| زمن الصوم أحد شفاء المنزوفة (08 آذار 2009) |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة | |
::: مدخل ::: | |
• إنّه الأحد الثالث من زمن الصوم، ومعه نقترب أكثر من ميناء
الخلاص ويوم القيامة.
• في المقطع المختار من الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس، نصغي إلى مار بولس
يدعونا لتحويل كلّ حزنٍ في حياتنا إلى فرصةٍ للتوبة الصانعة للخلاص.
• أما في الإنجيل، فيحدّثنا لوقا الإنجيلي عن حزنين تحوّلا إلى فرحٍ يوم وُضعا
بين يدي يسوع المسيح بإيمان ورجاء جعلا المنزوفة تشفى والراقدة تقوم!
• نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتأمّل،في هذا الأحد، في مدى الرجاء الساكن في
قلوبنا وفي مدى إيماننا بقدرة الله المحرّرة والمخلّصة!
|
::: صلاة تأملية ::: |
"إَيمانُكِ خَلَّصَكِ، إِذهَبي بِسَلام". بِهَذِهِ الكلِمات مَنحْتَ المنزوفَةَ الخَلاصَ والشِّفاء والسَّلام بِمُجَرَّدِ أَنَّها لَمَسَت طَرَفَ رِدائِكَ.أَعطِنا يا ربّ، نَحنُ الَّذينَ نَلمُسُكَ كُلَّ يوم في القُربان وَفي الإِنجيل وفي الأَسرار، أَن نشفى بِهَذِهِ القُوَّة الَّتي خَرَجَت مِنكَ فَتَعودَ إِلَينا الحياة بَعدَ نَزفِ الخَطيئة الَّتي تُهَدِّدُ حَياتَنا مَعكَ، لكَ المجدُ إِلى الأَبَد، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
4 إِنَّ لي عَلَيْكُم
دَالَّةً كَبِيرَة، ولي بِكُم فَخْرًا عَظِيمًا. وَلَقَدِ امْتَلأَتُ
تَعْزِيَة، وأَنَا أَفِيضُ فَرَحًا في ضِيقِنَا كُلِّهِ.
5 فإِنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا إِلى مَقْدَونِيَة، لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا
شَيءٌ مِنَ الرَّاحَة، بَلْ كُنَّا مُتَضَايِقِينَ في كُلِّ شَيء، صِرَاعٌ
مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل!
6 لـكِنَّ اهَ الَّذي يُعَزِّي الـمُتَوَاضِعِينَ عَزَّانا بِمَجِيءِ
طِيْطُس،
7 لا بِمَجِيئِهِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا بِالتَّعْزِيَةِ الَّتي
تَعَزَّاهَا بِكُم. وقَدْ أَخْبَرَنَا بِاشْتِيَاقِكُم إِلَيْنَا،
وحُزْنِكُم، وغَيْرَتِكُم عَلَيَّ، حَتَّى إِنِّي ازْدَدْتُ فَرَحًا.
8 و إِذَا كُنْتُ قَدْ أَحْزَنْتُكُم بِرِسَالتِي فَلَسْتُ نَادِمًا عَلى
ذلِكَ، معَ أَنَّنِي كُنْتُ قَدْ نَدِمْتُ، لأَنِّي أَرَى أَنَّ تِلْكَ
الرِّسَالَة، ولَوْ أَحْزَنَتْكُم إِلى حِين،
9 قَدْ سَبَّبَتْ لي فَرَحًا كَثِيرًا، لا لأَنَّكُم حَزِنْتُم، بَلْ
لأَنَّ حُزْنَكُم أَدَّى بِكُم إِلى التَّوبَة. فَقَدْ حَزِنْتُم حُزْنًا
مُرْضِيًا لله، كَيْ لا تَخْسَرُوا بِسَبَبِنَا في أَيِّ شَيء؛
10 لأَنَّ الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا
نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا.
11 فَانْظُرُوا حُزْنَكُم هـذَا الـمُرْضِيَ للهِ كَم أَنْشَأَ فِيكُم مِنَ
الاِجْتِهَاد، بَلْ مِنَ الاِعْتِذَار، بَلْ مِنَ الاِسْتِنْكَار، بَلْ
مِنَ الـخَوْف، بَلْ مِنَ الشَّوْق، بَلْ مِنَ الغَيْرَة، بَلْ مِنَ
الإِصْرَارِ عَلى العِقَاب! وقَدْ أَظْهَرْتُم أَنْفُسَكُم في كُلِّ ذـلِكَ
أَنَّكُم أَبْرِيَاءُ مِنَ هـذَا الأَمْر.
(2قور7 \4-11)
|
::: أفكار من الرسالة ::: |
كثيرون مِنَّا يقولون إنَّ زَمَنَ
الصَّوم هو زَمَن حزن – زمن عذاب – زَمَن اختبارٍ للموت. هذا صحيح إِذا
كان هذا الحزن يقودنا إِلى الفرح، والعذاب إِلى راحة والموت إِلى
الحياة.
هذا ما اختَبَرَهُ بولس وما سَمِعَهُ من اختبار أَهل قُورنتس. هذا
الحزن الَّذي أّدَّى بِهم إِلى الخلاص وما أَنشَأَ فيهِم من الاجتهاد
بل من الاعتذار بل من الاستنكار بل منَ الخوف بل من الشَّوق بل من
الغيرة بل من الإِصرار على العِقاب وَقَد أَظهَروا أَنفُسَهُم في كُلِّ
ذلك أَنَّهم أَبرياء.
فَما كَتَبَهُ مار بُولس في الرِّسالة الأُولى إلى أَهلِ قُورَنتُس
وَالَّتي أَحزَنَتهُ وَأَحزَنَتهم فَأَفرَحَتهُ وَأَفرَحَتهُم
يَتَناوَل عِدَّة مشاكل واجَهَت عَيشَ إِيمانِ أَهلِ قُورَنتُس وَفي
مُقدِّمة هذه المشاكِل الانقسام في الكنيسة. فكان هناك مَن يقول أَنا
لِبولس ، أَنا لأَبولس، أَنا للصخر، وأَنا لِلمسيح.
فَيَسأَل بولس بِأَلَم: "أَترى المسيح انقَسَمْ؟" وَيَنصَحُهُم
بِقَولِهِ كونوا على وِئامٍ تام وفي روحٍ واحِد وَفِكرٍ واحِد. وَيَطلب
مِنهُم إِذا أَراد أَحَدٌ الافتخار، فَليَفتَخِر بِالرَّب.
وَيَسأَلُهُم إِذا كانَ فيكُم حَسَدٌ وَخِصامٌ أَفَلَيسَ في ذَلِكَ
دَليلٌ على أَنَّكُم بَشَرِيُّون وَتَسيرونَ سيرَةً بَشَرِيَّة وَيُعيد
النَّصيحة لا يَفتَخِرَنَّ أَحدٌ بَالنَّاس فَكُلُّ شَيءٍ لَكُم
وَأَنتُم لِلمٍسيح والمَسيحُ لِله.
وَإِذا ما نَظَرنا إِلى واقِعِنا اليَوم أَلا نَرى أَنَّهُ يَنطَبِقُ
علينا سؤال مار بولس "أَترى المسيح انقَسَم؟". فَلنَكُن صادِقينَ مع
ذَواتِنا وَلتَكُن فينا الشَّجاعة لِنَقول أَنَّنا اليوم كَمَسِيحيّين
لا نَشهَدُ لِلمسيح بل نَشهَّدُ لِهَذا أَو ذاكَ مِنَ المَسؤولِينَ
الزَّمَنيِّين وَنَضَع كَلَّ رَجاءَنا بِهِم وَأَكثَر مِن ذَلِك وَصَلَ
بِنا التَّحَزُّب لَهُم إِلى حَدّ مُقاطَعة الأَخ لأَخيه وَالجارُ
لِجارِهِ وَابنُ الرَّعِيَّة لا يَلتَقي بِأَخيهِ في الكَنيسَة
بِسَبَبِ التَّبَعِيَّة الحِزبِيَّة فَوَصَلَ بِنا ذَلِكَ إِلى
الانقسام في الكَنيسة وَهَذا الانقسام أَدَّى إِلى نَزيفِ اِلإيمان
ومَوت الشَّهادَة لِلمَسيح .
وَنَسْأَل :
• هل تَسْتَطيع اليَوم أَن تَعيشَ في وِئامٍ وَفي روحِ واحِد وَفي
فِكرٍ واحِد؟
• هل نَستَطيع أَن نَفتَخِر بِالرَّب بَدَلَ الافتخار بِمَن نَفتَخِرُ
اليَومَ؟
• هل نَعرِف أَنَّنا لِلمَسيح والمَسيح لله فَنَنْتَفِض عَلى ذاتِنا
وَنَرفُض هَذا النَّزف وَنَسعى بِاجتِهادِ المَحَبَّة فَنَعتَذِر
وَنَخَافَ عَلى شَهادَتِنا المَسيحيَّة فَنَستَنكِر ما نَحنُ عَلَيهِ
فَنَشتاقَ وَنَغارَ عَلى بَعضِنا فَنَلتَقي فَيَمضي عَنَّا العِقاب
وَنَكونَ أَبرِياء مِن كُلِّ هذا فَنَصِلَ إِلى التَّوبَةَ
المَرْضِيَّة لله وَهَذِهِ التَّوبَة تَصنَعُ لنا الخَلاص ؟
مُصَلِّينَ لِلرّبّ في هذا الصَّوم القُوَّة والشَّجاعة لِنَرفُضَ ما
يُقَسِّمُنا وَنَسعى إِلى ما يَجمَعُنا فَنَموتَ عن ضُعفِنا البَشَرِيّ
وَنَقومَ بِقِوَّةِ المَحَبَّة لِلشَّهادَة المَسيحِيَّة، لَله المَجدُ
إِلى الأَبَد، آمين.
::: الإنجيل ::: |
40 وَلَمَّا عَادَ يَسُوع، اسْتَقْبَلَهُ الـجَمْع، لأَنَّهُم
جَميعَهُم كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ.
41 وَإِذَا بِرَجُلٍ اسْمُهُ يَائِيرُس، وكَانَ رَئِيسَ الـمَجْمَع، جَاءَ
فارْتَمَى عَلَى قَدَمَي يَسُوع، وَأَخَذَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ
بَيْتَهُ،
42 لأَنَّ لَهُ ابْنَةً وَحِيدَة، عُمْرُها نُحْوُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة،
قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الـمَوْت. وفِيمَا هُوَ ذَاهِب، كانَ الـجُمُوعُ
يَزْحَمُونَهُ.
43 وَكانَتِ امْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَي عَشْرَةَ
سَنَة، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَشْفِيَهَا.
44 دَنَتْ مِنْ وَرَاءِ يَسُوع، وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ، وَفَجأَةً وَقَفَ
نَزْفُ دَمِهَا.
45 فَقَالَ يَسُوع: "مَنْ لَمَسَنِي؟". وَأَنْكَرَ الـجَمِيع. فَقَالَ بُطْرُسُ
وَمَنْ مَعَهُ: "يا مُعَلِّم، إِنَّ الـجُمُوعَ يَزْحَمُونَكَ
وَيُضَايِقُونَكَ!".
46 فَقَالَ يَسُوع: "إِنَّ واحِدًا قَدْ لَمَسَنِي! فَإنِّي عَرَفْتُ أَنَّ
قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي!".
47 وَرَأَتِ الـمَرْأَةُ أَنَّ أَمْرَها لَمْ يَخْفَ عَلَيه، فَدَنَتْ
مُرْتَعِدَةً وارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيه، وَأَعْلَنَتْ أَمَامَ الشَّعْبِ
كُلِّهِ لِماذَا لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ شُفِيَتْ لِلْحَال.
48 فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "يا ابْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي
بِسَلام!".
49 وَفيمَا هُوَ يَتَكَلَّم، وَصَلَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الـمَجْمَعِ
يَقُول: "مَاتَتِ ابْنَتُكَ! فَلا تُزْعِجِ الـمُعَلِّم!".
50 وَسَمِعَ يَسوعُ فَأَجَابَهُ: "لا تَخَفْ! يَكْفي أَنْ تُؤْمِنَ فَتَحْيا
ابْنَتُكَ!".
51 وَلَمَّا وَصَلَ إِلى البَيْت، لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ مَعَهُ سِوَى
بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَأَبي الصَّبِيَّةِ وأُمِّهَا.
52 وكَانَ الـجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْها وَيَقْرَعُونَ صُدُورَهُم. فَقَال:
"لا تَبْكُوا! إِنَّهَا لَمْ تَمُتْ. لـكِنَّهَا نَائِمَة!".
53 فَأَخَذُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ لِعِلْمِهِم بِأَنَّها مَاتَتْ.
54 أَمَّا هُوَ فَأَمْسَكَ بِيَدِها وَنَادَى قاَئِلاً: "أَيَّتُهَا
الصَّبِيَّة، قُومِي!".
55 فَعَادَتْ رُوحُهَا إِلَيْهَا، وَفَجْأَةً نَهَضَتْ. ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ
يُطْعِمُوهَا.
56 فَدَهِشَ أَبَوَاها، وَأَوْصَاهُمَا يَسُوعُ أَلاَّ يُخْبِرَا أَحَدًا بِمَا
حَدَث.
(لو 8/40-56)
::: أفكار على ضوء الإنجيل ::: |
في هَذا الإِنجيل، نَقرَأُ أُعجُوبَتَين قَامَ
بِهِما يَسوع ( إِحياء إِبنَة يائِيرُسْ وَشِفاء النَّازِفَة ).
تَتَوَقَّف الكنيسَة في هَذا الأَحَد الثَّاني مِنَ الصَّوم أَمامَ آيَةِ
شِفاءِ المَنْزُوفَةِ لِلتَأَمُّل بِها.
نَرى يَسوع ذاهِباً إِلى بَيْتِ يائِيرُس بِناءً عَلى تَوَسُّلِهِ لإِعادَةِ
الحياة إِلى ابنَة الإِثنَي عَشَرَ سَنَة. وَفيما هُوَ ذاهِبٌ لإِعطاءِ الحياة
المَفْقُودَة، أَتَتْ إِلَيهِ امْرَأَةٌ تَفْقِدُ الحَياة شَيئًا فَشَيْئًا
مُنْذُ اثْنَتَي عَشَر سَنَة جَراءَ نَزْفِ دَمِها وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ
وَفَجْأَةً عَادَت إِلَيها الحياة حِينَ تَوَقَّفَ نَزفُ الدَّم.
هَذِهِ المَرأَةُ عانَت نَزيفَ الدَّم وَقَامَت بِكُلِّ المُحاوَلات
البَشَرِيَّة لِلشِّفاء وَلَكِن لَم يَقدِر أَحَد أَن يَشفيها. وَبِسَبَبِ
اليَأْسِ أَتَتْ إِلى يَسوع رُغمَ الجُموعِ الغفيرَة الَّتي تُحيطُ بِهِ
لِتَلمِسَ وَلَو طَرَفَ رِدائِهِ في مُحاوَلَةٍ أَخيرَةٍ لِنَيلِ الحياة،
فَكلنَ لَها بِقُوَّةِ إِيمانِها ما أَرادَت.
فَنَرى فِي هَذِهِ المَنزوفَة:
- تَحوَّلَت مِنَ اَلأَطِبَّاء الَّذينَ لَم يَقدِروا أَن يُعطوها الشَّفاء
إِلى الطَّبيب الحقيقي يسوع المسيح.
- مَرَضٌ خَفِيّ غَيرُ مُعلَن يَتَحَوَّلُ إِلى إِعلان شَفاء مِنهُ.
- اِرتِعادُ امرَأَةٍ يَتَحَوَّلُ إِلى سلام مِن جراءِ الإِيمان.
نَرى يسوع في مَوقِف رائِعٍ تِجاهَ الإِنسان الَّذي هُوَ بِحاجَةٍ إِلَيهِ
فَبِرُغمِ كُلِّ الجُموع، عَرَفَ بِأَمرِ هَذِهِ المَرأَة فَمَع الشِّفاء
َأعطاها السَّلام.
مِن مَوقِف المَنزوفَة نَسأَل:
- هَل نَشعُر بِنِزيفِ حَياتِنا اِلإيمانِيَّة حِينَ لا نُمارِس الأَسرار
وَنَمتَنِع عَن سَماعِ كَلِمَةِ الله ( فَكَم واحد مِنَّا يُقاطِع الكَنيسَة
بِسبَبٍ أَو لآخَر)؟
- هَل نَشعُر بِنِزيفِ حَياتِنا الإِجتِماعِيَّة حينَ يَكونُ هَناكَ زَعَلٌ
بَينَ الإِخوَة والجيران والأَقارِب وَأَبناء الرَّعِيَّة فَنَنْقَطِعْ عَن
بَعضِنا البَعض فَنَشعُرَ بِقُوَّةِ الموت وَنَحنُ أَحيَاء؟
- هَل نَشعُر بِقُوَّةِ نِزيفِ حَياتِنا الوَطَنِيَّة حينَ لا نَرى إلاَّ
مَصلَحَتَنا الشَّخصِيَّة على حِسابِ مَصلَحَةِ الوَطَن ولا نَقبَل بِالآخَر
فَيَتآكَلهُ نَزيفٌ خَطير فَيَموت الوَطَن؟
- هل نَشعُر أَنَّ لا أَحد يَستَطيع أَن يُعطينا الشِّفاءَ التَّام إِلاَّ
الإِيمان بِيَسوع المحبَّة فَنَأْتِيَ لِنَلمُسَ طَرَف رِدائِهِ فَيُعيدَ
إِلَينا الحَياة مِن خِلال كَلِمَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ الَّتي تُعيدُ إِلَينا
قُوَّة الحياة ( أَحِبُّوا بَعضَكُم بَعضاً ) فَالمَحَبَّةُ تَستُرُ نَزيفَ
الخَطيئَة بِبَلْسَمِ مَحَبَّة الله.
تَعالَوا إِخوَتي في هَذا الصَّوم لِنَقرَأَ حَياتَنا عَلى ضَوءِ إِيمانِنا
المَسيحِي (فَنُصَوِّرَها بِأَشِعَّةِ كَلِمَةِ الله) لِنَكتَشِفَ نِزيفَ
حَياتِنا وَنَأْخُذَ الدَّواءَ الشَّافي من الرّبّ (الكنيسة) فَنَشهَدَ
بَقُوَّةِ الإِيمان لأَي سَببٍ أَتَينا إِلى الرَّبّ يسوع وَكَيفَ تَحَوَّلَتْ
حَياتُنا وَعادَت إِلَينا الحياة وَلَنا في الرَّبّ يسوع مَوقِفُ المُنْتَظِر
إِعطاءَ السَّلامِ لِحَياتِنا ( يا بَنِيَّ ، إِيمانُكُم خَلَّصَكُم ،
إِذهَبُوا بِسَلام ).
المقدّمة من إعداد الخوري نسيم قسطون
الصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل |
|
::: تــأمـل ::: |
آمن تبرأ
يا لذاك الرجل القويّ، حقاً إنّه المسيح، إبن الله، إنّه يعبر من عهدٍ إلى عهد،
من التحجّر إلى الحياة ومن خدمة الحرف بالخوف إلى عيش الكلمة بحبّ.
يا له من إله يخاطب الكيان كلّه بلطافة أهل السماء دون أن يفرض القوانين
والواجبات" المعلّبة" على الشعب.
ها هو "رئيس المجمع" الذي يمثّل كلّ الشريعة، أتى ملتمساً الشفاء لابنته
المنازعة، هذا "الرئيس" الذي لم يجد شفاءً في مجمعه تخطّاه وذهب نحو المنقذ
يسوع. ولكن كيف يذهب إليه وهو من ناهض تعاليم الذي يتوسّله؟ كيف تجرّأ وتخلّى
عن التقاليد والشرائع التي هو حارسها، معترفاً بقدرة ابن الله الذي له وحده
سلطان الشفاء؟
في الوقت عينه، وبينما هو ذاهب عند الصبية, تقدّمت منه امرأة مؤمنة, رزينة,
يمسكها حياؤها من افتضاح علّتها (نزف الدم) ولمست طرف ردائه بعد أن فعلت
ال"نَعَم"فعلها في قلبها فشفيت.
تلك المرأة، بعد أن أنفقت كلّ مالها على الطبابة طيلة اثنتيّ عشرة سنة دون
جدوى، أدركت أنّ الله وحده يعيد إليها حرّيتها المسلوبة في مجتمعٍ متعصّب،
ويفكّ قيد الحرمان من التعاطي مع الآخر. سيرجع إليها الحياة محوّلاً عقمها إلى
خصوبة. قبل أن تأتي إليه آمنت بحضوره في صلاتها, بوجوده يصغي إلى من تطلب منه
الشفاء, فكانت نَعَمها أيضاً حاضرة, كانت " نَعَم" إيمان, "نعم" تبادل حبّ بين
الآب وابنته, "نعم" شجاعة وحرّية, "نعم" تسليم كلّي لمشيئته (الكيان كلّه
بالنفس والقلب والعقل والجسد), "نعم" واثقة من تتميم مشيئته فيها، وذلك كي يفهم
من لا يزال قلبه متحجّراً ومغلقاً على عمل الله في داخله.
ربّما علا وجهها الاحمرار عندما افتضح أمر شفائها ولكنّها أخبرت الناس بما جرى
لأنّها فهمت قصده من ذلك: قد شفيت أوّلاً من خجلها لأنّها اعتقدت، كما مجتمعها،
أنّ الخطيئة سببت لها المرض. خجلت من سبب مزعوم لأنّها أحبّت كثيراً من أحبّها
لكنّ إيمانها وهبها الجرأة كي تعلن ما حدث معها شهادة على رأفة الآب بأبنائه
فيتمجّد اسمه. كان بمقدورها نكران ذلك ويبقى"الطابق مستوراً". فمن سيكشف عليها
أو سيحاكمها؟ لكنّ صدقها، أمانتها وثبتاها في الإيمان دفعوها إلى تقديم شهادة
حياة أمام الجموع منهم المؤمن والمتفرّج والساخر والمخبر...
طال الوقت، ماتت "طاليتا" ومات معها الأمل في الشفاء عند الأهل والأقارب
والخدّام... أمّا والدها فلم يفقد ثقته بيسوع الذي شدّده بقوله" يكفي ان تؤمن".
بمعنى آخر, يطلب منه أن يرتقي من الثقة إلى الإيمان، وهذا ما فعله. ربّما للحظة
بكى الوالد بسبب المنزوفة التى أخّرته عن الذهاب مع يسوع لشفاء الصبيّة، وهي
الأولى به.
إبنة الإثنتيّ عشرة ربيعاً ماتت كي تحيا صاحبة الإثنتيّ عشرة سنة من النزف. كم
ذلك محزن! إلاّ أنّ عمل الله يفوقنا حكمة وتصوّر: لقد تفاعلت كلمة الله داخل
الأب وأنارت له طريق الإيمان, فذهب ويسوع عند "الراقدة", أمسك بيدها وأقامها
أمام والداها وثلاثاً من تلاميذه: بطرس يعقوب ويوحنّا،ثمّ طلب أن تُعطى طعاماً
لتأكل كي يرى الناس فيؤمنوا بعطيّة الحياة وتشهد الكنيسة الأولى برعاتها
وأبنائها في شخصهم على محبّة الآب.
أليس كلّ ذلك إشارة إلى كيفيّة علاقتي بالله؟ من نشبه من الإثنتين: المنزوفة أم
رئيس المجمع؟ هل أومن بأنّ صلاتي هي فعل اعتراف بوجود الله معي وإيمانٌ بحضوره
الحي، حيث تتبادل روحي وروحه الكلام الصامتِ بكلّ أنماطه؟ هل أدرك بأنّه خلقني
فقط للحبّ المقدّس، فأوجّه كلّ كياني صوبه، مُقِرّة بخلقه فيّ كل تلك الأحاسيس
الجميلة السامية, والفكر النيّر والحكمة المؤمنة؟
عندما تعترضني صعوبة أو أقع في ضيق, هل أستسلم لهما وأفقد الأمل في الحلّ فأكون
مثل جميع اللذين أحاطوا ب"طاليتا" عندما ماتت؟ هل أسخر أو أستهزئ بمحبّة الآب
لي فأرفضه وأشرع أبكي موتي ( فشلي)وألطم بألمٍ حظّي السيئ, أم أثق به فأؤمن
وأقبله فيَّ فيرفعني من الرقاد إلى القيامة كي تكون لي الحياة في ذاتي به؟ هل
أُقبِل إلى تناول جسده المقدّس الشافي؟ هل أشكره على شفاءاته التي لا تحصى
لشخصي وتقويمه مسيرتي على مدى الأيّام؟
لنقصد اليوم بيت الآب ونسكب قلوبنا أمامه ونلمس طرف ثوبه بإيمان. لندعه يمسك
بيدنا ويقيمنا من هوّتنا إلى حياة جديدة, ملتمسين منه النعمة والحكمة والجرأة
في إعلان إيماننا دون خفرٍ أو تردّد. هيّا نتركه يكمل شخصيتنا بحسب مشروعه
الخلاصيّ لكلّ منّا.