زمن العنصرة
أحد الثالوث الأقدس
(07 حزيران 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

• إنّه أحد الثالوث الأقدس وفيه نحتفل بسرّ مركزيّ وأساسيّ في إيماننا المسيحي.
• في الرسالة إلى أهل روما، يدعونا مار بولس إلى الحذر من روح التصلّب وإلى الاقتداء برحمة ومحبّة الله في علاقتنا مع ربّنا ومع الناس.
• في الإنجيل، نجد متى الإنجيل يعرض أمامنا واحدةً من أقدم الشهادات على إيمان الكنيسة بسرّ الثالوث الأقدس.
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إلى التعرّف إلى "عائلة الله" وإلى الدخول في صلبها عبر الإيمان الواثق "بمحبّة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة وحلول الروح القدس" كما نقول كلّ يومٍ في الذبيحة الإلهيّة.

 

::: صلاة :::

أيها الإله الحقيقي، الآب والابن والروح القدس، الثالوث الأقدس والممجّد، إيّاك نسبّح، إيّاك نبارك، إيّاك نشكر، لك نسجد، إليك نتضرّع، وباسمك ندعو، اسمك الّذي تسمعه الجحيم فترتعد، الكفر فينهزم، الغضب فيخمد، الشموخ فيتّضع.
أمطر علينا بركاتك في هذا العيد المجيد، واحفظنا من كلّ عداءٍ وضرر ومن كلّ خوفٍ وخطر... قدّس منا النفس والجسد، وطهّرنا من جراثيم الإثم وامنحنا وحدة الرأي بالروح القدس، واشف نفوسنا لكي نحيا بك الآن وإلى الأبد، آمين.

 

::: الرسالة :::

25 لا أُرِيدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، أَنْ تَجْهَلُوا هـذَا السِّرّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا حُكَمَاءَ في عُيُونِ أَنْفُسِكُم، وهوَ أَنَّ التَّصَلُّبَ أَصَابَ قِسْمًا مِنْ بَني إِسْرَائِيل، إِلَى أَنْ يُؤْمِنَ الأُمَمُ بِأَكْمَلِهِم.
26 وهـكَذَا يَخْلُصُ جَميعُ بَنِي إِسْرَائِيل، كَمَا هُوَ مَكْتُوب: "مِنْ صِهْيُونَ يَأْتي الـمُنْقِذ، ويَرُدُّ الكُفْرَ عَنْ يَعْقُوب؛
27 وهـذَا هُوَ عَهْدِي مَعَهُم، حِينَ أُزِيلُ خَطَايَاهُم".
28 فَهُم مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُم، أَمَّا مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِ الله، فَهُم أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاء؛
29 لأَنَّ اللهَ لا يَتَرَاجَعُ أَبَدًا عَنْ مَوَاهِبِهِ ودَعْوَتِهِ.
30 فكَمَا عَصَيْتُمُ اللهَ أَنْتُم في مَا مَضَى، وَرُحِمْتُمُ الآنَ مِنْ جَرَّاءِ عُصْيَانِهِم،
31 كَذـلِكَ هُمُ الآنَ عَصَوا اللهَ مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكُم، لِكَي يُرْحَمُوا الآنَ هُم أَيْضًا؛
32 لأَنَّ اللهَ قَدْ حَبَسَ جَمِيعَ النَّاسِ في العُصْيَان، لِكَي يَرْحَمَ الـجَميع.
33 فَيَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الإِدْرَاك، وطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقصَاء!
34 فَمَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبّ؟ أَو مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟
35 أَو مَنْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا فَيَرُدَّهُ اللهُ إِلَيْه؟
36 لأَنَّ كُلَّ شَيءٍ مِنْهُ وَبِهِ وَإِلَيْه. لَهُ الـمَجْدُ إِلى الدُّهُور. آمين.
(روما 11\ 25-36)

 

::: حول الرسالة :::

في أحد الثالوث الأقدس، نتأمّل سويّةً في هذا النصّ من الرسالة إلى أهل روما.
في القسم الأوّل من الرسالة يقابل مار بولس ما بين التصلّب الّذي أصاب قسماً من بني إسرائيل وما بين رحمة الله - الأمين دائماً - لأنّه "لا يَتَرَاجَعُ أَبَدًا عَنْ مَوَاهِبِهِ ودَعْوَتِهِ".
لا شكّ بأنّ الرسول يضيء في نصّه على مسيرة الشعب اليهودي الحافلة بالمواقف المتصلّبة مقارنةً مع رحمة الله وحلم الله وصبر الله ومحبّة الله.
ما يعنينا اليوم هو سؤال ذواتنا عن مدى "تصلّبنا" - نحن - في علاقاتنا مع الله ومع الناس.
تكلّم الكتاب المقدّس كثيراً عن القلوب المتحجّرة والقاسية والتي كثيراً ما نكون من أصحابها. فكمّ مرّة نسمع كلام الله دون أن نصغي إليه فعلياً؟ يكلّمنا عن الغفران ونحن نزداد حقداً، يكلّمنا عن العطاء ونحن نزداد طمعاً، يكلّمنا عن الطهارة ونحن نزداد فسقاً...
وقس على ذلك من "تصلّبات" كثيرة تظهر في حياتنا اليوميّة من خلال علاقاتنا مع الناس فتشوّه صورة الله فينا وتعيق تقدّمنا في الحياة الروحيّة والعمليّة.
ولا شكّ بأن أسوأ أنواع التصلّب هو التعصّب ورفض الآخر لا لشيء سوى لأنّه لا يتوافق مع ذوقي أو رأيي أو معتقدي!
فالمتصلّب يرفض التعاطي مع أيّ كان لمجرّد الاختلاف عنه أو الاختلاف معه وهو ما نراه ونشعر به، خاصّة في أيامنا هذه، ومع الأسف في سلوك السياسيين والمسيّسين، وهو ما يناقض طبعاً السلوك المسيحي القويم القائم على الانفتاح على الآخر وعلى قبول الآخر وفي الإطلاق على محبّة الآخر حيث يتجلّى تدريجيّاً سرّ الله بكون هذا الآخر، "صورة الله ومثاله".
فالمرور بالإنسان هو السبيل لقطف جزءٍ ضئيلٍ من أريج "غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ" كما يؤكّد مار يوحنا الرسول في رسالته الأولى: "إِذَا قَالَ أَحَد: "إِنِّي أُحِبُّ الله"، وهُوَ يُبْغِضُ أَخَاه، كَانَ كَاذِبًا، لأَنَّ الَّذي لا يُحِبُّ أَخاهُ وهُوَ يَرَاهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وهُوَ لا يَرَاه. ولنَا مِنْهُ هـذِهِ الوَصِيَّة، أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَيْضًا أَخَاه!" (1 يو4\20-21).
فمفتاح المعرفة في المسيحيّة هو المحبّة لأنّ "مَنْ لا يُحِبُّ لَم يَعْرِفِ الله، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّة" (1يو4\8). لذا لا نتعبنَّ أنفسنا في البحث عن الله بالطرق البشريّة التقليديّة لأنّ النتيجة واضحة سلفاً وفقاً لرسالة اليوم: "مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الإِدْرَاك، وطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقصَاء! فَمَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبّ؟ أَو مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟"
لقد سعى الكثيرون قبلنا وبوسائل شتّى التعبير عن جوهر الله وهويّته فكانوا يصطدمون بمهمّة عسيرة نظراً لكون الله جوهراً غير منظور وغير محسوس وبالتالي لا يمكنه أن يكون موضوع اختبارٍ حسيّ أو ماديّ كما أوضح الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط..
وحدها المحبّة تقرّبنا من جوهر الله بالإدراك الإيماني فوفق القول الدارج "كلّما حبيت بتصير تفهم أكتر عا الله وبيصير راسك عا راسو!". والمحبّة نقيض التصلّب والتعصّب لأنّها تحفّزنا على الاقتراب من الآخر لنتعرّف على الله أكثر ولنحبّ الله أكثر من خلال محبّتنا لصورته ومثاله الموجودة أمامنا وفي حياتنا.
ففي أحد الثالوث الأقدس، السرّ الأعظم في ديانتنا المسيحيّة نصلّي ونحن في زمن العنصرة، زمن الروح القدس، إلى الآب السماوي أن يرسل روحه إلى قلوبنا ونفوسنا وعقولنا فينيرها لتصغي إلى صوت الابن المتجسد يسوع المسيح في صوت كلّ إنسان يكلّمنا ولننظر إلى صورة وجهه في وجه كلّ إنسان يلتقي بنا ولنبادر صوبه بالمحبّة كما بادر الآب فخلّصنا بابنه الفادي وأنعم علينا بروحه الّذي يتمّم فينا عمل الآب والابن، له المجد معهما، إلى أبد الآبدين، آمين.

 

::: الإنجيل :::

16 أَمَّا التَّلامِيذُ الأَحَدَ عَشَرَ فذَهَبُوا إِلى الـجَلِيل، إِلى الـجَبَلِ حَيثُ أَمَرَهُم يَسُوع.
17 ولَمَّا رَأَوهُ سَجَدُوا لَهُ، بِرَغْمِ أَنَّهُم شَكُّوا.
18 فدَنَا يَسُوعُ وكَلَّمَهُم قَائِلاً: "لَقَدْ أُعْطِيتُ كُلَّ سُلْطَانٍ في السَّمَاءِ وعَلى الأَرْض.
19 إِذْهَبُوا إِذًا فَتَلْمِذُوا كُلَّ الأُمَم، وعَمِّدُوهُم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحِ القُدُس،
20 وعَلِّمُوهُم أَنْ يَحْفَظُوا كُلَّ مَا أَوْصَيْتُكُم بِهِ. وهَا أَنَا مَعَكُم كُلَّ الأَيَّامِ إِلى نِهَايَةِ العَالَم".
(متى 28\ 16-20)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

1- إلهنا ثالوثٌ قدّوسٌ، جوهرٌ واحد، طبيعة واحدة، قوّة واحدة، مشيئة واحدة، وتدبيرٌ متمايز:
• الآب مصدر كلّ وجود، خالق السماء والأرض، وكلّ ما يُرى وما لا يُرى... بشراكة مع الابن والروح،
• والابن كائنٌ منذ الأزل في حضن الآب، متجسّدٌ في الزمن من الرّوح القدس ومن مريم العذراء لخلاص البشر...
• والروح القدس، منبثق منذ الأزل من علاقة الآب والابن، وقدّ حلّ بملئه على يسوع يوم العماد وعلى الكنيسة يوم العنصرة.

2- الابن أظهر لنا وجه الآب كما أكّد لفيليبس: "من رآني رأى الآب" (يو 14\9). إنّه الله المحبّة، يغمرنا بحبّه وعنايته، أليس هو أبانا الذي في السماوات؟ والابن بحياته وأعماله والآيات التي صنع جسّد هذه المحبّة، محبّة الآب للبشر. أما الروح فيكّمل فينا عمل الابن. لذلك نحن نسجد لثالوثيّة الإله الواحد، ونعبده مدى الدّهور ونبشّر باسمه في العالم للتوبة والخلاص والحياة الأبديّة.
3- عمادنا باسم الآب والابن والروح القدس، أدخلنا في عائلة الثالوث الأقدس؛ فهل نعي إننا دخلنا في شركة الحياة مع الله، وأنّ علينا أن نبادله المحبّة الكاملة بإعطاء ذاتنا بكليّتها لله وتقدمة ذاتنا ذبيحة حيّة لله، لأنّ الله، بشخص ابنه يسوع، بذل ذاته عنا... فعندما نعيش هذه المحبّة المتبادلة مع الله (التي لا تكتمل إلا بمحبّتنا بعضنا لبعض)، نستطيع أن نؤمن إيماناً حيّاً بالله الواحد المثلّث الأقانيم... إيماناً ينير جوانب حياتنا الروحيّة والزمنيّة، ويكون مصدر إشعاعٍ للمحيط والمجتمع الّذي نعيش فيه ونتفاعل معه. بهذا نتمّم مشيئة يسوع: تلمذوا... علّموا... له المجد إلى الأبد، آمين.

 

::: تأمّل روحي :::

الله عائلة

 

"من السماء نزل عليه روح الله وكأنّه حمامة وسمع صوت يقول: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت".
بهذه المعموديّة أدخلنا يسوع في عائلته الثالوثيّة، وكانت ختم ولادتنا في ملكوت الله. هذا الإله الواحد في ثلاثة أقانيم أعبده ,لا لأنّي نظرته بعينيّ أو لمسته بيديّ، إنّما كوني اختبرته في داخلي والآخرين، أحببته وآمنت به لأنّي لم أرى فيه سوى الحبّ المجّانيّ لي.
كيف لي أن أرفض مشروعه في حياتي وهو من وحّد أبي وأمّي بأجمل المقدّسات. رجلٌ وامرأة من طبعين وتفكيرين مختلفين، جمعهما بالحبّ الأسمى فاختبرا بعضهما وباكتماله اتّحدا فَكَوَّنَا عائلة وكنّا الثمرة. ثمّ أخذا بيَدَيَّ وعلّماني الوقوف فالمشي، سهرا عليّ وخفّفا من آلامي بحنانهما.
هما من عزّياني وضمّاني إلى قلبيهما يوم بكيت المجهول و"اللاسبب" في مراهقتي، هما من لقّناني الأخلاق وحبّ الآخر واحترامه... باختصار حضناني بحبّ لأنهما ولداني بالحبّ.


أليست هذه هي صورة العائلة الكبرى التي يريدها الله منّا كأبناء له في كنيسته؟


صحيح أنّ كُلّا منّا له بيئته وطريقة عيشه المختلفة وأفكاره وتطلّعاته الخاصة ، يحمل واحدنا قصّته وما تخبئه من أفراح وأحزان وطموحات أو انتكاسات، لكننا ننتمي إلى عائلة واحدة مدعوين كي نعيش إخوة متقبّلين بعضنا بعضاً في المسيح. كلّنا نلنا الخلاص وأخذنا الروح القدس بالعماد وبوركنا بحبّ الآب.


ربّما نجد صعوبة في فعل ذلك. كيف لي أن أحسب الآخر، أخاً لي أو أتقبله وأفهمه وأنا لا أعرف عنه إلاّ القليل؟ ربّما سيضايقني ويعكّر "مزاجي"، أو ربما قطع عليّ الطريق نحو هدف معيّن أو حجب عنّي سعادتي؟ كيف سأخبره عن يسوع والملكوت وأنا لست فصيحاً بالكلام، ووحدي لا أجرؤ خوفاً من ردود الفعل؟


هل تساءل يسوع الإنسان عن كلّ ذلك؟ هل كان حبّه مشروطاً؟ بالطبع لا! عندما أمّننا على وصيّته الأخيرة كان عالِماً بضعفنا، لذلك فتح قلبنا على الآخر بعد أن ضمّنا إليه وسندنا بروحه المحامي والمشجّع والمقوّي، وأفهمنا أنّ الحبّ لا يكون"بالكلام بل بالعمل والحقّ" وإلاّ كنّا كبئرٍ فارغة تُرْجِع صدى أصوتنا" الرنّانة" كلّما عبَقْنا فيها!


إنّه هو من بادر إلى الثقة بنا فوهبنا نِعَمَه الكثيرة وجعلنا أفرادا ذات قيمة، فاعلين في عائلته الكبرى، قادرين أن ننظر مِن حولنا بعينيه ونرى الحاجة الماسة إلى الرحمة والحنان ونتلمّسه هناك (في قلب الحاجة)، فنذهب إليه وننقذه من آلام الفقر والسجن والمرض؛ هكذا أرادنا: أن نكون وإيّاه عائلة الآخر، المفقودة غالباً في أيّامنا هذه حيث اليأس والإحباط هما سيّدا الموقف، والأغنى هو الأقوى، والسلطوي القادر هو الآمر الناهي، أكان في العمل أو المجتمع. هناك يرغب منا أن نعمل مشيئة أبيه ونسير على خطاه بالذات مستنيرين بروحه القدّوس؛ هناك يريدنا أن نفيض بحبّه ورحمته ولطفه، وأن نُعَلِّم ونتلمذ بالعمل الحقّ بعد أن يُتَلمذنا هو على يديه.


لا نخف إذن فلسنا وحدنا في الطريق، عائلتنا حيّة بثالوثه على امتداد العالم، فاعلة إذا ما آمنّا وحفظنا وعملنا بما أوصانا به من حبّ. فلنثق ولننطلق إلى البشارة.

 

المقدّمة وأفكار من وحي الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

الصلاة والتأمّل من وحي الإنجيل
من إعداد
الخوري نبيل الزريبي

 

تأمّل روحي
من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com