Email: elie@kobayat.org back to Patriarch's Visit

حول زيارة البطريرك صفير في 16 أيار 2010...

:: الاب نسيم قسطون ::

 

تحيّة وألف تحيّة لكلّ من "ذرف" العرق وأنهكه التعب يوم الأحد 16 أيار 2010 وقبله وبعده، وشكراً لكلّ من لم ينتظر دعوةً أو استجداءً ليعمل.

تحيّةً لكم جميعاً، خاصّةً أيّها الشباب والصبايا،  يا من استطعتم أن تغطّوا نقص العدد والعتاد، وغلبتم ضيق الوقت وحماوة الطقس واحمرار العيون والنّفوس...

وهنيئاً لكم لأنّكم، وبروح الطفولة المتحمّسة والمندفعة، قمتم "باللحم الحيّ" بالعظائم فمن سألوا: "هل كان هؤلاء الأولاد من نظّموا؟" قصدوا طبعاً التعبير عن اندهاشهم أمام عظمة ما قمتم به وفي عمق نفوسهم تذكّروا أطفال أورشليم يوم استقبلوا الربّ يسوع بينما كان كبار لفرّيسيين والكتبة قابعين في ظلمة بيوتهم، خائفين وخانعين...

عام 1998، كنّا في عداد من شاركوا في استقبال غبطة أبينا البطريرك، في أثناء زيارته الأولى للقبيات والتي دامت حوالي الساعة والنصف، منذ أن وصل وحتى غادر بعد إقامة الذبيحة الإلهيّة في باحة كنيسة سيّدة الغسّالة العجائبيّة...

يومها استقبلناه في الساحة ورافقه قسمٌ من الناس إلى مدخل حيّ السيدة، من جهة الأوتوستراد، ومنهم من تابع المسيرة فشارك في القدّاس ومعظمهم اكتفى بالتصفيق والهتاف في السّاحة التي جمعت آنذاك أهل القبيّات وعندقت وبلدات وقرى عكار المسيحيّة وغير المسيحيّة...

نعم احتشد النّاس واستقبلوه استقبالاً شعبيّاً كبيراً، كزعيمٍ دينيّ ودنيويّ في آن، مثّل بالنسبة إليهم، في ذلك الحين، خشبة الخلاص الوحيدة، وقد كان معظم زعماء وقادة اليوم مغيّبين أو غائبين أو في مقلبٍ آخر...

لهذا، كثرٌ من سألوا قبل زيارة 16 أيّار 2010 وبعدها، لمَ لم ينظّم استقبالٌ شعبيّ وجماهيريّ؟

الجواب سهلٌ جدّاً: ما كان مطلوباً في 1998 لم يعد كذلك في 2010!

ففي العام 1998 كان الوقت أقصر والمحطّة واحدة أمّا في 2010 فانظروا ما حصل:

1-   حرص البطريرك على تأكيد مفهوم العيش المشترك، وهو أساسيّ في الميثاق اللبنانيّ وفي الدستور اللبنانيّ... من خلال استقباله لمفتي طرابلس في دار المطرانيّة في طرابلس ومن خلال ردّ الزيارة مباشرةً، وفي اليوم نفسه، لدار الإفتاء في حلبا، في مركز محافظةٍ عكّار التي "حُبِلَ" بها في القانون دون أن تولدَ بعد على أرض الواقع... بينما في 1998 كانت الزيارة لتشجيع المسيحييّن "المحبطين" في ذلك الزمان...

2-  حرص أيضاً على تأكيد الروح المسكونيّة، عبر لقائه ممثّل غبطة بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الأورثوذوكس اغناطيوس الرابع هزيم، المطران باسيليوس منصور، في منزل دولة الرئيس عصام فارس، وقد شاء أن يخصّصه ببركته، نظراً لما قام به من خدماتٍ إنمائيّة، ومنها خصوصاً ربط المناطق ببعضها وتحسين شبكة الطرقات فيما بينها، فضلاً عن مشروع بناء أوّل جامعة في عكّار... ولمن يرغب في أن تشمله زيارة مستقبليّة بإذن الله، فما عليه سوى المبادرة للقيام بمشاريع مشابهة... أو أكثر...

3-  ردّ الأب البطريرك الزيارة لأبنائه الّذين احتشدوا في القبيات في العام 1998، كلّ في بيته وداره وضيعته وبلدته، فمرّ في حلبا والقنطرة وبقرزلا وقرب السفينة والهدّ في 2010 ولم يكبّدهم، هذه المرّة عناء التنقّل والانتظار، عكس ما كان متوقّعاً نظراً لسنّه، فابن التسعين عاماً فضّل تحمّل أعباء نهارٍ طويلٍ ومنهك، على تحميلها لهم...

4-  بلسم جراح من تهجّروا وعانوا من آثار الحرب فشدّ على أيدي أبناء دير جنّين وبيت ملات، وقد فرغت ضياعهم من شبابها لتقتصر على شيبها... ليشدّد أمام من رافقوه، من رجال أعمالٍ وأصحاب مناصب، على ضرورة توجيه قسمٍ من قدراتهم نحو هذه المناطق المصنّفة سياسيّاً "محرومةً" و"نائيةً".

5-  بارك، في السنة اليوبيليّة بمناسبة مرور 1600 سنة على وفاة مار مارون في 410م، مشروع بناء كنيسة مار مارون، الوحيدة على اسمه، في عكّار وصولاً إلى طرابلس، في عندقت التي انتظرت، هذه السنة، وهي مجتمعة بشبابها وشيبها، الأب البطريرك الآتي ليردّ زيارة من لاقوه سيراً على الأقدام إلى ساحة القبيات في 1998.

6-  التفت أيضاً إلى المسنّين في دار المحبّة، في عندقت، فزارهم في أسرّتهم، في حين يبخل عليهم، أحياناً، أقرب الأقرباء، وهم أصغر سنّاً وأكثر شباباً، بلفتة محبّة أو زيارة... وهو شاء أن يشدّ على يد كاريتاس لبنان التي ما زالت مقصد كلّ فقيرٍ ومحتاجٍ ومحروم...

لهذه الأسباب مجتمعة، ظنّ من ظنّ أنّ استقبال البطريرك في القبيات لم يكن جماهيريّاً... ففي 1998 كان مجموع الوافدين مؤلّفاً من أهل كلّ المناطق التي ذكرنا بينما في 2010، لم يكن هدف الزيارة استقطاب المؤمنين، بل إظهار واقع كلّ منطقة على حقيقته، لتبيان حاجاتها وآلامها...

ولمن خانته الذاكرة، لم يبلغ عدد الّذين اشتركوا في الذبيحة الإلهيّة الألف في 1998، بعد أن اكتفى القسم الأكبر بالهتاف والتصفيق في الساحة...

أمّا في 2010، فقد تخطّى العدد 1300 جلّهم من أبناء القبيّات، حتّى في الصفوف الأماميّة، ولمن لا يريد أن يصدّق، اسألوا المنظّمين كم عانوا في سبيل الحفاظ على المقاعد المخصّصة للمدعويّن الرسميّين والزوّار، وقد تسابق إليها من تسابق، متناسين أنّ "من وضع نفسه رُفع ومن رفع نفسه وُضع" (لوقا18/14)!

في 1998، كان الهدف لقاء الأب مع الأبناء للمرّة الأولى في تاريخ البطريركيّة المارونيّة، على مستوى منطقة عكّار. أمّا في 2010، فالأبناء ونظراً لكلّ ما مرّ ويمرّ، في الاقتصاد والسياسىة و...، كانوا بحاجة إلى ما يثبّت الرّجاء بعد أن أعادت الزيارة الأولى الأمل في 1998.

من هنا، ولمن حصر همّه بعدد المشاركين وبنوعيّة الزينة و... بباقي القشور، فلنتنبّه إلى أنّ زيارة القبيات حملت في طيّاتها الأبعاد التالية:

1-  البعد الرّوحيّ: في 1998 كرّس البطريرك بحضوره وبركته أكبر كنائس القبيات التي حضنت وما زالت تحتضن أكبر مناسبات المنطقة ولكنّه احتفل في الباحة يومها ليؤكّد على ضرورة الرّجاء وعدم الخوف... أمّا في 2010 فانتفت أسباب الخوف وأصبحت الأولويّة للعودة إلى قلب الكنيسة وتعاليمها التي أهملها العديد من أبنائها، نظراً لانشغالاتهم الماديّة أو السياسيّة... ففي الكنيسة ومعها تتحقّق دعوتنا لنكون "سفراء المسيح" (2كور5/20)، وهو ما أهملناه بعد أن أصبحنا سفراء هذا الحزب أو اللون أو الشّعار... فأتى البطريرك ليجمعنا بعد كلّ ما فرقّنا ورغم أنف ما قد يفرّقنا...

2-  البعد الراعويّ: في 1998 أتى البطريرك كأبٍ ليحضن أبناءه الخائفين والمحبطين... أما في 2010 فوضع في أرض القبيات حجر الأساس لمقرّ أسقفيّ تابع لمطرانيّة طرابلس المارونيّة، في خطوةٍ مهمّة تثبّت الحضور المسيحي في المنطقة وانطلاقاً منها وفق مقولة كنسيّةٍ قديمة: "حيث يكون الأسقف فهناك تكون الكنيسة"، أي جماعة المؤمنين... ولمن يسأل: "وماذا ستنفعنا؟" الجواب هو: "إن غداً لناظره قريبُ"...

3-  البعد الإنمائي: في 1998، زار البطريرك المستشفى، التي كانت في أوّل عهدها بالمساهمة في تخفيف أوجاع وآلام المرضى... أمّا في 2010 فقد بارك البطريرك فرع شركة Soft Solutions التي تطمح إلى تأمين وظائف ل 180 شخصاً، وهي، كما نرجو، الباكورة في المشاريع الاستثماريّة الكبرى في منطقةٍ تزخر بالطاقات الشابّة... وللملاحظة فقط نسأل المتموّلين من القبيات أن ينكبّوا على التفكير حول دعوتهم إلى الاستثمار في أرضهم على المستوى الاقتصاديّ وفي الطاقات المحليّة، على المستوى الإنسانيّ!

4-  البعد التاريخيّ: في زيارته لدير الآباء الكرمليّين في 2010 بعدان لا يجدر بنا إغفالهما: الأوّل رمزيّ من حيث تقدير الدور الّذي لعبه الدير وما زال كمركزٍ روحيّ وتثقيفيّ وعلميّ، بهمّة رهبانه الأفاضل... أمّا الثاني فواقعيّ يدعونا جميعاً، إكليروساً وعلمانيين في القبيات، إلى إعادة اكتشاف هويّتنا المارونيّة وجمال طقوسها وعمق تاريخها... وقد أهملناها لردحٍ من الزمن حتى بات قسمٌ كبيرٌ من أبناء القبيات لا يفهم من المارونيّة سوى بعدها السياسيّ أو الوطنيّ، على حساب أبعادها الروحية والطقسيّة والثقافيّة...

وقد يخطر لبعضهم السؤال: ألم يكن بالإمكان دمج الشعبيّ بالروحيّ؟

الجواب سهلٌ انطلاقاً من البرنامج. فزيارة البطريرك هي الثانية إلى القبيات ولكنّها الأولى إلى معظم المحطّات الأخرى، لذا ارتأينا أن نترك لهم فرصة التعبير عن محبّتهم، كلّ بأسلوبه، آخذين على عاتقنا خاصّةً تأمين الشقّ الرّوحيّ إذ تكفّلنا بإعداد خدمة لائقة رغم صعوبات البروتوكول داخل الكنيسة والتي اتكلنا فيها على وعي الأشخاص لأهميّة الحدث على حساب المقعد أو الصفّ أو المنصب!!!... وتحدّينا ذواتنا عبر الجوقة المؤلّفة من أصوات صبايا وشباب ونساء ورجال من المنطقة برهنوا صدق المثل الفرنسيّ القائل: "Qui veut peut" (من يُرِد يقدرْ).

ولقد فات البعض، كما يبدو، أنّ "فعل الخير لا يحتاج إلى مشورة" كما يقول المثل الشعبيّ. وقد كثر المعاتبون نظراً لهذا السبب أو سواه، لأنّهم لم ينظروا إلى مجمل الحدث بل ركّزوا على هذه المحطّة أو تلك... وهنا لا بدّ من الخروج من المنطق "القبياتي" الصرف لنفرح مع ابن دير جنين أو بيت ملات أو بقرزلا الّذي غالباً ما يكبر فينا بينما لا نفكّر نحن طول الوقت فيه...

ولمن لمن يقتنع نورد الاقتراح التالي: جهّز نفسك وشمّر عن سواعدك لأنّ ما حصل لم يكن إلّا البداية!

ومن شعر بأنّ ما حصل لم يكن كافياً، عليه أن يصلّي ليفهم ما سيلي:

1-  زغرودة وموّال للبطريرك من امرأة مسنّة من قرية مارونية (عدد المقيمين الدائمين فيها 20 نسمة ) أبهى جمالاً من ألف قوس نصر...

2-  دمعة الفرح في عين مسنّ في دار المحبّة أكثر لمعاناً من كلّ دروع الذهب...

3-  رائحة عرق الشباب والصبايا المجبولة بمحبّتهم ومجّانيّة العطاء، أثمن من أغلى العطور الباريسيّة...

4-  تحلّق المؤمنين، داخل الكنيسة، حول البطريرك، في الإفخارستيا أهمّ من آلاف المهرجانات... فهنا لا يخرج "خاوي الوفاض" إلا من أصمّ آذنيه عن سماع كلام الإنجيل وتعليم الكنيسة وأقفل قلبه أمام نعمة كنز النفوس، القربان المقدّس...

ولمن لم يقتنع بعد، فليخشع أمام جهود من تعبوا...

أمّا لمن تعبوا، فنقول لهم : تأمّلوا في صليب يسوع المسيح واعتبروا فهو خشبةٌ فارغة ورمزُ عذاب لغير المؤمن... أمّا للمؤمن فهو سرّ الحياة إذ يذكّره بأنّ الألم والنكران والخيانة محطّاتٌ خافتة في مسيرة من ابتغى نور القيامة!

ومن له أذنان سامعتان فليسمع...

:: الاب نسيم قسطون ::

Email: elie@kobayat.org back to Patriarch's Visit