوم بشكل روتيني جامد ، لا المسؤول الذي في أولوية مهامه وضع الخطط والبرامج الجديدة وإحداث تغيير فعلي في النهج  والأداء العام ، لذلك بقيت بلدية القبيات بغياب القرارات التنموية الجريئة وبابتعادها عن التخطيط المنظم ، أسيرة في دائرة ردة الفعل أمام الحاجات المستجدة والموروثة ، لا البلدية المنطلِقة في حيوية قادرة على صناعة الفعل ، بالمبادرة .

 

بلدية متعلمين ، لا أعلام

يضم المجلس البلدي من بين أعضاءه ما نسبته 76,47 %  من حملة الشهادات والعلوم والاختصاصات العليا ، منهم المهندس الطبيب - أستاذ جامعي ، ومحام ، وهي من أعلى النسب الموجودة في المجالس البلدية المعروفة منا .

 ومع احترامنا الكلي للباقين ، نلاحظ أن الكَمّ الوافر من المخزون العلمي المنهجي الذي يحملونه ويمارسون على أساسه أعمالهم الخاصة بنجاح كبير ، لم ينعكس إيجابا في أدائهم البلدي ، برغم التعويل الكبير من الناس عليهم ، فلا استطاع الأطباء منهم أن يتقدموا بمشروع علمي متكامل للأزمة البيئية ، أو خطة حوار مباشر لنشر الوعي الصحي بين الناس ، وكذلك المهندسون  حدِّث ولا حرج ما استطاعوا إفرادا أو جماعا ، وضع تصوّر أو تخطيط هندسي واضح ، وعلمي ، يؤسس لجمالية هندسية تتوازن مع الطبيعة والتراث القبياتي ، وأيضا لم يتحرك النشاط الثقافي إلا في خطوات أقل من خجولة ، بالرغم من وجود طاقات جدية وقادرة إذا ما رغبت ، أن تضع المجتمع القبياتي في مواجهة مع الثقافة العامة تؤدي إلى ما يعرف بالتوتر الخلاق .

كل هذا قليل من كثير، حلم القبياتيون به ، وأملوا من متعلميّ المجلس تحقيقه  إلا أن خيار أعضائه ، بين أن يكونوا أَعلاماً في بلديتهم ، أو متعلمين على كراسيَّها لم يكن على جدول أعمالهم .    

لذا لم تكن الثقة المطلقة للمجتمع بالمتعلمين إجمالا، إلا بمثابة فخ وقع فيه الناخب القبياتي، جاءت نتائجه انتصارات انتخابية لقلة، وانهزام إنمائي للجميع .

 

مؤسسة ضد المؤسسات

تسلم المجلس الحالي البلدية - رسميا - من القائمقامية ، لكنه لم يعِ أنه يتسلم العمل البلدي من المؤسسات الأهلية ، التي ثابرت طوال الحرب اللبنانية وما قبلها على لعب هذا الدور ، وتحمَّلت بصدقية هائلة ، وشفافية مطلقة ، مسؤولية العمل البلدي والاجتماعي ، وتشهد على ذلك الثقة الكبرى التي أولاها المجتمع لهم ، إن من خلال الدعم المعنوي والمادي المباشر ، أو من خلال دفع أبناءهم وبناتهم على الانخراط في هذه المؤسسات ، مما يعكس مدى قدرة تلك المؤسسات على المساهمة في البناء والتطوير .

 لكن ومن دون أي مبرر مقنع ، وبدافع غير بريء ، وانسجاما مع النزعة السلطوية التي عُبِّر عنها في أوائل اجتماعات المجلس البلدي ، بعبارة ( نحن السلطة الآن ) وببساطة غير ساذجة ، تم إقصاء وإبعاد المؤسسات الأهلية عن المشاركة في العمل العام -ولو تحت عباءة البلدية- ووصلت الأمور إلى حدود محاولة عرقلة وإفشال بعض المشاريع والنشاطات التي حاولت المؤسسات القيام بها ، واقتصرت عملية المشاركة على بعض التنسيق في مناسبات معينة ومحدودة ، لا تفي بما هو مطلوب ، كل ذلك دون النظر أو الالتفات إلى الإمكانيات الكبرى ، والطاقات الجبارة ، والخبرات الهائلة ، التي اكتسبتها تلك المؤسسات طوال سنين من اضطرارها لتحمل مسؤولية العناية والإنماء في البلدة دون أي مقابل ، أو تمنين لأحد ، أو إدعاء العصمة أو المكابرة .

 ( الشباب عصب المجتمع ) هذه العبارة لم تكن موجودة كما يجب في قاموس المجلس البلدي ، ولم تعرف العقول الذكية والمتربعة على إدارة المجتمع كيفية استغلال قدرة ودينامكية هذه الشريحة الأساسية في المجتمع ، والتي تُعتبر في المجتمعات الراقية ، ركناً أساسيا وهاما في عملية النهوض والبناء الاجتماعي .  وعلى افتراض جدلياً - أن البلدية أتمت ‍؟؟؟ أو قادرة على إتمام ؟؟؟ واجبها كاملا ، لم تعرف كيف تقول بأبوة صافية لمن حمل الأمانة عشرات السنين ... شكراً .

 

البلدية البليدة

انتقلت السلطة البلدية إلى المجلس الجديد ، وانتقلت أحلام القبياتيين معه ، وآمالهم إليه وراح الجميع في انتظار ما سيصدر من قرارات ، وما سيُعلن من برامج وخطط ، إلا أن أحلام الناس لم تجد مكانا لها في غفوة البلدية ، وما استطاعت ثلاث سنوات من الغربة أن تعيد المجلس الجديد إلى وعيه ، وإلى تحمّل مسؤوليته كما يجب .

انتظر القبياتيون مخططا عاما عصريا للبلدة يراعي متطلبات المجتمع ، ويواكب التطور الديموغرافي والعمراني وحركة السياحة ، والنشاط البيئي والثقافي والرياضي ، ضمن خطط وبرامج طويلة الأمد ، ووفقا لسلسلة أولويات تراعى من خلالها حاجات الناس والإمكانات المالية للبلدية ، على غرار كل الخطط والبرامج الشاملة التي تضعها المؤسسات العامة والخاصة في بدايات انطلاقها ، أو عند استلامها لمسؤوليات جديدة ، لكن شيئا من هذا لم يحصل ولم يوضع حتى على بساط أي بحث ، بالإضافة إلى غياب أي حوار مباشر وصريح بين البلدية والناس ، فخلال ثلاث سنوات من عمرها ،لم تدع البلدية إلى لقاء مصارحة واحد مع الناس، ولم تطرح علانية أي موضوع أو مشروع للنقاش العام، لتتمكن من التواصل مع من يُفتَرَض أنها منتخبة منهم ولهم ، ولرصد أفكار العامة وتطلعاتهم .

  - ثلاث سنوات والبلدية لم تعلن عن أي مخطط توجيهي عام للبلدة ، أو حتى وجود نية بذلك .

  - ثلاث سنوات والبلدية لم تقل لنا ماذا ستفعل أمام طفرة البناء العشوائي الذي لا يراعي في معظمه ، المشهد التراثي العام للبلدة .

  - ثلاث سنوات والبلدية ما تدخلت في وضع تصور عام لتنشيط حركة السياحة وتنظيمها ، وتركت ذلك للمبادرات الفردية والخاصة ، مع تنامي حركة الاستقطاب السياحي للبلدة .

  - ثلاث سنوات والبلدية في غياب تام عن رعاية النشاطات الثقافية ، بالرغم من هدر إيجار صالة خاصة تم استئجارها لهذا الغرض ، ولا يبرر عقد لقاءات بعدد أصابع اليد ( وبعضها غير ثقافي ، ومشبوه )  وجود مثل هذه الأنشطة .

  - ثلاث سنوات والبلدية ربما لم تعلم أن الأنشطة الرياضية ضرورة حيوية ، وللبلدية واجب رعايتها ومساعدتها لما لها من مردود إيجابي على جيل الشباب .

  - ثلاث سنوات والبلدية في واد والمؤسسات الأهلية في واد آخر ، ولم تنفع بعض الأنشطة المشتركة على قلتها من زرع عامل الثقة بينهما ، ربما لأن البلدية تعتبر ذاتها وكيل حصري للمجتمع والناس ، ولا يمكنها تبعا لذلك السماح للآخرين مشاركتها نعمة العمل العام .

  - ثلاث سنوات وأثقال العمل البيئي على كتف مجلس البيئة والتراث ، ولم تلمس الناس ذلك الدور الكبير الذي على البلدية أن تقوم به في مختلف الميادين البيئية ، فليست عملية جمع النفايات ( مع التقصير الحاصل في ذلك ) هو المهم ، بل وضع إمكانات البلدية الكبيرة في تصرف المشاريع والجهود التي تبذل لتحويل القبيات إلى بلدة بيئية نموذجية .

  -   ثلاث سنوات والناس لا تعرف كيف تصرف أموال البلدية أو كيف تركَّب الموازنة ، والبلدية بدورها لم تجد من ضرورة  في وضع الناس بصورة الوضع المالي للبلدية ، من حجم المداخيل أو وجهة المصاريف ، ولم تسمع أي من الهمس الدائر بين الناس عن حجم الهدر الحاصل في المشاريع والمصاريف العامة للبلدية .

  - ثلاث سنوات من عمر البلدية ، ومن عمر الناس ، ومن عمر الذين راهنوا أن التخطيط والتنظيم والحوار والمشاركة آت ، ثلاث سنوات والبلدية البليدة ما زالت تحاول التفكير ربما بما عليها أن تفعل وإلى أن تهتدي إلى دورها وواجباتها ، بإمكان الناس أن تتابع ، وباستمتاع مرير ، كمية المشاريع ونوعية الأنشطة ، وحجم التغيير الحاصل في الكثير من البلدات والقرى البعيدة والمجاورة ، كنتيجة حتمية لوجود رؤية واضحة وشفافية صافية ، عند أصحاب الشأن ، وللمشاركة الفعلية والجهود المشتركة بين مختلف قوى المجتمع وشرائحه ، ومؤسساته .

أخيرا ، الكلام عن أداء المجلس البلدي الحالي ، في إيجابيته أو سلبياته ، لا يعني أن المسؤولية تقع في مجملها على أعضائه ، فهنالك مسؤولية معنوية تتحملها أيضا القيادات السياسية ، والمرجعيات الاجتماعية ، بالإضافة إلى عموم أفراد المجتمع ، لذا الكل مسؤول ، ويتحمل مع المجلس البلدي بالتكافل والتضامن مسؤولية الفشل الذي آل إليه العمل البلدي في القبيات ، ذلك أنه لم تحصل أي عملية مساءلة علنية مباشرة للبلدية ، طوال سنواتها الثلاث ، وخصوصا ممن يفترض أنهم كانوا من الطامحين للوصول إلى المجلس البلدي ، أو ممن يعتبرون ذواتهم قيادات صالحة لقيادة الوطن برمته .

الجميع في حالة انكفاء أو استنكاف عجيب ، عن المساءلة أو المحاسبة ، لكأن المجلس البلدي ، الذي هو على تماس دقيق مع مختلف الحاجات الأساسية للمجتمع  بحكم وظيفته وعلة وجوده ، مقام مقدس لا يجوز مساءلته ، أو الاختلاف معه ، أو إذا شئنا الاسترسال اكثر بصدق رؤيتنا للأمور ، بعد ثلاث سنوات ، سحب الثقة منه .                                               

 

جورج عبدو نادر

القبيات في 29-8-2001

search: Georges Abdo Amine Nader, municipality, baladiat