الأسابيع الممهّدة للصوم

أحد الموتى المؤمنين

(15 شباط 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

  إنّه أحد الموتى المؤمنين، وهو الأحد الثالث من الآحاد الممهّدة لزمن الصوم.
   يوجد تقارب شديد، على مستوى القراءات والجوّ العام للاحتفال الليتورجي، بين هذا الأحد وتذكار الموتى المؤمنين، في الثاني من تشرين الثاني.
   في الرسالة إلى أهل تسالونيكي، يدعونا مار بولس للاستعداد للموت الّذي لا يستطيع مفاجأة المؤمن بالمسيح وبالخلاص الّذي تمّمه لنا بموته وقيامته .
   أمّا في الإنجيل فيدعونا المسيح، من خلال مثل الغني ولعازار، للتنبّه إلى استغلال كلّ لحظةٍ من حياتنا كفرصةٍ لاستحقاق الخلاص الممنوح لنا مجاناً من الله وللوعي أن "البحبوحة الأرضيّة" لا تكفل لنا الحياة الأبديّة إلّا إذا نظرنا صوب الفقراء والمهمّشين والمحتاجين.نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتأمّل،في هذا الأحد، في حياتنا وفي مدى عيشنا للحياة كنعمةٍ وفرصةٍ لاستحقاق الخلاص لنا وللآخرين، مما يجعلنا أهلاً للحياة الأبديّة بعد انتقالنا من الموت إلى الحياة، عبر بوابة الموت الجسدي!

 

::: صلاة تأملية :::

رتبة وضع البخور

 

1-الجوق الأوّل :

شَبَح لْموريو كولْخون عَمِه

نفحات العطر العذب       عن أرواح موتانا

ترجو منك يا ربّ             عنهم رضواناً

بالخبز الحيّ اقتاتوا         واجتازوا دنيا الشَقا

للمجد الآتي باتوا             في مثوى الرَجا

2-الجوق الثاني :

 

ما أشهى موت الأبرار      أسرارٌ ما أغناها

آمالٌ ما أغلاها              غفوٌ في الأنوار

ما لم تبصرهُ عينٌ           ما لم تسمعهُ أذنٌ

ما لم يدركه ذهنٌ            يعطى للأبرارْ

3-الجوق الأوّل :

إن جاء الحيّ الربّ         نادى بالموتى هبّوا

من جوف الأرض قاموا         للحُكم قاموا

مَن في البرّ قد لاحا      غنّى الشكر و ارتاحا

في غمرِ الأنوار الحيّ           نوراً فيه حيّ

4-الجوق الثاني :

إسحاقُ لفّ أبرامْ        مبكيّاً ، بالأكفانِ

و البعثُ سرٌ ظلامْ       ملءُ الأذهانِ

موسى قد هزّتهُ النارْ      و الله منها ناداهْ

الصدّيقون الأبرارْ         يحيَونَ لله

5- الجوق الأوّل :

صْلوتو شورو تِهوِ لَن دَمْبَرَخْتو بَرِخمور

المحتفل : فُلكٌ بانتْ في البُعدِ

الجــوق : يُغنيها كنز الوَعدِ

يحدوها موج اليمّ           و الكنز ينمي

أنتِ الفُلكُ يا مريمْ     يسوعُ الكنز الأعظمْ

مِنهُ أشبعتِ المعمورْ            حياةً و نورْ

6-الجوق الثاني :

 

 

يا أبرارُ في القضاءْ         الحكّامَ أدهشتمْ

ذللتمْ رُكنَ الظُلماءْ           و الشرّ دستمْ

غادرتمْ كورَ التعذيبْ      كالإبريزِ في النّقاءْ

غنّتْ ذكراكم تطويبْ         أرضٌ و سماءْ

7- الجميع :

نيوحو لعَنيديه مهَيمنيه  و لُخ مور شوبْحو بَرِخْمور

المحتفل : نُحيي ذكرَ الأنبيا                  الجــوق : و الرّسْلِ و الصدّيقينْ

و الأبطالِ الشُهَدا                              فَخْرِ الظّافرين

أذكرْ يا ربُ البيعَه                            والعذراءَ الوديعَه

و الموتى بالقدّيسينْ                             إجمعهم . آمينْ

 

الباعوت

 

1- الجوق الأوّل :

يا ابنَ الله، بين الأبرارْ         ملءْ الأنوارْ

ارحمْ و اقبلْ أبناءكَ          طول الأدهارْ

2- الجوق الثاني :

يا مَن تحيي مَيتاً واراهْ    التـــــرابُ

اقبل منّا هذي الصلاهْ              عَمّن غابوا

3- الجوق الأوّل :

يا مَن ذاق الموت القاسي كالإنســـــــانِ

أبعد عنّا مرّ الكأسِ    الموت الثاني

 

4- الجوق الثاني :

عظّمْ و ارفَعْ ذكرَ العذرا

و القدّيســـــــــينْ

جُدْ و ارحمنا طيّبْ ذكرى الموتى . آمين

 

 

::: الرسالة :::

1   أَمَّا الأَزْمِنَةُ والأَوقَات، أَيُّهَا الإِخْوَة، فلا حَاجَةَ بِكُم أَنْ يُكْتَبَ إِلَيْكُم في شَأْنِهَا؛
2   لأَنَّكُم تَعْلَمُونَ جَيِّدًا أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ يأْتي كَالسَّارِقِ لَيْلاً.
3   فحِينَ يَقُولُون: سَلامٌ وأَمْنٌ! حِينَئِذٍ يَدْهَمُهُمُ الـهَلاكُ دَهْمَ الْمَخَاضِ لِلحُبْلى، ولا يُفْلِتُون.
4   أَمَّا أَنْتُم، أَيُّها الإِخْوَة، فَلَسْتُم في ظُلْمَةٍ لِيُفَاجِئَكُم ذلِكَ اليَومُ كالسَّارِق.
5   فأَنْتُم كُلُّكُم أَبْنَاءُ النُّور، وأَبْنَاءُ النَّهَار؛ ولَسْنَا أَبْنَاءَ اللَّيلِ ولا أَبْنَاءَ الظُّلْمَة.
6   إِذًا فلا نَنَمْ كَسَائِر الـنَّاس، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ؛
7   لأَنَّ الَّذِينَ يَنَامُونَ فَفي اللَّيلِ يَنَامُون، والَّذِينَ يَسْكَرُونَ فَفي اللَّيلِ يَسْكَرُون.
8   أَمَّا نَحْنُ أَبْنَاءَ النَّهَار، فَلْنَصْحُ لابِسِينَ دِرْعَ الإِيْمَانِ والـمَحَبَّة، ووَاضِعِينَ خُوذَةَ رَجَاءِ الـخَلاص.
9   فإِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلغَضَب، بَلْ لإِحْرَازِ الـخَلاصِ بَرَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح،
10 الَّذي مَاتَ مِنْ أَجْلِنَا، لِنَحْيَا مَعَهُ سَاهِرِينَ كُنَّا أَمْ نِائِمِين.
11 فَلِذلِكَ شَجِّعُوا بَعضُكُم بَعْضًا، وَلْيَبْنِ الوَاحِدُ الآخَر، كَمَا أَنْتُم فَاعِلُون.
 (1تس5 \1-11)
 

 

::: أفكار من الرسالة :::

في مجتمعنا المعاصر، حيث طغى البحث عن الغنى والتفوّق على كلّ ما عداه، أصبحت مناسبات الحزن شبه الفرصة الوحيدة المناسبة للقاء الناس مع بعضهم البعض، لدرجة أنّ الطابع الاجتماعيّ للمناسبة غلب على بعدها الرّوحي بحيث أصبح تقديم واجب العزاء هو الأساس، على حساب المشاركة في الصلاة، كما يتبين للناظر من منظر الجماهير المحتشدة "خارج الكنيسة" تاركةً "الداخل" لأهل الفقيد وبعض "المجبورين" وقلّة من المصلّين.
نعم أيها الإخوة،
لقد طغى على عاداتنا، في الحزن، طابع "الواجب الاجتماعي" لحتّى يمكننا القول، وبراحة ضمير، أنّ همّ معظم المحزونين هو الخروج بأقل درجة من الأضرار المعنويّة التي يسبّبها بعض المتربّصين بهم لتسجيل مواقف عليهم في أصعب أوقاتهم:
         فمنهم من ينتظر ردّة فعل أخوة متخاصمين، جمعهم الحزن مرغمين، بعد أن فقدوا معنى الأخوة أو القرابة فأجبرتهم الأيام على الوقوف "قرب بعض" لا "مع بعض" بعد أن فرّقتهم المطامع أو رغبات النساء أو نكبات التبعيّة لذلك الزعيم أو السياسيّ أو ...
         ومنهم من أتى ليراقب ملابسهم فيعيّب على من سهر الليل قرب فقيده قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة منتقداً إياه على عدم لبسه "الكرافات السوداء" أو "الكلسات السود" أو ...
         ومنهم من أتى ليسجّل عليهم واجباً لأنهم يوم كان دوره في الحزن لم "يؤاجروه" أو "يعزّوه"....
         ومنهم من أتى ليعرف من حضر ومن قاطع وليحصي إذا كان دفنهم "أهم" من دفنه أو أضخم و"اسمالله شو إجا ناس" وكأن الميت يكسب مركزاً أعلى في "السماء" إذا كثر المعزّون به على "الأرض"...
يضاف إلى ما سبق أنّ معظمنا يفقد حسّه المسيحي عند الحزن كما نشهد في مواقف النواح والبكاء والتفجّع التّي هي أبعد ما يكون عن تصرّف "أبناء الرّجاء" فيخرج المرء من المحفل الجنائزيّ وكأنّه في موكب "العدميّة" حيث الله ميّت والإنسان ميّت ولا شيء لنرجوه لا في هذه الحياة ولا بعدها!
وبمختصر، ينقسم أغلبيّة الناس ما بين فئتين:
         من يعيشون حياتهم خائفين من الموت لدرجة أن حياتهم تصبح أقرب إلى الموت منها إلى الحياة.
         ومن يعيشون حياتهم غير عابئين أو مهتمين بتحضير نفوسهم للحظة الانتقال على مثال الغنيّ المذكور في إنجيل اليوم وهم من يدعوهم مار بولس "أَبْنَاءَ اللَّيلِ و أَبْنَاءَ الظُّلْمَة".
من هنا تظهر أهميّة رسالة اليوم حيث يدعونا مار بولس لنكون من "أبناء النهار.... فْنَصْحُ لابِسِينَ دِرْعَ الإِيْمَانِ والـمَحَبَّة، ووَاضِعِينَ خُوذَةَ رَجَاءِ الـخَلاص".
أبناء النهار هؤلاء يعلمون "... جَيِّدًا أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ يأْتي كَالسَّارِقِ لَيْلاً" وهذا يجب أن يظهر في سلوكهم:
       يعيشون الحياة بشغف لأنّهم يستغلّون كلّ لحظة من حياتهم كنعمةٍ مجانيّة من الله لهم.
       يتّحدون الخوف بالرّجاء الّذي يزرعه فيهم إيمانهم بإلهٍ "غلب الموت بالموت ووهب الحياة للّذين في القبور" كما يقول نشيدٌ أورثوذوكسيٌّ بديع.
       يعلنون إيمانهم بالقيامة بشجاعة في كلّ وقت وخاصّةً في لحظات انتقال أحد الأحبّة "من الموت إلى الحياة" ولسان حالهم كلمات الأغنية الفرنسيّة الشهيرة: "Ce n'est qu'un Au Revoir" إذ يتواعدون على اللقاء في بيت الآب السماوي "حيث "المنازل كثيرة" (يو 14\2)، ولا يوجد في قاموسهم تعبير "وداعاً"!
في الختام، أيّها الإخوة، أبناء النّهار هم الّذين يعملون بوصيّة مار بطرس:" وكُونُوا دَوْمًا مُسْتَعِدِّينَ لِلدِّفَاعِ تُجَاهَ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُم عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذي فِيكُم"(1 بط 3\15)!

 

::: الإنجيل :::

19    كَانَ رَجُلٌ غَنِيٌّ يَلْبَسُ الأُرْجُوانَ وَالكَتَّانَ النَّاعِم، وَيَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ بِأَفْخَرِ الوَلائِم.
20    وكانَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لَعَازَرُ مَطْرُوحًا عِنْدَ بَابِهِ، تَكْسُوهُ القُرُوح.
21   وكانَ يَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الفُتَاتِ الـمُتَسَاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الغَنِيّ، غَيْرَ أَنَّ الكِلابَ كَانَتْ تَأْتِي فَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ.
22    وَمَاتَ الـمِسْكينُ فَحَمَلَتْهُ الـمَلائِكَةُ إِلى حِضْنِ إِبْرَاهِيم. ثُمَّ مَاتَ الغَنِيُّ وَدُفِن.
23    وَرَفَعَ الغَنِيُّ عيْنَيْه، وَهُوَ في الـجَحِيمِ يُقَاسِي العَذَاب، فَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيد، وَلَعَازَرَ في حِضْنِهِ.
24     فَنَادَى وقَال: يا أَبَتِ إِبْرَاهِيم، إِرْحَمْنِي وَأَرْسِلْ لَعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَعِهِ بِمَاءٍ وَيُبرِّدَ لِسَانِي، لأَنِّي مُتَوَجِّعٌ في هـذَا اللَّهِيب.
25    فَقالَ إِبْرَاهِيم: يا ابْنِي، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلْتَ خَيْراتِكَ في حَيَاتِكَ، وَلَعَازَرُ نَالَ البَلايَا. والآنَ هُوَ يَتَعَزَّى هُنَا، وأَنْتَ تَتَوَجَّع.
26    وَمَعَ هـذَا كُلِّهِ، فَإِنَّ بَيْنَنا وَبَيْنَكُم هُوَّةً عَظِيمَةً ثَابِتَة، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْتَازُوا مِنْ هُنا إِلَيْكُم لا يَسْتَطْيعُون، ولا مِنْ هُناكَ أَنْ يَعْبُرُوا إِلَيْنا.
27    فَقَالَ الغَنِيّ: أَسْأَلُكَ إِذًا، يا أَبَتِ، أَنْ تُرْسِلَ لَعَازَرَ إِلَى بَيْتِ أَبي،
28    فإنَّ لي خَمْسَةَ إِخْوة، لِيَشْهَدَ لَهُم، كَي لا يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلى مَكَانِ العَذَابِ هـذَا.
29    فقَالَ إِبْرَاهِيم: عِنْدَهُم مُوسَى وَالأَنْبِياء، فَلْيَسْمَعُوا لَهُم.
30    فَقال: لا، يَا أَبَتِ إِبْرَاهِيم، ولـكِنْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِم وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يَتُوبُون.
31    فقالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: إِنْ كانُوا لا يَسْمَعُونَ لِمُوسَى وَالأَنْبِيَاء، فَإِنَّهُم، وَلَو قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَات، لَنْ يَقْتَنِعُوا!".
 (لو 16/19-31)

 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

إخوتي الأحباء بالرّب يسوع ،أمران يوحدّان ويساويان بين الناس : يوم الولادة ويوم الموت.
 
في يوم الولادة نأتي الى الحياة عراة، إلاّ من عطيّة الحياة التي وهبنا إياها الله لنستثمرها بطريقة صحيحة و نقرّر بها ونحقق أبديتنا هنا على الأرض، من خلال كل عمل وموقف نأخذه من الله والقريب كما هي الحال في مثل الغني وأليعازر.
أما في يوم الموت فلا يّميّز بين غني وفقير، بين كبير وصغير، بين قوي وضعيف، إذ نقف كلّنا أمام الرّب الديّان لنؤدي نفس الحساب عن كل عمل قمنا به وعن كل موقف من قريبنا الذي وُضِع في طريقنا ليكون سبب خلاصٍ لنا.
لكن الغريب هو ما يحدث ما بين الولادة والموت: غالباً ما ننسى من نحن، ننسى أننا مخلوقون ونتصرَّف كآلهة، وبالتالي نستطيع أن ننسى من أعطانا الحياة لساعات، ولأيام وأسابيع وشهور وحتى لسنين، ونعيش لا نفكر بالموت إلا كحقيقة بعيدة. والنتيجة ننسى بأننا أبناء الله، أبناء عائلة واحدة متساوون في ما بيننا وملزمون بمساندة بعضنا البعض، ننسى هذه الحقيقة ونأخذ ببناء الهوّة تلو الأخرى بيننا، نبنيها بحب المال والسلطة واللذة، نبنيها بالكبرياء والحقد والأنانية، نبنيها بسوء النية والحكم المسبق على الآخر ورغبة الانتقام والنميمة، حتى نصل في نهاية المطاف إلى قمّة ما صنعته أيدينا: هوّةٌ عظيمة بيننا وبين الآخرين لا تستطيع حتى رحمة الله أن تغيّر شيئا من معالمها بعد الممات.
أجاب إبراهيم الغني قائلاً : "بيننا وبينكم هوّة عظيمةً، حتى إن اللذين يُريدون العبور من هنا إليكم لا يستطيعون. ولا اللذين هناك يستطيعون إلينا عبوراً". هذه العتبة التي كانت تفصل بين الغني وأليعازر تحوَّلت بعد الموت إلى هوة عظيمة، ويبقى السؤال كيف نجتاز هذه العتبة على الأرض ونتحاشى تحوُّلها إلى هوَّة؟
أمرٌ واحدٌ يمكننا أن نقوم به، ويقلب كل المقاييس في طريقة عيشنا لعلاقتنا مع الله والقريب، أمرٌ واحد يمنعنا من بناء الحواجز والهوَّة بيننا وبين القريب، وهو أن نأخذ بجديّة ما قاله يسوع لنا وردّده  مار بولس: "إسهروا لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة"،  "أمّا الأزمنة والأوقات، فلا حاجة إلى الكتابة فيها إليكم. لأنكم تعلمون حقّا أن يوم ربّنا يأتي كالسّارق ليلاً".  
فلو قلنا لذواتنا مع إشراقة كل صباح،  هذا آخر يومٌ في حياتي، فهل يعقل أن نترك نفوسنا تبقى مستعبدة لنزعة التسلّط وحبّ الغنى والجاه، وخدعة المظاهر؟ أو هل يعقل أن نترك الحقد والضغينة وروح الانتقام تعشعش في قلوبنا لأجل خلاف على تمسُّكنا بمتر أرض؟ وهل نبخل بمغفرة ورحمة قادرين أن نمنحها لمن أساء إلينا ؟
ولو قلنا عند كل مساء ، ربّما لن نستيقظ غداً من نومنا، فهل يعقل أن يرتاح رأسنا على الوسادة وقلبنا ممتلئ بالزعل والغضب والشرّ والخطيئة ؟
إخوتي إذا كان قريبنا هو سبب خلاصنا فلماذا لا نسرع الى تعزيز علاقتنا به ونخلّص نفوسنا؟
تذكروا أننا مهما طال عمرنا على هذه الأرض أو قصر فيوم الوقوف أمام الديّان سيأتي لا محال فهل نحن مستعدون لهذه الوقفة؟ لماذا لا نعيش كل لحظة على أنَّها الأخيرة ونضمن بها الملكوت؟
إخوتي اليكم هذا الخبر: سُئِلَ أحد الحكام عن سبب نجاحه في حكمه وفي معاملته الحسنة مع الناس فقال: "إسألوا مقبرتي وهي تجيبكم"... فبعد عشرين سنة من الحُكم وبعد قراءة كل ما كان يكتبه، عرفوا أنَّه كان يزور قبره قبل أن يتخذ أي قرار في حكمه على الناس.  ليتنا اليوم نتعظ ونتعلَّم منه فتتغيَّر كل أفكارنا وأعمالنا وتصفى نوايانا فنكون أسعد الناس عِوَضَ أن نكون أشقى الناس.
إخوتي  فلنُصَلِّ اليوم  معاً: "أعطنا يا رّب أن نعيش في دنيانا كبدو رُحَّل في حجّ مستمر إليك، ساعدنا أن نعيش في العالم حقيقة ما نحن عليه وهو أننا نعيش في العالم ولكنَّنا لسنا من العالم"، آمين.

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

أفكار على ضوء الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة السيّدة - الضهر)

 

::: تــأمـل :::

غنيٌّ فقير
 
أيّها الغنيّ الذي لا إسم له, ملأت بطنك وانتفخت من مباهج الدنيا, عشت وثنيّتك في صنم ميولك ورغبات قلبك إلى أن تحجّرت عيناك, فلم تعد قادرة على النظر إلى المَرْمِيِّ على عتبة بابك يئنّ من الجوع, وتجمّدت رحمتك, فما عدت تستطيع الإحساس ببؤس لعازhر وألمِ جسده المُتَقرّح.


أيّها الغنيّ الذي لا إسم له, مائدتك "وليميّةٌ" 365 يوماً على 365, تزخر بالزفر من المآكل والشهيّ من الأطايب, يجتمع حولها أهل الترح والمرح واللهو وثياب الكتّان والأرجوان. وكما تخرج أنت لتودّعهم, يدخلون هم بيتك, على خطاك, تجرّهم أُنُوفهم إلى الأطباق والعطور... فكيف لهم أن يتنبّهوا إلى فقيرٍ مُلقى, يلامس ألمه رخام أرضك فيحنّ عليه, يبرّد حرارة جراحه وأنت لا تفعل ولا تفطن حتّى. ربّما كنت تخطو فوقه ولا تلحظ ؟ أهذا هو جواز سفرك إلى الأبديّة؟ ماذا تبقّى من جسدك وكلّ ما ملأته به يوم دُفنت في التراب كما لعازار؟ كلاكما صرتما تراب, إنّما الفرق ربّما كانت كمّية ترابك الأكبر, لأنك امتلأت من دهون الموائد, أمّا هو فبالكاد ملأ ترابه "فخّارة" وردةٍ نديّة في ايّامها الأولى...

           
هل ذهبت مرّة تقدّم امتحانات الشهادة, فتأنّقت وتعطّرت وحملت محفظتك الجلديّة وكلّ ما يلزم بحسب ما تراه مناسباً, لكنّك نسيت شيئاً صغيراً, لا يُقاس بما تحمل وبما تتجلبب به: نسيت القلم. ماذا تفعل؟ كيف تجيب؟ وقتها لن تجد أحداً يعطيك ما تحتاجه, فكلّ يحمل حاجته على قَدْرِ ما أُعْطِيَ.


قلمك هذا هو الذي سيفسح لك المجال لدخول الامتحان والنجاح (إن كنت مستعداً). قلمك هذا, هو لعازار الذي سيكتب اسمك على صفحة الأعمال الصالحة في بيت الآب, لا لأنّ الله يحبّ الفقراء فقط إنّما  لأجل غناك الذي تركه منسياً تحت أقدام الموائد يسكت جوعه من "سُفرة الكلاب" التي حظيَت بإسمٍ ربّما إلّاه. قلمك هذا هو الذي سيخطّ صكّ الميراث المستحقّ إن كنت قد أحسنت إدارته وأعددت ما يلزم, من هنا على الأرض, عندما أمّنك على الحفاظ عليه والمتاجرة الخيِّرة بوزناته كي يثمر ويعطي عشرين وثلاثين وستّين.


إنّ الله لم يَلُمْكَ على غناك ولن يفعل, فكم من غنيّ وظّف أمواله في خدمة الفقراء وفعل الخير أينما استطاع فعله, لقد لامَكَ عندما كان باستطاعتك أن تفعل الخير ولم تفعلها مطلقاً بالإهمال وقلّة الإدراك. يا لعماك الذي لا يرى إلاّ الذات, بالأحرى, الذي لا يريد أن يرى إلاّ الذات. ربّما كنت من الممارسين للواجبات الدينيّة وتردّد في كلّ احتفال "يا ربّ, يا ربّ" ولكن هل هذا وحده سوف يفتح لك باب السماء ويجعلك تعاين وجه الله؟
ألم تَلحَظ أن مقياس الغِنى انقلب في السماء, والمنسيّ على الأرض كان محفوراً في قلب الله فأقامه عن يمينه عند ساعة اللقاء؟


هذا الغنيّ الذي لا إسم له ربّما هو أنت وأنا... هو أضاع فرصةً من يده، أضاع فرصة أن يكون له إسمٌ في سجلّ الخلاص فبقي خارجاً؛ لم لا نتأمّل في حياتنا وكيفية تعاملنا مع من هم بحاجة إلينا؟ لم لا نسعى إلى تغيير نظرتنا إلى العلاقة مع الله من خلال علاقتنا بالآخر؟لم لا نعي الفقر الحقيقي في شخصنا فنصلحه: الغنيُّ أفقرُ من الفقير إلى الحبّ والخير، فقره في عدم قدرته على ردمِ الهوّة بينه وبين الفقير الغنيُّ، الذي بإمكانه أن يقدّم للغنيّ الفقير فرصة الحصول على إسمٍ يُكتبُ في سجلّ الأبديّة مع الله الآب.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com