|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمن الميـلاد
|
|
::: مقدّمة ::: |
- تحتفل الكنيسة اليوم بعيد الميلاد لتنهل العبر من حدث تجسّد
يسوع المسيح في سبيل تقريب الإنسان من جديد إلى قلب الله...
- في الرّسالة إلى العبرانيين، يؤكّد لنا الكاتب بأن الله خاطب الإنسان بكلمته،
إبنه الوحيد، بعد أن استنفذ كلّ الوسائل ليصل إلى قلبه...
- أمّا في إنجيل لوقا فنتأمّل في مغارة الميلاد لنتأمّل في دعوتنا المسيحيّة ولنبثّ
الدفء في حنايا قلوبنا ونفوسنا و... حياتنا!
- في هذا العيد الّذي يقع هذه السنة في يوم الربّ "الأحد"، تدعونا الكنيسة لنحوّل
كلّ أيامنا وأعيادنا إلى أيّامٍ للربّ وللربّ وحده!
|
::: صــلاة ::: |
نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، يا من وهبتنا كلّ شيء حتى ابنك
الوحيد.
نشكرك أيّها الابن المسيح، يا من وهبتنا ذاتك لتعيد إلينا بهاء صورتنا ومثالنا
الإلهيّ.
نشكرك أيّها الروح القدس، يا من تهبنا في كل يوم أن نعي عظمة التجسّد وسمو الفداء
وأبديّة الخلاص في الكنيسة ومعها.
هب لنا، اليوم، أيّها الثالوث الأقدس، في عيد الميلاد، أن نغرف من بساطة الغارة
عظمة الحبّ والعطاء فيتمجّد بنا وفي كلّ شيء، اسمك القدّوس، يا من تحيا وتملك إلى
أبد الدهور، آمين.
|
::: الرســالة ::: |
1 إِنَّ اللهَ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في الأَنْبِيَاء، مَرَّاتٍ كَثِيرَة،
وبأَنْواعٍ شَتَّى،
2 وفي آخِرِ هـذِهِ الأَيَّام، كَلَّمَنَا في الابْن، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا
لِكُلِّ شَيء. وبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِين.
3 وهُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وصُورَةُ جَوهَرِهِ، وضَابِطُ الكُلِّ بَكَلِمَةِ
قُدْرَتِهِ. فَبَعْدَمَا أَتَمَّ تَطْهِيرَ الـخَطايَا، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ
الـجَلالَةِ في الأَعَالِي،
4 فَصَارَ أَعْظَمَ مِنَ الـمَلائِكَة، بِمِقْدَارِ ما الاسْمُ الَّذي وَرِثَهُ
أَفْضَلُ مِنْ أَسْمَائِهِم.
5 فَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قَالَ اللهُ يَومًا: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا
اليَومَ وَلَدْتُكَ"؟ وقَالَ أَيْضًا: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، وهُوَ
يَكُونُ ليَ ابْنًا"؟
6 أَمَّا عِنْدَمَا يُدْخِلُ ابْنَهُ البِكْرَ إِلى العَالَمِ فَيَقُول:
"فَلْتَسْجُدْ لَهُ جَمِيعُ مَلائِكَةِ الله!".
7 وعَنِ الـمَلائِكَةِ يَقُول: "أَلصَّانِعُ مَلائِكَتَهُ أَرْوَاحًا،
وخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار".
8 أَمَّا عَنِ الابْنِ فَيَقُول: "عَرْشُكَ يَا أَلله، لِدَهْرِ الدَّهْر،
وصَولَجَانُ الاسْتِقَامَةِ صَولَجَانُ مُلْكِكَ.
9 أَحْبَبْتَ البِرَّ وأَبْغَضْتَ الإِثْم. لِذلِكَ مَسَحَكَ إِلـهُكَ، يا
أَلله، بِدُهْنِ البَهْجَةِ أَفْضَلَ مِنْ شُرَكَائِكَ".
10 ويَقُولُ أَيْضًا: "أَنتَ، يَا رَبّ، في البَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْض،
والسَّمَاوَاتُ صُنْعُ يَدَيْك.
11 هِيَ تَزُولُ وأَنْتَ تَبْقَى، وكُلُّهَا كَالثَّوبِ تَبْلَى،
12 وتَطْوِيهَا كَالرِّدَاء، وكالثَّوبِ تَتَبَدَّل، وأَنْتَ أَنْتَ وسُنُوكَ
لَنْ تَفْنَى".
13 وَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قالَ اللهُ يَومًا: "إِجْلِسْ عَن يَمِينِي
حَتَّى أَجْعَلَ أَعدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْك"؟
14 أَلَيْسُوا جَمِيعُهُم أَرْوَاحًا مُكَلَّفِينَ بِالـخِدْمَة، يُرْسَلُونَ
في خِدْمَةٍ لِلَّذِينَ سَوْفَ يَرِثُونَ الـخَلاص؟
) الرسالة إلى العبرانيّين - الفصل1 – الآيات 1 إلى 14(
|
::: تأمّل من وحي الرسالة ::: |
تبدأ رسالة عيد الميلاد كالتالي: "إِنَّ اللهَ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في
الأَنْبِيَاء، مَرَّاتٍ كَثِيرَة، وبأَنْواعٍ شَتَّى، وفي آخِرِ هـذِهِ الأَيَّام،
كَلَّمَنَا في الابْن، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيء. وبِهِ أَنْشَأَ
العَالَمِين".
إنّها تختصر كلّ شيء بالكلمة الّذي به خلق الله كلّ شيء وأرسله في ملء الزمن ليصير
جسدًا من أجلنا ومن أجل خلاصنا؛ الكلمة الّذي به كان النّور وكانت الأرض وكان
الإنسان... هو نفسه صار إنسانًا كي يتألّه الإنسان، كما أكّد أمبروسيوس أسقف
ميلانو، ملهم القدّيس أوغوسطينوس...
الكلمة الّذي كتب قصّة حبّ الله للحياة في الخلق... لخّص حبّ الله للخليقة يوم
اتّحد بها اتّحادًا كاملًا، موحّدًا لاهوته بناسوتنا وناسوتنا بلاهوته كما نرنّم في
القدّاس...
إنّه بالطبع أعظم من الملائكة الّذين كانوا ينقلون إرادة الله إلى الإنسان، لأّنه
لم يكن ناقل كلام، بل كان هو نفسه الكلمة التي تختصر هويّة الله: المحبّة...
مع يسوع، نطق الله واستبدل منطق الوحي بمنطق الخطاب المباشر... فهو استنفذ كلّ
الطرق للتعبير عن حبّه للإنسان فقرّر أن يقول له ذلك بنفسه، دون مقدّمات أو رموزٍ
أو ما شابه ذلك...
فمع الميلاد، دخل الله بنفسه إلى التاريخ بعد أن كان مشرفًا عليه... دخل ليقول
كلمته في وجه الخطيئة والضلال وليعيد للإنسان صورته البهيّة لأنّه الله المخلّص
(ألله يخلّص=يسوع) الّذي سيبقى معنا (عمّانوئيل).
لذا، نحن مدعوّون اليوم كي نسجد أمام مزود الكلمة لنصغي إلى قلبه النّابض بالمحبّة
والنّاطق بمشيئة الله لمن لهم آذانٌ مصغية وقلوبٌ مفعمة بالإيمان والرّجاء...
ونحن مدعوّون أيضًا لنحمله إلى العالم فينطق لساننا بمنطقه ويخبر عن أعماله وعن
محبّته المجّانيّة والصافية والنقيّة...
وهو، أي كلمة الله، يتوجّه اليوم من دفء مذوده إلى كلّ يائسٍ أو مرهقٍ أو حزينٍ أو
متألّم، ليصرخ قائلًا: أحبّك... ولأمثالك البشر وأقرانك النّاس أن يترجموا حبّي لك!
فهل من مجيب؟!
|
::: الانــجيل ::: |
1 وفي تِلْكَ الأَيَّام، صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أَغُوسْطُسَ قَيْصَرَ بِإِحْصَاءِ
كُلِّ الـمَعْمُورَة.
2 جَرَى هـذا الإِحْصَاءُ الأَوَّل، عِنْدَمَا كانَ كِيرينيُوسُ والِيًا على
سُورِيَّا.
3 وكانَ الـجَمِيعُ يَذهَبُون، كُلُّ واحِدٍ إِلى مَدِينَتِهِ، لِيَكْتَتِبوا
فِيهَا.
4 وَصَعِدَ يُوسُفُ أَيضًا مِنَ الـجَلِيل، مِنْ مَدينَةِ النَّاصِرَة، إِلى
اليَهُودِيَّة، إِلى مَدينَةِ دَاوُدَ الَّتي تُدْعَى بَيْتَ لَحْم، لأَنَّهُ كَانَ
مِن بَيْتِ دَاوُدَ وعَشِيرَتِهِ،
5 لِيَكْتَتِبَ مَعَ مَرْيَمَ خِطِّيبَتِهِ، وهِيَ حَامِل.
6 وفِيمَا كانَا هُنَاك، تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِد،
7 فوَلَدَتِ ابنَهَا البِكْر، وَقَمَّطَتْهُ، وأَضْجَعَتْهُ في مِذْوَد، لأَنَّهُ
لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ في قَاعَةِ الضُّيُوف.
8 وكانَ في تِلْكَ النَّاحِيَةِ رُعَاةٌ يُقِيمُونَ في الـحُقُول، ويَسْهَرُونَ في
هَجَعَاتِ اللَّيْلِ على قُطْعَانِهِم.
9 فإِذَا بِمَلاكِ الرَّبِّ قَدْ وقَفَ بِهِم، ومَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ حَولَهُم،
فَخَافُوا خَوفًا عَظِيمًا.
10 فقالَ لَـهمُ الـمَلاك: "لا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ
عَظِيمٍ يَكُونُ لِلشَّعْبِ كُلِّهِ،
11 لأَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ اليَوْمَ مُخَلِّص، هُوَ الـمَسِيحُ الرَّبّ، في
مَدِينَةِ دَاوُد.
12 وهـذِهِ عَلامَةٌ لَكُم: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا، مُضْجَعًا في مِذْوَد!".
13 وانْضَمَّ فَجْأَةً إِلى الـمَلاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الـجُنْدِ السَّمَاوِيِّ
يُسَبِّحُونَ اللهَ ويَقُولُون:
14 "أَلـمَجْدُ للهِ في العُلَى، وعَلى الأَرْضِ السَّلام، والرَّجَاءُ الصَّالِحُ
لِبَني البَشَر".
15 ولَمَّا انْصَرَفَ الـمَلائِكةُ عَنْهُم إِلى السَّمَاء، قالَ الرُّعَاةُ
بَعْضُهُم لِبَعْض: "هيَّا بِنَا، إِلى بَيْتَ لَحْم، لِنَرَى هـذَا الأَمْرَ
الَّذي حَدَث، وقَد أَعْلَمَنا بِهِ الرَّبّ".
16 وجَاؤُوا مُسْرِعِين، فوَجَدُوا مَرْيمَ ويُوسُف، والطِّفْلَ مُضْجَعًا في
الـمِذْوَد.
17 ولَمَّا رَأَوْهُ أَخبَرُوا بِالكَلامِ الَّذي قِيلَ لَهُم في شَأْنِ هـذَا
الصَّبِيّ.
18 وجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوا، تعَجَّبُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ الرُّعَاة.
19 أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ هـذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا، وتتَأَمَّلُهَا
في قَلْبِهَا.
20 ثُمَّ عَادَ الرُّعَاةُ وهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ على كُلِّ ما
سَمِعُوا ورأَوا، حَسَبَما قِيْلَ لَهُم.
) إنجيل لوقا – الفصل 2 - الآيات 1 إلى 20(
|
::: تأمّــل من وحـي الإنجيـل ::: |
مغبوطٌ هو أغوسطس ومغبوطٌ هو كيرينيوس... فقد حازا المجد كلّه يوم اقترن إسماهما
باسم من سيقسم التاريخ إلى جزئين لأنّه ربّ التاريخ وسيّد الزمان...
ولد الإله في الزمان والتاريخ ليناقض منطق الفيزياء، لأنّ من لا بداية له، أصبح له
تاريخ ميلاد، ومن لا نهاية له سيولد ليغلب الموت ويعيد للإنسان بهاء أبديّته...
مع ميلاد يسوع المسيح، انتهى بعد الإنسان عن الله...
فيوم اختار آدم وحوّاء أن يتمرّدا، اختارا أن يكونا بعيدين عن الله... ولكنّ
التجسّد كشف بأنّ الله اشتاق إلى قرب الإنسان لأنّ محبّته له لم تنضب يومًا فهو ما
فتئ يرسل إليه الملائكة والأنبياء والمرسلين حتّى ارتأى أن يكلّمه بنفسه، لاغيًا
كلّ حدود وحواجز الدين والمنطق وكاسرًا صورة الله البعيد، الغائب والغير المكترث
(إله أرسطو)... ليضحي هو الدائم القرب والدائم الحضور والدائم... الحبّ...
الله نطق كلمته بعد أن قاسى الأمرّين من نكران الإنسان وبعده وجفائه حتى أضحى
الإنسان كالزوجة الخائنة (راجع سفر هوشع)، صلواته ترداد كلمات وعواطفه لمساتٌ
خشبيّة ومحبّته شعاراتٌ واهية...
لذلك، نطق الله ليقول للإنسان بأنّ المحبّة فعلٌ قبل القول، وإيمانٌ قبل اليقين،
ورجاءٌ يعبّر عن الحنين إلى أرضٍ باقية لا خوف فيها ولا وجع ولا مرض... ولا قسوة!
نطق الله ليكون مجده لا في العلى فقط، بل أيضًا في بيته الأحبّ، قلب حبيبه الإنسان
الّذي ميّزه بصورته ومثاله (تكوين 1، 2، 3) ليكون هو المسكن الحقيقي له...
في عيد الميلاد، ننظر إلى الطفل الموضوع فيها لنرى كم أنّ إلهنا قريب وكم هو ضعيف
من جرّاء عدم محبّتنا كفايةً له والتي تؤدّي إلى نتائج خطيرة وإلى مغارة "حزينة"
يكون فيها:
1- طفل "الجفصين" بارد كقلوبنا إن لم ينبض فيها الحب!
2- يوسف ومريم "جامدون" كنفوسنا إن لم يحرّكها الحنان والتضامن مع الآخرين!
3- الرّعاة وقطعانهم "متفرّقون" على مثالنا إن لم نعي أهميّة وحدتنا في المسيح
ومعه...
4- المجوس "تائهون" كمعظمنا حين نفقد بوصلة الإيمان إن لم نحيي نفوسنا بنور المسيح
المشرق في الكتاب المقدّس وفي القربان.
5- الثور مشغولٌ بالتبن والحمار مفتونٌ بالشعير كما نكون نحن حين يصبح كلّ همّنا
بطننا وشهواتنا هذا إن لم ننتبه أنّ طعامنا الحقيقي هو أن نعمل بمشيئة من أرسلنا،
على مثال يسوع!
عيد الميلاد ينادينا لنفتح للّه صفحة جديدة في كتاب قلوبنا وعمرنا ليولد فيها لا في 25 كانون الأوّل من كلّ عام بل في كلّ آنٍ وأوانٍ وإلى الأبد، آمين!
|
::: قراءات آبائيّة لزمن الميلاد ::: |
عيد الميلاد
في ليلة المصالحة هذه، ليصرف كل إنسان عنه الغضب والحزن.
في هذه الليلة التي فيها هدأ روع الجميع،
ليته لا يكون فيها من يهدد أو يضايق!..
في ليلة الإله الواحد الحلو، ليته لا يكون فيها مرارة أو قسوة.
في ليلة الإله الوديع، لا يكون فيها متشامٍخ أو متعاٍل.
في يوم الغفران، لا نزيد فيه الأخطاء!
في يوم الفرح، لا ننشر فيه أحزان!
في يوم العذوبة، لا نكون قساة!
في يوم الراحة والسلام، لا نكون فيه غضوبين!
في اليوم الذي نزل فيه الله إلى الخطاة،
لا ينتفخ فيه الأبرار على الخطاة!
في اليوم الذي نزل فيه سيد كل أحد إلى العبيد، لينزل السادة بلطف إلى
عبيدهم!
في اليوم الذي صار فيه الإله الغني فقيرًا من أجلنا،
فليشارك الأغنياء الفقراء في موائدهم!
في اليوم الذي وهبنا فيه عطايا لم نطلبها،
فلنقدم صدقة لمن يصرخون متوسلين إلينا إحسانًا!
في اليوم الذي فيه مُهد لصلواتنا طريق في الأعالي،
لنفتح أبوابنا نحن أمام الذين أساءوا إلينا وطلبوا منا العفو!
اليوم أخذ الله الطبيعة غير التي له،
ليته لا يكون صعبًا علينا أن نغير إرادتنا الشريرة...
اليوم خُتم الطبع البشري باللاهوت،
حتى يتزين بنو البشر بطبع اللاهوت!
(من "أناشيد الميلاد" لمار أفرام السّرياني، النّشيد الأوّل)
|
::: تأمّل روحي ::: |
أنت من أنت!
"المجد لله في العلى على الأرض السلام"
وخفق قلب مريم وامتلأت المغارة بنور عهدٍ جديد، طفلاً حمِلَه مزودًا من "حطب"، كي
يُقَدَّم بعد سنينٍ على جبل ضعفنا ونكراننا... قربانًا ليفتدي الإنسان. نورٌ انبلج
من مغارة الميلاد وراح ينتشر حتّى القبر المفتح، وما عاد انطفأ. هو نور أبديّ أصبح
مرافقًا دربنا صوب الآب دومًا أبدًا.
"مريم"
هذه المرأة اللطيفة الرّقيقة الرّاقية المشاعر والأحاسيس،المصلّية في أقبية الهيكل،
خربطت نظام الحياة المفروض من الملوك والأباطرةِ يوم ناداها الرّب ليزفّ لها بشرى
الخلاص بحملها الإلهي. لقد حملت لنا التاريخ برمّته، منذ العهد القديم حتى انبثاق
العهد الجديد: لقد غاصت في حبّ الله وأبحرت في التأمّل بكلامه إلى أن أضحت تلك
الأذن الصاغية لهمساته، والقلب الخافق بصمت والمنتبه لمشروعه، وصخرة الإيمان الحيّ
بتحقيق الوعد، فتحقّق من خلالها.
لقد كانت تتأمّل كلّ ما يحدث في قلبها، مَكان الفكر العميق الّذي لا يقبل الخطأ،
ويرفض الخطيئة والشّر والغضب...
"وكم من مرّةٍ خفق هذا القلب الجميل !"
كم خفق لما سمعته من فم الله! ولما تأمّلته في أعماقها!...
في ذلك اليوم، يوم ميلاد يسوع، لكم تحرّكت أحشاؤها لملامسة وجه ابن الله، طفلها،
ولتحلّق الرعاة حولها وهم يمجّدون الله على ما سمعوا وما رأوا، كاشقين عن سرّ رجاءٍ
لطالما انتظروه، ألا وهو حلول الفرح والسّلام على الأرض والخلاص لكلّ بني البشر.
إنّه خفقان قلب المؤمن، الوجه الحقيقي للإنسان الّذي يحفظ، يتأمّل ويعمل بصمتٍ
بكلمةِ الله. إنّه خفقان قلب المؤمن الّذي ي في كلّ مفصلٍ من مفاصل حياته، ثمرةٍ من
ثمار البرّ والخير.
"الرّعاة"
لم يستطيعوا الإنتظار لفرحهم ببشرى السلام، فتأهّبوا و"جاؤوا مسرعين، ولمّا رأوه،
أخبروا بالكلام الّذي قيل لهم عن الصبّي". لقد أدركوا أهمّية الذّهاب إلى المولود
متشّوقين للقياه، كالعريس الّذي ينتظر سنواتٍ على خطوبته بشوفٍ لليوم الكبير، يوم
الزفاف، يوم انضمامه إلى الحبيب تحت سقفٍ واحد.
لقد "جاؤوا مسرعين" وعادوا مهلّلين للوعد الّذي قد تمّ. مع زيارتهم ليسوع كانوا من
أوائل من اجتاز العتبة ودخل البيت الجديد مع مريم ويوسف. كانوا من أوائل المبشّرين
بحلول السلام والخلاص. من التنقّل في مراعي الجبال وهدوئها الحذر خوفً من الذئاب
الغادرة، إلى الإنطلاق بثقةٍ وفرح "في مراعي الرّب الخصيبة" حيث لم يعد يعوزهم شيء.
لقد جاؤوا ليشهدوا الحدث فبشّروا به، ممّا جعلهم قادرين على رؤية ما هو أسمى من
الحاضر الملموس، ما قد يملأهم بالفرح والسلام فيطمئنّوا وتخفق قلوبهم هم أيضًا.
تخفق لتلك القدرة الّتي لا تقاوم فيشعرون باندفاعٍ للمضيّ إلى أبعد من حدود حياتهم
المعهودة، واثقين آنّ هناك ما هو أكثر حقيقة. أنّ هناك "قدرة عليّة سوف تظلّلهم"
فيتخطّوا وساوهم ومخاوفهم من المجهول.
"وأنت، من أنت أيّها الميلاد؟"
أنت نداءٌ إلى الحياة، حياة الكلمة في كلٍّ منّا بشخصه مهما كانت انتماءاته،
وصعوباته أو أفكاره وعمره. أنت نداءٌ إلى تخطّي عتبة اليأس والخوف، للدخول إلى بيت
الرّجاء والفرح والخلاص. أنت التأمل بصمتٍ كمريم، في الفلب. باختصار أنت الله
بكلّيته الّذي يجعل قلبك يخفق بفرح.
وكلّ ميلاد وأنتم بألف خير!
|
::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
1- نصلّي من أجل الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار بينيديكتوس السادس عشر بابا
روما ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكي، وأبينا الكاردينال مار نصرالله بطرس، ومار
جورج مطراننا مع سائر الأساقفة والكهنة والمُكَرّسين على اسمك القدّوس، كَي يعيشوا
المسيح الكلمة، يختبروا فعاليَّتَه في حياتِهم، فيُخبروا عنه على ضَوءِ خبرتِهم
للعالم كلِّه، نسألك يا رب.
2- ما مِن أحدٍ يُقال له أبّ إن لم يكن لدَيه ابن، واليوم بِوِلادة المسيح،
تعرَّفنا على أُبُوَّتِك أيّها الله الآب، أعطنا أن نفهمَ أكثرَ فأكثر معنى هذه
الأبوَّة، ونتصرَّف أكثر فأكثر كأبناءٍ لك، نسألك يا رب.
3- ولادة المسيح هي فرحٌ عظيم للشعبِ كلِّه؛ أعطنا ألاّ يمرَّ هذا العيد كَيومٍ
آخَر من أيّامِ حياتنا العاديّة، بل أن نعيشه بالفرح والسلام، نسألك يا رب.
4- من أجل كلِّ الأطفال المُقَمَّطة في المستشفيات، أعطهم الشفاء ولأهلهم الصبر
والإيمان، لأنّه ما مِن مستحيلٍ عندك، نسألك يا رب.
نذكر جميع المُنتقلين من هذه الحياة، استقبلهم في ديارك للحياة الأبديّة، غافراً
خطايانا وخطاياهم.
صلاة شكر للقدّاس
أخيرًا أتى "اليوم" المُنتَظر، يوم ولادة المُخَلِّص،
نشكرك على هذا "اليوم" الّذي فيه تمَّ كلُّ شيء،
نشكرك على هذا اليوم الّذي فيه قلتَ كلَّ ما عندك، بِلَفظك الكلمة : "يسوع"،
نشكرك على الخبز والخمر، جسد ودم الكلمة،
نشكرك لأنّك دَومًا تُزيل الخوفَ من قلوبنا لِتَبعَثُ فينا الفرح والسلام،
نشكرك من كلِّ قلوبنا وأفواهنا وعقولنا، لأنَّك تهتمُّ دَومًا بِخلاصنا، ولأنّك منذ
البدء أحببتنا،لك كلّ الشكر والمجد والإكرام أيّها الآب والابن والروح القدس، إله
واحد، آمين.
|
المقدّمة، الصلاة،أفكار من وحي الرّسالة، وأفكار من وحي الإنجيل من إعداد
الخوري نسيم قسطون
قراءات آبائيّة لزمن الميلاد
التأمّل الروحي من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
نوايا وصلاة شكر للقدّاس |