|
زمن العنصرة |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
• إنّه الأحد السابع من زمن العنصرة وفيه نتابع التأمّل في
صعوبات الرسالة المسيحيّة.
• في الرسالة إلى أهل كورنتوس، يدعونا مار بولس إلى أن نعي أهميّة كوننا "رسالة
المسيح" وانعكاس ذلك على مجمل حياتنا المسيحيّة.
• في الإنجيل، نجد لوقا الإنجيلي يدعونا إلى الرسالة والشهادة للمسيح نظراً
لقلّة "الفعلة" رغم كلّ ما قد يعترض سبيلنا من صعوباتٍ واضطهادات.
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً إلى الاستعداد الدائم لتلبية نداء الله
لتغيير العالم نحو الأفضل عبر الشهادة للخلاص الذي حققه يسوع المسيح لنا والذي
يتممه الروح القدس في حياة الكنيسة.
|
::: صلاة ::: |
أللهم أبانا الّذي في السماوات، املأ أرضنا من روحك القدّوس، فتنمو الدعوة إلى الرسالة في حياة الكثير فيعملون في زرع الكلمة بين الناس وفي حصادها أعمالاً صالحة، على مثال الأعمال التي قام بها ربّنا يسوع المسيح فحقّق الفداء في حياة العالم.
هبنا يا ربّ شجاعة إعلان الكلمة رغم كلّ ما قد يعترضنا من ملمّات وساعدنا على
أن نبقى أمينين لدعوتنا في كلّ الظروف، فيتمجّد اسمك مع اسم ابنك وروحك القدّوس
إلى الأبد، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
1 أَنَعُودُ نَبْدَأُ فَنُوَصِّيكُم بِأَنْفُسِنَا، أَمْ
تُرَانَا نَحْتَاج، كَبَعْضِ النَّاس، إِلى رَسَائِلِ تَوْصِيَةٍ إِلَيْكُم
أَوْ مِنكُم؟
2 إِنَّ رِسَالَتَنَا هيَ أَنْتُم، وهيَ مَكْتُوبَةٌ في قُلُوبِنَا،
يَعْرِفُهَا وَيَقْرَأُهَا جَمِيعُ النَّاس.
3 أَجَلْ، لَقَدِ اتَّضَحَ أَنَّكُم رِسَالَةُ الـمَسِيح، الَّتي خَدَمْنَاهَا
نَحْنُ، وهيَ مَكْتُوبَةٌ لا بِالـحِبْرِ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الـحيّ، لا عَلى
أَلْوَاحٍ مِنْ حَجَر، بَلْ عَلى أَلْوَاحٍ مِنْ لَحْمٍ أَي في قُلُوبِكُم.
4 تِلْكَ هيَ الثِّقَةُ الَّتي لَنَا بِالـمَسِيحِ عِنْدَ الله،
5 وهِيَ أَنَّنا لا نَقْدِرُ أَنْ نَدَّعيَ شَيْئًا كأَنَّهُ مِنَّا، بَلْ
إِنَّ قُدْرَتَنا هِيَ مِنَ الله،
6 فهوَ الَّذي قَدَّرَنَا أَنْ نَكُونَ خُدَّامًا لِلعَهْدِ الـجَدِيد، لا
لِلحَرْفِ بَلْ لِلْرُّوح، لأَنَّ الـحَرْفَ يَقْتُلُ أَمَّا الرُّوحُ
فَيُحْيِي.
(2كور3/1-6)
|
::: حول الرسالة ::: |
ما أجمله تأكيد مار بولس الّذي يفتتح به رسالة اليوم: "إنّ رسالتنا هي أنتم" وما أصعب أن نفحص ضميرنا على ضوئه، كلٌّ حيث كلّفه الله برعاية أو إدارة أو خدمة واحد أو أكثر من بنيه الأحبّاء...
لنبدأ بالعائلة حيث حبّذا لو نتذكّر كآباء أو كأمّهات الرسالة الموكولة إلينا
لخدمة وتنشئة وتربية "ألواحٍ من لحم" هي قلوب أطفالنا التي نخاطر بتحوّلها إلى
"ألواحٍ من حجر" إن لم نزرع فيها، منذ الصغر، نفحة المحبّة والغفران، لتتجاوز
على بروتوكولات التقاليد الجافّة "الحرف" وتنطلق في طريق الحياة تتنفّس "الروح"
الّذي "يحيي" و"يعلن" من خلال براءتهم وعفويّتهم "رسالة الله" للناس وهي محبّته
لهم.
كذلك في العمل، لنتذكر إخوتي أنّ الله دعانا لنكون "خُدَّامًا لِلعَهْدِ
الـجَدِيد" أي عمّالاً في سبيل تحقيق ملكوت الله، لا يعبدون ربين "الله أو
المال"(متى 6\25)، لأنّهم اختاروا طوعاً أن "يعرف ويقرأ جميع الناس" صورة الله
على وجوههم وفي نظراتهم وفي بسماتهم التي تصبح انعكاساً لمحبّة الله ولعشق الله
ولعطاء الله لجنس البشر.
وفي علاقاتنا مع بعض، يا حبّذا لو نتذكّر- إخوتي- أن قلوبنا خلقت لتنبض وإلا
ماتت وأماتتنا، فلا نحجّرها بالحقد والخوف والشكّ الّذين يقودنا إلى الموت
الروحيّ الّذي يهدّد حياتنا الأبديّة مع الله - "المحبّة" – الّذي لا يقدر أن
يتعايش معه إلا من يكون على "صورته ومثاله"، أي محبّة نابضة بالحنان والغفران
والسعي إلى السلام والمصالحة.
أمّا مع ذاتنا، فيكفي أن نتذكّر على الدوام أنّ "قُدْرَتَنا هِيَ مِنَ الله"
فنتواضع بعد الكبرياء ونخجل بعد التكبّر، لأنّ الرسالة ليست أهمّ من مضمونها
غير أنّ المضمون لا يصل دون الرسالة وهو ما يصيبنا كلّما تكبّرنا إذ لا يعود
المضمون – وهو هنا محبّة الله – يصل من خلالنا فنضحي رسالةً "فاسدة"، ممحيّة
المضمون، مما يجعلنا عثرةً في طريق الملكوت!
أمامنا عرضان في رسالة اليوم: أن نكون رسالة المسيح أو أن نكون رسالة ذواتنا،
فماذا نختار؟!
|
::: الإنجيل ::: |
1 وَبَعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ اثْنَينِ وَسَبْعِينَ
آخَرِين، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلى كُلِّ
مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ كانَ مُزْمِعًا أَنْ يَذْهَبَ إِلَيه.
2 وَقالَ لَهُم: "إِنَّ الـحِصَادَ كَثِير، أَمَّا الفَعَلةُ فَقَلِيلُون.
أُطْلُبُوا إِذًا مِنْ رَبِّ الـحِصَادِ أَنْ يُخْرِجَ فَعَلةً إِلى
حِصَادِهِ.
3 إِذْهَبُوا. هَا إِنِّي أُرْسِلُكُم كَالـحُمْلانِ بَيْنَ الذِّئَاب.
4 لا تَحْمِلُوا كِيسًا، وَلا زَادًا، وَلا حِذَاءً، وَلا تُسَلِّمُوا
عَلَى أَحَدٍ في الطَّرِيق.
5 وأَيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوه، قُولُوا أَوَّلاً: أَلسَّلامُ لِهـذَا
البَيْت.
6 فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ سَلامٍ فَسَلامُكُم يَسْتَقِرُّ عَلَيه،
وَإِلاَّ فَيَرْجِعُ إِلَيْكُم.
7 وَأَقيمُوا في ذلِكَ البَيْتِ تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مِمَّا
عِنْدَهُم، لأَنَّ الفَاعِلَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ. وَلا تَنْتَقِلوا
مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْت.
(لوقا 10/1-7)
|
::: تأمّل روحي ::: |
تشجع وانطلق
"إنّي مرسلٌ كلّ اثنين منكم معاً كي أكون الثالث بينهما، فتكونون ثالوثاً متّحدا بثالوث السماء. إزرعوا المدن والمواضع بكلمة الحياة وسأتبعكم بتنميتها كي تثمر عشرين وثلاثين وستّين... أرسلكم ودعاء وأهل حياة إلى كلّ بيت؛ وكما رأيتموني أحيا المحبّة وأبشّر بالسلام، هكذا افعلوا أنتم أيضاً، ولترافقكم النعمة والحكمة والشجاعة ، وليكن روحي لسان حالكم".
هذه الخلاصة من كلام يسوع موجّهة إلى كلّ منّا اليوم كما في أيّام الرسل
والتلاميذ. وكعادتنا نطرح على أنفسنا أسئلة كثيرة عندما ندرك أنّنا معنيّون
بالأمر: كيف للإنسان الناجح في حياته الإجتماعيّة والعمليّة أن يتركها
ويتبع طريق التبشير هذا؟ كيف له أن يتخلّى عن طموحاته ونجاحاته ويلبس ثوباً
آخر من الحياة، ثوباً أقلّ وهجاً وأكثر تواضعاً، أقلّ ظهوراً ومظهراً وأكثر
دخولاً في الأعماق وقبولاً متجرّداً للمسيح؟ كيف له أن يبرّر (إن
فعل)اختياره هذا، الغير قابل للتصديق وهو الذي دفع الغالي والنفيس كي يصل
إلى ما هو عليه؟...
تبدأ قصّتك أيّها الإنسان عندما تدرك أنّك بشخصك معني بذلك، ممّا يعني أنّ
هناك شيئاً ما دفيناً في داخلك كان ينمو ببطءٍ، منذ زمن الطفولة ربّما، إلى
أن حان وقت الثمر. أو نداءً خفياً هبّ كالريح وأزال الرماد عن جمر الروح
المُتَّقد منذ اقتبالك للثالوث في العماد ثمّ تناولك الأوّل للقربان وما
كنت تدري به. إنّه هو، المسيح الهامس في سرّك:" أنت ابني وأنا اليوم ولدتك،
هيّا اتبعني" إنّها قصّة حبّ كانت تكبر فيك وتشعرك بافتقاد الحبيب كي يملأ
حاجتك إلى الإطمئنان والسكينة (الداخليّة) دون أن تعلم من هو، وحين كنت
تسمع همسته تناديك، ترتاح. لكنّك ربّما كنت تخاف أن تقبل فتفقد ما بنيته في
العالم ذاهباً في طريق جديدة، لا محفظة ولا كيساً تحمل أو حذاء، وأنت الذي
تعوّدت أن تدفع أحياناً ثمن الهواء الذي تستنشقه، ورجلاك اعتادتا على
الحرير في حفائهما، ولسانك ما عرف إلاّ الإطراء أو الإغراء، البورصة أو لغة
الأعمال ورجالها...
من قال لك أنّ يسوع لايعلم كلّ ذلك؟ من أوحى لك أنّك لا تصلح لتلك المهمّة
حيثما أنت وفي العالم، من موقعك ومركزك مهما كان وأيّاً كنت في غناك أو
فقرك، في عملك أم نفوذك؟... إنّه اختارك أنت لأنّك سمعت صوته، فلا"تقسِّي
قلبك". ما عليك سوى أن تقصد كي تقبل التبدّل في العمق، كما حدث مع يوحنّا،
ابن الرعد، الذي صار يوحنّا التلميذ الحبيب، وبطرس المندفع- الخائف أضحى
بطرس الصخرة، والمجدليّة الخاطئة تحوّلت إلى امرأة إيمانٍ ثابت و"صفاءٍ
وكرامة"... قد اختارك أنت لأنّه يعرف جبلتك ويدرك أنّك تفتقد إلى الحبّ. ثق
بأنّه وحده القادر أن يجدّد قدرتك على الحبّ الحقيقي ويملأك فرحاً
وسلاماً... كن نِعْمَ الرسول الممتلىء من حبّ المسيح وفرحه، الرسول الفرح
الذي يعطي بتهليل ويشعّ بالوداعة ويكون أهلاً للثقة حتّى وسط المخاطر
والصعوبات، وسط الآلام والإنتكاسات التي لا تكفّ عن طرق أبوابنا، خاصة في
هذه الأيّام... كن شاهداً لحبّ الله وأمانته، في محيطك، مع عائلتك وزملائك.
إنّ الله لن يأخذ منك ما أعطاك إيّاه فلا تخف أن تفقده؛ والكلمة الحقّة
التي زرعها في قلبك لن تعود أبداً فارغة. غذّها بجسده المقدّس وكن في حقله
عاملاً نشيطاً مجتهداً للخير مرنّماً، لأنّ"الحصاد الكثير" ينتظر أن تفتح
بريدك وتكتشف أنّ ""CV خاصّتك مقبولة بامتياز في شركة الملكوت.
المقدّمة، الصلاة وأفكار من وحي الرسالة من إعداد الخوري نسيم قسطون
تأمّل روحي |