زمن الصليب

 

الأحد الخامس بعد عيد الصليب
(17 تشرين الأول 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

يُطِلّ عَلَيْنا الأحد الخامس بعد عيد الصّليب، لِيُكمِل ما بَدَأت الكَنيسة تَضَعهُ أمامنا لِنَتَأمَّل بِهِ مُنذُ عيد الصّليب:
- لننظُر إلى المَصلوب الذي انتَصَرَ على المَوت (عيد الصَّليب).
- لِذلِكَ، فلنَحمِل صَليبنا بِرَجاءٍ وَصَبر (الأحد الأوّل).
- فَرَجاؤُنا ليس في هذه الفانِيَة، بل في الباقِيَة حَيثُ الحياة الأبديّة مع المَسيح. (الأحد الثّاني).
- والرَّبُّ سَيَأتي بِمَجْدٍ عَظيم لِيَدين، والذي يَصبِر في هذه الفانِيَة إلى النِّهايَة هُوَ الذي يَخلُص...(الأحد الثّالث).
- بالإنتِظار... بِناء الآخَرين، هُوَ برنامَج العمل الذي يَجِب على المَسيحيّ ٱتِّباعَهُ (الأحد الرَّابِع).
... ومهما طالَ الإنتِظار، العَريسُ آتٍ!... لِنَبْنِ ذَواتَنا أيْضًا:
يُشَدِّد بولس الرَّسول في رسالة اليَوم على التَّمَسُّك بالكَلِمَة، والعَمَل للخلاص بِخَوفٍ وَرِعدَةٍ، لِكَي نَكونَ أنقِياءَ لا عَيبَ فينا عِندَ مَجيءِ السَّيِّد.
وَيَضَع أمامنا مَتَّى الإنجيلي المَثَل الذي أعطاهُ يَسوع عَن العَذارى اللَّواتي انتَظَرنَ مَجيء العَريس، ومَصابيحَهُنَّ مُشْتَعِلَة. فَمَنْ كانَ اسْتِعدادَهُنَّ الذّاتي لائِق، لم يُعوِزهُنّ زَيْتًا؛ ومَن لَمْ يَعْمَلْنَ لِخَلاصِهِنَّ كَما يَجِب، نَفَذَ زَيتُهُنَّ فبَقينَ خارِجًا...
فَكَيْفَ نَعمَل على بِناءِ ذواتِنا بانتِظارِ ذلِكَ اليَوم العَظيم؟

 

::: صلاة :::

يا رَبّ، نَشْكُرُكَ لأنَّكَ مَلأتَ ٱنْتِظارَنا بِكَلِمَةِ ٱبْنِكَ ٱلحَبيب، وَجَعَلْتَ أوْقاتَنا تَتَغَذَّى مِنْ روحِ ٱلتَّرَقُّبِ وَٱلإنْتِظار... أعْطِنا أنْ تَكونَ سُرُجُنا مُضاءَةً حَتَّى نَبْقى مُكَرَّسينَ بالرُّوحِ لِخِدْمَةِ ٱلمَحَبَّة، وَحامِلينَ بِلا مَلَلٍ زَيْتَ ٱلفَضيلَة، وَمُتَسَلِّحينَ بِقُوَّةِ الصَّلبيبِ ٱلظَّافِر، فَتَكونَ لَنا المَعونَةُ الكافِيَة لِتَأدِيَةِ المَجْدِ اللائِق بِكَ.
يا رَبَّنا يَسوعَ المَسيح مَعَ العَذارى الحَكيمات نُسَبِّحُكَ، لأنَّكَ تُؤَهِّلُنا، فَتُدْخِلُنا مَعَهُنَّ كُلَّ أحَدٍ إلى وَليمَةِ جَسَدِكَ وَدَمِكَ. جَمِّلْنا بِلا ٱنْقِطاعٍ بِفَضيلَةِ ٱلإنْتِظار الذي لا يَخيب، حَتَّى نَسْتَحِقَّ التَّنَعُّمَ ٱلدَّائِم في وَليمَةِ عُرْسِ ٱلحَمَل، رِفْقَةَ الذينَ طابَ لَكَ ٱنْتِظارُهُم، وَحَسُنَتْ أمامَ عَيْنَيْكَ فَضائِلُهُم، فَنُؤَدِّي لَكَ التَّسبيح وَالحَمْدَ، مَعَ أبيكَ المُبارَك وَروحِكَ الحَيِّ القُدُّوسِ إلى الأبَد، آمين.

 

::: الرسالة :::

12 إِذًا، يَا أَحِبَّائِي، فَاعْمَلُوا لِخَلاصِكُم بِخَوْفٍ ورِعْدَة، كَمَا أَطَعْتُمْ دَائِمًا، لا في حُضُورِي فَحَسْب، بَلْ بِالأَحرى وبِالأَكْثَرِ الآنَ في غِيَابِي.
13 فَاللهُ هُوَ الَّذي يَجْعَلُكُم تُرِيدُونَ وتَعْمَلُونَ بِحَسَبِ مَرْضَاتِهِ.
14 إِفْعَلُوا كُلَّ شَيءٍ بِغَيْرِ تَذَمُّرٍ وَجِدَال،
15 لِكَي تَصِيرُوا بُسَطَاءَ لا لَومَ عَلَيْكُم، وأَبْنَاءً للهِ لا عَيْبَ فيكُم، وَسْطَ جِيْلٍ مُعْوَجٍّ ومُنْحَرِف، تُضِيئُونَ فيهِ كالنَّيِّراتِ في العَالَـم،
16 مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الـحَيَاة، لافْتِخَارِي في يَومِ الـمَسِيح، بِأَنِّي مَا سَعَيْتُ ولا تَعِبْتُ بَاطِلاً.
17 لو أَنَّ دَمِي يُرَاقُ على ذَبِيحَةِ إِيْمانِكُم وخِدْمَتِهِ، لَكُنْتُ أَفْرَحُ وأَبْتَهِجُ مَعَكُم جَمِيعًا.
18 فَافْرَحُوا أَنْتُم أَيْضًا وابْتَهِجُوا مَعِي.

(فل2/12-18)

 

::: حول الرسالة :::

لقد كتب بولس الرّسول هذه الرسالة، إلى الكَنيسة التي أحَبّ، ونحنُ نعلم من خِلال قِراءة جميع رسائِلِه، أنَّهُ ما قَبِلَ مُساعَدَة مادِيَّة مِنْ أيّ جماعَةٍ بَشَّرَها إلاَّ مِنْ تِلكَ التي في فيلبّي. ونَسْتَشِفُّ مِنْ خِلال هذه الرِّسالة، كَم كانَ يُعَوِّل على هذه الجماعة، خاصَّةً وَأنَّهُ كَتَبَها وَهوَ في السِّجن، يَتْنَظِرُ حُكمَ الإعدام! فَأعلَنَ في هذه الرِّسالة أنَّ الحياة هِيَ المَسيح، فَما أحلَى المَوت حينَ يَكونُ مَعَ المَسيح!... لِذلِكَ طَلَبَ التَّواضُع، على مِثالِ المَسيحِ الإله الذي تَنازَلَ مِنْ عَلْيائِهِ وَذاقَ المَوتَ على الصّليب مِنْ أجْلِ البَشَر؛ وَيَأتي هذا المَقطَع الذي يُقرَأ على مَسامِعِنا في هذا الأحد لِيَضَعنا أمامَ مُفتَرَقِ طُرُق: فَإمَّا أن نَعيش على خِلاف ما علّمنا إيّاه المَسيح المَصلوب القائِم، فَنَعيش على التّذَمُّر وعدم الطّاعة... أو أن نُطيع، فَنَكون النُّور الذي يَكسِرُ ظُلمَةَ هذا العالم!
لقد أطاع المُؤمِنونَ كَلِمَةَ الله كَما خرجت من فَمِ بولس لمّا بشّرَهُم. لِذلِكَ، يَطلُبُ الرَّسول مِنهُم أن يَثبُتوا في هذه الطّاعَة، فَيُحافِظوا على الكَلِمَة التي تَلَقَّوها حَيَّةً في قُلوبِهِم. فَيُرَكِّز بولُس على الضُّعف البَشَرِيّ أمام عَظَمَة الله ومحبّتِهِ اللامُتَناهِيَة، مُتَكَلِّمًا عَن "الخَوف والرّعدة" اللَّتَين يَشعُرُ بِهِما الإنْسان أمام تلك العظمة؛ فَيُشَدِّد على طاعَة الكَلِمَة، لا على أنَّها قانونٌ جامِدٌ مَيْت، بَل، على أنَّها عُربون وَتَجَلِّي لهذه المحبّة الإلهِيَّة اللامُتَناهِيَة، المُتَجَسِّدَة بالمَسيح الذي أطاعَ الآب حَتَّى مَوت الصَّليب! هذه المَحَبَّة، لا يَحُدُّها اللهُ بِذاتِه، بَل يَجعَلُها تَعمَل في جَميع المُؤمِنين، فَتَغمُرهُم، لا لِتُلغي عَمَلَهُم، بَل لِتُحَفِّزَهُ، وَتَقودَهُ في الإتِّجاه الصَّحيح، ألا وهوَ مَجد الله، وخَير القَريب.
لِذا، يُعطي بُولس الرَّسول برنامج عمل المُؤمِن على الشّكل الآتي:
- "إعمَلوا كُلّ شَيء مِن غَير تَذَمُّر وَلا خِصام": وَكَأنَّ بِهِ يَسْتَذكِرُ أحداث الخُروج مِن مصر، لَمَّا تَبِعَ الشّعب الله إلى البريَّة، لِيَسيروا نحوَ الأرض التي وَعَدَهُ بِها، فَعِندَ الجوعِ وَالعَطَش، كانَ التَّذَمُّر والخِصام، إذ لم يَستَغني أحَدٌ مِن الشّعب عَن شَيء مِن مُقَدَّراتِهِ التي كانَت لَهُ مِن أرضِ العُبودِيَّة مِن أجلِ أن يَحصُلَ على الخَير الأوفر في أرض الحُرِّيَّة.
- حَتَّى تَكونوا أنقِياء، أبناء الله، نورًا للعالم: أمام هذه الصِّفات، نَدخُلُ في جَوّ نهاية العالم التي تكلّمَ عنها يَسوع مِرارًا، مُشَدِّدًا على الثّبات في العالم الذي لا ثباتَ فيهِ سِوَ كَلِمَة الله. ففي هذا العالم، وبانتِظار النِّهايَة، أن نَكونَ أنقِياء يَعني أن نَبتَعِد عَن الخَطيئَة وَمُسَبِّباتِها، أن نَكونَ أبناءَ الله يَعني أن نرفُض أيْ مُساوَمَة تُبعِدنا عَن هذه البُنُوَّة، أن نَكونَ نورًا يَعني أن نَشْهَدَ في هذا العالم للحَقيقَة التي نَعيشُها بِإيْمانٍ حَيٍّ، وَرَجاءٍ ثابِتٍ، وَمَحَبَّةٍ صادِقَة.
- التَّمَسُّك بِكَلِمَة الحَياة: فالمَسيحي الذي يَنتَظِر النّهايَة، لا يَسْتَطيع إلاَّ أن يَكون نورًا، أيْ أنْ يَلتَصِق بالكَلِمَة، فَيَمتَزِج بِها، فَيَكونَ نُورُهُ مِن نورِها! هذا هُوَ مَدْعاةُ فَخْرِ بولُس بِجَماعَتِهِ، التي حَمَلَت مِنهُ هذا النُّور؛ هذا هُوَ أيْضًا مَدْعاةُ فَخْرِ جَماعَة فيلبّي بِرَسولِها الذي حَمَلَ لَها هذا النُّور؛ في النِّهايَة: هذا هُوَ الفَخْرُ بالله الذي يَعْمَلُ في بُولُس كَما في جَماعَةِ فيلبّي. لِذلِكَ، نَرَى أنّ التَّمَسُّك بالكَلِمَة، هُوَ عَمَلٌ دَؤوبٌ قامَ بِهِ بولُس تجاه أهل فيلبّي، وَهوَ عَمَلٌ أعظَم قامَ بِهِ أهلُ فيلبّي لِيُضيؤوا كَرَسولِهِم. لِذلِكَ، يُشَدِّد بولس الرَّسول في هذا المقطع من الرّسالة على صورة الله الدّيّان، الذي سَيُمَحِّصُ بالنّار هذا العمل المُتَبادَل، لِتَظهَرَ قيمَتَهُ للجَميع.
إنطِلاقًا مِنْ هذا البرنامج، يَضَعُ بولُس أمامَ عَيْنَيْه، كَما أمام أعيُن أهل فيلبّي فِكرَةَ اسْتِشْهادِهِ، وَيَسْتَذكِر حُكمَ الإعدام الصّادِر بِحَقِّهِ، وَهوَ يَنْتَظِرهُ بِفَرَحٍ عالِمًا أنَّ سَعْيَهُ لَمْ يَكُن باطِلاً. لِذلِكَ، وبالرُّغمِ مِنْ أنَّهُ سائِرٌ نَحوَ المَوت، يَدعو الجَماعَة إلى الفرح: "فافرَحوا أنتُم أيْضًا وابْتَهِجوا مَعي".
ونحن:
كَيفَ نَعيش الطّاعَة؟ وَهَلْ نُدرِك مَدَى مَحَبَّة وَعَظَمَة الله أمامَ ضُعفِنا البَشَري؟ هَل نَعمَل لِخَلاصِنا على هذا الأساس؟ أم نَضَع نُصبَ أعْيُنِنا خَلاصًا غَير الذي أعَدَّهُ اللهُ لنا؟ هَل نُعَلِّق فَرَحنا بِما يَفنَى؟ أن نَجْعَلهُ فيما يَبقَى، نَحمِلهُ زَيتًا في مَصابيحِنا للمَجيءِ العَظيم؟
بانتِظار المَجيء:
- كَيفَ نَقوم بِواجِبِنا؟ هَل نَقومُ بِهِ عَن تَذَمُّرٍ وَخِصام؟ أم نَزرَع في قُلوبِنا مَحَبَّة السَّيِّد، فَنَعيشُها مَعَ ذَواتِنا وَالآخَرينَ بِفَرَح؟
- ما هُوَ المَوقِف الذي نَأخُذُهُ في وسط هذا الجيل، الذي يَتَّصِف بالفساد؟ هَل نَثبُت على الكَلِمَة التي تَلَقَّيْناها؟ كَيفَ نَبْتَعِد عَن الخَطيئَة؟ هَل نُجاهِد في إزالة أسبابها؟ كَيفَ نَعيش بُنُوَّتنا للآب؟ هَل نُساوِم عَلَيْها، فَنَكونَ أبناؤُهُ طَورًا، وَنَرفُضُ أُبُوَّتَهُ أطوارًا؟
هَل نَحمِل كَلِمَتَهُ المُنيرَة، فَنُضيءُ في العالمِ ككواكِبِ السّماء؟ هَلْ يَعْمَل كُلٌّ مِنَّا على ذاتِهِ، لِيُغنيها بِزَيتِ الأعمالِ الصَّالِحَة؟ هَل يَعمَل كُلُّ واحِدٍ مِنَّا على ذاتِهِ، لِيُقَدِّمها قُربانًا مَرضِيًّا أمامَ الله الذي تَنازَلَ وَتَجَسَّدَ وَقَدَّمَ ذاتَهُ قُربانًا على الصّليب؟

 

::: الإنجيل :::

1 حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وخَرَجْنَ إِلى لِقَاءِ العَريس،
2 خَمْسٌ مِنْهُنَّ جَاهِلات، وخَمْسٌ حَكِيمَات.
3 فَالـجَاهِلاتُ أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ ولَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا.
4 أَمَّا الـحَكِيْمَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتًا في آنِيَةٍ مَعَ مَصَابِيْحِهِنَّ.
5 وأَبْطَأَ العَريسُ فَنَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ، ورَقَدْنَ.
6 وفي مُنْتَصَفِ اللَّيل، صَارَتِ الصَّيحَة: هُوَذَا العَريس! أُخْرُجُوا إِلى لِقَائِهِ!
7 حينَئِذٍ قَامَتْ أُولـئِكَ العَذَارَى كُلُّهُنَّ، وزَيَّنَّ مَصَابِيحَهُنَّ.
8 فقَالَتِ الـجَاهِلاتُ لِلحَكيمَات: أَعْطِينَنا مِنْ زَيتِكُنَّ، لأَنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئ.
9 فَأَجَابَتِ الـحَكيمَاتُ وقُلْنَ: قَدْ لا يَكْفِينَا ويَكْفِيكُنَّ. إِذْهَبْنَ بِالأَحْرَى إِلى البَاعَةِ وابْتَعْنَ لَكُنَّ.
10 ولَمَّا ذَهَبْنَ لِيَبْتَعْنَ، جَاءَ العَريس، ودَخَلَتِ الـمُسْتَعِدَّاتُ إِلى العُرْس، وأُغْلِقَ البَاب.
11 وأَخيرًا جَاءَتِ العَذَارَى البَاقِيَاتُ وقُلْنَ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، افْتَحْ لَنَا!
12 فَأَجَابَ وقَال: أَلـحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ، إِنِّي لا أَعْرِفُكُنَّ!
13 إِسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُم لا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ ولا السَّاعَة.

(متى25/1-13)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

كُلُّنا يَعلَم المَثَل... والقِصَّة حَفِظناها عَنْ ظَهْرِ قَلب... يَبقَى أن ننظُر إلى حالَتِنا، بانتِظارِ مَجيءِ السّيِّد، فنَعلَمَ أنَّ اسْتِعدادَنا اللائِق هُوَ الذي يَجْعَلُ مَصابيحَنا تَمْتَلِئُ مِنْ زَيْتِ الأعمال الصَّالِحَة... فنحنُ أمامَ خَيارَين:
- إمَّا أنْ نَقْبَلَ عَيْش الطّاعَة للكَلِمَة، التي تَكَلَّمَ عَنْها بولس الرَّسول في رِسالَتِهِ اليَوم، فَتَمتَلِئَ المَصابيح لِتُضيءَ لَيْل انتِظارشنا حَتَّى مَجيء السّيّد؛
- وَإمَّا أن نُساوِم على حَقيقَةِ إيْمانِنا، فَلا نَعْمَلَ على ذواتِنا كَما يَجِب، فَيَأتي السّيِّد ولا يَجِدُنا بالإنتِظار، فَيَدخُلُ مَعَ المُسْتَعِدّ وَيُغلِق الباب...
ونحن:
ما هُوَ خَيارُنا؟ هَلْ نَقْبَل أنْ نَدْخُلَ فَرَح العُرس مَعَ العَريس الآتي، فَنَسْتَعِدّ الإسْتِعْداد اللائِق؟ أم نَتَلَهَّى وَنُضَيِّع الهَدَف، فَنَذهَب في اللَّحظَة الأخيرَة لِنَجِد ما بِهِ نَسْتَعِدّ... ؟

 

::: تأمّل روحي :::

 

العرس والانتظار

 

أتت ساعة العرس ، وذهبت العذارى العشر، مزوّداتٍ بمصابيحنّ، ينتظرن قدوم العريس مع عروسه (الكنيسة)، في مكانٍ محدّد ، كي يرافقنه بالأنوار ويشاركن في الحفل.
خمسة منهنّ أخفقن في مهمّتهنّ، لعدم اهتمامهنّ بما يلزم للقاء العريس ودخول الفرح.
شيءٌ لا يصدّق! إنّهنّ مدعوّات إلى العرس ومرافقة العريس إلى داره، ليلاً، ولكنّهنّ نسين زيتهنّ. كيف ذلك؟
ربّما لا يصدّق، ولكنّه واقع! جاهلات هنّ، رغم مظاهر الفرح الّتي يلبسنها. إنّهنّ مدعوّات ولقد حضرن، ولكن مع لوازم خارجة عن متطلّبات العرس والمشاركة فيه. لقد حضرن مع كلّ زينتهنّ، وربّما هذا من دواعي العيد، إنّما أْوْحَيْنَ بلامبالاتهم بالعريس وفرحه.
 

إنّهنّ هناك كي يجتذبن الأنظار، متعاليات على الأخريات. هناك، لأنّه طُلِب منهنّ الحضور مع المصابيح، فأتين لأنفسهنّ، ضاربين بعرض الحائط حقيقة ما ينتظرهنّ. لقد اكتفين بما يزيّن نفوسهنّ من سطحيّة ومظاهر.
أمّا الخمس الحكيمات، فكنَّ على استعدادٍ للسير في موكب الفرح. كنّ متنبّهاتٍ، وعلى قدرٍ كبير ٍمن المسؤوليّة إلى حدّ عشق عيش الحقيقة .
ففي المكان الواحد والمجموعة الواحدة والمهمّة الواحدة، تبيّن الواقع وظهر التفاوت ساعة وصول العريس ("اليوم الأخير").
في تلك اللحظة الأخيرة، علا الصراخ، فكانت للحكيمات مكافأة انتظارهنّ وسهرهنّ، واقتراب فرحنّ، أمّا للجاهلات فكان كصفير الموت ينذر: إنّهنّ لسن مستعدّات، والخسارة واقعة. فقط، في تلك اللحظةِ أدركن ما ارتكبنه من خطأ عظيم، وركضن يلتمسن الرحمة والعون من رفيقاتهنّ، ولكن زيت الحكيمات مدروسةٌ كمّيته كي تكفيهنّ الطريق حتّى رُدهة العيد، كما أنّ الوقت كان قد فات ووصل العريس. في تلك اللحظة كان لا بدّ من أن يتحمّل كلٌ مسؤوليّة ما فعل خلال الإنتظار الطّويل وما افتكره في أعماق ذاته.
 

أمّا الصدمة الأكبر لهنّ فكانت عند الباب، ساعة رفض العريس التعرّف إليهنّ! فكم كانت رحمته عظيمة. هو الّذي يشرق شمسه على الأشرار والأخيار بالتساوي، قد منحهنّ كما منح للحكيمات، الوقت الكافي كي يصلحن ما أفسدنه، فتاخّر في المجيء.
رغم ذلك، استخففنّ بالعريس، بإرادتهنّ، وتلكّأن بالحضور (الجهوزيّة) للمشاركة عندما كان الوقت مهيّأً لهنّ، فأصبحت خطيئتهنّ لا تغتفر: لقد احتقرن محبّته ورأفته، ولم يعملن ما عليهنّ فعله، وأهدرن حتّى الدقائق الأخيرة في اللامبالاة واللامسؤوليّة. ففي منطقهنّ، ليس هناك ما ينتظرنه أو من أحدٍ يخدمنه إلاّ: "أنا-هُنَّ".
 

صحيحٌ أنّ هناك وقت للنعمةِ، يسمح لنا بتعبئة أسرجتنا بالزيت كي نكون نورًا في العالم، ويحثّنا على التوبة وترسيخ إيماننا به (بالله)، ولكن عندما تأتي السّاعة يكون الوقت قد فات إن لم نكن قد فعلنا بعدُ. فالسهر إذًا لا يتطلّب منّا الصلاة فقط، ولا يعني الملتزمين من المؤمنين دون غيرهم، بل هو دعوة لكلّ من اعتمد وآمن. دعوة إلى التّيقّظ والإنتظار والحضور الدائم. إنتظار واقع، حقيقة، يطال كلّ من استساغ طعم الحياة في الحبّ المقدّس والخدمة. فهل نستطيع خداع الله في محبّتنا له، حتّى ولو كانت علينا ثياب العرس؟ هل نستطيع الدخول إلى الفرح خلسةً أو إن لم نكن على أتمّ استعداد؟
بالطبع لا! فمن سمح لنفسه أن يكون كلّ شيء من حقّه، وأنّه ليس عليه شيء لأحد، متجلببًا بعباءة النرجسيّة العمياء، فسوف لن يعرف الله ولا حنانه ولا رأفته. اليوم فتحنا صفحةً جديدة من سفر الخلاص، بالإنتظار الواعي والمسؤول. ودعوتنا هي أن نضع ذلك قيد التنفيذ، مهما كان الثمن. فالعرس يستأهل التضحية، وكأس فرحنا الإبديّ هو الأثمن... فلننطلق
!

 

::: نوايا وصلاة شكر :::

 

نوايا للقدّاس


1- نصلّي من أجل المسؤولين في كنيستنا، مار بنديكتس السادس عشر بابا روما، ومار نصرالله بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بو جودة مطراننا، مع سائر الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس، كي يكون رجاؤهم سبب حَيرة واستفسار لدى سائر النّاس، وكي يكون عندهم الاستعداد الدائم للتحدّث بوداعة عن سبب هذا الرجاء، نسألك يا رب.
2- نخاف الألم، نخاف التهديد، نخاف المُجاهرة بالحقيقة، أعطنا الشجاعةَ فَلا نخاف ولا نضطرب، بل نسعى جاهدين إلى نشرِ الحقّ بِوَداعة واحترامٍ وضمير صالح، نسألك يا رب.
3- المحبّة، المحبّة، المحبّة، أفِض علينا من هذه المحبّة، فنتحوّل إلى منازل لِسُكناك مع ابنك وروحك القدّوس، نسألك يا رب.
4- في اليوم العالمي للرِسالات، بشفاعة مريم، والرسل وجميع القدّيسين، نذكر كلّ الجمعيّات والمجموعات التي تعمل من أجلِ نشرِ الكلمة، كي يكون عملُها مباركٌ، فلا تميلَ عن الهدف، مُدرِكةً أنّها ليست إلاّ وسيلة يستعملها الروح القدس لِزَرعِ البذور كي يعمل على تنميَتها لاحقًا، نسألك يا رب.
نذكر جميع المنتَقلين من هذه الحياة، أظهر لهم ذاتك راحمًا، ولا تذكر لهم إثمًا، بل أدخلهم منازلك التي أعددتها لهم بِدَمِ ابنك المسفوك على الصليب، غافرًا لنا ولهم الخطايا والزلات.

 

 

صلاة شكر للقدّاس


يكفي أن نحبّك، وأن نتمسّكَ بِمَحَبّتك، حتى تظهرَ لنا ذاتك، وتحوّل ذاتنا سماءً تليقُ بِسُكناك،
يكفي أن نحبّك، حتى ترسلَ إلينا البرقليط كي يُعَلّمنا كلّ شيء، ويُذكّرنا بكلّ ما قلتَه لنا،
يكفي أن نحبّك فتُحوّل الخبزَ والخمرَ إلى جسدك ودمك، فإذا تَناوَلناهما، تقدّسُنا وتباركُنا وتثبّتنا على البرّ،
نشكرك لأنّك تكتفي بمحبّتنا كي تصنع العجائب بنا وعبرَنا،
نشكرك ونحمدك لأنّك تُكمّل ما نقص من محبّتِنا، أيّها الآب والابن والروح القدس، من الآن وإلى الأبد، آمين.

 

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة والإنجيل

من إعداد

الإكليريكي فؤاد فهد

Fouad.Fahed@hotmail.com

 

تأمّل روحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى

jamileh.daher@hotmail.com

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد
madeleinedib@hotmail.com