Email: elie@kobayat.org

back to 

أَحَد البيان ليوسف

 (16/12/2007)

 

صلاة

يا ربّ، نَشكُرُكَ على كُلِّ عائلاتِنا التي تسعى في حياتها لعَيشِ روحِ البَرارةِ والتَضامُن، على مِثالِ عائلَةِ النَّاصِرَة. وَنشكُرُكَ لأَنَّكَ لا تَترُكُنا أَسرى لِلشُّكُوكِ، بَل تَكْشُفُ لَنا سِرَّ تَدبيرِكَ. لِيَكُن روحُكَ،يا ربّ، مُرشِداً لنا فَنَلتقيَ ونَتَصارَح وَنَتَصالَح وَنُحَقِّقَ مَشِيئَتَكَ في حياتِنا، يا ربّنا وإلَهَنا، لَكَ المَجْدُ إلى الأبَد، آمين.

 

سؤال لفحص الضمير

 امتلأَ يوسُف مِن الشكوك وعاش الكَثيرَ مِنَ الأَلَم لمّا عَلِمَ أنَّ خَطيبتَهُ حُبلى، قَبلَ أَن يَتساكنا، إلى أَن كَشَفَ مَلاكُ الرَّبِ الحَقيقَة.

كَم وكَم مِنَ الأَفكارِ المُسبَقَة، تَدفَعُني للابتِعادِ عَنِ فُلان أَو لِمُقاطَعَةِ فَلان، فيما الحَقيقَةُ بَعيدَةٌ عمّا ظَنَنتُهُ أَو قَرَّرتُهُ ؟

 

الرّسالة

لِذَلِكَ، أَنا، بولُس، أسيرَ يسوع المَسيح لأَجلِكُم أيُّها الأُمَم، إن كُنتُم سَمِعتُم بِتَدبيرِ نِعمَةِ اللهِ الَّتي وُهِبَت لي فيكُم، فَإِنَّهُ بالوَحيِ كُشِفَت لي مَعرِفَةُ السِرِّ، كما كَتَبتُ إلَيكُم بِإيجازٍ، لِتَستطيعوا، إذا قَرأتُم، أَن تَفهَموا مَعرِفَتي بِسرِّ المَسيح، ذاكَ الَّذي لَم يُعرَف عِندَ النّاس، في الأَجيالِ الأُخَر، كما ظَهَرَ الآنَ بالرُّوحِ لِرُسُلِهِ القِدِّيسين، وَلِأَنبِيائِهِ، لِتَكونَ الأُمَمُ مِن ذَوي ميراثِهِ، وَشُرَكاءَ في جَسَدِهِ، وَفي الوَعدِ الَّذي أُعطِيَ بِهِ بالإِنجيل، الَّذي صِرتُ أنا خادِمَهُ، بِحَسَبِ مَوهِبَةِ نِعمَةِ اللهِ الَّتي وُهِبَت لي بِفِعلِ قُوَّتِهِ، ليَ أنا أَصغَرَ القِدِّيسين جَميعاً، وُهِبَت هَذِه النِّعمَةُ لِكَي أُبَشِّرَ في الأُمَم، بِغِنى المَسيحِ الَّذي لا يُدرَكُ غَورُهُ، وَاُوضِحَ لِكُلِّ أَحَدٍ، ما هُوَ تَدبيرُ السِرِّ الَّذي كانَ مُنذُ الدُّهور مَكتوماً في اللهِ، خالِقِ الكُلّ.

لِيَعرِف الرُّؤَساءُ والسَلاطينُ في السَّماء، على يَدِ الكَنيسَةِ، حِكمَةَ اللهِ المُتَمَيِّزَةَ الوُجوه، تِلكَ الَّتي أَعدَّها مُنذُ الدُّهور، والّتي صَنَعَها بِيَسوعَ المَسيحِ رَبِّنا، الَّذي بِواسِطَتِهِ، وَبِثَقَةِ الإيمانِ بِهِ، لنا القُربُ والدالّة.

لِهَذا أنا أَسأَلُ اللهَ أَن لا أَضجَرَ في شَدائِدي الَّتي أُعانيها لِأَجلِكُم، لأِنَّها مَجدٌ لَكُم.   (أف 3 : 1 - 13)

 

الإنجيل

أمّا ميلادُ يَسوعَ المَسيح فكانَ هذا : لمّا خُطِبَت مريَم أُمُّهُ على يوسُف، وَقَبلَ أَن يَتَساكَنا، وُجِدَت حُبلى مِنَ الرُّوحِ القُدُس. أَمّا يوسف بَعلُها، فَكانَ بارّاً، وَلَم يُرِد أَن يَشهَرَها، فَفَكَّرَ أَن يُطَلِّقَها سرّاً. وما إن فَكَّرَ في هذا، حتّى ظَهَرَ لَهُ ملاكُ الرّب في الحُلمِ وقالَ لَهُ :

"يا يوسف ابنَ داود، لا تَخَف أَن تَأخُذَ مَريمَ امرأَتَكَ، لأنَّ الّذي وُلِدَ فيها هُوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، فَسَتَلِدُ ابناً وتَدعو اسمَهُ يسوع، لأنَّهُ يُحيِي شَعبَهُ مِن خَطاياهُم".

هَذا كُلُّهُ كانَ لِيَتِمَّ ما قالَهُ الرّبُ بالنَّبي : "ها هِيَ العَذراءُ تَحبَلُ وتَلِدُ ابناً، وَيُدعى اسمُهُ عمانوئيل، المُتَرجَمُ : إِلَهُنا مَعَنا".

وَلَمّا نَهَضَ يوسف مِن نَومِهِ، فَعَلَ كما أَمَرَهُ ملاكُ الرَّب، فَأَخَذَ امرأَتَهُ، وَلَم يَعرِفها، فَوَلَدَت ابنَهُ البِكر، وَدَعَت اسمَهُ يَسوع.   (مت 1: 18-25)

 

فهم الإنجيل

+ كانَتِ الخُطبَةُ عِندَ اليَهودِ مَرحَلَةً تَعيشُ فِيها المَخطُوبَةُ في بَيتِ وَالِدَيها دُونَ التَّعاطي مَعَ خَطِيبِها تَعاطِياً زَوجِيّاً (مِن هُنا حَيرَةُ يوسُف)؛ غَيرَ أَنَّ الخُطبَةَ كانَت ارتِباطاً شَرعِيّاً لا يَحُلُّهُ إلّا طَلاقٌ شَرعِيٌ.

+  "ملاك الربّ" كَلِمَةٌ تَختَلِفُ عَن كَلِمَةِ مَلاك أَو أَحَدِ المَلائِكَة، مُنذُ العَهدِ القَديم، لأَنَّها تَعني تَدَخُّلَ اللهِ المُباشَر في حَياةِ البَشَر، كَما فَعَل هُنا مَعَ يُوسف حِينَ انتَدَبَهُ ليَكونَ أَباً "شَرعِيّاً" لِيَسوع بالتَبَنِّي كَما كانَت مَريم أُمُّهُ بِالطَبِيعَة.

 

عيش الإنجيل

تَحفَلُ حياتُنا بالمَواقِفِ الّتي يَصعُبُ مَعَها أَخذُ القرارات. وَمَعَ كُلِّ مَوقِفٍ مِنها يَمُرُّ المَرءُ منّا في مَرحَلَةٍ مِن عَدَمِ الاستِقرار، تَكثُرُ فيها الحَيرَةُ والشَكُّ وحتّى الَخوفُ، إلى أَن تَنجَلِيَ "الغَيمَةُ" مَعَ وِلادَةِ الجوابِ أَو القَرارِ المُناسِب. وَلَكِن، على طريقِ القَرار، نَستَشيرُ مَن نراهُم أَخبَرَ مِنّا، مِن أهلٍ أَو رِفاقٍ أَو حتّى خُبَراء.

وَلَكِنَّ هَذا الإِنجيل يَضَعُنا أَمامَ سُؤالٍ كبير : ما هُوَ دَورُ اللهِ في قَراراتي الشَخصِيَّة وَالعَمَلِيَّة ؟ أَو بِالأَحرى هَل أَترُكُ لَهُ دَوراً ؟ وإذا كانَ لَهُ مِن دَور، هَل هُوَ الدَّورُ الّذي يَجِبُ أَن يَكونَ لَهُ؟

بَعضُنا لا يَترُكُ للهِ دورا،ً فتُولَدُ قراراتُهُ كُلُّها وَليدَةَ قَناعاتِهِ أَو مَصالِحِهِ الخاصَّة. وَرُبَمّا يَكونُ هَذا حَسَنا؛ُ وُلَكِنَّ خُطُورَتَهُ تَكمُنُ، مِن جِهَةٍ، في التَوَصُّلِ إِلى بَعضِ القَراراتِ المُخالِفَةِ للضَّميرِ أَوِ للقِيَمِ الأَدَبِيَّة ، أَو مِن جِهَةٍ أُخرى، في اتِّخاذِ قَراراتٍ سَطحِيَّةٍ لا تَدخُلُ إِلى العُمق (مَثَلاً : الاستعداد العَمَليّ للزواج أو للعِماد مَعَ إِهمال النّاحِيَةِ الرُّوحِيَّة).  

وَبَعضُنا الآخَر يُحَجِّمُ اللهَ إلى القِياسِ الّذي يُريدُهُ هُوَ فيَحُدُّ الله في ناحيَةٍ مُعَيَّنَة تارِكاً لنَفسِهِ باقي النّواحي الّتي يُدَبِّرُها بِ"شطارَتِهِ" أَو بأَساليبِهِ الّتي قَد تَكونُ مُلتوِيَةً أُو غَيرَ حَكيمَة (كالسائِق الّذي يُبالِغُ في السُرعَةِ مُدَّعِيّاً عَدَمَ الخَوفِ مِنَ الحَوادِثِ لاتِّكالِهِ عَلى الله).

مِن أيَّةٍ فِئَةٍ نَحنُ ؟

لِنَسأَل اللهَ ليُنيرَ عُقُولَنا وقُلوبِنا، فَنَعمَل في حياتِنا ما يُرضي مَشيئَتَهُ،آمين.

 

الخوري نسيم قسطون

ميلاد 2007