زمن الدنح المجيد

الأحد الثاني بعد عيد الدنح

(18 كانون الثاني 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه الأحد الثاني من زمن الدنح.
بعد أن تأمّلت الكنيسة في اعتلان "سرّ المسيح" ليوحنّا المعمدان، تتأمّل في هذا الأحد في اعتلان سرّه للرسل حيث نجد بعداً ثانياً من أبعاد شخصيّة الربّ المخلّص وهو: "يسوع، المسيح".
• في الرسالة إلى أهل قورنتوس، يذكّرنا مار بولس بأن قدرة المسيحي لا تنبع من ذاته بل من الله الّذي يقوّيه ليحتمل الاضطهاد والألم والموت من أجل نشر البشارة "فَنَحْنُ لا نُبَشِّرُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ نُبَشِّرُ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ رَبًّا"
• في الإنجيل يحدّثنا يوحنا الإنجيلي عن تحوّل تلاميذ يوحنا المعمدان إلى النواة الأولى لرسل ليسوع المسيح، فهم لن يكتفوا بعد اليوم بالتلقّن :"أقاما عنده..." بل سيباشرون بنشر البشرى السارّة :"وجدنا المسيح".
• نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتذكّر،في هذا الأحد، أهميّة دورنا كرسل ليسوع المسيح دون أن ننسى، بالمقابل، أهميّة التلمذة الدائمة حتى لا نقع في مصيدة الغرور والاتكال على الذات.

 

::: صلاة تأملية :::

يا سيّدي يسوع "المسيح"، يا من دعوتني، منذ لحظة معموديّتي، لأكون، على مثالك، إبناً للّه، اجعلني، في كلّ يومٍ، أهلاً لحمل اسمك بين الناس وهبني الشجاعة لأعلن بشراك السارّة، في كلّ الأوقات، ليشرق مجدك، من خلالي، ومن حولي، أمام كلّ من أعيش معهم، عائلتي، أقاربي، أصدقائي، رفاقي، ... فيتحوّل كلّ عالمي إلى سراجٍ لتمجيدك وتسبيح أبيك وروحك القدّوس، إلى الأبد، آمين.

 

::: الرسالة :::

5 فَنَحْنُ لا نُبَشِّرُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ نُبَشِّرُ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ رَبًّا، وبِأَنْفُسِنَا عَبِيدًا لَكُم مِنْ أَجْلِ يَسُوع؛
6 لأَنَّ اللهَ الَّذي قَال: "لِيُشْرِقْ مِنَ الظُّلْمَةِ نُور!"، هُوَ الَّذي أَشْرَقَ في قُلُوبِنَا، لِنَسْتَنِيرَ فَنَعْرِفَ مَجْدَ اللهِ الـمُتَجَلِّيَ في وَجْهِ الـمَسِيح.
7 ولـكِنَّنَا نَحْمِلُ هـذَا الكَنْزَ في آنِيَةٍ مِنْ خَزَف، لِيَظْهَرَ أَنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ الفَائِقَةَ هِيَ مِنَ اللهِ لا مِنَّا.
8 يُضَيَّقُ عَلَيْنَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ولـكِنَّنَا لا نُسْحَق، نَحْتَارُ في أَمْرِنَا ولـكِنَّنَا لا نَيْأَس،
9 نُضْطَهَدُ ولـكِنَّنَا لا نُهْمَل، نُنْبَذُ ولـكِنَّنَا لا نَهْلِك،
10 ونَحْمِلُ في جَسَدِنَا كُلَّ حِينٍ مَوْتَ يَسُوع، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا في جَسَدِنَا؛
11 فَإِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسْلَمُ دَوْمًا إِلى الـمَوْت، مِنْ أَجْلِ يَسُوع، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا في جَسَدِنَا الـمَائِت.
12 فَالـمَوْتُ يَعْمَلُ فينَا، والـحَيَاةُ تَعْمَلُ فيكُم.
13 ولـكِنْ بِمَا أَنَّ لَنَا رُوحَ الإِيْمَانِ عَيْنَهُ، كَمَا هوَ مَكْتُوب: "آمَنْتُ، ولِذلِكَ تَكَلَّمْتُ"، فَنَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِن، ولِذـلِكَ نَتَكَلَّم.
14 ونَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ذـلِكَ الَّذي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوع، سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا مَعَ يَسُوع، وَيَجْعَلُنَا وإِيَّاكُم في حَضْرَتِهِ.
15 فَكُلُّ شَيءٍ هُوَ مِنْ أَجْلِكُم، لِكَي تَكْثُرَ النِّعْمَة، فَيَفِيضَ الشُّكْرُ في قُلُوبِ الكَثِيرينَ لِمَجْدِ الله.

(2 قور 4\5-15)

 

::: أفكار من الرسالة :::

في قراءة هذا الأحد، يدعونا مار بولس، للتنبّه إلى أمرين أساسييّن:
 الأول هو دعوتنا للتبشير "بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ رَبًّا".
 الثاني هو ضرورة التنبّه إلى أنّ "القُدْرَةَ الفَائِقَةَ هِيَ مِنَ اللهِ لا مِنَّا".


لعلّ مار بولس يضيء اليوم على أكبر خطر يواجه المسيحي ألا وهو "الخطيئة الأصليّة" أي الغرور والتكبّر على الله وعلى نعمته وعلى الرسالة التي ائتمننا عليها.


لنتذكّر إخوتي أن ما ارتكبه خطيئة آدم وحواء نجمت عن تصديقهما لمكر إبليس الّذي بيّن لهما الله إلهاً غيوراً يحجب عنهما المعرفة ودعاهما ليصبحا "كالله عارفين الخير والشرّ" (تك 1\5)، أي أغراهما بما كانا حاصلين عليه مجاناً، أي البنوّة الإلهيّة، عبر تحوير الحقيقة ليظهر هو كمخلّص لهما من تسلّط الله وكمحرّر لهما من كبته وطغيانه.


هكذا سقط الإنسان في فخّ الكبرياء بعد أن اشتهى الحصول على ما كان فيه، منذ لحظة تكوينه، حين وهبه الله كلّ شيء عندما "نفخ في أنفه نسمة الحياة" (تك 2\7) خالقاً إياه "على صورته ومثاله" (تك 1\27).
المشكلة إذاً ليست في رغبةٍ كامنة في نفس الإنسان، هي أصلاً جزءٌ من كيانه، أي رغبته بالتألّه، بل في سعيه لبلوغ وتحقيق هذه الرغبة بعيداً عن الله ودون الله وبأساليب وطرقٍ بعيدة عن إرادة الله وتصميمه.
هذه هي "الخطيئة الأصليّة" الكامنة في كلّ واحدٍ منّا والتي تبدأ مسيرة تحرّرنا منها بالمعموديّة التي تجدّد فينا صورة الله ومثاله، أي "تؤلّهنا" وفق رغبة الله ومشيئته، ل"تؤهّلنا" للحرب الروحيّة مع إبليس الّذي ما زال يماطل ويراوغ ليبعدنا عن الله وعن كنيسته، بأشكال وأساليب أكثر مكراً من مجرّد "ثمرة شجرة معرفة الخير والشرّ".


ففي أيامنا، أصبح من السهل، على الكثير من أقراننا، تسمية الشرّ خيراً والعكس بالعكس، من خلال تنصيب ذواتهم آلهةً، بدل الله:
• ألم ينصبّ الإنسان نفسه إلهاً يميت (الإجهاض، القتل الرحيم، الأسلحة على أنواعها...) ويحيي (الاستنساخ والتحكّم بالأجنّة،...) دون حسيب أو رقيب؟
• ألم ينصبّ الإنسان نفسه إلهاً حين أصبح مجرّد توافر أكثريّة راغبة يبيح ما لا يقبله عقلٌ أو منطق كإعلان الحروب أو تشريع زواج المثليين أو إباحة الدعارة أو...؟
• ألم ينصبّ الإنسان نفسه إلهاً حين أصبح يزوّر الحقائق مفتتحاً قاموساً جديداً يعتبر فيه "الغفران ضعفاً و"الأودميّة" هبلاً والسكوت "تنكاً" والعفّة "أولدفاشوناً" (OLD Fashion) والصدق سراباً والكرامة والمروءة عبئاً والعلم ظلاماً والثقافة "ضجراً" والحكمة تشاطراً والمحبّة "مسايرةً"..." (راجع: http://www.kobayat.org/data/documents/spirituality/nassim_kastoun/sarkhat-waja3.htm ؟

 

ولمن قد يخطر على باله السؤال، كيف أكون إلهاً وفق مشيئة الله فما عليه سوى التمعّن برسالة اليوم، حيث يدعونا مار بولس لندرك أننا من دون المسيح نكون ضعفاء في حين أنه "مع المسيح وفي المسيح وبالمسيح"، كما يرد في القداس اللاتيني، نكون أقوياء وقادرين على مجابهة أكبر الصعاب: "يُضَيَّقُ عَلَيْنَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ولـكِنَّنَا لا نُسْحَق، نَحْتَارُ في أَمْرِنَا ولـكِنَّنَا لا نَيْأَس، نُضْطَهَدُ ولـكِنَّنَا لا نُهْمَل، نُنْبَذُ ولـكِنَّنَا لا نَهْلِك، ونَحْمِلُ في جَسَدِنَا كُلَّ حِينٍ مَوْتَ يَسُوع، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا في جَسَدِنَا؛ فَإِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسْلَمُ دَوْمًا إِلى الـمَوْت، مِنْ أَجْلِ يَسُوع، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا في جَسَدِنَا الـمَائِت".


معنى ذلك إننا نتخطّى كلّ ما يميت بقوّة الحياة التي زرعها الله فينا منذ تكويننا.


لذا، تعالوا، إخوتي الأحباء، لنتجاوب مع دعوة رسول الأمم فنتوقّف عن تأليه ذواتنا، تاركين للّه ولأسرار الكنيسة هذه المهمّة ولنبادر إلى فعل تواضع عميق تجاه محبّة الله وحلمه الّذي تجلّى في ابنه يسوع "المسيح" الّذي منحنا الخلاص مجاناً ودون أيّ استحقاقٍ منّا ولنبادله المحبّة عاملين على تحويل حياتنا إلى منارةٍ تشعّ بالقيم والفضائل التي دعانا إليها مما قد يؤدّي إلى أن "يَفِيضَ الشُّكْرُ في قُلُوبِ الكَثِيرينَ لِمَجْدِ الله"، آمين.

 

::: الإنجيل :::

35 في الغَدِ أَيْضًا كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفًا هُوَ واثْنَانِ مِنْ تَلاميذِهِ.
36 ورَأَى يَسُوعَ مَارًّا فَحَدَّقَ إِليهِ وقَال: "هَا هُوَ حَمَلُ الله".
37 وسَمِعَ التِّلْمِيذَانِ كَلامَهُ، فَتَبِعَا يَسُوع.
38 والتَفَتَ يَسُوع، فرَآهُمَا يَتْبَعَانِهِ، فَقَالَ لَهُمَا: "مَاذَا تَطْلُبَان؟" قَالا لَهُ: "رَابِّي، أَي يَا مُعَلِّم، أَيْنَ تُقِيم؟".
39 قالَ لَهُمَا: " تَعَالَيَا وانْظُرَا". فَذَهَبَا ونَظَرَا أَيْنَ يُقِيم. وأَقَامَا عِنْدَهُ ذـلِكَ اليَوم، وكَانَتِ السَّاعَةُ نَحْوَ الرَّابِعَةِ بَعْدَ الظُّهر.
40 وكَانَ أَنْدرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ أَحَدَ التِّلمِيذَيْن، اللَّذَيْنِ سَمِعَا كَلامَ يُوحَنَّا وتَبِعَا يَسُوع.
41 ولَقِيَ أَوَّلاً أَخَاهُ سِمْعَان، فَقَالَ لَهُ: "وَجَدْنَا مَشيحَا، أَيِ الـمَسِيح".
42 وجَاءَ بِهِ إِلى يَسُوع، فَحَدَّقَ يَسُوعُ إِليهِ وقَال: "أَنْتَ هُوَ سِمْعَانُ بْنُ يُونا، أَنتَ سَتُدعى كيفا، أَي بُطرُسَ الصَّخْرَة".

(يو1\ 35-42)

 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

في هذا الأحد المبارك، وبعد قراءتنا للإنجيل المقدس، نتأكد كل التأكيد بأنّ يوحنا المعمدان هو خاتمة أنبياء العهد القديم، وكلّنا يعرف دور هذا النبي الذي أعد طريق الرب، فكان الصوت الصارخ في البرية، يعمِّد معمودية التوبة ويهيّئ الطريق ليأتي من هو أقوى منه والّذي سيعمِّد معمودية الروح القدس.


إنّ يوحنا هو بمثابة الإصبع الذي دلَّ كل الوقت على يسوع وهو اليوم يعلن أمام اثنين من تلاميذه بأنّ يسوع هو حمل الله. فمن تبع يوحنا على أنَّه المسيح فهو على غلط لأنّ المسيح هو يسوع الذي تعمَّد على يده وهو حمل الله. لذلك لا يجب أن يبقى يوحنا هو محط الأنظار بل يسوع، وعلى كل من تبع يوحنا أن يتبع من الآن وصاعداً من هو أعظم منه، أي أن يتبع المسيح المخلِّص المنتظر.


في عملية ترك يوحنا و اتّباع المسيح يتوارى يوحنا عن الأنظار ، وكأنَّ دوره انتهى لينتهي معه العهد القديم، ويظهر يسوع جلياً قوياً وحملاً وديعاً ليبدأ دوره ويبدأ معه عهدٌ جديدٌ لطالما انتظرته الأجيال.


ما يلفتنا هو أن التلميذين تركا يوحنا وتبعا يسوع في الحال، وليس في ذلك نكران للجميل بالنسبة للمعلم الأول أي يوحنا، بل أظهرا بذلك طاعتهما ليوحنا وبفعلتهما هذه يكونان مثل الإنسان الّذي كان يشرب من الساقية ولكنَّه بعد أن مشى بمحاذاتها وقتاً طويلاً، وجد النبع، عندها ركض ليشرب ويغبّ منه. هذه هي الحال أيضاً عندما صرَّح أحدهم قائلاً: "وجدنا المسيَّا" ، وكأنه وجد جوهرة ثمينة ولا يريد التخلي عنها، فهذا تصريح فيه الكثير من الإيمان مما جعل التلميذين يطلبان بالبقاء مع يسوع ولو لليلة واحدة لكي يسمعاه ويتعرفا إليه فيغتنيا من تعاليمه ويصبح هو المعلم الحقيقي وهم التلاميذ.


والملفت أيضاً في هذا النص هو ذكر"الساعة": وكانت الساعة نحو الرابعة بعد الظهر. كلّنا يعرف أنه في هذه الساعة ينتهي العمل أو ينتهي النهار فيذهب العامل أو التلميذ أو المعلّم... إلى البيت لكي يرتاح من أعباء وعناء النّهار إلا أنَّ التلميذين هنا لم يذهبا إلى البيت فقد تبعا في الحال يسوع وكأنّهما واثقين أن راحتهما وسعادتهما هي في المسيح يسوع.


وفي النهاية نرى يسوع يعطي اسماً جديداً لسمعان "أدعوك كيفا أي الصخرة" نفهم من ذلك معنى الولادة الروحية فكل من يعتمد بالروح يولد مع المسيح ولادة روحية فيتخذ اسماً جديداً ويبدأ حياته الجديدة بشعار جديد هو "المسيح حياتي".


هنا يبقى السؤال هل أعرف جيداً من هو المسيح؟ هل أترك كل شيء وأتبع المسيح أم أتبع شخصاً آخر أظنُّه لبعض السنين من حياتي بأنّه المسيح وهو ليس بشيء؟ هل أفكر بالمجيء إلى يسوع في وقت الراحة وأستريح فيه أم أفضل القيام باشياءٍ أخرى تبعدني كل البعد عن يسوع؟ هل أتذكر جيداً أنني حين تعمدت ولدتُ ولادة جديدة واتخذت اسماً جديداً وأصبحت بفعل المعمودية إبناً لله وأخاً ليسوع وهيكلاً للروح القدس؟


كلّ هذه الأمور علينا أن نفكر بها ليبقى المسيح هو أساس حياتنا، عندها نصبح قادرين أن نعلن على مثال التلميذ أننا وجدنا المسيّا ونضيف أيضاً ... فليملك على عرش حياتنا إلى الأبد . آمين.

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

أفكار على ضوء الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة السيّدة - الضهر)

 

::: تــأمـل :::

"هلمّ وانظر"

هوذا حمل الله
تلاقت النظرات فارتكض الكيان بذاته:"هوذا حمل الله". بضعة كلمات كانت حجر أساس في إطلاق كنيسة المسيح، كانت انطلاقة ثابتة للنفس البشريّة في التزامها السير على خطى يسوع حتّى المنتهى. شهادة يوحنّا المغتبط الواثق، المؤمن بابن الآب هذه، انعكست ثقة وإيمان على أوّل تلميذين له فتبعا " الحمل الوديع".


من هنا نبعت البشارة: لم يحتفظ يوحنّا بالسرّ لنفسه خوفاً على اضمحلال رسالته بالدعوة إلى التوبة وفقدان تلاميذه، بل على العكس، أعلن عن "المخلّص" بتواضع وفرح للملأ. أعلنه بحماسة كبيرة لكلّ باحث عن الخلاص والتجدّد، فاندفع تلاميذه لبدْء "الرسالة-المغامرة" ساعين إلى اكتشاف "الحمل"، المخلّص الموعود، منطلقين وراءه لبناء الكنيسة الأولى من خلال كشفه للآخرين بالقول والفعل.


"ما تطلبان؟"
سؤال يسوع للتلميذين، أوليس مطروحاً على كلّ منّا اليوم؟ ماذا نطلب؟ بماذا نرغب ؟ أيّ معنى نعطي لحياتنا أو نريد أن نعطي لها؟
ربّما كان ممكناً أن يجيب التلميذان أنّهما، لشدّة ثقتهما بيوحنّا المعمدان، بُهِرا بكلامه عن يسوع فالتفتا إليه، ولكن سرعان ما نجدهما يسألان يسوع أين يقيم، وكأنّهما يسألانه من أنت؟ عرّفنا أكثر على ذاتك. ومنذ اللحظة التي كلّمهما فيها "المعلّم" أرادا أن يدخلا معه في علاقة صداقة متينة كي يتعمّقا في معرفته لا في سيرته الذاتيّة فحسب: هو معروفٌ على الصعيد البشريّ، إنّه ابن يوسف النجار ومريم ابنة يواكيم وحنّة... لكنّ المفارقة كانت في لَفْتَةِ النظر تلك، وَوَقْعُ السؤال عليهما فتح ذهنيهما على الحقيقة التي يبحثان عنها. فَهِما أنّه "هو" المُنْتَظَر.


فهل نستطيع أو نقبل أن نرى اليوم ما رأياه هما في المسيح؟


إنّه "هو" من يريد أن يُدْخِلنا في العمق والحميميّة مع الله, كاشفاً لنا ذاته بتأنٍّ ووضوح: "من لا يعرف الابن لا يستطيع أن يعرف الآب ومن أراد فالابن يكشفه له". كلّ من لبّى الدعوة دخل معه المشروع الرسولي بإيمان وفرح (إنطلاقاً من موقعه ومركزه وعمله)، وانفتح قلبه على "الكلمة" ليولَد من جديد. إيمانهم بدأ بسؤال عن الحقيقة والبحث فيها، فكان "هو" الجواب.

 

"تعاليا وانظرا"
حضورهما لقبول الكلمة جعل يسوع يدخل حياتهما بكلّ احترام: أمنيته أن نكون معه ولكنّه يحترم إرادة الإنسان. لم يفرض نفسه عليهما بل دعاهما بعد تأكّده من اختيارهما اتّباعه وإقامة علاقة جوهريّة لا سطحيّة معه، فكان لهما الحبيب المنتظِر"نَعَم"حبيبته.
- هل نريد أن نلبّي دعوته لنا في كلّ لحظة يدعونا فيها لاكتشافه؟
- هل نؤمن بأنّه سيُدْخِلنا إلى أعماقه كي نتعرّف إلى سرّ حبّ العروس (يسوع) لعروسه (النفس) فنتقاسم معه الحياة الإلهية في طابعنا البشريّ.
- هل نؤمن بأنّ دعوته لنا وهو الأزليّ، هي أن نقيم معه في مسكنه أي في قلب الله؟
- هل نؤمن بأنّ "من يتبع المسيح لا يمشي في الظلام بل يكون له نور الحياة"؟
- إنّ مسافر الغابات يبحث عن مجرى النهر ليتبعه كي لا يَتوه. فَهَلْ نبحث نحن عن المسيح؟ هل نتبع خطاه ونتمسّك به كي لا نَتُيه عن الحقّ؟ وإن وجدناه، هل ندلّ عليه ونشهد له بفرح وتواضع لما أجراه من تحوّل نحو الأفضل المطلق في حياتنا، أم ندلّ على ذواتنا على أنّنا الأهم والمحور الأساس في المجتمع والعائلة؟
- كيف نتبع المسيح ونحن ما زلنا "عازبين بالروح"، نحطّ ونطير ساعة نشاء وأينما يحلو لنا المقام؛ لا نستقرّ على وترٍ ولا ننام على فراش يخصّنا؟ يوماً نقول ما زال الوقت مبكراً كي نأتي إليه (المسيح)، وآخر نُحَلّل لأنفسنا ما نشتهيه، ونفعل ما يرضي أهواءنا! ...


صدّقني، إن بقيت وحدك ستموت وحدك ولا من يأسّف عليك حتّى: فإنّك ما كنت مثمراً ولا حملت عطر المسيح الطيّب كي يتعرّف إليك لا من في السما ولا من على الأرض...


تزوّج المسيح كي تحمل بالكلمة فتتمخّض في داخلك وتَلِدَ ثماراً أبديّة تبقى حتّى بعد أن يفنى الجسدِ ولا تنسى أنّ الله يبحث عنك، ينتظرك كي يجدّدك، كي يرفعك من رمالك المتحرّكة وَوُحُولِك الغليظة. إنّه ينتظر أن تأتيَ إليه وترى "أين يقيم"، فكن على استعداد و"هلمّ انظر".

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com