زمن الصوم

أحد شفاء الأبرص

(01 آذار 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه الأحد الثاني من زمن الصوم، ومعه نتوغّل أكثر في رحلتنا نحو ميناء الخلاص، وفق المفهوم الماروني للصوم.
• في المقطع المختار من الرسالة إلى أهل روما، نصغي إلى مار بولس يلقّننا سرّ الانتقال من موت الخطيئة إلى حياة البرّ.
• في الإنجيل، يحدّثنا مرقس الإنجيلي عن شفاء الابرص الخارجي والداخلي في آن والّذي يظهر بمثابة ولادةٍ جديدة!
نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتأمّل،في هذا الأحد، في مقاربتنا للصوم المقدّس، كفرصةٍ للتوبة وللتحرّر من كلّ ما يفصلنا عن الله الّذي هو وحده فقط نبع الحياة.

 

::: صلاة تأملية :::

"إِن شِئْتَ فَأَنتَ قادرٌ أَن تُطَهِّرني"
صرخَةٌ قويَّةٌ مُدَوِّيَة أَطلَقَها الأَبرَص من عُمقِ وَجَعِهِ وَضياع هويَّتَه الإِنسانِيَّة وَبُعدِهِ عن أَحِبَّائِهِ، فَكانَ لهُ ما أَراد " قَدْ شِئْتُ فَاطهرْ".
معَ الأَبرص نَصرُخُ إِلَيكَ في هذا الصَّوم من عُمقِ وَجَعِنا وَضُعفِنا، نَجِّنا يا ربّ من الخَطيئَة الَّتي تَجْعَلُنا نُضَيِّعُ هَوِيَّتَنا وَنُصبِحَ مَنبوذين في كِيانِنا وَمُجتَمَعَنا.
اِلْمِسنا بِحُبِّكَ فَنَطهُرَ، أّسْمِعنا صَوتَكَ فَنَعرِفَ مَحَبَّتَكَ وَنَكونَ لكَ شهوداً.

 

::: الرسالة :::

12   إِذًا فَلا تَمْلِكَنَّ الـخَطيئَةُ بَعْدُ في جَسَدِكُمُ المَائِت، فَتُطيعُوا شَهَوَاتِهِ.

13   وَلا تَجْعَلُوا أَعْضَاءَكُم سِلاَحَ ظُلْمٍ لِلخَطِيئَة، بَلْ قَرِّبُوا أَنْفُسَكُم للهِ كَأَحْيَاءٍ قَامُوا مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، واجْعَلُوا أَعْضَاءَكُم سِلاحَ بِرٍّ لله.

14   فلا تَتَسَلَّطْ عَلَيْكُمُ الـخَطِيئَة، لأَنَّكُم لَسْتُم في حُكْمِ الشَّرِيعَةِ بَلْ في حُكْمِ النِّعْمَة.

15   فَمَاذَا إِذًا؟ هَلْ نَخْطَأُ لأَنَّنَا لَسْنَا في حُكْمِ الشَّرِيعَة، بَلْ في حُكْمِ النِّعْمَة؟ حَاشَا!

16   أَلا تَعْلَمُونَ أَنَّكُم عِنْدَمَا تَجْعَلُونَ أَنْفُسَكُم عَبيدًا لأَحَدٍ فَتُطيعُونَهُ، تَكُونُونَ عَبيدًا للَّذي تُطيعُونَه: إِمَّا عَبيدًا لِلخَطِيئَةِ الَّتي تَؤُولُ إِلى الـمَوت، وإِمَّا لِلطَّاعَةِ الَّتي تَؤُولُ إِلى البِرّ.

17   فَشُكْرًا للهِ لأَنَّكُم بَعْدَمَا كُنْتُم عَبيدَ الـخَطيئَة، أَطَعْتُم مِنْ كُلِّ قَلْبِكُم مِثَالَ التَّعْلِيمِ الَّذي سُلِّمْتُمْ إِلَيْه.

18   وَبَعْدَ أَنْ حُرِّرْتُم مِنَ الـخَطِيئَة، صِرْتُم عَبيدًا لِلبِرّ.

19   وأَقُولُ قَوْلاً بَشَرِيًّا مُرَاعَاةً لِضُعْفِكُم: فَكَمَا جَعَلْتُم أَعْضَاءَكُم عَبيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ في سَبِيلِ الإِثْم، كَذـلِكَ اجْعَلُوا الآنَ أَعْضَاءَكُم عَبيدًا لَلبِرِّ في سَبيلِ القَدَاسَة.

20   فَلَمَّا كُنْتُم عَبيدَ الـخَطِيئَة، كُنْتُم أَحْرَارًا مِنَ البِرّ.

21   فأَيَّ ثَمَرٍ جَنَيْتُم حِينَئِذٍ مِنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتي تَسْتَحُونَ مِنْهَا الآن؟ فإِنَّ عَاقِبَتَهَا الـمَوْت.

22   أَمَّا الآن، وقَدْ صِرْتُم أَحراَرًا مِنَ الـخَطِيئَةِ وعَبيدًا لله، فإِنَّكُم تَجْنُونَ ثَمَرًا لِلقَدَاسَة، وعَاقِبَتُهَا الـحَيَاةُ الأَبَدِيَّة.

23   لأَنَّ أُجْرَةَ الـخَطِيئَةِ هِيَ الـمَوت. أَمَّا مَوْهِبَةُ اللهِ فَهيَ الـحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ في الـمَسيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.

 (روم6 \12-23)

 

::: أفكار من الرسالة :::

"لا تَملِكَنَّ الخطيئَة في جَسَدِكُم المائِت فَتُطيعوا شَهَواتِهِ".
بِفِعلِ أَمرٍ يَبْدَأُ هذا المقطع من الرِّسالة الَّتي نَقرؤُها في أَحَدِ شِفاءِ الأَبرَص. هذا الأَمر صادر من رَجُل عَرَفَ يسوع المسيح قَائِماً من بَينِ الأَموات بَعدَ أَنِ اضطَهَدَهُ وَقَتَلَ أتباعه وَكانَ مُزمِعاً أَن يُميتَ ذَاتَهُ في سَبيلِ الدِّفاعِ عن الشَّريعةِ في وَجهِ يَسوع المسيح وَأَتباعِهِ. وَلَكِن لِله شَأْنٌ في اخْتِيارِهِ لأَحِبَّائِهِ ، فَكانَ شاوول – بولُس الرَّسول، الرَّسول إلى الأُمَم، فَحَمَلَ في جَسَدِهِ الآلام من أَجلِ إِعلانِ البِشارَة مُطلِقاً عِبارَتَهُ الشَّهيرة " الوَيلُ لي إِنْ لَمْ أُبَشِّرْ".
هَذِهِ البِشارَةُ يَحمِلُها لنا بولس بِفِعلِ أَمرٍ وَتَمَنٍّ بِأَن لا نَكونَ عبيداً لِلخَطيئَة فَنَجعَلَ من أَعضائِنا سِلاحَ ظُلمٍ لِلخَطيئَة. بَل لِنَجعَل أَعضاءَنا سِلاحَ بِرٍّ لله. مُحَذِّراً إِيَّانا من عُبودِيَّة الخطيئة الَّتي تَقودُنا إِلى الموت ( أُجرة الخَطيئَة الموت). مُشَجِّعاً إِيَّانا لِلدُّخول في طاعةِ المسيح من خلالِ التَّعليم، فَنَتَحَرَّرَ من الخطيئَة وَنَدخُلَ في عُبودِيَّة البِرّ لِنَحمِلَ الثَّمَرَ الّذي يَقودَنا إِلى القداسة وَعَاقِبَتَهُ الحياة الأَبَدِيَّة.
فَمِن هذا التَّحذير وهذا التَّشجيع يَضَعُنا بولُس الرَّسول أَمامَ مَسؤُولِيَّتَنا في هذا الصَّوم المُبارَكْ.
فنَسأَل: هَلْ أَعي خَطيئَتي وَاَعرِف أَنَّها فِعلُ ضِدَّ المحبَّة حَيْثُ أَخْسَرُ ذاتي والآخرين؟ فَتُصبِحَ خَطيئَتي مَوتاً؟
هل أَقصِدُ في هذا الصَّوم أَن أُصغي إلى التَّعليم والوَعظِ والإِرْشاد والصَّلاة من خِلالِ المُشارَكَة في القدَّاس وَرِياضَة الصَّوم، فَتَكون كلمة الله مُعَلِّمَة لي لِلطَّاعِة فَأَسعى إِلى البِرّ؟
هل أُحارِب الخطيئَة السَّاكِنَة فِيَّ فَأَتَحَرَّرَ أَم أَسْتَسْلِم لَها فَأَصِلَ إِلى الموت قَاطِعاً الأَمَل وَالرَّجاء من ذاتي؟
هل أَعرِف أَنَّ لِكُلِّ داءٍ دَواء وَدَواءُ الشِّفاءِ من الخَطيئَة هي كَلِمَة الله؟
فَلْنَأْخُذْ هذا الدَّواء كَي لا تَتَسَلَّط عَلَيْنا الخَطيئَة فيما بعد، فَنَصلُب إِنسانَنا القديم وَنقوم أَحرار بالمسيح.
أَلَيسَ هذا ما نَتَأَمَّلُهُ وَنَعيشُهُ في سِرِّ العِماد حَيْثُ يَموتُ فينا الإِنسان القديم لِيَقومَ فِينا الإِنسان الجديد، إِنسان البرّ والنِّعمة؟ فَنَصِلَ إِلى كَمالِ فَرحِنا وَسَعادتِنا وَحُرِّيَتنا فَنعيشَ مَلَكوت الله الَّذي هوَ " برُّ وَفَرَحٌ وَسَلامٌ في الرُّوح القدس".

 

::: الإنجيل :::

35 وقَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْر، فخَرَجَ وذَهَبَ إِلى مَكَانٍ قَفْر، وأَخَذَ يُصَلِّي هُنَاك.
36 ولَحِقَ بِهِ سِمْعَانُ وَالَّذين مَعَهُ،
37 ووَجَدُوهُ فَقَالُوا لَهُ: "أَلْجَمِيعُ يَطْلُبُونَكَ".
38 فقَالَ لَهُم: "لِنَذْهَبْ إِلى مَكَانٍ آخَر، إِلى القُرَى الـمُجَاوِرَة، لأُبَشِّرَ هُنَاكَ أَيْضًا، فَإِنِّي لِهـذَا خَرَجْتُ".
39 وسَارَ في كُلِّ الـجَلِيل، وهُوَ يَكْرِزُ في مَجَامِعِهِم وَيَطْرُدُ الشَّيَاطِين.
40 وأَتَاهُ أَبْرَصُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْه، فجَثَا وقَالَ لَهُ: "إِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تُطَهِّرَنِي!".
41 فتَحَنَّنَ يَسُوعُ ومَدَّ يَدَهُ ولَمَسَهُ وقَالَ لَهُ: "قَدْ شِئْتُ، فَاطْهُرْ!".
42 وفي الـحَالِ زَالَ عَنْهُ البَرَص، فَطَهُرَ.
43 فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ وصَرَفَهُ حَالاً،
44 وقالَ لَهُ: "أُنْظُرْ، لا تُخْبِرْ أَحَدًا بِشَيء، بَلِ اذْهَبْ وَأَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِن، وَقَدِّمْ عَنْ طُهْرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى، شَهَادَةً لَهُم".
45 أَمَّا هُوَ فَخَرَجَ وبَدَأَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ ويُذِيعُ الـخَبَر، حَتَّى إِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا أَنْ يَدْخُلَ إِلى مَدِينَةٍ عَلانِيَة، بَلْ كانَ يُقِيمُ في الـخَارِج، في أَمَاكِنَ مُقْفِرَة، وكانَ النَّاسُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَان.

(مر 1/35-45)

 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

في هَذا الأَحَد، تَتَأَمَّلُ الكَنيسة آيَةَ شِفاء الأَبرص الَّذي أَتى جاثِياً أَمامَ يَسوع قَائِلاً لَهُ: "إِنْ شِئْتَ فَأَنتَ قَادِرٌ أَن تطهِرني".
البَرَص مَرَضٌ خَطيرٌ لِلإِنسان بِحَيثُ يَهتَرِئ الجِسم وَيَتَسَبِّبُ بِأَوجاعٍ مُؤْلِمَة وَمُرعِيَّة وَيُصبِحُ مَنْظَرُ الإِنسان مُخيفاً، وَهُوَ مَرَضٌ مُعدٍ.
وَبِحَسبِ شَريعَةِ العَهدِ القديم، المَرَضُ هُوَ نَتيجَة خَطيئَة الإِنسان فَيَأْتي المَرَض عِقاباً على الخَطيئة وَأَكثَر مِن ذلِك ، فَكُلُّ مَنْ يُصاب بِالمَرَض "مُقاصَصٌ" بِالرَّذلِ، فَيُطرَد مِنَ الجَّماعِة كَونُهُ مُنُجَّس، وَكلّ مَنْ يَلمُسُه يَصبِحُ مُنَجَّساً، فَيَعيش هذا الإِنسان مَنفِيّاً مُتَوَجِّعاً جَسَدِيّاً وَروحِيّاً، يَتَآكَلُهُ الموتُ شَيْئاً فَشَيْئاً.
هذِهِ هِِيَ حالُ هذا الأَبرَص المَرذُول من الجَّماعة وَمِنْ ذَاتِهِ، وَلَكِنْ تَأْتي العزيمَةُ وَقُوَّةُ الحياة فَيَرفَضَ الاستسلام وَيَأْتي إِلى يَسوع مُتَحَدِّياً ذَاتَهُ وَالمُجْتَمَع، مُؤْمِناً بِالشِّفاء، راجِياً الرَّحمة وَطالِباً العودَةَ إلى الحياة وَالأَحِبَّاء، فَكانَ لَهُ ما أَراد مِنْ يَسوع إِله الحَنان والرَّحمة، فَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقال:" قَدْ شِئْتُ فَاطْهُرْ". وَبِهَذهِ الَّلمسة الرَّحومة، أَعادَ الحياة لِلأَبرَص فَخَرَجَ ( من ذاته، من عزلته، من موته) وَهُوَ يَنادي بِأَعلى صَوتِهِ ويذيع الخبر.
فَنَرى في هذا الأبرص :
١- رَفض الواقِع المرير الَّذي عاشَهُ معَ المرض.
۲- التَّواضُع أَمام الله إِذْ أَتى يَتَوَسَّلُ نِعمَةَ الشِّفاء.
۳- عدم الاستسلام لِلمرض، فَخَرَجَ مِن عُزلَتِهِ وَأَتَى إِلى يَسوع.
٤- الفرح العظيم بعد الشِّفاء وَإِذاعَةُ الخَبَر.

فَنَسأَلُ ذَاتَنا في هذا الصَّومِ المُبارَك:
هل أَعلَم أَنَّ الخطيئَة هِيَ مَرَضٌ فَتَّاك يودي بي إِلى المَوت والانفصال عن ذاتي، عَن الله وَعَن الجَماعَة، فَأُشْبِه بِذَلِكَ الأَبرَص.
هل أَنْتَفِضْ وَأَرفُض واقَعي وَأَتَّجِه إِلى الله مُتَواضِعاً أَمامَهُ طالِباً الشَّفاء فَلا أَستَسلِم لِلخَطيئَة. فَأَخرُج مِن عُزلَتي وَأَذهَب للاعتراف وطَلَبِ الغُفران، فَأَنالَ الشِّفاء وَاَستَرجِعَ حُرِّيَتي وَسَعادَتي وَفَرَحي وَأُخبِرَ الجميع عن هذه النِّعمة الَّتي مَنَحَني إِيَّاها الرّبّ.
فَلْنَتَشَجَّع إِخوَتي عَارِفينَ أَنَّ الله أَبٌ رَحوم وَهُوَ يَنتَظِرُنا لا لِيُقَاصِصَنا على خَطيئَتَنا بل لِيُعطينا الحُرِّيَّة " حُرِّيَّة أَبناء الله" وَيُعيدَ إِلَينا الحياة ( الفرح والسَّلام ) بَعدَ أَن فَقَدناها أَو كِدنا بِسَبَبِ خطيئَتَنا وَضُعفِنا.
أَلا أَعطِنا يا ربّ شَجاعَة َالأَبرَص فَنَأْتِيَ إِلَيكَ صارِخين ِ"إنْ شِئْتَ فَأَنتَ قادِرٌ أَن تُطَهِّرَنا، وَكُلُّنا إيمانٌ وَثِـقَةٌ بِأَنَّ طَلَبَنا آتٍ سَريعاً بِحَسَبِ حُبِكَ " قَد شِئْتُ فاطهُروا".

 

المقدّمة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

الصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل
من إعداد
الخوري جوزيف هلال
(خادم رعيّة الاربعين شهيد - القبيات الغربية)

 

::: تــأمـل :::

تحرّر

 

في مكان ما من بريّة الجليل كانت أجراسٌ تُقرَع لا لواجبات الدين إنّما لالتماس الرحمة والشفقة، أجراس حملت في رنينها أنين البرص وخزيهم من العار المُلحَق بهم. تكلّمَتْ بآلامهم النفسيّة قبل الجسديّة بسبب اتّهام المجتمع لهم: " أخطئوا لذلك ضربهم الله بالمرض". وربّما ما عادت دموعهم تجرؤ على الانسكاب لأنّهم صدّقوا كذبة العالم وقبلوا بالمصير المحتّم عليهم: الموت منبوذين، منفردين لا من يتدنّس بدنسهم ولا من يعيّرهم في كلّ لفتةٍ ونظرة، يعني أنّهم قبلوا حكم العالم عليهم بالإعدام مرّتين فاستسلموا.
إلاّ أنّ صوت الله أقوى من زئيرِ الناس " الأوادم" في أيّ ناحيةٍ كانت.


"إن أردتَ طهّرتني" (آ:40)
توسّلها أبرصٌ منهم أمام يسوع. ما الذي دفعه لطلبِ ذلك بجرأةٍ متوسّلة؟ أ هو عذاب الجسد؟ عذاب القلب من الرزل؟ أم عذاب النفس من الخطيئة؟ كيف أنّ إنساناً يطلب من إنسانٍ آخر أن يشفيه إن كان مثله؟ كلّ تلك الأسباب مجتمعة دفعتهُ لطلب البراءة من شخصٍ سمع عنه أنّه يشفي، وإيماناً منه بقدرته الإلهيّة على الشفاء الذي لا يأتي إلاّ عن يد الله، تَقَدَّمَ منه وسَألَهُ. أليس هذا النصّ موجّهاً لكلٍ مناّ؟ إن لم نكن البرص نكون " العالم الرازل للأبرص" وفي أغلب الأحيان نحن فينا من الاثنين معاً.


ذلك الأبرص أراد أن يَخلُص من كلّ ما هو فيه، ومسبّبه (الخطيئة بحسب اعتقاده) كي يحصل على شيءٍ أفضل يقدِّم له الفرح والطمأنينة. معاناة ذاك الأبرص المُدرِك لحاله جَعَلَتهُ يبحث عمّن ينقذه من محنته، عن شخصٍ يثق به وبمحبّته له كي يولده إلى الحريّة، إلى قيامةٍ من موتٍ سريريّ في النفس. هكذا حالنا عندما يتفشى برصُ الخطيئة بأشكالها وألوانها في حياتنا: إمّا أن نستسلم له حتى الموت وإماّ أن نلتمسَ رحمة الله ونقبله مُخَلّصاً فننجو من الهلاك ونتحرّر.


"أريد فاطهُر" ( آ:41)
إنّ الله محبّة, حتى أنني لربّما أجرؤ على القول إنّ عدالته تَزِنُ رحمةً وحباً لا أحكاماً نافذة.
قد مدّ يسوع يده وشفاه: مدّ يده للمساعدة ولم يمدّ إصبعهُ كي يتّهمه. لمسهُ كي يُزيل عن جسده آثار الماضي وآلامه؛ كلّمه كي يخلقه من جديد إنساناً مُطهَّراً، محرَّراً، صحيح النفس والروح. وكأنّه يقول لكلّ إنسان مناّ يقبل التوبة والشفاء الروحي: "ولَدتُكَ من جديد على صورتي ومثالي" ؛ اعمَل على عيشهما قدر ما تستطيع، شاهداً للحقّ.


ربّما قلت وأنت تقرؤني : كم هذا صعبٌ على الإنسان، هل بالإمكان ألاّ أُخطىء من جديد، والعالم الماديّ يحيط بي بكلّْ ما فيه من مُغريات؟ أين أذهب بجسدي و وفكري وميولي؟ فأنا خليقة ضعيفة ومُعرَّضة للسقوط في التجربة في كلّ وقت. ذلك يصحّ إن ربطت نفسك إلى الخطيئة بدل أن تتمسّك بالمسيح الرحوم الذي، من فرطِ حبّه لك فكّ قيدك يوم صالَحَك مع أبيه على الصليب.


هذا حالك إن عدمت ثقتك بالله المحبّة، واخترت، بحريّة، أن تثبت لنفسك أنّك أنت القادر والآمر، ساعياً إلى التملُّك خوفاً على أن تفقد محوريّتك والاهتمام لك... ربّما أنت تختار الطريق الأسهل كي تشعر بالاكتفاء واللذّة حتى ولو على حساب الآخرين، لأنّك لا تنظر إلاّ في مرآة ذاتك دون أن ترى اللذين من هم حولك ينتظرون أن ترمقهم بنظرة حنان أو اهتمام أو حتى أن تنظر إلى داخلك المُظلم الموحش حقاً, والفارغ من أيّ معنى سامٍ أو ذي قيمة. لا أنفي أنّ الإنسان (حتى الملتزم ) هو مخلوقٌ تتجاذبه الصراعات بين الحقّ والواجب، بين الأنا وال"نحن"، بين المرغوب والمُحرّم، بين القوّة واللطف، بين الغريزة والعقل، بين السلطويّة والحوار، بين الرغبة في عمل الخير المُبطّن بالتعالي والكبرياء، وعمل الخير للخير وله فقط.... بين المغفرة للآخر أو عدمها. باختصار إنّك في صراع دائم مع الذات، إلاّ أنّك تملك مفتاح أغلالك: إنّها حرّيتك وكيفيّة استعمالك لها.


ثق الآن بحبّه لك، أسرِع إلى الإنكباب على قدميّ من أحبّك لشخصك، أحبّك لأنّك منه وإليه مآلِك. أسرِع واقصد أن تغفر كما غُفرَ لك حتى وإن كنت مجروحاً. أوْلِهِ ثقتك كما فعل الأبرص وكن مؤمناً بأنك سيولِدك إنساناً حقيقياً طفلاً في الحبّ ينمو مع المسيح بروحِه الساكن فيك إلى الأبد.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com