زمن الدنح المجيد

الأحد الثالث بعد عيد الدنح

(25 كانون الثاني 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه الأحد الثالث من زمن الدنح، حيث تتأمّل الكنيسة في اعتلان "سرّ المسيح" للشعب اليهودي الممثّل بنيقوديموس الفرّيسي، حيث نجد بعداً ثالثاً من أبعاد شخصيّة الربّ المخلّص وهو: "ابن الإنسان".
• في الرسالة إلى أهل غلاطية، يذكّرنا مار بولس بأن واحداً من مفاعيل المعموديّة هو إزالة التفرقة ما بين الناس بحيث يعودون جميعاً "أبناء لله بالإيمان... ووارثين بحسب الوعد"، أي موحّدين في الإنسانيّة التي تسمو على العرق أو على الوضع أو على الجنس...
• أمّا في الإنجيل فيحدّثنا يوحنا الإنجيلي عن لقاء يسوع بنيقوديموس حيث نجد حواراً شيّقاً يتبيّن من خلاله إيمان هذا الفرّيسيّ العريق ولو "في الخفاء"، بيسوع المسيح، "ابن الإنسان"، الّذي سهب العالم، بالفداء، الحياة الأبديّة.
• نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتأمّل،في هذا الأحد، بإنسانيتنا التي تحوّلت من مجرّد ميزةٍ جسديّة إلى صورةٍ بهيّة ونقيّة لمجد يسوع المسيح، بواسطة سرّ المعموديّة، حيث "نلبس المسيح" و"نولد من جديد" كأبناء لله أحرار من نير الخطيئة!

 

::: صلاة تأملية :::

 يا ربّ، يا من خلقتنا على صورتك ومثالك بفعل حبّ مجانيّ لا يوصف، وعدت فجدّدت فينا هذه الصورة وهذا المثال بواسطة سرّ المعموديّة الّذي ينتشلنا من سجن الخطيئة إلى سطوع حريّة أبناء الله، هبنا أن نكون أهلاً لنعمة الإنسانيّة التي نقّاها يسوع المسيح بالتجسّد وحرّرها بالفداء، فتضحي إنسانيّتنا نبراساً يخبر عن حبّك وجلالك في كلّ أوانٍ ومكانٍ، آمين

 

::: الرسالة :::

23 فَقَبْلَ أَنْ يَأْتيَ الإِيْمَان، كُنَّا مُحْتَجَزِينَ مَحبُوسِينَ تَحْتَ الشَّرِيعَة، إِلى أَنْ يُعْلَنَ الإِيْمَانُ الـمُنْتَظَر.
24 إِذًا فَالشَّرِيعَةُ كَانَتْ لَنَا مُؤَدِّبًا يَقُودُنَا إِلى الـمَسِيح، لِكَيْ نُبَرَّرَ بِالإِيْمَان.
25 فَلَمَّا أَتَى الإِيْمَان، لَمْ نَعُدْ تَحْتَ مُؤَدِّب؛
26 لأَنَّكُم جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بَالإِيْمَان، في الـمَسِيحِ يَسُوع.
27 فأَنْتُم جَمِيعَ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُم في الـمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الـمَسِيح.
28 فلا يَهُودِيٌّ بَعْدُ ولا يُونَانِيّ، لا عَبْدٌ ولا حُرّ، لاَ ذَكَرٌ ولا أُنْثَى، فإِنَّكُم جَمِيعًا وَاحِدٌ في الـمَسِيحِ يَسُوع.
29 فَإِنْ كُنْتُم لِلمَسِيح، فأَنْتُم إِذًا نَسْلُ إِبْراهِيم، ووَارِثُونَ بِحَسَبِ الوَعْد.

(غل 3\23-29)

 

::: أفكار من الرسالة :::

في هذا الأحد الثالث من زمن الدنح، تعرض الكنيسة للتأمّل نصّ لقاء يسوع بنيقوديموس حيث يعلن الربّ إليه وإلينا عن كونه "ابن الإنسان" الّذي "يَجِبُ أَنْ يُرْفَعَ ... لِكَي لا يَهْلِكَ أَيُّ مُؤْمِنٍ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّة".

"ابن الإنسان" هذا هو عينه يسوع المسيح الابن المتجسّد والفادي القائم من بين الأموات الّذي أقام حدّاً فاصلاً ما بين مفهومين: البشريّة من جهة والإنسانيّة من جهة أخرى، كما يتبيّن من القراءة المعمّقة للنصّ المأخوذ رسالة مار بولس إلى أهل غلاطية.

في هذا النصّ، يتوقّف مار بولس أمام مفاعيل سرّ المعموديّة حيث نلبس "المسيح" الّذي يطلق عليه رسول الأمم تسمية "الإنسان الجديد"، في الرسالة إلى أهل روما، مما يذكّرنا برتبة المعمودية حيث يتوجّه الكاهن إلى المعمّد الجديد بالقول "ها قد لبست الابن المسيح واتّشحت بحلّة المجد التي خلعها آدم".

 

لذا، في هذا الأحد، سنتأمّل إخوتي معاًً بمفهوميّ الإنسان القديم والإنسان الجديد.

يولد كلّ منا إنساناً "قديماً"، أي بشرياً مولوداً بالجسد، "آدمياً"، لديه ميزات عرقيّة (لون البشرة ونوعها...) أو جنسيّة (ذكر أو أنثى) أو جينيّة (سليماً من الأمراض أو مريضاً بالوراثة) وسط مجتمعٍ يُكسبه عادات وسلوكيات يتفاعل معها ويعيش على ضوئها ردحاً من الزمن أو حتى كلّ حياته. وقد يضحي، مع الأسف، الدين - أحياناً - جزئاً من هذه المنظومة الاجتماعيّة، حين تتقلّص روح الدين لتنحصر في مجموعة "واجباتٍ" روحيّة يقوم بها الإنسان، غالباً، "طمعاً بالنعيم" أو "خوفاً من الجحيم"، عكس منطق "فعل الندامة" المختصر الّذي يتلقّنه الأولاد عند تحضير المناولة الأولى.

 

هنا يبدو جلياً التناقض بين ما دعا إليه مار بولس في قوله الّذي تحوّل إلى ترنيمة بديعة: "فأَنْتُم جَمِيعَ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُم في الـمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الـمَسِيح." وبين ما نشهده عملياً في الحياة المسيحيّة.

فالمسيحي الحقيقيّ مدعوّ لتجاوز مرتبة "البشريّة" أو "الأودميّة" (من آدم) والتي يولد فيها بالجسد والارتفاع إلى مرتبة  "المسيحيّة" (من المسيح) والتي يولد فيها روحياً يوم يتعمّد.

فلا يجب أن تكتفي إذاً بأن نكون "أوادم" (على قلّتهم!!!) بل مسيحيين أي متخلّقين بأخلاق المسيح وتعاليم المسيح وسلوكيات المسيح.

فالآدميّ في عرفنا جميعاً هو الّذي يكتفي بحياةٍ بسيطة يتجنّب فيها أن يؤذي أو أن يؤذى، آخذاً منهجاً لحياته الوصايا العشر والتي غالباً ما يكون ضميره مرتاحاً إذا ما التزم بها وحافظ عليها.

هذا بحدّ ذاته جيّد ولكنّه طبعاً غير كافٍ ليكون الإنسان مسيحياً فيسوع ذاته قال: "مَا جِئْتُ لأُبْطِل، بَلْ لأُكَمِّل" (متى 5\17) ولكنّه دعانا لنتجاوز ذواتنا لنذهب "إلى العمق" (لوقا 5\4) لنحقّق دعوتنا الأساسيّة: " فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِين، كمَا أَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ  هُوَ كَامِل" (متى 5\48) وفق المقاربة التالية:

 

الآدمي

المسيحي

يولد ابن فلان وفلانة بالجسد

يولد ابناً لله بالمعموديّة

يكون أخاً أو أختاً لفلان أو فلانة

يصبح أخاً أو أختاً لكلّ المؤمنين

يعيش وفق تربيته الاجتماعيّة

يحاول تغيير الواقع متى تناقض مع إيمانه

يتجنّب الشرّ

يبادر إلى الخير

يتّقي الله

يحبّ الله

يتفاعل مع الآخرين

يحبّ الآخرين

يعضّ على الجرح متى أسيء إليه

يغفر متى يساء إليه

يخاف من الآخرين

يخاف على الآخرين

....

....

 

أخي أو أختي،

قد يخطر لكما كم أن واقع المسيحيين بعيدٌ عن هذه الأفكار، ومع الأسف ذلك صحيح، ولكن لا يجدر بنا أن نقنط أو نيأس إذ أن تكون "ابناً لله بَالإِيْمَان، في الـمَسِيحِ يَسُوع" ليس طبعاً بالأمر السهل التحقّق.

لذا اختارت الكنيسة، "الأمّ والمربيّة"، أن تكون المعموديّة سرّ الدخول إلى الإنسانيّة الجديدة تاركةً للعرابين وللأهل وللمرافقة الروحيّة مهمّة مرافقة المعمّد لينمو "بالقامة والحكمة والنعمة" ليصبح قادراً على تمييز دوره واختيار الالتزام بالقيم المسيحيّة إذا ما وجد فيها سبيلاً للحياة الحقيقيّة أو التخلّي عنها في حال اعتبرها مجرّد شعارات بعيدة المنال!

ولكن، في الحالين، لا يجب أن نتخلّى عن إنسانيّتنا لنعود إلى بشريتنا في حال صدمتنا مواقف بعض المسيحيين أو سلوكياتهم بل في هذا تأكيدٌ أن المعموديّة ليست طقساً سحرياً يغيّر الكيان بل نقطة انطلاق في مسيرة إيمانيّة "وجوديّة, تفترض العمل الدائم و الدؤوب في سبيل تحقيق مسيحيّتنا في واقعنا الشخصيّ والعائليّ والاجتماعيّ.

لكما أخي وأختي يعود القرار: هل تريدان البقاء مجرّد بشرٍ فانٍ يعبر قسراً في الحياة أو إنساناً يجرؤ على وضع بصمةً أبديّة على لوحة الوجود؟!

وبكلمة أوضح: هل تريد الاكتفاء بان تكون آدمياً أو تريد اليوم الانطلاق في مغامرةٍ عنوانها: "أريد أن أكون مسيحياً لأحقّق كمال إنسانيّتي"؟

 

::: الإنجيل :::

1 كانَ إِنْسَانٌ مِنَ الفَرِّيسيِّينَ اسْمُهُ نِيقُودِيْمُوس، رَئِيسٌ لِليَهُود.
2 هـذَا جَاءَ لَيْلاً إِلى يَسُوعَ وقَالَ لَهُ: "رَابِّي، نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ جِئْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنَّهُ لا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَصْنَعَ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَصْنَعُهَا مَا لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ".
3 أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: "أَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ مَا لَمْ يُولَدْ مِنْ جَدِيد".
4 قَالَ لَهُ نِيقُودِيْمُوس: "كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ أَنْ يُولَدَ وهُوَ كَبِيرٌ في السِّنّ؟ هَلْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ ثَانِيَةً حَشَا أُمِّهِ، ويُولَد؟".
5 أَجَابَ يَسُوع: "أَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ، لا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ مَا لَمْ يُولَدْ مِنَ الـمَاءِ والرُّوح.
6 مَولُودُ الـجَسَدِ جَسَد، ومَوْلُودُ الرُّوحِ رُوح.
7 لا تَعْجَبْ إِنْ قُلْتُ لَكَ: عَلَيْكُمْ أَنْ تُولَدُوا مِنْ جَدِيد.
8 أَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاء، وأَنْتَ تَسْمَعُ صَوتَهَا، لـكِنَّكَ لا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي ولا إِلى أَيْنَ تَمْضِي: هـكَذَا كُلُّ مَوْلُودٍ مِنَ الرُّوح".
9 أَجَابَ نِيقُودِيْمُوسُ وقَالَ لَهُ: "كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَصِير هـذَا؟".
10 أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: "أَنْتَ مُعَلِّمُ إِسْرَائِيلَ وتَجْهَلُ هـذَا؟
11 أَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: نَحْنُ نَنْطِقُ بِمَا نَعْلَم، ونَشْهَدُ بِمَا رَأَيْنَا، وأَنْتُم لا تَقْبَلُونَ شَهَادَتَنَا.
12 كَلَّمْتُكُم في شُؤُونِ الأَرْضِ ولا تُؤْمِنُون، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِذَا كَلَّمْتُكُم في شُؤُونِ السَّمَاء؟
13 مَا مِنْ أَحَدٍ صَعِدَ إِلى السَّمَاء، إِلاَّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّمَاء، أَي إِبْنُ الإِنْسَان.
14 وكَمَا رَفَعَ مُوسَى الـحَيَّةَ في البَرِّيَّة، كَذـلِكَ يَجِبُ أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَان،
15 لِكَي تَكُونَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِهِ حَيَاةٌ أَبَدِيَّة.
16 هـكَذَا أَحَبَّ اللهُ العَالَم، حتَّى إِنَّهُ جَادَ بِابنِهِ الوَحِيد، لِكَي لا يَهْلِكَ أَيُّ مُؤْمِنٍ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّة.

( يو3\1-16)

 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

إخوتي الأحباء ، بعد أن كان يسوع في أورشليم مدة عيد الفصح وبعد أن آمن به الكثير من الناس حين رأوا الآيات التي صنعها، جاء إليه ليلاً نيقوديموس وهو فرّيسي لا شكَّ فيه وصاحب سُلطة لأنَّه كان من رؤساء اليهود وهو معلِّم يعرف الشريعة بالنسبة للناس والشعب اليهودي.
هذا الرجل، صاحب المركز المرموق، بالرغم من كل صفاته، لم يتجرأ بأن يتكلم مع يسوع علناً وفي وضح النهار، لأنه كان يخاف الناس ويخاف على مركزه وسمعته لذلك نراه يأتي إلى يسوع ليلاً وفي الخفية، حاملاً معه اعترافاً صريحاً بأن يسوع هو "المعلِّم" وبأنَّه الوحيد القادر أن يصنع كل هذه الآيات لأن الله معه.
هذا الاعتراف ناتج ربما عن إيمان شخصي بيسوع، لكن هذا الإيمان إن لم يزهر يبقى ناقصاً، لذا عليه أن يكتمل بالمجاهرة أي باعتراف علني أمام الجميع . وهنا نتذكر كلام يسوع القائل بأن:" كل من يعترف بي أمام الناس أعترف به أمام أبي الذي في السماوات وكل من ينكرني أمام الناس أنكره أمام أبي الذي في السماوات".
هذا المعلم الذي أتى في الليل جاء ليعترف بالنور لأن يسوع هو نور العالم، لكن من يرى النور عليه أن يمتلئ منه فيُشِع فيه، وعليه أيضاً أن يضيء هذا النور للناس فيروا الأعمال الصالحة فيمجدوا الآب السماوي.
وهنا نتوقف لنسأل أنفسنا أوَّلاً: لو كنّا مكان نيقوديموس هل كنا أتينا إلى يسوع؟ وهل كنا أتينا في الليل أم في النهار؟ هل كنا لنعترف أن يسوع هو المعلم والمرسَل من الله. وإذا سألنا السؤال اليوم بعد أن سمعنا الكثير عن يسوع، وما زلنا نسمع ونرى الآيات التي يصنعها يومياً في حياة كل واحد منا وفي الأسرار، خاصة في سر الإفخارستيا، هل ما زلنا نأتي إليه أم نلتجئ إلى آخرين؟ ومتى نأتي إليه؟ هل نأتي باستمرار أم عند الحاجة فقط والمرض؟ كل هذه الأمور علينا أن نفكر بها لنجدِّد علاقتنا بيسوع ونكمل مسيرة حياتنا معه، فهو النور وعلينا أن نتحرر من الظلام الذي يميت و نخرج إلى النور الذي يُحيي.
أما الأمر الثاني الذي يجب أن نتكلم عنه اليوم في هذا النص الإنجيلي هو: "الولادة الثانية"، التي تكلَّم عنها يسوع.
كُلنا يعرف، على غرار نيقوديموس، أننا لا يمكننا العودة إلى أحشاء أمهاتنا لنولد من جديد، وهذا منطقي، لكن الولادة الثانية التي قصدها يسوع ليست على مستوى الجسد بل هي الولادة الروحية على مستوى الروح وهنا يغيب و يضمحل كل أمل لتحليل المنطق، لأن المنطق الإلهي مختلف عن المنطق البشري، فيدخل الإيمان ليقلب المقاييس ويصبح هو سيد الموقف الذي من دونه لا نقدر أن نفهم معنى هذه الولادة من الماء والروح.
هذه الولادة الروحية تأخذنا بشكل مباشر إلى سر المعمودية. فهذا السر غني بعناصره ورموزه وضروري لشق حياة جديدة مع المسيح. إن مياه المعمودية شبيهة بالمياه التي تغمر الجنين في حشا أمه، فهذه تطلقه لحياة أرضية فانية أما مياه المعمودية فتدخله الحياة الأبدية الباقية. وجرن المعمودية الذي نُعمِّد فيه اليوم هو شبيه برحم الأم فهذا يولدنا ولادة جسدية، أما جرن المعمودية فيولدنا ولادة روحية. ولا يغيب عن بالنا أننا في ولادتنا الجسدية نرث خطيئة آدم وحواء أما في الولادة الروحية فتُغفر هذه الخطيئة ونصبح بفعل المعمودية أبناء الله الآب وإخوة ليسوع ومسكناً للروح القدس ونرث بذلك الملكوت المُعَدّ لنا من قبل إنشاء العالم.
وما الاسم الجديد الذي يُعطى لنا في المعمودية سوى علامة لهذه الولادة الروحية الجديدة. وفي كلام يسوع في إنجيله المقدس تأكيد على أن كل من يؤمن بالإبن ويعتمد ينال حياة أبدية.
وهنا لا بُدَّ لنا من أن نعيد النظر في سر معموديتنا، هل ندرك حقيقة قوة وفعل سر المعمودية في حياتنا؟ هل نعيش حقيقة بنوَّتنا لله وأخوَّتنا للمسيح؟ هل الروح القدس ما زال يرى فينا الهيكل والمسكن الحقيقي له ليَحُلَّ فينا أم أنَّه قد "حَلَّ عنَّا" منذ زمانٍ طويل؟
في النهاية، إخوتي، من آمن يوماً بالمسيح فليُعلن إيمانه ولا يستحي به فأجره كبير في السماء. ومن يعش كإنسانٍ مولود فقط من امرأة تورثهُ الخطيئة والموت، فليتذكر أنه مولود أيضاً من المعمودية الغافرة للخطايا ليكون من ورثة الملكوت. آمين.

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

أفكار على ضوء الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة السيّدة - الضهر)

 

::: تــأمـل :::

 الولادة من علو

"كما رفع موسى الحيّة في البرّية كذلك يجب أن يرفع ابن الإنسان لكي تكون لكلّ من يؤمن به الحياة الأبديّة".
أن تشعر بنَّ سُمّ الحيّة التي عضّتك يجري في عروقك، حتماً لّهُوَ اختبار مرعب وأنت تنتظر اقتراب أجَلِك...
تموت نفسياً قبل الجسد، عندما تبدأ بالتفكير في ما يجري لأعصابك التي تتشلّل شيئاً فشيئاً، ولدمك الّذي يتحوّل إلى حبرٍ أسود ليغزو كلّ مفاصل حيويتك وعقلك: قلقٌ، خوفٌ، يأسٌ فموت.


فمن منّا لم تعضّه الخطيئة؟ من منّا لم تتنازعه ميول الشرّ، فنحطّم ذواتنا والآخرين، عالمين في أعماقنا ماذا يجري داخلنا، وما هو مصيرنا؟
لكنّنا نستسلم لضعفنا فيُشَلُّ تفكيرنا ونتلاشى شيئاً فشيئاً حتّى موت النفس؛ ومتى ماتت تبطل حركتها، ولا تعد قادرة على النظر إلى الصليب الشافي ، المجدّد، عندها يبدأ العالم المادّي الدنيويّ التحكّم بها فيقودها حيثما يشاء.
هلاّ فهمنا لِمَ طلب يسوع من نيقوديموس " الولادة الجديدة من علو؟"
لأنّه لم يرد لنا أن نتألّم في مهدنا بل أن نتعافى ونصبح خليقة متجدّدة بروحه القدّوس؛ لم يرد أن تسكن الخطيئة أجسادنا ونفوسنا فتميتها. أراد إفهامنا أنّ الدواء هو في قبول الإتّحاد بروحه كي نولد أطهاراً من جديد.
في عصرنا الحاضر نرى الدنيا والمادة آخذة بالمسيحيّين إلى أبعد من أن يأملوا "بالولادة من علو". سبب أساسي كي يخمد فينا الروح وتتلاشى القوّة والشجاعة كي ننطلق ونجّدد هذا العالم بالأخوّة والمحبّة.
ترى إنسان اليوم يتكلّم عن الله دون أن يتكلّم إليه، يخبر عنه وهو لم يختبره.


لماذا؟
لأنّه حفظ ما حفظه من عبادات وصلوات وواجبات دينيّة في مكانٍ ما من ذاكرته وانفتح على كلّ شيء ما عدا روح الله كي يحيي ما حفظه فيصبح"كصنجٍ يطنّ وجرس ٍ يرنّ"، وقلبه متحجّراً.
مثل نيقوديموس، نأتي أحياناً إلى الله لأنّنا رأينا ما صنع من عجائب وآيات لكنّنا نلتحِفُ بالليل كي لا يرانا الآخرون فينعتوننا "بالبسطاء": ويلٌ لنا إن علموا بأمرنا، ورغبتنا المتأرجحة في اكتشاف الحقّ والحقيقة في المسيح لا تجرؤ على الخروج إلى النور (العَلَنْ).
ألا نؤمن بأنّ المسيح ومَنْ بعده مِنَ الرسل والقدّيسين هم من جعلونا نكتشف بأنّ روح الحبّ والحقّ هما يحرّرانا، ويجعلا منّا أبناءً أُمَناء أحبّاء يفرحون بلقاء الله الأب والآب؟
ألا نثق بوعوده لنا، وبأنّ إرادته، بفعل الحبّ لشخصنا، هي انتشالنا من هوّة العبوديّة للإنسان القديم والخوف من الدينونة رافعاً إيّانا صوب قلبه، صوب الفرح الحقيقي والحرّية الحقيقية والحبّ الصادق والمسؤول؟
ألا نثق بأنّ في هذه الولادة طفولة روحيّة تكبر بالنعمة والقامة والحكمة في المسيح، حيث في كلّ يوم هناك انطلاقة جديدة نحو الأفضل والأكمل، نحو مسامحةٍ أكبر واحتضان ٍ أعظم؟


لنقف وقفة تأمّل في ما يجري داخلنا ومن حولنا، ولْنُصَلِّ لنيل هبة الروح كي نولد من جديد ونتحرّر من مخاوفنا، ونستفيق من كبوتنا العميقة التي أخذتنا بعيداً، في الأحلام، عن واقعنا كأبناءٍ للآب. لنبحث عن نظرة البنوّة تلك إلى الله، فإنّ وسط "عجقة" الشعارات والإيديولوجيّات والمعتقدات والعصبيّات الدينيّة المتنازعة فيما بينها، التي تفرضها علينا وسائل الإعلام المتنوّعة (مع كلّ احترامي للبعض منها)... لأجل خيرنا فلنتسلّح بالشجاعة ونطلق الروح يعمل فينا كي نشهد للحقّ والخير والحبّ.


أمّا أنتم أيّها الشباب، فمن المهمّ بمكانٍ أن تعرفوا بمن عليكم أن تثقوا وتؤمنوا. عليكم أن تملؤا فراغ المجتمع بالأعمال التي تبني الإنسان وتنمّي فيه الحبّ وتنفتحوا على قبول الآخر كي تفوِّتوا فرصة مَلئ هذا التشتّت على أصحاب المصالح الخاصّة والسياسة والتعصّب والنفوذ.


خذوا موعداً مع الربّ اليوم أيّها الشباب فأنتم "مولودون منذ هذه اللحظة من علو" وستكونون أصحاب المستقبل في المجتمع الخَيَّر والكنيسة المتجدّدة معكم بالروح وبنوّتكم للآب.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com