أنت موطني


هجرتُ أرضي يومِ قُذِفتُ إلى العالم وشَرَدْتُ بين لصّ اليمين وذات الشمال قبل أن يُصلبا وأردتُ تحقيق ذاتي بقوة شهوتي ورغبات الدنيا .
ألبستُ جسدي أزياء الغنى والترف ، وتبرّجتُ بألوان الفساد والرزيلة ، أمّا عنقي فقد أثقلته بقلاداتٍ شتّى من الرضوخ للشر وقيّدتُ معصمي بسلاسل التبَعيّة والأستزلام.
باختصار، أطبقتُ على قيامتي بحجر ٍ ثقيل يصعب دحرجته، ودفنتها..... ألفُ آهٍ على نفسي !... من يدحرج حجري عن قيامتي وأنا من صلبتك ودفنتك ببغضي وعصياني، بتنكّري لحبّك اللامحدود؟ من يدحرج تحجُّري القاتل وبهتاني بصلاحك؟ من يزيح الحجرعن قبر ِ يأسي وحزني، فشلي واستسلامي لمعاصيَّ؟ لقد أصبحتُ بذاتي حجرا ً يَرمي المُحِبَّ فيجرح فؤاده ، يسحقه أو يُدميه. صرتُ حجراً ال"أنا" الذي يشتري بالنفوذ والمال ، بالسلطة أو الترغيب ، كلّ ما يشتهيه. أضْحَتِ السعادة حلماً ضائعاً ،أُزَيّفه بضحكاتٍ رنّانة ضاع فيها الفرح واضْمَحَلّتِ الحياة. وفي غمرة ندامتي، قرَعَتْ أجراسُ ليل ِالقيامة فََتسلّلت دمعة خجولة من مُقلتي "مُطَيّبَة ً" خاطر وَجْنَتاي .... وللوقت سمعتك تناديني ... ارْتعَدْتُ: إنّه صوتٌ أعرف نبرته، سمعته يوم غُطّستُ في جرن العماد! إرتجفتْ أوصالي لشدّة خزيي من ذاتي أمام دفىء الكلمات وحنان الهمسات : فما كنتُ أومن بأنّه مُجيب:
- " يا بنيّ، أتثق بي ؟ أسمعك تتساءل ، وهل نسيت أنّ الحجر الذي وقف بيني وبينك ، بين السماء والأرض قد دُحْرجَ لتكون لك الحياة ؟
لما أنت حزين ومسلوب الإرادة؟ لما تخلّيت عن الشجاعة والتحدّي في عالمك؟ هل استسلمت إلى وَهْم ِالمادة وسجَنْتَ روحك في قبر "الموت"؟ أراك تلوم "أنا كَ" ولا تعجنها مع التواضع لتصبح
"أنا هم" متحرّراً من قوقعتك ، صائراً ساحة نورٍ وحبّ مفتوحة على الحياة معي،أم أنّ ذلك أضحى "موضة" أكل الدهرعليها وشرب؟
ألا تؤمن أنك ابن الملك،إبن الحبّ والحب لايموت؟ ألا تؤمن بأنّي صالحتك مع الآب كي تعود إلى أرضك السماوية؟ أتنكر أنّي غسلتُ خطيئتك بدمي وغفرت لك انتقامك وبغضك لخيري ؟
ثقْ بي يا ولدي الحبيب وانظر إلى القبر ، فهو فارغ. مُدّ يدك واشبكها بيدي لاتخف ،فمعي سوف تزحزح الحجر خطوة ً خطوة وتبدا ببنيان أبَديّتك منذ الآن في كلّ مرّة تتخطّى فيها ذاتك كي تحبّ .
تشجّع وقم ، فاليوم قد افتديتك وسألدك من جديد لأعيدك إلى الموطن المقدّس.

عندها خررتُ على الأرض مصلّيا ً :
لقد آمنتُ ربّي فزدني حباً بك، وهاك يداي انتشلني ، ردّني إلى موطني ، ردّني إليك، فأنت الأرض التي منها نبتُّ وأنت الروح الذي يُحيي كياني . أنت الكلمة التي أتتني بكلّ الحبّ كي تُريني من وكم أنا ثمينٌ في عينيك إلهي.
أحبّك إلى الأبد.

 

26 آذار 2008

جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

Ref: Jamileh Daher Moussa