زمن الصوم

أحد مدخل الصوم – أحد عرس قانا الجليل

(22 شباط 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

· إنّه أحد مدخل الصوم، ومعه ندخل في زمن التقرّب إلى الله ف شخص "صورته ومثاله" ، الإنسان، كلّ إنسان، عبر مبادرات الخر والتضحية والمشاركة.
· في المقطع المختار من الرسالة إلى أهل روما، يدعونا مار بولس لتجاوز "الشكلّيات" في زمن الصوم وعاداته نحو ممارسة أعمق وأكثر روحانيّة أساسها ألّا نصبح "سبب عثرةٍ" لإخوتنا الناس!
· في الإنجيل، يحدّثنا مار يوحنّا عن عرس قانا الجليل وكأنّه يدعونا إلى الفرح من خلال عيش زمن الصوم بتوهّج الإيمان ومثابرة الرجاء وجديّة المحبّة.نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتأمّل،في هذا الأحد، في مفهومنا للصوم وفي نوايانا وفي أهدافنا من خلال هذا الصوم المقدّس، جعله الله مباركاً ومقدَّساً ومقدِّساً، آمين.

 

::: صلاة تأملية :::

حوّل يا ربّ حياتنا الى خمرة حبّك ، فنعرف أنّنا شعب محبّة فتتحوّل حياتنا من نقصها البشري الى كمال لاهوتك، أنت الّذي طلبت منّا أن نكون كاملين كما أنَّ اباك السَّماوي كامل هو. فكما شاركتنا بعرسنا الأرضي ، أشركنا في عرس ملكوتك السَّماوي. لك المجد إلى الأبد. آمين.

14    وإِنِّي عَالِمٌ ووَاثِقٌ، في الرَّبِّ يَسُوع، أَنْ لا شَيءَ نَجِسٌ في ذَاتِهِ، إِلاَّ لِمَنْ يَحْسَبُهُ نَجِسًا، فَلَهُ يَكُونُ نَجِسًا.
15    فإِنْ كُنْتَ مِنْ أَجْلِ الطَّعَامِ تُحْزِنُ أَخَاك، فَلا تَكُونُ سَالِكًا في الـمَحَبَّة. فَلا تُهْلِكْ بِطَعَامِكَ ذَاكَ الَّذي مَاتَ الـمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ!
16    إِذًا فَلا تَسْمَحُوا بَأَنْ يَصِيرَ الـخَيْرُ فيكُم سَبَبًا للتَّجْدِيف.
17    فَلَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ بِرٌّ وَسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ القُدُس.
18    فَمَنْ يَخْدُمُ الـمَسِيحَ هـكَذَا فهوَ مَرْضِيٌّ لَدَى الله، ومَقْبُولٌ لَدَى النَّاس.
19    فَلْنَسْعَ إِذًا إِلَى مَا هوَ لِلسَّلام، ومَا هُوَ لِبُنْيَانِ بَعْضِنَا بَعْضًا.
20    فَلا تَنْقُضْ عَمَلَ اللهِ مِنْ أَجْلِ الطَّعَام؛ لأَنَّ كُلَّ شَيءٍ طَاهِر، ولـكِنَّهُ يَنْقَلِبُ شَرًّا عَلى الإِنْسَانِ الَّذي يَأْكُلُ وَيَكُونُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لأَخِيه.
21    فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ لا تَأْكُلَ لَحْمًا، ولا تَشْرَبَ خَمْرًا، ولا تَتَنَاوَلَ شَيئًا يَكُونُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لأَخِيك.
22    واحْتَفِظْ بِرأْيِكَ لِنَفْسِكَ أَمَامَ الله. وطُوبَى لِمَنْ لا يَدِينُ نَفْسَهُ في مَا يُقَرِّرُهُ!
23    أَمَّا الـمُرْتَابُ في قَرَارِهِ، فَإِنْ أَكَلَ يُدَان، لأَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ صَادِرٍ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَان. وكُلُّ عَمَلٍ لا يَصْدُرُ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَانٍ فَهُوَ خَطِيئَة. 

(روم14 \14-23) 

 

::: أفكار من الرسالة :::

في بداية الصّوم الكبير وكَكُلِّ سنة، تكثر التَّساؤلات والإجتهادات والبطولات في ممارسة الصّوم والوعد به و ننسى الجوهر الّذي من أجله وُضِعَ الصَّوم.
فَنَسأَل : كيف نصوم؟ وعن ماذا نصوم؟ ولأي ساعة نصوم؟ وهل أنا مُجبَر على الصّوم؟ أو هل أنا حُرٌّ كي أصوم؟ وإلى ما هناك من أسئلة نطرحها على ذاتِنا وعلى الآخرين وعلى الكنيسة.
وتكثر الاجتهادات في الصّوم: أصوم لغاية السّاعة ۱٢ وآكل ما أريد، أصوم عن الزّفر فقط يومّيْ اثنين الرّماد والجمعة العظيمة،أصوم عن الزّفر وآكل البياض،آكل كلّ شيء كالعادة فلا أصوم لكنْ أُصوِّم لسان... وإلى ما هنالك من اجتهادات. فكلٌّ مِنَّا يصوم "على ذوقه".
وتكثُر البُطولات: فبالإضافة إلى الصّوم، أحرم نفسي من أُمور إِضافيّة لها مكانة خاصّة في حياتي فمثَلاً طيلة الصّوم أحرم ذاتي من القهوة، من الدُّخان، من الحلوى، من مُشاهدة التلفاز، من المُشاركة في الرَّحلات.... ومن عِدَّة أمور لا يسعُنا ذِكرُها.
وَيَنْتَهي الصَّوم ويعود كلّ شيء إلى ما كان عليه وكَأَنَّ شيئاً لم يَكُن. وكلّ هذه التَّساؤلات والاجتهادات والبُطولات تُنسينا جوهر وغاية الصّوم أّلا وهو عيش ملكوت الله الّذي هو بِحَسَبِ مار بولس: "ليسَ أَكلاً وشرباً بل برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الرُّوح القدس".
وهو أكثر من ذلك، هو عيش المحبّة مع ذاتِنا ومع الآخرين.
فلنسمع ماذا يقول لنا على الصّعيد الشَّخصي: "لا شيء نجسٌ في ذاته، إِلاّ لِمَن يحسَبُهُ نَجِساً، فَلَهُ يكون نجساً"، "احتفِظ بِرَأيِكَ لِنَفسِكَ أَمام الله" و "طوبى لِمَن لا يَدينُ نَفسَهُ في ما يُقَرِّرُهُ".
وعلى صعيد علاقتِنا بالآخرين، يقول لنا مار بولس : " إِنْ كُنتَ من أجل الطَّعام تُحزِنُ أخاكَ، فلا تكونُ سالِكاً في المحبَّة"، "فلنَسعَ إِذاً إلى ما هو للسَّلام، وما هوَ لِبُنيانِ بَعضِنا بَعضاً"، "خيرٌ لك أَن لا تأكُلَ لَحماً، ولا تَشرب خَمراً، ولا تتناول شيئاً يكون سبب عثرةٍ لأَخيك".
فمار بولس يطلب مِنَّا أَن تكون شريعة الصّوم كاملة بِمعناها الرُّوحي وهذا هوَ الأَهمّ. فلا نسعى للقُشور بل إلى جوهر عملنا فَنَحصُد من الصَّوم الخير والمحبّة والسّلام فيكون هو الزَّمن المقبول، زمناً نعتاد فيه على عمل المحبّة فَنَعرِفَ جوهر دعوتنا ألا وهي عيش الفرح وصنع السّلام
ومن يصنع خلاف ذلك، ولو صام كلّ عمره ولم تَكُن فيه محبّة، فهو يضيّع وقته.آخِذين شِعارَنا في هذا الصَّوم المبارك بحسب قولِ الرّبّ يسوع: "ليس بالخُبز وحده يحيا الأنسان بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله".
 

 

::: الإنجيل :::

1      وفي اليَوْمِ الثَّالِث، كَانَ عُرْسٌ في قَانَا الـجَلِيل، وكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاك.
2      ودُعِيَ أَيْضًا يَسُوعُ وتَلامِيذُهُ إِلى العُرْس.
3      ونَفَدَ الـخَمْر، فَقَالَتْ لِيَسُوعَ أُمُّهُ: "لَيْسَ لَدَيْهِم خَمْر".
4      فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "مَا لِي ولَكِ، يَا امْرَأَة؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْد!".
5      فقَالَتْ أُمُّهُ لِلْخَدَم: "مَهْمَا يَقُلْ لَكُم فَافْعَلُوه!".
6      وكَانَ هُنَاكَ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حَجَر، مُعَدَّةٌ لِتَطْهيِر اليَهُود، يَسَعُ كُلٌّ مِنْهَا مِنْ ثَمَانِينَ إِلى مِئَةٍ وعِشْرينَ لِيترًا،
7      فقَالَ يَسُوعُ لِلْخَدَم: "إِملأُوا الأَجْرَانَ مَاءً". فَمَلأُ[وهَا إِلى فَوْق.
8      قَالَ لَهُم: "استقوا الآنَ، وقَدِّمُوا لِرَئِيسِ الوَلِيمَة". فَقَدَّمُوا.
9      وذَاقَ الرَّئِيسُ الـمَاءَ، الَّذي صَارَ خَمْرًا - وكانَ لا يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، والـخَدَمُ الَّذينَ اسْتَقَوا يَعْلَمُون - فَدَعَا إِلَيْهِ العَرِيسَ
10   وقَالَ لَهُ: "كُلُّ إِنْسَانٍ يُقَدِّمُ الـخَمْرَ الـجَيِّدَ أَوَّلاً، حَتَّى إِذَا سَكِرَ الـمَدعُوُّون، قَدَّمَ الأَقَلَّ جُودَة، أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الـخَمْرَ الـجَيِّدَ إِلى الآن!".  
11   تِلْكَ كَانَتْ أُولَى آيَاتِ يَسُوع، صَنَعَهَا في قَانَا الـجَلِيل، فَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، وآمَنَ بِهِ تَلامِيذُهُ.

(يو 2/1-11) 

 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

لكي نغوص في فهم هذا المقطع من الإنجيل الّذي تَضَعُهُ الكنيسة ( الأم والمعلّمة) في مطلع هذا الصّوم المبارك، علينا بداية معرفة أَنَّ هذا العرس الّذي حضره يسوع يقع بين حدثَين:


·  الأَوَّل: اعتِلانُهُ ابناً لله على نهر الأُردن بعد عمادَهَ على يد يوحَنَّا المعمدان وهذا هو اليوم الثَّالث لرتبة العماد الَّتي أَعلن فيها يوحنَّا جَليّاً رِسالة يسوع الخلاصيَّة بِقولِهِ :"ها هو حمل الله الّذي يرفَعُ خطيئة العالم".
·  والثَّاني: هو صعود يسوع إلى أُورشليم إلى الهيكل حيث قال: "لا تجعلوا بيت أبي بيت تِجارة". وقال رَدّاً على سؤال اليهود: "أنقضوا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيّام" مُشيراً إلى مَوتِهِ وقيامته وتحقيقه الخلاص للبشريّة مُفتَدِياً إِيَّاها من الخطيئة.


بين هذين الحدثين يأتي عرس قانا الجليل، هذا العرس الَّذي كَكُلِّ الأَعرافِ في الأَعراس هو إعلان فرح. يُشارِكُ فيه المدعوّين العروسَين ليَدخُلا قُدسِ أَقداس الحبّ. لكن في هذا العرس مُشكِلَة، فَقَد نَفَذَ الخمر وهو رمز الفرح في الأعراس حيث يتبادل المشارِكون نخب العروسين مُتَمَنِّين لهما دوام السَّعادة. وهذه المشكلة لا حَلَّ لها إلاّ بأعجوبة، فكانت أعجوبة يسوع الأُولى الَّتي من خلالها أَظهَرَ مجده وَآمَنَ بِهِ تلاميذه.


وبالعودة إلى عمق الإنجيل، نرى انّ هذا العرس ليس عُرساً عادِيّاً بل عرسٌ غني فيه مُشارِكون كُثُر ومنهم  العذراء ويسوع والتّلاميذ لكن بالرُّغم من غِنى العرس، فهناك مشكلة ذات أهميّة كبرى، تَدَخَّلت العذراء أم يسوع شخصيّاً لِحلِّه: "ليس عندهم خمر، افعلوا كلّ ما يأمركم به".
وساعد على حلّها الخدم الّذين سمعوا كلام يسوع وملأوا الأجاجين ماء وَقَبِلَ الأُعجوبة وهذه علامةُ مساعدة رئيس المُتَّكأ والمدعوّين.


وهنا نسأل في هذا الصّوم المبارك :
·   هل نحن قادرون مهما بلغنا من مستوى بَشَريّ (غنى، علم، جاه...) على الاستغناء عن حضور الرّبّ لِيُكمّل حياتنا البشريّة مُتَذَكِّرينَ كلامه : " باطلُ يَتعب البنَّاؤون ما لم يَبنِ الرَّبُّ البيت".
·   هل نحن مُستَعِدُّون لِسماعِ كلمة العذراء لتنفيذ ما يطلبه مِنَّا يسوع لِتتحقَّق في حياتِنا أُعجوبة الحبّ مُتَأَمِّلين كلام الرّبّ يسوع "أَحِبُّوا بعضكم بعضاً" ليكتمل عرس حياتِنا؟
·   هل نحن جاهزون ومستعدّون لنسمع كلمة يسوع ( كلمة الإنجيل) فَنَملأَ ما نقص من حياتِنا، فَتَتَحوَّل ماء حياتِنا إلى خمرة حبّ المسيح فيكتمل فرح حياتِنا؟
·   هل نحن مستعدُّون على مِثال رئيس المُتَّكأ لِنَتَذوَّق كلمة الله وجسده (في القدَّاس) حيث نسمع كلمة الله ويتحوَّل الماء إلى دم المسيح من خلال الدَّعوة الّتي دُعينا إليها "طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل" فَنُعطِيَ لِحياتِنا كمال السَّعادة؟أَعطِنا يا ربّ في هذا الصَّوم، أَن نَختَبِرَ العرس الحقيقي المدعُوِّينَ إليه فَتَكتَمِلَ حياتنا. أَنتَ الّذي تَجَسَّدت آخذاً جَسَدَنا لِتُعطينا جسدكَ الإلهي فَتُشرِكنا في عرس ملكوتِكَ، فَنَعيشَ عِمادَكَ وَنخلعَ عَنَّا الإِنسان القديم، إِنسان الخطيئة. لك المجد إلى الأَب، آمين.

 

المقدّمة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

الصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل
من إعداد
الخوري جوزيف هلال
(خادم رعيّة الاربعين شهيد - القبيات الغربية)

 

::: تــأمـل :::

عرس مصالحة
 
" في البدء كان الكلمة والكلمة كان الله, به كان كلّ شيء ومن غيره ما كان شيء ممّا كان, فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس"(يو 1:1-4).
خلق الله الكون في ستّة أيّام خاتماً عمله بصنع الإنسان بنصفيه :آدم وحوّاء, ورأى في ذلك "أحسن ما خلق" بعد أن نفخ فيه من روحه واهباً إيّاه السلطان على كلّ ما أوْجده, وسلّحه بحرّية مقدّسة كي يشترك معه في عمل الخلق :خلق الحبً والجمال والسلام والاحترام ...  بعدها استراح وكان ذلك في اليوم السابع( العدد الذي يرمز إلى الكمال في العهد القديم). لكنّ الإنسان بقي على مستوى اليوم السادس (العدد الناقص) وتوقّف عند ذاته دون أن يقيم وزناً للمسؤوليّة التي أولاه إيّاها الله, فشهر سلاح الحرّية على خالقه وتمرّد عليه مُغْفِلاً فهم قصد الله من خلقه, فسقط في محدوديّته على مرّ العصور والأزمنة وشرّع لنفسه ما تمليه عليه قطعة غرائزيّة من عقله من متطلّبات مادّية, جسديّة وآنيّة, فأقام في زمنٍ ما عاد مكتملاً لأنه نقض العهد مع سيّده, إلى أن جاء المسيح" كلمة الله" كي يصلح ما هدمه الإنسان بجهله وأنانيّته وإرادته الترابيّة. جاء يصالح الخالق بالمخلوق منطلقاً برسالته من حيث توقّف الإنسان ليرفعه من جديد إلى مستوى القداسة, الغاية التي لأجلها كوّنه الله, مُفْتَتِحاً عهداً أبديا مُصَاَلحاً مبارَكاً بعرس قانا, حيث انتهى الوعد إلى واقعٍ ملموس ومحسوس مع "يسوع الكلمة", كاشفاً عن ذاته لأوّل مرّة في بداية طريق العرس النورانيّ الحقيقي الثلاثيّ بأزمنته  (رمزية دخوله العرس بعد 3 أيّام ثمّ مسيرة 3سنوات من التبشير تذكّرانا بالقيامة بعد 3 أيّام).  من هنا أتت قصّة العرس لا كأيّ قصة أخرى تروي لنا حدثاً تاريخياً, إنّما تدعونا كي نقرأ علامات ما ورد فيها.


 الأجران الستّة:
وكانت فارغة من ماء التطهير,وكأنّ الإنجيلي يوحنّا يقول: ها قد حلّ اليوم السابع من جديد, اليوم الذي سيفرح به الآب ويرتاح إلى خلاص أبنائه. بدءاً من يوم العرس هذا, توقفت تلك الآنية عن أداء مهمّتها المعهودة في إقامة طقوس العهد القديم التي مورِسَت طيلة عهود عندما كانت ممراً من الدنس إلى التطهير الخارجيّ. إنتهت أيّام التفرقة بين إنسان وآخر "دنِسٍ ومُطَهَّر" وانتهى القلق والضياع بين ما هو مسموح  وما هو مُحَرّم, وانتهى الخوف من صورة الله الغاضب المنتقم التي رافقتهم كالظلّ في القديم. بالطبع لم يأت يسوع كي ينقض العهد القديم إنّما ليكمل ما نَقُص منه ويعطيه قيمته الحقيقيّة, أراد أن يملأ فراغ الدين القديم الناقص (الأجاجين الستة الفارغة) بِدِين "محبّةٍ", يكشف فيه عن وجه الله الحقيقي, الدائم الحضور الكليّ الحبّ. وهنا يحضرني ما قاله يوحنا فم الذهب: إنّه طلب ملأْ الآنية (رمز القديم) بالماء لا بالخمر, أمّا تحوّلها إلى خمر فكان عند سكبها في الكؤوس للمتكئين لا في الأجران. بذلك أراد يسوع الإشارة إلى رسالته العميقة: تحويل الإنسان من الداخل وتصحيح نظرته القلِقَة والخائفة من الله إلى علاقةٍ مبنيّة على الثقة والحبّ.


ما لي ولك يا امرأة
يا لها من عبارة قاسٍ وقعها على نفوسنا البشريّة, التي تتوقّف دوماً عند الشعور والعاطفة, دون أن تذهب إلى عمق الأشياء في حقيقتها. صعب تفسير هذه الآية أو فهمها, ولكنّنا واثقون أنّ مريم, تلك المرأة التي قبلت سرّ تجسّد الكلمة في أحشائها لإيمانها بصدق الوعد وثقتها بالله, كانت تدرك أنّ ابنها" الإنسان" ما زال يكبر بالقامة والحكمة والنعمة, وما زال, كإنسان, يحضّر لدخول حيّز الكشف عن هويّته الحقيقية لذلك لم يكن هناك من مشكلة حين أجابها:" لم تأتِ ساعتي بعد", تلك الساعة حيث سيسلّم الإرث الخلاصيّ للأبناء اللذين شاركوا ويشاركون في تحضير معاملات الدخول إلى أرض الميعاد السماويّة بعد أن ختمت بالعماد وكتبت بدم المسيح مسيرة حياتهم على هذه الأرض. أليست مريم هي حوّاء الثانية؟ فالأولى, بإصغائها لصوت الشرّ والاستسلام له, تمرّدت وأشركت آدم معها في تدمير علاقة الثقة بين الله والإنسان, أمّا حوّاء الثانية, مريم, فأصغت إلى صوت الرسالة في داخلها وأعلمت يسوع بالموقف, وبثقتها المعهودة بابنها, طلبت من الخدم أن" يعملوا ما يأمرهم به" . الأولى ولدت الخطيئة فالموت بإطاعتها للشر بسبب الأنانيّة؛ أمّا الثانية فولدت يسوع إلى الحياة العلنيّة وإظهار سرّ المصالحةِ فالخلاصِ بسبب الحبّ اللامشروط. بذلك تكون مريم قد عبرت  ذاك اليوم في ابنها من رتابة الطقوس إلى حياة مجدّدة, مصطحبةّ معها في تلك الخطوة الخدم اللذين شهدوا أولى آيات المسيح, وأصبحت بذلك أمّ العهد الجديد, أمّ الحضور الدائم إلى جانب الإنسان ترعاه وتسهر عليه وتحثّه على الحفاظ على قدسية علاقته بابنها بتناول جسده السريّ وعيش تعاليمه في ايّ مكانٍ وزمان


الخمرة: جديدة هي أم قديمة؟
منذ القديم والخمر أمير الموائد والأفراح. وأوّل ما يقدّم منه هو الخمر الأفخر المُنْتَقى معتّقاً, دلالة على اهتمام المضيف بالمدعمين. لكن العكس حدث في هذا النصّ: خمرة طيّبة, فاخرة, لا تشبه أيّة خمرة سبقت"بحسب المختصّ بالمأدبة, تقدّم عندما شارف الاحتفال على الانتهاء. رئيس المتكأ لم يهمّه مصدر الخمرة ولا تساءل حتّى, ولا أيّ شيء يختصّ بماهيّتها بل صبّ اهتمامه على التقليد القديم. لم يبادر للقيام  بخطوة صغيرة في المهمّ, ولو بدافع الحشريّة, إنّما تمسّك بالمظاهر والنقد الموروث(الخمرة الجيّدة أوّلاً). لم ينتبه إلى أنّ تلك الخمرة ليست معتّقة وأنها جديدة وجديدة جداً , لم يفطن أنّها ليست من صنع الإنسان, أنما من فعل الله. لم يدرك أنّ عمل يد الإنسان, مهما كان متقناً وعظيماً, لن يفوق طعم الحبّ الإلهي وإن بان بخمر (ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ).


عرس دائم
منذ ذلك الحين افتتح عرس لن ينتهي, عرس الأب مع أبنائه المصالحين, العائدين من هجرة قديمة, عرس أصبح فيه الوعد حقيقة وتحوّل الجفاء إلى حنان, والجفاف إلى نِعَم والخوف إلى حبّ. فيه أعْلِنَت نَعَمُ الإنسان للخلاص حتّى ولو صدرت بصوتٍ حائر مرتجف أو متردّد وحائر أحياناً إنّما خمرة يسوع سُكِبَت في كأس الإنسانيّة كي تروها من غذاء الروح المحيي المجدِّد, المقوّي ,  ولن تنتهي إلى أن يعود في المجد للقيانا وجها لوجه.


أمنيتي
* أيّها الإنسان, اليوم السابع قد حلّ ساعة التقيت الآب وقبلته في حياتك فلا تفرّط به. كن مقدَّساً ومقدِّساً بالفعل والإيمان والعمل لا بالقول والإشارة فقط. * وأنت أيّتها المرأة, لا تبقِ عند شجرة حوّاء الأولى, خائفة ومتردّدة. اتخذي القرار في اختيار مواجهة الشر والإهمال "والاستلشاء" كما فعلت مريم. ثقي بأنّ تلك الأم هي من ستحفظ إرادتك في ظلّ الآب وتحضّر قلبك للحبّ الحقيقي لعرسٍ قوامه الأبديّة, فلا تجزعي وكوني صوت مريم الواثق في الكنيسة.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com